وقال الهيثم بن عدي: لما انفرد سفيان بن عيينة، ومات نظراؤه من العلماء، تكاثر الناس عليه يسألونه، فأنشأ يقول:
خلت الديار، فسدت غير مسود ومن الشقاء تفردي بالسؤود
وقال بعض الرؤساء لأبي العيناء: أبا العيناء، لو مت لرقص الناس طربًا وسرورًا، فقال بديهًا:
أردت مذمتي، فأجدت مدحي بحمد الله ذلك، لا بحمدك
فلا تك واثقًا أبدًا بعمد فقد يأتي القضاء بضد عمدك
أجل، الناس قد ذهبوا، فلو رآني الموتى لطربوا، فما زالوا يغبطونكم بي ويرحموني بكم.
وقيل لأبي العيناء: إن جماعة الكتاب يلومونك، فأنشد:
إذا رضيت عني كرام عشيرتي فلا زال غضبانًا علي لئامها
وقال له يومًا عبد الله بن سليمان: اعذرني؛ فإني مشغول، فقال له: إذا فرغت لم نحتج إليك:
فلا تعتذر بالشغل عنا؛ فإنما تناط بك الآمال، ما اتصل الشغل
وقيل له: الناس مع أبي علي البصير عليك، وهم إليه أميل، فقال:
سقيتهم الردى، لما رموني فقالوا: أبغضوك، فقلت: أدري
كبغض بني قريش في علي ولا ذنب سوى أحد، وبدر
وأتي العريان بن الهيثم بغلام سكران. فقال له: ابن من أنت؟ فقال:
أنا ابن الذي لا تنزل الدهر
قدره
وإن نزلت يومًا فسوف تعود
فظن أنه ابن أحد الأشراف، فخلى سبيله، فكشف الغيب أنه ابن فوال.
وسئل ابن شبرمة عن إنشاد الشعر، هل ينقض الوضوء أم لا؟ فأنشد:
يا صلح إن فتاة كنت أعشقها عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول
ثم قام فصلى.
ووجد المنصور على كاتب له، فأمر بإحضاره، ودعا بالسياط، فقال: يا أمير المؤمنين:
ونحن الكاتبون، وقد أسأنا فهبنا للكرام الكاتبينا
فضحك منه وعفا عنه.
وأبطأ عبد الله بن يحيى عن الديوان، فأرسل إليه المتوكل يستفهمه عن حاله، فكتب إليه:
عليل من مكانين من الإفلاس والدين
ففي هذين لي شغل وحسبي شغل هذين
وقال الأصمعي: رأيت أعرابيًا يضاجر أخاه، فقال له أخوه: والله لأهجونك، فقال: فكيف تهجوني وأبي أبك، وأمي أمك؟ قال: اسمع ما أقول:
لئيم أتاه اللؤم من ذات نفسه ولم يأته من إرث أم ولا أب
[ ٢٤ ]
وكان الفرزدق جالسًا عند الحسن البصري، فجاء رجل فقال: يا أبا سعيد، إنا نكون في هذه البعوث والسرايا، فنصيب المرأة من العدو، وهي ذات زوج، فتحل لنا من غير أن يطلقها زوجها، فقال الفرزدق، وقد قلت أنا مثل هذا في شعري فقال له الحسن: وما قلت؟ قال: قلت:
وذات خليل أنكحتنا رماحنا حلالًا، لمن يبني بها، لم تطلق
قال الحسن: صدقت، ثم أقبل رجل آخر، فقال: يا أبا سعيد، ما تقول في الرجل يشك في الشخص يبدو له فيقول: هذا والله فلان، ثم لا يكون هو، ما ترى في يمينه؟ فقال الفرزدق: وقد قلت أنا مثل هذا، قال له الحسن: وما قلت؟ قال: قلت:
ولست مأخوذ بقول تقوله إذا لم تعمد عاقدات العزائم
قال الحسن: صدقت.
واستعدت امرأة على زوجها عباد من منصور، وزعمت أنه لا ينفق عليها فقال لرؤبة بن العجاج: احكم بينهما، فقال:
فطلق إذن إن كنت لست بمنفق فما الناس إلا منفق أو مطلق
وقال علي بن الهجم: قلت لقينة:
هل تعلمين وراء الحب منزلة تدنى إليك؛ فإن الحب أقصاني
قالت: تأتي من باب الذهب، وأنشدت:
اجعل شفيعك منقوشًا تقدمه فلم يزل مدنيًا، من ليس بالداني
وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: كان بالمدينة رجل جعفري، من ولد جعفر بن أبي طالب، وكان يحب الغناء، وكان يتعشق قينة بالمدينة، فقال يومًا لإخوانه: قوموا معي إلى هذه الجارية حتى نكاشفها؛ فقد والله أيتمت أولادي، وأرملت نسائي، وأخرجت ضيعتي، فقاموا معه حتى وقفوا ببابها، فدقه، فخرجت إليه، فإذا هي أملح الناس دلالًا وشكلًا، فقال لها: يا جارية، أتغني:
وكنت أحبكم، فسلوت عنكم عليكم في دياركم السلام
فاستحيت وخجلت وبكت، وقالت: يا جارية، هات عودي، والله ما أحسن هذا، ولكن غيره:
تحمل أهلها منها فبانوا على آثار من ذهب العفاء
قال: فاستحيا والله صاحبنا. ثم تصيب عرقًا، ثم قال لها: يا سيدتي هل تحسنين أن تغني:
وأخضع للعتبى إذا كنت ظالمًا وإن ظلموا كنت الذي أتنصل
قالت: والله ما أحسن هذا، ولكن غيره، ثم غنت:
فإن تقبلوا بالود أقبل بمثله وننزلكم منا بأفضل منزل
قال: فدفع الباب ودخل، وأرسل غلامه يحمل إليه حوائجه. وقال: لعن الله الأهل والولد والضيعة.
وكتب البعث على رجل من الكوفة، فخرج، وأفاد جارية وفرسًا، وكان متزوجًا بابنة عم له، فكتب إليها:
ألا أبلغوا أم البنين بأننا غنينا، وأغنتنا الغطارفة المج
بعيد مناط المنكبين، إذا جرى وبيضاء كتمثال، زينها العقد
فهذا لأيام العدو، وهذه لحاجة نفسي، حين ينصرف الجند
فلما وردها كتابه، قرأت، وقالت: يا غلام، هات الدواة، ثم كتبت:
ألا أقره منا السلام، وقل له: غنينا، وأغنتنا غطارفة المج
إذا شئت غناني غلام مرجل ونازعته من ماء معتصر الورد
وإن شاء منهم ناشئ مد كفه إلى كبد ملساء أو كفل نهد
فما كنتم تقضون حاجة أهلكم حضورًا، فتقضوها على النأي والبعد
فعجل علينا بالسراح؛ فإنه منانا، ولا ندعو لك الله بالرد
فلا قفل الجند الذي أنت فيهم وزادك رب الناس بعدًا على بعد
فلما ورد كتابها لم يزد على أن ركب، وأردف الجارية ولحق بها، فكان أول شيء بدأها بعد السلام أن قال لها: بالله هل كنت فاعلة؟ قالت: الله في قلبي أجل وأعظم، وأنت في عيني أحقر وأذل من أن أعصي الله فيك، فكيف ذقت طعم الغيرة؟ فوهب لها الجارية، وانصرف إلى بعثه.
ونظر ابن أبي ذيب إلى عائشة بنت طلحة تطوف بالكعبة، فقال لها: من أنت؟ فقالت:
من اللاء لم يحججن يبغين حسبة ولكن ليقتلن التقي المغفلا
مثلك أبا عبد الله، قال: صان الله ذلك الوجه عن النار، قيل: أفتنتك أبا عبد؟ قال: لا، ولكن الحسن مرحوم.
وقال الشافعي ﵁؛ تزوج رجل امرأة حديثة على امرأة قديمة، فكانت جارية الحديثة تمر بباب القديمة فتقول:
وما يستوي الرجلان: رجل صحية ورجل رمى فيها الزمان فشلت
ثم تعود فتقول:
وما يستوي الثوبان: ثوب به البلى وثوب بأيدي البائعين جديد
فمرت جارية القديمة بباب الحديثة، وأنشدت:
[ ٢٥ ]
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبدًا لأول منزل
وقال الهيثم بن عدي: كان تحت العريان بن الأسود بنت عم له فطلقها، فتبعتها نفسه، فكتب إليها يعر ض لها بالرجوع، فكتبت إليه:
إن كنت ذا حاجة فاطلب لها بدلا إن الغزال الذي ضيعته مشغول
فكتب إليها:
إن كنت ذات شغل فالله يكلؤه فقد لهونا به، والحبل موصول
وقد قضينا من استطرافه وطرًا وفي الليالي، وفي أيامها طول
وطلق الوليد بن يزيد زوجته سعدى، فلما تزوجت اشتد ذلك عليه، وندم، فدخل عليه أشعب، فقال له: أبلغ سعدى عني رسالة، ولك عندي خمسة آلاف درهم، قال: عجلها، فأمر له بها، فلما قبضها قال: هات رسالتك، قال: ائتها وأنشدها:
أسعدى، هل إليك لنا سبيل ولا حتى القيامة من تلاق
بلى، ولعل دهرًا أن يواتي بموت من خليلك، أو فراق
فأتاها، فاستأذن عليها، فأذنت له، وقالت: ما بدا لك في زيارتنا؟ قال: يا سيدتي، أرسلني إليك الوليد برسالة، وأنشدها الشعر فقالت لجواريها: خذن هذا الخبيث، فقال: يا سيدتي، جعل لي على ذلك خمسة آلاف درهم، قالت: والله لأعاقبنك، أو تبلغ إليه ما أقول، قال: يا سيدتي اجعلي لي شيئًا، قالت له: لك بساطي هذا، قال: قومي من عليه، فقامت فألقاه على ظهره، وقال: هات رسالتك، قالت له: قل له:
أتبكي على سعدى، وأنت تركتها؟ لقد ذهبت سعدى، فما أنت صانع؟
فلما بلغه ذلك، سقط في يده، وقال: اختر مني إحدى ثلاث خصال: إما أن نقتلك، وإما أن نطرحك من هذا القصر، وإما أن نلقيك إلى ذلك السباع، فتحير أشعب، وأطرق طويلًا، ثم رفع رأسه، وقال: يا سيدي: ما كنت لتعذب عينين نظرتا إلى سعدى، فتبسم، وخلى سبيله.
ودخل أمية بن عبد الله على عبد الملك بن مروان، وبوجهه أثر، فقال: ما هذا؟ قال: قمت بالليل، فأصاب الباب وجهي، فقال عبد الملك:
رأتني صريع الخمر يومًا فسؤتها وللشاربيها المدمنين مصارع
فقال: لا، وأخذك الله يا أمير المؤمنين بسوء ظنك، قال: بلى، وأخذك الله لسوء مصرعك.
وشهد عند سوار القاضي رجل، فرد شهادته؛ لأنه كان يشرب النبيذ، فقال:
أما النبيذ، فإني غير تاركه ولا شهادة لي ما دام سوار
وكان بعض المشارقة يسمى كمال الدين، يهوى غلامًا اسمه بدر الدين فكتب إليه:
يا بدر دين الله، صل مدنفًا صيره حبك مثل الخيال
لا تخش من عيب إذا زرته فما يعاب البدر عند الكمال
فسمع بذلك عاشق آخر، فكتب إليه:
يا بدر، لا تسمع مقال الكمال فكل ما نمق زور محال
البدر يوفى الخسف في نصفه وإنما يخسف عند الكمال
وقال الأصمعي: كنت عند الرشيد، فجاءه نخاس بجارية للبيع، فنظر إليها الرشيد، ثم قال للنخاس: اذهب بجاريتك، فلولا كلف بوجهها، وخنس بأنفها لاشتريتها، فخرج بها، فلما بلغ الستر قالت: ردني يا أمير المؤمنين، أنشدك بيتين، فأمر بردها، فردت، فأنشدت:
ما سلم الظبي على حسنه كلا، ولا البدر الذي يوصف
فالظبي فيه خنس بين والبدر فيه كلف يعرف
فاشتراها الرشيد، وكانت من أحظى جواريه عنده.