كانت العربُ تخاطر على سباق خيلها، وتسمىَّ ما تجعله للسوابق خَصْلًا، ورهانًا، وتضُعُه في طَرَف الغاية التي تجري إليها، على رأس قصَبة من قصَب الرماح. وهو قولهم في المثل: حاز قَصَبَ السَّبْق، وإنما يعْنوُن هذا وتسمى أيضًا الغاية: المَدَى، والأَمد.
ومنه قول النابغة:
سَبْقَ الَجوادِ إذا اسْتَوْلى على الأَمَدِ
وتُسمَّى موضعَ الجري المِضْمارَ.
ثم جاء الإسلام فأبقى من أفعالها في ذلك ما فيه تنبيه للأمة، وعونٌ على شرف الهمة. فسابق النبي ﷺ، وأَجْرى الخيل) التي ضُمِرّت (من الحفياء إلى ثَنِيَّة الوداع، وبينهما ستة أميال. وأَجْرى الخيل التي لم تضمَّر من الثنيَّة إلى مسجد بني زريق، وبينهما ميل.
وقال ﵊:) إن الملائكة لا تَحْضُرُ شيئًا من لَهْوِكم إلا الرهانَ والنَّضال (.
وعَن أبي هُريرةَ أنه ﷺ وقال:) لا سَبَقَ إلا في خُفٍ أو حافر أو نَصْل (.
وقيل لأَنس بن مالك: أكان رسول الله ﷺ يُراهِنُ على الخيل؟ فقال: أي والله! لقد راهَن على فرس له يقال له) سَبْحة (فَسَيق، فبهج بذلك وأعْجبَ.
[ ٣٢ ]
وعن مَكْحول: إَنَّ رسول الله ﷺ سَبَّق الخيلَ، فجاء فرسُه الأَدْهَمُ سابقًا، فلما رأى ذلك جَثا على رُكبتيه وقال: إنه لبَحْر، فقال عُمَرُ ﵁: كذب الحُطَيْئة! لو كان أحدٌ ناجيًا من هذا لنجا رسول الله ﷺ. قال أبو علي: أراد عمر بقوله هذا البيت:
فإن جِيِادَ الخيلِ لا تَسْتَفِزُّنا ولا جاعلات العاجِ فَوْق المعاصِمِ!
وعن يعقوبَ بن زيد بنِ طَلْحة عن أبيه قال: سَّبقَ رسول الله ﷺ بين الخيل اثنتي عشرة أوقية، فسبق فرس لأبي بكر ﵁ فأخذ أربعمائة وثمانين درهمًا.
وعن الشَّعبيَّ أَن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى سَعْد بن أبي وقَّاصٍ: إن أَجْرِ الخيل وسَّبقْ بين قال: فأَجْريتُ الخيلَ بالكوفة، فأقبل فَرسَان يحتكَّان حتى دخلا الحجرة، فتنازعوا فيهما، فكتب بذلك إلى عمر، فكتب عمر: إذا سَبق بالرأسِ فقد سَبَقَ.
وعن هارونَ بن أبي زَياد قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: أُغْدُ إلى هذه المكرمة! يَعْنى الرِّهانَ في الخيل. قال: فغدا الناسُ وخَرَجَ سَلْمان فيمن خرج، فقال قوم: لنستخنه اليوم! فَلَقُوهُ، فقالوا: يا أبا عَبْدِ الله! من سَبَقَ اليوم؟ قال: سَبَق الساَّبقون؟ وأصل الرِّهان من الرهن. كان الرجل يراهن صاحِبَه على المسابقة: يضع هذا رهنًا، ويضع هذا رهنًا، فأيهما سبق فرسُه أخذ رهنَه ورهْنَ صاحبه. وهذا كان من أمر الجاهلية، وهو القِمار المنهيُّ عنه، فإن كان الرهان من أحدهما شيئًا مسمىَّ، على أنه أن سَبق لم يكن له شيء وأن سبق صاحبُه أخذ الرهن، فهذا حلال. لأن الرهن إنما هو من أحدهما دون الآخر.
وكذلك أن جعل كل واحد منهما رهنًا وأدخلا بينهما محلّلا، وهو فرس ثالث يكون بين الأولين، ويسمى أيضًا الدَّخيل، ولا يجعلُ صاحب الثالث شيئًا؛ ثم يرسلون الأفراس الثلاثة، فأن سَبَق أحد الأولين أخذ رهنه ورهنَ صاحبه، فكان له طيِّبًا، وأن سَبَق الدخيلُ أخذ الرهنين جميعًا، وأن سُبِق هو لم يكن عليه شيء.
ولا يكون الدخيل إلا رابحًا جوادًا يأمنون أن يسبقهما، فيذهب بالرهنين، فهذا جائزٌ من الرّهان. وإن كان المحلّلِ غيرَ جواد قد أَمِنا أَنْ يَسبقهما فهذا قِمار، لأنهما كأنهما لم يدخلا بينهما شيئًا.
وأصل هذا حديث سعيد بن المسيّب قال: قال رسول الله ﷺ:) من أَدْخل فرسًا بين فَرَسين وهو لا يأمَنُ أن يسبق فلا بأس به، ومن أدخل فَرَسًا بين فَرَسين وهو يأمن أن يُسْبَق فهو قِمارٌ (.
ورَوى الواقديُّ عن موسى بن محمد عن أبيه قال:) كان رسول الله ﷺ يُعْطى السَّبق عَشْرَةَ أَفراس، وما كان أكثر لم يعطه شيئًا (.
وكانت العرب في الجاهلية لا تجعل القَصَبَ في زمانها إلا سبع قصبات، ولا تُدخِلُ الحجرة من الخيل إلا ثمانية أفراس. وكانوا يرسلون خيولهم عشرة عشرة.
ويسمُّون الأول) السابق (و) المبرَّز (و) المجليِّ (.
وكان من شأنهم أن يسمحوا على وَجه السابق، وذلك قال جَرير:
إذا شِئْتُمُ أن تَمْسَحوا وَجْه سابقٍ جوادٍ فمُدُّوا في الرهان عنانيا
ويسمون الثاني) المصلّي (لوضعه جَحْفَلته على) صَلاَ (السابق، وهو عِرْقٌ في ظاهر جهات الفخذ. وللدابة) صَلَوانِ (، وهما جانبا عَجْبِ الذنَب.
والثالث) المسلّى (واشتقاقه من السُّلُوِّ، كأنه سلْى صاحِبَهُ حيث جاء ثالثًا.
والرابع) التالي (لأنه يتلو المسلِّى، وكلُّ تابع لشيء فهو تالٍ له.
والخامس) المُرْتَاح (، من الرّواح، ومعناه أنه أتى أواخر الأوائل، لأنه الخامس، وبه تنَصَّف عَددُ السوابق، وهو أول الرّواح وآخر الغُدوِّ، فكذلك خامس السوابق: آخر الأوائل، وأول الأواخر.
والسادس) العاطف (، من العَطْف والانثناء، فكأَنَّ هذا الفرس هو عطف الأواخر على الأوائل، أي أثناها فاشتق له اسم من فعله.
والسابع) الحظيُّ (، وإنما كان حَظِيًّا لأنه نزل في الأواخر منزلة المصلّى في الأوائل، فحظي بذلك، إذ فاته أن يكون عاطفًا، فكانت له بذلك حُظوة دون من بعده.
والثامن) المؤمَّل (لأنه منتظر الثلاثة المختلفِّة، إذ لا بد من سَبْق أحدها غالبا، فلما تعيَّن سَّمى مما تعلَّقَ به الأمل، وقيل فيه مؤمَّل.
[ ٣٣ ]
والتاسع) اللَّطيم (، وإنما جعل ملطومًا حيث فاز المؤمَّل دونه، فلطم وجهه عن دخول الحجرة.
والعاشر) السُّكَيْتُ (، وإنما قيل له سُكيْت لما يعلو صاحبه من الذُّل والسَّكوت. ووجب أن يكون كذلك، لأنه كان الذي قبله لَطِيمًا، فما عسى أن يقول؟ فالعُذْرُ ينفعُهُ.
قال كلابُ بن حمزة: ولم نعلم أحدًا من العرب في الجاهلية والإسلام وَصفَ خيل الحلبة بأسمائها وذكَرَها على مراتبها غير محمد بن يزيد ابن مَسْلمة بن عبد الملك بن مروان، وكان بالجزيرة، بالقرية المعروفة بحصن مَسْلمة، من كوُرة الرّقة من ديار مَضُر؛ فإنه قال في ذلك قصيدة حسنة أولها:
شهِدْنا الرِّهان غداةَ الرهان بمجمعة ضمَّها الموسمُ
نقود إليها مَقَادَ الجميع ونحن بصَنْعِتِها أَقومُ
يقول فيها عند ذكر الحَلبْة:
فجلَّى الأَغرُّ وصلَّى الكُميْتُ وسلَّى فلم يُذْمَمِ الأدْهَمُ
وأَرْدَفَهَاَ رابعٌ تاليًا وأينَ مِن المنُجْدِ المُتْهمِ؟
وما ذمَّ مرُتَاحُها خامسًا وقد جَاءَ يقدم ما يقدم
وسادسها العاطف المستحير يكاد لحيرته يحرم
وجاء الحظىُّ لها سابعًا فأسهمه حظُّه المُسْهِمُ
وجاء المؤمّل فيها يخيب وغنَّىِ له الطائر الأَشأمَ
وجاء اللَّطيم لها تاسعًا فمن كلِّ ناحية يُلطَمُ
يَخُبُّ السُّكَيت على إثْرِه وذفراه من قُبة أَعْظَمُ
والقصيدة طويلة متممة الأغراض في معناها، ذكَرَهاَ أبو الحسن المسعودي في كتابه) مروج الذهب (. وإنما أتينا نحن منها بالأبيات التي تضمنت ذكر خيل الحَلْبَةِ فقط.
والحَلْبة مَجْمَعُ الخيل، ويقال مجتمع الناس للرِّهان؛ وهو من قولك: حَلَب بنو فلان على بني فلان، وأَحْلَبُوا: أي أَجَمُعوا.