فينبغي لمن يُريد التصرُّف على الدوابَّ أن يتعلم ما لا غنىً به عن معرفته، من إحسان الركوب على العُرْى وعلى السَّرج وإمساك العِنان، ويتعلم أصولًا من أعمال الفروسية، فيستعين بها على ركوب الخيل والثياب عليها.
واعْلَمْ - أرشدك الله - أن أصل الفروسية الثباتُ، وأن مبتدأها إنما هو الركوب على العُرْى من الخيل، ومن لم يتدرب أولًا على عُرْىٍ لم يستحكم ثبوته في الغالب، بل يكون أبدًا قَلقًا في سرجه، لا سيما عند خَبَبه ورَكْضِه، فلا يؤمَنُ سقوطه أن اضطرب فرسه أو أصابته هَنَة.
فمن أراد التفُّرس على العُرى فليلبس ثيابًا خَفَافًا مشهورة، ويلجم فرسَه، ويشدّ عليه جُلَّ صوف أو شعر وثيق الحزام واللبب، فأن الراكب على الجُلِّ أثبتُ منه على المجرَّد؛ ويقف على يسار فرسه عند منكبه، ويمسك عنانِ لجامه بيده اليسرى. وإن أخذ العُرفَ مع العنان فلا بأس به، ويثب بسرعة وخفة؛ فإذا استوى على ظهره جمع يديه في العنان عند كاهل الفرس، ونصبَ ظَهره، ولزم بفخِذَيه موضعَ دفَّتي السَّرج من ظهر الفرس، ويتقدم قليلًا، فالتقدم أحسن على العُرى من التأخر، ويمد ركبتيه وساقيه وقدميه إلى كتفي الفَرَس، حتى يمكنه أن ينظر إلى إبهامي قدميه، وليكن اعتمادُه على اللُّزوم بفخذيه، فبذلك يحوز الثبات، وكل من لزم ركوبه غير ذلك فلا ركوب ولا ثبات.
[ ٢٩ ]
وتسوِيَةُ العنان أصل في الإحسان والإتقان، ثم يُخرجُ فرسه من الوقوف إلى المشي، بغمز خَفيف يَغْمزه بعقِبَيهِ برفق، ثم يسير به العَنَق برفق، ثم يتوسع في العَنَق قليلًا؛ ويكون في خلال ذلك يَتَعهَّدُ نفْسه في الجلوس على الهيئة المذكورة، وفي أخْذ العِنان وتَسْويته، حتى يعلم أنه قد ثبت، وصار ذلك له عادَةً وطَبْعًا. ثم ينتقل فرسه من العنَقَ إلى الخبِّ بزيادة الغمز بعقبيه زيادة خفيفة؛ فيخُبُّ خبًا ليِّنًا؛ وليخطف نفسه، فأن الخبَّ يكاد يَقْلع الفارس مَنْ سَرجه، لا سيما عند ابتدائه وعند جذبه وانتهائه، فيحذر ذلك في الحالين؛ ثم ليزد بعدُ بتدريج حتى يقارب التقريب. فإذا ثبت على ذلك انتقل إلى التقريب بسكون واستواء، حتى يسير سيرًا كدبيب الراجل، ولْيستَعنْ بساقيه ويلزم بهما الفَرس. أو يدخل قديمه تحت إبطي الفرس أو بين يديه إن كان من يلحق ذلك في الخبِّ والتقريب. فإذا ثبت على ذلك واستغنى عن الاستعانة بساقيه، وسكن في ظَهْر الفَرس، وسكن الفَرسُ تحته سكونًا تامًّا، فليُجْر عند ذلك فَرَسَه بين الجريتين. فإن ثبت وخفَّ عليه أمره فليُجْرِ فرسَه ملءَ فروجه؛ وليحذر عند ذلك عن نفسه في الحالين عند الوثب وعند الجذب. وليكن جذبُه قصْدًا، ولا يطول في الطّلقِ، فأن الطول فيه يُفسد الخيل. ولا سيما التي يعمل عليها بالرمح. فإن كان الفرس ليَّنًا ويعلم أنه ينحبس في جذبه واحدة فلا يحبسه إلا ثلاث جَذباتٍ، ويحبسه في الرابعة بوقفة منها. وتكون كل جذبة ألين من التي قبلها؛ ولا يقبض رأسه عند جذبه، وليكن حبسًا رفيقًا متدانيًا مرة بعد أخرى. ولا يرسل العِنان بين الجذبتين لئلا يعود الفَرسُ إلى الجري. وليعدل يده بالعِنان عند ذلك، ويكون حبسه له باستواء. وليَحْذرْ طُولَه من جانب وقِصرَهُ من جانب، فأن اعتدال العِنان الفارس والفرس كالميزان. وحُسْنُ التقدير في ذلك عُنوان العقل وشاهد النُّبل. وتعديله بمقدم الفرس ومؤخره آكَدُ ما تعْتَنَي به أولا وآخرًا. فليحْذر الميل من أحدهما عن الاستواء. وكثيرٌ من الخيل إذا حبسه غير العارف خَلَعَهُ عند ذلك من سرجه.
وليتحفظ أيضًا عند الجذب من إدْماء فَمِ الفرس باللجام؛ فقلَّ ما يُدميه إلا من لا معرفة له بإمساكه، ولا تقدير عنده في عِنانه. وليكن اللجام نَازِكيًا وهو المعروف الآن باللّزمة وما أشبهه، فإنه من لُجُم الفرسان. ويكون ثقله وخفته بقدر احتمال الفرسَ. فلتجرَّبْ عليه اللُّجم، فأيُّها كان أخفَّ وأطيب في فمه وهو به أحسن حالا فذلك لجامُه. وعند النظر إليه يظهر) ما (يصلحه منْ ذلك. وأَن يكون الفرس يَعْلُكُ لجامه فيستطيبه أحسن من أن يخافه فيشبَّبه به أو يطاطئ رأسه؛ ولا يكون أيضًا من الخِفَّة بحيث يستهين به الفرس ولا يملك الفارسُ رأسه. فالاعتدال بين ذلك هو المقصود.
وليكن عِذارُه إلى القِصرِ، فأن طوله ينقُص من جَرْى الفَرسَ، لا سيما الضعيف اللَّحْيَين. وبالضرورة يعلم أنه إذا ضَرَب اللجامُ أسنانه آذاه وقطع به عن كثير من الجري وشَغَلَهُ. وذا قصر العنان أخذ اللجام بأنيابه واعتمد عليه وتروَّح إليه. وليكن العنان أيضًا إلى القَصَرِ بحيث لا يتجاوز القَرَبُوس إلا باليسير، فأن طُولَه مشغلة للفارس، مَحيَّر للفَرَس. فإذا أتقن ذلك كله، وتعودَّ الركوب على العُرى، وصار له ذلك كالطبع، فقد ملَكَ من الركوب أَصْلَه وحاز جُلَّه؛ فلينقل بعدُ نفسه إلى السرج، بعون الله تعالى.