لم تزل العرب تفضِّل الجياد من الخيل على الأولاد، وتستكرمها للزينة والطرد. على أنهم لَيطْوَوْنَ مع شبعها، ويظمئون مع ريِّها، ويؤْثرِونها على أنفسهم وأهليهم عند حلول الأزمة واللأواء، واغبرار آفاق السَّنَةِ الشهباء.
وعلى ذلك تدل أخبارهم وتشهد أشعارهم. فلنذكر من ذلك نبذة إن شاء الله.
فمما روى لأحد بني عامر بن صَعْصَعة:
بني عامرٍ ما لي أرى الخيل أصبحتْ بطانًا وبعض الضَّمر للخيل أفضل
بني عامرٍ إن الخيول وقايةٌ لأنفسكم والموت وقْتٌ مؤجَّلُ
أهينوا لها تكرمون وباشروا صيانتها، والصونُ للخيل أَجْملُ
متى تُكرموها يُكْرِمِ المرءُ نفسه وكلُّ امرئٍ من قومه حيثُ يَنْزِلُ
ومن ذلك كلام الأسْعر بن حُمْرانَ الجعُفيَّ:
ولقد عَلِمْت على تجنُّبيَ الرَّدَى أن الحصون الخيلُ لا مَدَرُ القُرى
إني وجدت الخيلَ عِزًّا ظاهرًا تنجى من الغَمَّا ويكشفن العَمَى
وتَبيت للثَّغر المخُوفِ طلائعًا وتَبيتُ للصُّعلوك غرة ذي الغِنى
وقال طُفيل الغَنَويُّ:
إني وإن قلَّ مالي لا يُفارقني مثلُ النعامة في أوصاله طُولُ
أو ساهِمُ الوجه لم تُقْطَع أباجلُهُ يصان وهْوَ ليوم الرَّوع مَبذْولُ
وقال إسماعيل بن عَجْلان:
ولا مالَ إلا الخيل عندي أُعدُّه وإن كنتُ من حُمر الدنانير موُسرا
أقاسِمُها مالي وأُطعِمُ فَضْلها عيالي، وأرجو أن أُعان وأوجرا
إذا لم يكن عندي جوادٌ رأيتُني ولو كان عندي كنزُ قارونَ مُعْسرا
وقال كعب بن مالك:
ونُعِدُّ للأعداء كُلَّ مضَّمر وَرْدٍ ومحجولِ القوائم أبلقِ
أَمَر المليك بربطها لعدوَّه في الحرب. إن الله خيرُ مُوفِّقِ
فتكون غيظًا للعدوِّ وحائطًا للدار إن دَلفت خيول المُرَّق
وقال علقمة بن عمرو المازني:
ما كنت اجعل مالي فَرْغ سانيةٍ في رأس جذع يَصُبُّ الماء في الطين
الخيلُ مِن عُدَّتي أَوْصى الإله بها ولم يُوَصِّ بغرس في البساتين
كم من مدينةِ جبار أَطْفنَ بها حتى تَرَكْنَ الأعالي كالميادين
وقال قَيْسُ بن الحارث:
لا تُقْصيا مَرْبِطَ الشَّقراء مُنْتَبذًا فإن رَيْبَ الدَّهر مرهوبُ
كم من فقير بإذن الله قد نَعَشَتْ ومتْرَفٍ تركتْهُ وهو مجدوب
وقال عنترةُ الفوارس في فَرَس أبيه شدَّاد:
فمن يك سائلًا عنّى فإني ) وجِرْوةَ (لا تَرُود ولا تُعارُ
مقرَّبة الشتاء فلا تراها وراء الحيِّ تَتْبعها المِهَارُ
وقال ضبيعَةُ القَيْسيُّ:
جزى الله) الأغرَّ (جزاءَ صِدْق إذا ما أُوقدتْ نار الحروبِ
يقيني باللَّبَانِ ومَنْكَبِيْه وأحميه بمُطَّرد الكُعوبِ
وأَدْفيه إذا هبَّت شمالٌ ، بليل، حَرْجَفٌ بعد الجنوبِ
أُراهُ أَهْلَ حين يَسْعى رعاة الحيِّ في جمع الحَلُوب!
وقال الأعْرج المعْنِيُّ:
[ ٤٠ ]
أَرَى أمَّ عمرو لا تزال تَوَجَّعُ تَلُوم ولا أَدري علاَمَ تَفَجَّعُ
تلوم على أنْ أَمْنَحَ الورْد لِقْحةً وما تستوي والوردَ ساعة تفزع
إذا هي قامت حاسرًا مشمعلَّة نَخيِبَ الفؤاد رأسُها لا يُقَنَّعُ
وقُمتُ إليه باللِّجام وسرجه هنالك يَجزيني بما كنت أصنع
وقال مَكْحُولُ بن عبد الله السَّعْدي:
تلوم على رَبْط الجياد وحَبْسها ووصَّى بها اللهُ النبيَّ محمدا
ذريني وعدي من عيالك شطبة كُمَيْتًا، ومشمول الجوانح أقودا
إذا قيل أَمْسِكْه وقد فاض ماؤه أبَى، وترامى بالوليد فأبعدا
وقال القحيف بن حُمير العُقيلي:
وحالفَنْا السيوفَ وصافناتٍ سواءٌ هُنَّ فينا والعيالُ
شعيرًا زادها، وقليل قتٍّ ومن ماءِ الحديد لها نِعَالُ
وقال رجل من بني تَميمٍ، وقد طلب منه الملك فَرَسًا تسمى) سَكابِ (فمنعها منه:
أَبَيْتَ اللعن إن) سَكابِ (علْقٌ نفيس لا تعار ولا تباعُ
مفدَّاةٌ مكرَّمةٌ علينا تُجاع لها العيال ولا تُجاعُ
سليلة سابقَيْن تناجلاها إذا نُسبا يضمهما الكُراع
فلا تطمع أَبَيْتَ اللعن فيها ومَنْعَكَهَا بشيءٍ يُستطاع
وقال الأخنس بن شهاب التغلبي:
ترى رابطاتِ الخيل حول بيوتنا كَمِعْزي الحجاز أَسْلمتها الزَّرائبُ
فَيُغْبَقْنَ أَحْلابًا ويُصْبَحْن مثلها وهنَّ من التَّعداء قبٌّ شوازب
وقال جعفر بن أبي كلابٍ:
أربغوني إراغتكم فإني وحَذْفةَ كالشجا تحت الوريد
أُسوِّيها بنفسي أو بَجزءٍ فألحفها ردائي في الجليد
أَمَرْت الراعِيَيْن ليؤثراها لها لبن الخليَّة والصَّعود
وقال مالك بن نُوَيْرةَ:
إذا ضيّع الأنذال في المَحْل خيلَهُم فلم يركبوا حتى تهيجُ المصايفُ
كفاني دوائي ذَا الخُمار وصنعتي على حينَ لا يقْوى على الخيل عالفُ
أُعلِّل أَهْلي عن قليلِ متاعِهِمْ وأسقيه مَحْضَ الشَّوْل والحيُّ هاتفُ
وقال أبو دُوَادٍ الإيَادِي:
عَلِقَ الخيل حبّ قلبي مُقِلًاّ وإذا ثاب عنديَ الإكثارُ
عَلِقَتْ همَّتي بهِنَّ فما يم نع مني الأعنَّة الإقتارُ
جُنَّةٌ لي في كل يوم رِهانٍ جمعت في رهانها الأدسار
وانجرادي بهن نحو عدوّي وارتحال البلاد والتَّسيارُ
وقال الأخطل، وتنسب لعبد الله بن عباس:
أحِبُّوا الخيلَ واصطَبروا عليها فإن العز فيها والجَمَالا
إذا ما الخيل ضيّعها أناس ضممناها فشاركت العيالا
نُقاسِمُها المعيشةَ كلَّ يوم ونُلبِسُها البراقعَ والجِلالا
ومن الأبيات المفردة في ذلك ما يُذكر بحول الله: قال عَمْرو بن مالك:
وسابق كعُقاب الدَّجْن أجعلُه دُون العيال له الإيثار واللّطَف
وقال عامر بن الطُّفَيل:
وللخيل أيامٌ فمن يصطبر لها ويعرِفْ لها أيامها الخير يُعقِب
وقال الرّبعي:
وقلتُ لقومي أكرِموا الخيل إنني أرى الخيل قد ضَمَّت إلينا الأقاصيا
وقال طَرفة:
نُمسِكُ الخيلَ على مكروها حِين لا يُمسكها إلا الصُّبُرْ
وقال لَبِيدٌ:
معاقِلُنا التي نأوِي إليها بناتُ الأعوجية، والسُّيوفُ
وقال بعضهم وهو نظم حديث للنبي ﷺ
الخير ما طلعت شمسٌ وما غربت مُعلَّقٌ بنواصي الخيل معقودُ
والشعر في هذا المعنى كثير، وأما ما نظم منه في أوصافها، ونعوتها، وتشبيهاتها، فلا يحصى كثرةً للعرب وغيرهم.
وبتمام هذا الباب تم الكلام على الخيل. فلنتكلم فيما شرطناه من ذكر السلاح بحول الله.