والترغيب في الرماية كثير. عم عُقْبةَ بن عامرٍ قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو على المنبر يقول:) وأَعِدُّوا لهم ما استطعتم من قوة، أَلاَ إنَّ القوَّةَ الرَّمْيُ (.
وكان ﷺ يعجبه أن يكون الرجل راميًا فارسًا سابحًا.
وقال ﷺ:) علموا أبناءكم الرمي فإنه نِكاية للعدُوِّ (.
وقال ﷺ لقوم من الأنصار رآهم يرمون:) ارمُوا يا بني إسماعيل! فقد كان أبوكم راميًا (.
وقال ﷺ:) من رَمَى بسهم في سبيلِ اللهِ مُخطئًا أو مَصيبًا كان لهُ من الأجْر كرقبةٍ أعْتقها مِنْ وَلَدِ إسماعيل (.
وقال ﷺ:) إن الله ليُدخِلُ بالسَّهم الواحدِ ثلاثةَ نَفَرٍ الجنَّةَ: صانِعَهُ يَحْتَسِبُ في صُنعه الخير، والرامِيَ له، والمُمِدَّ به (.
وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: ما سمعت رسول الله ﷺ فَدَى أحدًا غيرَ سَعْد بن أبي وقَّاص، فإنه قال له يوم أُحُد:) فداكَ أبي وأمي (. وفي ذلك اليوم قال رسول الله ﷺ لسعد ولأبي طلحةَ وقتَادةَ وغيرهم من الرُّماة:) اثبتوا! فلن يزال النصر معنا ما ثبتُّم (. وكان عدد الرماة في ذلك اليوم خمسة عشر راميًا.
والأحاديث في هذا المعنى أكثر من أن تحصى. ولله دَرُّ الشاعر إذ يقول:
فمن شاءَ يسلكُ سُبْل العنايهْ ويحصُلُ من عزها في نهايهْ
ويَحْظَى بكل ثواب جزيل فلا يتعدَّ طريق الرمايهْ
فإن بها في الدُّنَى رِفعةً ونصرًا لدين نبيِّ الهدايهْ
فصل
كان لرسول الله ﷺ قوس من نَبْع تسمى) الصَّفراء (، وقوس من شوحطٍ تسمى) الرَّوْحاء (وقوس أخرى من شوحط تسمى) البيضاء (، وقوس أخرى تسمى) الكَتُوم (.
والقِسِىُّ جنسان: قوس اليد، وهي العربية، وتنقسم على أنواع، وقوس للرِّجل، وهي الإفرنجية وتنقسم كذلك) إلى (أنواع.
فالقوس العربية أَنْسَبُ للفارس، لأنها أسْرعُ وأقلُّ مئونةً؛ والقوس الإفرنجية أنْسَبُ للراجل، لأنها أبلغُ وأكثرُ مَعَونةً، ولا سيَّما في الحصار والمراكب البحرية وشبه ذلك، وهي خاصَّةٌ بأهل الأندلس، بها يصيدون، وعنها يَرْمُون، وفيها يتنافسون، وعليها يعتمدون فُرسانًا ورجالًا، وهي التي نَصِفُ هنا إن شاء اللهُ تعالى.
فصل
[ ٤٧ ]
وهذه القوس - أعْني الإفرنجية - تتألف من عَمُود وقَضيب وجَوْزَةٍ ومفْتاح. وكان العمود قبلُ يسمى المجْرَى، وإنما سُمِّي بذلك لجرْيِ السِّهام عليه، وكان مفتاحه طالعًا من جهة الجوزة يرمي سهامًا عِدَّة، مشتملة. ثم استخرج هذا العود في زمن النّمرود، وسُمي عمودًا لأنه عمد به وفيه ستة أثقاب: ثقْبُ المشْرَب، وثقْبُ الحلْقِ وهو للحل والربط، والحلُّ الربط لسبعة أشياء: الحك، والغسل، والنشر، واللَّية، والتزريق، والرّفُوع، والنزول. والثقبُ الثالث لستة، وهو ثقب الأمانة والوديعة. والثقب الرابع للجَوْزة، وهو ثقب القُفل والشرب والرِّياسةِ. والثقب الخامس للمسمار، وهو ثقب التكليف والحِمالة والعُدَّة. والثقب السادس للمفتاح، وهو ثقب الحركةَ والهيئة والأسرار. فمنه تنفتح الصنعة، وهو رُوحها ومعناها.
وسمي القضيب قضيبًا لأنه ينكح في خمسة مواضع: موضع في وسطه، وأربعة مواضع في أطرافه، وله وتران: حربي، وعوير.
وسمي الجوزة جوزة لجواز المتحرك والناطق والصامت عليها. واسم الجوزة: القلب، لأن رأس المفتاح يتقلب بها. وفيه سر وفي الجوزة آخر، فإذا اجتمعا ظهرت الحكمة.
وسمي المفتاح مفتاحًا لأنه يفتح أسرار جميع ما ذكرناه.