وهو أن يأخذ الرجل رمحه بيمينه، وعِنانَه بشماله مع قَرَبوس سرجه، ويضع زُجَّ رمحه بالأرض، وليبعد منها قليلًا؛ ويضع صدر قدمه اليسرى في ركابه الأيسر، ثم يعتمد على الرمح، ويشيل نفسه على فرسه، وينهض وهو يدير الرمح على كَفَل الفرس إلى الجانب الأيمن حتى يستقلَّ بسرعة؛ ثم يضع الرمح في يساره مع العِنان، ويسوِّي ثيابه وآلته بيمينه، ثم يصرف الرمح إلى يمينه.
وإن كان في صحراء ولم يقرب منه إنسان يخاف أن يناله الرمح أو شجرةٌ ينشب فيها، فليأخذ أن أحبَّ وسط الرمح بيده اليسرى مع العِنان والعُرفِ أن رأى ذلك، أو القَرَبوس إن كان أخذ العرف بيساره أو لم يكن عُرْفٌ ويأخذ المؤخرة بيمينه، أو القرَبوسَ إن كان أخذ العرف بيساره، ويركب.
ولا ينبغي أن يتعرض الرجل لأخذ رمحه من الأرض وهو راكب، فربما وطئه الفرس فكسره أو ضربه فأبعده عنه، بل ينزل ويأخذ رمحه ويركب كما وصفت.
وأما النزول بالرمح فهو أن يأخذه بيساره، ويضع زُجَّه بالأرض عند يد فرسه اليسرى، ويأخذ القربوس بيده اليمنى ثم ينزل، وحين يصير إلى الأرض يأخذ رمحه بيمينه بسرعة، لئلا يدور عليه الفرس فيحطمه أو يصيب الأرض بسنانه، أو يعقر أحدًا. فليلتفت لهذا كله.
فصل
ومن أراد تعليم العمل بالرمح والدُّربة في ذلك فليضع دريئة، وهي عُود أو شبهه قائم بالأرض قدر ارتفاع الفارس، ويتوثق من أسفله، ويشد في أعلاه حلقة أو حبلًا مَلْويًَّا شبه الحلقة، ثم يتباعد منه، ويُجري فَرَسه ملء فروجه، فإذا قَرُب من تلك الدَّريئة تأبَّطَ رمحه، وأخرج منه عن إبطه بقَدْر ما يخفُّ عليه حَمْلُه وتحتمله قُوَّته، ثم يأخذ بسنانه تلك المعلَّقة،، ثم يلوي رمحه بسرعة ليخلَّص السنانَ من الحلْقة. وربما احتاج إلى أن يقلب رمحه إلى خلفه، أو إلى أن ينفذ الحلقة ويأخذ رمحه لقْفًا من خلفها. وربما كانت الحلْقَة تدور حيث أدارها، ويداوم العمل على ذلك كيفما أمكنه، حتى يخف عليه العمل. فلا يخطئ الإصابة إن شاء الله.
وأما صفة إمساكه عند الِّلقاء والطَّعِن به والتخلُّص منه بعد ذلك، فذلك يحتاج إلى بَسْطِ وتطويل ومشاهدة بالعِيان أيضًا، لكثرة أحواله، واختلاف وجوهه وطرقه.
وينبغي للفارس أن يخفف رُمْحَه ما قَدرَ، فإنه على الخفيف أقوى، وله أضبط، وبه أحكم، وعلى قَدْرِ قوَّته واحتماله. وكانت رماح الفرسان من عشرة أذرع، وأقلُّ من ذلك جائز.
[ ٤٦ ]
وليكن بين الرقيق والغليظ قدر ما لا تَعجزه عنه الكف ولا تلتقي عليه الأنامل. فالتوسط هو المحمود، وبحسب قدر اليد والتمكن من ذلك.
ومما جاء من الشعر في الرمح قولُ المعرِّي:
وذي ظمأٍ وليس به حَيَاةٌ تيقَّن طُولَ حامله فَطَالا
توهَّم كلَّ سَابِغَةٍ غَديرًا فرنَّق يَطْلُبُ الحَلَق الدِّخالا
ملأتَ به صُدورًا من أُناسٍ فلاقت عن ضغائنها اشتغالا
ومن أبدع ما قيل فيه قَوْلُ شيخنا القاضي الشريف أبي القاسم الحسني ﵀:
وأصمَّ ممطولِ الكُعوب إذا اقتضى مُهَجَ الكماة فَدَيْنُه لا يُمْطَلُ
متوقِّد حتى أقول: أَذَابِلٌ بيديَّ منه أم ذُبالٌ مُشْعَل
لولا التهاب النَّصل أيْنع عُودُه مما يُعَلُّ من الدِّماء وينهَلُ
فاعجب له إن النَّجيع بطَرْفه رَمَدٌ ولا يَخفى عليه مَقْتَلُ
والشِّعرُ فيه كثير.