من أراد أن يكون حَسَن الاختيار، صادق الاختبار، فلينظر إلى الفَرسِ في جميع حالاته، وعلى كل هيئاته، وذلك في سكونه وحركته، وقيامه ورُبوضه، ومَشْيه وعنَقَه، وخَبَبه وتقريبه، وعَدْوه وإحضاره. فإن اتفقت في الحسن صفاته، وتناسبت في الاعتدال حركاته وسكناته، فبالحَرَى أن يكون جوادا. وقَلما تصدق الفراسة في حال دون حال. فربما رأى غيرُ العارف الفرس الهجين عند خروجه من الماء، وقد لان شعرُ جلده، وعلت أَقْرابه، وعظمت فصوصه، وسهل وجهه، وانتصبت أذناه، وحسُن منه منظرًا ولم يحسن طبعًا ومَخْبَرًا، فتضعف الفراسة فيه لذلك.
وكذلك المستنُّ لا تصدق فيه الفراسة، فإنه يكون متشّوِفًا حادَّ النظر، فيعلو منه ما كان مطمئنًا، ويشيل عسيبه، ويبدي عِجاَنَه، ويسمو بطَرْفه، وتنتصب أذناه، وذلك يكون منه تطبعًا. وكذلك يحسن من المُهْر ما كان حسنًا، وربما لم يَجْر جَذَعًا، وجرى ثَنِيًاّ أو رباعيا أو قارحًا حين تجتمع قوته، ويستحكم خلقه، أو ربما تغير بالكوب قبل احتماله لضعفه.
[ ٢٥ ]
وأقربُ الفِراسة في المهر إذا تَجعْثَن وغلظ، وذهب عنه لحم الرَّضاعة، وركب لحم العلف. فإن ما ينظر منه يومئذ جَوْدَةُ أَخْذِهِ في الجرى، وحينئذ يأخذ على صفته التي طُبعَ عليها، وطبيعته التي يَؤوُل إليها. فإن حَسُنَ أَخْذُهُ عند ذلك ولم يتغير بعدُ بركوب من لا يحمله أو حمل ما لا يطيقه، وحسنت أوصافه، كان في الغالب جوادًا. وإن كان ضعيفًا عن الحمل فيعرف ذلك بتلوَّيه تحت راكبه واضطرابه، واطمئنان ظهره، وقلما يَصْدُقُ على هذه الحالة، فلا يجب أن يعجل عليه، فربما أخطأ الظن فيه ومال الرأي فيه.
وإن استقل براكبه وأخذ على اختيار صاحبه واستقام في مضماره، فليبحث بعد عن خلقه ويفتش عن عياره.