أعلم أن الأمم الماضية لم تزل تُكْثر من الاعتناء بالخيل والتشريف لها، والثقة بها، والتعويل عليها في حروبها، والافتخار بِرَبْطِها؛ وإن كانت العرب زادت في فضلها ومزيتها ما فاتوا به الأمم، فلم تكن في الجاهلية ولا في الإسلام تصون شيئًا من أموالها كصيانتها ولا تكرِمُه ككرامتها، لما كان لهم فيها من التباهي والتفاخر، والتنافس والتكاثر، والقوة والمنعة، والعز والرفعة.
[ ٦ ]
وكان نبينا ﷺ من أرغب العرب في الخيل وأصونهم لها، وأشدهم إكرامًا وعُجبًا بها، حتى إنه كان ليأنس بصهيلها، ويفضلها على الرجال فيما يُسهمه لها ويراهن عليها، وينهي عن استنتاج كرائمها من حمار أو هجين لا يشبه أصُلُهُ أصولها، غيرة منه عليها، وإشفاقًا من فساد أًنسالها، وقد كان ﵊ وصَّيِ بها، وعوتب على اشتغاله في وقت من الأوقات عن تفقُّدها. جاء عن إسماعيل بن رافع:) إن النبي ﷺ أصبح ذات يوم فقام إلى فرسه فمسح عنقه ووجهه بطرف ردائه أو بكُمَّ قميصه، فقيل له: يا رسول الله! صنعت اليوم ما نراك صنعته؟ فقال: إني بتُّ الليلة وجبريل يعاتبني في سياسة الخيل (.
وعن عائشةَ ﵂:) إنها خرجت ذات غَدَاةِ، والنبي ﷺ يمسح فرسه بثوبه، فقالت: يا رسول الله! بثوبك؟ فقال: ما يُدْريك؟ لعل جبريل قد عاتبني فيه الليلة؛ قالت: فولَّني عَلَفَهُ، فقال لها: لقد أردت أن تذهبي بالأجر كلَّه! أخبرني أن ربي يكتب لي بكل حبة حسنة (.
قيل:) وبَيْنا رسول الله ﷺ ليلة) تَبُوكَ (إذ قام إلى فرسه الظَّرب فعلق عليه شعره، وجعل يمسح ظهره بردائه، فقيل: يا رسول الله! أتسمح ظهره برادئك؟ قال: نعم، وما يدريكم؟ لعل جبريل أمرني بذلك، مع أني قد بت الليلة وأن الملائكة تعاتبني في حسَّ الخيل ومسحها، وقال: أخبرني خليلي جبريل أنه يكتب لي بكل حبة أَوْفَيْتُها إياه حسنه، وأن ربي يَحُطُّ عني بها سيئة؛ وما من امرئ من المسلمين يرتبط فرسًا في سبيل الله فيوفيه عَليقه يلتمس له قوة إلا كتب الله له بكل حبة حسنة، وحط عنه بها سيئة (.
وعن محمد بن عُقْبَةَ عن أبيه عن جده قال: أتينا تميمًا الداريَّ وهو يعالج عليق فرسه بيده، فقلنا له: يا أبا رُقَيَّة! أما لك من يكفيك هذا؟ قال: بلى، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول:) من ارتبط فرسًا في سبيل الله فعالج عليقه بيده كان له بكل حبة حسنة (.
وعن عمر بن عبد العزيز ﵁ قال: ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال:) من كان له فرس عربي فأكرمه أكرمه الله، وإن أهانه أهانه الله (.
وعن مجاهد قال:) أبصر رسول الله ﷺ إنسانًا ضرب فرسه، فقال: هذه مع تلك؟ لتمسَّك النار، فَكُلَّمَ فيه، فقال: لا: إلا أن يقاتل في سبيل الله؛ فجعل الرجل يحمل عليه ويقول: أشهدوا! أشهدوا! (.
وكانت العرب لقدر الخيل عندها وإعزازها إياها تَقْتَصُّ من لطمه الفرس وتُعَيِّر بذلك، وتطلب الثأر فيه كما تطلبه في أنفسها؛ ولا تلطم بلطمة البعير؛ ذكر ذلك حَمَّاد الراوية عن سماك بن حرب، قال الجراح الهْمداني في ذلك:
ونهدةٍ يُلطم الجاني بلطمتها كأنهَّا ظل برد بين أرماح
ونهى عمر بن عبد العزيز ﵁ عن ركض الخيل إلا في حق. وعن الوضين بن عطاء قال: قال رسول الله ﷺ:) لا تقودوا الخيل بنواصيها فَتذَلوها (. وقال ﷺ:) ارتبطوا الخيل، وامسحوا بنواصيها وأعجازها، أو قال: أكفالها، وقلِّدُوها، ولا تقلدوها الأوتار (. وكانوا يقلدون الخيل أوتار القِسىَّ لئلا تصيبها العين، فنهاهم ﵇ عن ذلك، وأعلمهم أن الأوتار لا ترد من قضاء الله شيئًا. وقيل نهاهم عن ذلك خوفًا على الخيل من الاختناق. وقيل الأوتار الذُّحول، وهي الدماء: أي لا تطلبوا عليها الذحول التي وتُرِتْم بها في الجاهلية. والقول الأول أصح.
وعن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ قال:) لا تَهْلُبوا أذناب الخيل، ولا تجُزُّوا أعرفها ونواصيها، ودِفاؤها في أعرافها، وأذنابها مذابُّها (.
وقال ﷺ:) لا تتخذوا ظهور دوابكم منابر، فأن الله تعالى إنما سخرها لكم لتبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشقِّ الأنفس، وجعل لكم الأرض، فعليها فاقضوا حاجاتكم (.
وقال مكحول: قال رسول الله ﷺ:) أكرموا الخيل وجَلَّلوها (.
ونهى ﷺ عن خِصاء الخيل.
[ ٧ ]
عن ثور بن زيد قال: لما غزا النبي ﷺ تَبُوكَ أصاب فرسًا) من جدس (؛ فَحَمَلَ عليه رجلًا من الأنصار، وأمره إذا نزل أن ينزل قريبًا منه، شوقًا إليه وشَهْوَةً لصهيله، فلما قدم النبي ﷺ لقي الأنصاري، فقال: ما فعل الفرس؟ قال: خصيناه، قال) قد مثَّلت به، مثلتَ به، مثلت به! أعرافها أَدْفاؤها، وأذنابها مذابُّها، التَمِسوا نسلها، وباهُوا بصهيلها المشركين (.
وعن علي ﵁:) إن النبي ﷺ أهديت له بغلة فركبها، فقلت: لو حملنا الحمير على الخيل فكانت لنا مثل هذه! فقال ﵇: إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون (.
وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ:) عاتبوا الخيل فإنها تعتب (. أي أدبوها وروضوها للحرب والركوب، فإنها تتأدب وتقبل العتاب.
ويحكى عن لقمان الحكيم أنه قال لابنه: يا بني! إذا سافرت فلا تنم على دابتك، فأن النوم عليها يُسرع في دَبَرِها، وإذا نزلت أرضًا مُكْلِئَةً فأعطها حظها من الكلأ؛ وأبدأ بسقيها وعلفها قبل نفسك.
فوجب إكرام الخيل، وصونها، والاعتناء بها، والمنافسة فيها والمحافظة عليها، وتَفَقُّدُ أحوالها، والتصرف فيما يصلحه من سياستها، وعلى الرجل الشريف) في (محاولةُ أمور فرسه بيده، ولا غضاضة تلحقه بالتصرف في شأنه، بل يلحقه الذم بالتفريط في أمره، ويستحق اللوم على التنزه عنه لكبره والاتكال به على غيره، فينبغي للفارس ألا يغفل عن تفقد فرسه وموضعه ومربطه ومراغته، وجميع أحواله في سياسته وعلفه وسَقْيه، ولتكن أكثر عنايته بالنظر إلى قوائمه في كل الأحوال، يجسُّها بيده، فأن رأى تفززًا في عصبة أو أمارة نفخ أو امتلاء، أو علامة دم أو أدنى علَّةٍ، فليبادر بعلاجها وملاطفتها في بدئها، ولا يتعبه معها، ولا يجُرْهِ يومئذ، فقد تبدو العلل يسيرة لا تكاد تَبِين، فربما حمل عليه فعادت كبارًا، أو كان منها سبب مُتْلِف، وعلاجها في ابتدائها أقرب، وأمرها أيسر.
وليحذر كل الحذر من سقيه وأعلافه الشعير إثر الإعياء والتعب، وليمهل حتى يسكن ويجف عرقه ويهدأ هدوءًا تامًا. وكذلك يحذر من علف الشعير الكثير مع طول الراحة والجِمَام وقلة الحركة والتصرف.
وكذلك يحذر من اختلاط الرَّطْب من الحشيش مع اليابس في علفه ما استطاع. وللضرورات أحكام يلحظ فيها الأوفق ما قَدَرَ عليه. فقسْ تُصِبْ بحول الله.