أقسم الله تعالى بالخيل في كتابه العظيم لفضلها عنده، فقال سبحانه:) والعادياتِ ضَبحا (إلى قوله) إن الإنسان لربه لكنود (. قال المفسرون: العاديات هي الخيل؛ والضَّبح حلوقها إذا عَدتَ.) فالموريات قَدحْا (: أي أورت النار بحوافرها.) فأثَرْن به نَقعا (: النقع الغبار وقيل التراب.) فوسَطن به جمعا (: أي توسطن جمعًا من الناس أغارت عليهم.) إن الإنسان لربه لكنود (: أي كفور.
وسماها أيضًا في كتابه بالخير، فقال سبحانه على لسان نبيه سليمان ابن داود:) إني أحببت حبَّ الخير عن ذكر ربي (.
وفضَّلها رسول الله ﷺ على الرجال في السُّهمان؛ فجعل للفرس سهمين وللرجل سهمًا واحدًا. وجاءت في فضلها عنه ﷺ أحاديث كثيرة.
عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال:) الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة (. وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم والنسائي.
وروى مسلم أيضًا عن عُروة قال رسول الله ﷺ:) الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، قيل: يا رسول الله! وما ذلك؟ قال: الأجر والغنيمة (. وعروة المذكور هو ابن أبي الجَعْد البارقي. وكان النبي ﷺ أعطاه دينارًا يشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، وجاءه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة، فكان لو أشترى التراب ربح فيه.
قال شبيب بن غَرْقدة: رأيت في دار عروة بن أبي الجعد تسعين فرسًا رغبةً منه في رباط الخيل. قال محمد بن المنتشر: كان له فَرسَ أخذه بعشرين ألفًا.
[ ٤ ]
وعن جَرير بن عبد الله قال: رأيت النبي ﷺ يفتل ناصية فرسه بإصبعيه ويقول:) الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة (.
قالوا: وفي فتله ﵇ ناصيةَ فرسه الفضلُ في خدمة الرجل دابتَه المعَّدة للجهاد، وفيه دليل أن الجهاد باق ثابت إلى يوم القيامة، وفيه بقاء الإسلام والمجاهدين الذابين عنه إلى يوم القيامة.
وعن أبي كبشة قال: قال رسول الله ﷺ:) الخيل معقودة في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وأهلها معانون عليها؛ والمنفق عليها كالباسط يَدَه بالصدقة (. وفي لفظ آخر:) الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وأهلها معانون عليها؛ فامسحوا بنواصيها، وادعوا الله لها بالبركة (.
وعن سَوَادة بن الربيع الجَرمي قال: أتيت رسول الله ﷺ، فأمر لي بذوْدٍ، وقال لي:) عليك بالخيل، فأن الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة (.
وعن أسماء بنت يزيد أن رسول الله ﷺ قال:) الخيل في نواصيها الخير معقود أبدًا إلى يوم القيامة، فمن ربطها عُدَّة في سبيل الله، فأن شبعها وجوعها، وريها وظمأها، وأرواثها وأبوالها، فلاح في موازينة يوم القيامة؛) ومن ربطها رياء وسمعة، وفرحًا ومرحًا، فأن شبعها وجوعها، وريها وظمأها، وأرواثها وأبوالها، خسران في موازينه يوم القيامة «.
والناصية الشعر المسترسل على الجبهة، وقد يكنى به عن النفْس؛ يقال: فلان مبارك الناصية، أي النفس.
وعن أَنس بن مالك قال: لم يكن شيء أحب إلى رسول الله ﷺ بعد النساء من الخيل.
وعن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:) من حبس فرسًا في سبيل الله كان سِترْهَ من النار (.
وعن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال:) من احتبس فرسًا في سبيل الله إيمانًا بالله وتصديقًا بوعد الله، كان شبعُه وريه وروثه حسناتٍ في ميزانه يوم القيامة (.
وروى ابن سعد في الطبقات قال، قال رسول الله ﷺ:) المنفق على الخيل كباسط يده بالصدقة لا يقبضها؛ وأبوالها وأرواثها عند الله يوم القيامة كذكيَّ المسك (.
وحكى عبد الرحمن بن زياد أنه لما نزل المسلمون مصر كانت لهم مراغة للخيل فمر حُديج بن صومي بأبي ذَرٍّ ﵁ وهو يمرغ فرسه الأجدل، فقال: ما هذا الفرس يا أبا ذر؟ قال: هذا فرس لي لا أراه إلا مستجابًا، قال: وهل تدعو الخيل فتجاب؟ قال: نعم! ما من ليلة إلا والفرس يدعو فيها ربه يقول: اللهم إنك سخَّرتني لأبن آدم، وجعلت رزقي بيده، فاجعلني أحب إليه من أهله وماله، اللهم ارزقه مني وارزقني على يديه.
وروى أبو الحسن الإسكندر أن رسول الله ﷺ قال:) لقي عيسى بن مريم إبليس لعنه الله، فقال: يا إبليس! إني سائلك عن شيء فهل أنت صادقي فيه؟ قال: يا روح الله! سلني عما بدا لك، فقال: أسألك بالحي الذي لا يموت! ما الذي يُسِلُّ جسمك ويقطع ظهرك؟ قال: صهيل فرس في سبيل الله، وفي قرية من القرى أو حصن من الحصون؛ ولست أدخل دارًا فيها فرس في سبيل الله (.
وعن عطاء الخراساني قال: إن الله ليأجُرُ العبد على حبه الخيلَ وإن لم يرتبطها.
وقال ﷺ:) من همَّ أن يرتبط فرسًا في سبيل الله بنَّية صادقة أُعطى أجر شهيد (.
وعن عُبادة بن الصامت أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:) إن الفرس ليستنُّ في طيلَة، وصاحبُه نائم على فراشه، فلا تبقى له خطيئة إلا وقعت (.
وعنه ﷺ أنه قال:) من ارتبط فرسًا في سبيل الله كان له مثل أجر الصائم الذي لا يفطر، والقائم الذي لا يفتر؛ والباسط يده بالصدقة) كذلك (ما أنفق على فرسه (.
وعنه ﷺ أنه قال:) من كثرت سيئاته وقلت حسناته فليربط فرسًا في سبيل الله، ومن ارتبط في سبيل الله كان كمن نصر موسى وهارون، وقاتل فرعون وهامان (.
وعن قيس بن باباه قال: سمعت سلمان ﵁ يقول سمعت رسول الله ﷺ،) ما من مسلم إلا حق عليه أن يرتبط فرسًا) في سبيل الله (إذا أطاق ذلك (.
[ ٥ ]
ولم تكن العرب تَعُدُّ المال في الجاهلية إلا الخيل والإبل، وكان للخيل عندها مزية على الإبل، فلم تكن تَعْدِل بها غيرها، ولا ترى القوة والعزَّ والمنعة بسواها، لأن بها كانوا يدافعوا عن غيرها مما يملكون، ويمنعون حريمهم، ويحمون من وراء حوزتهم وبيضتهم، ويغاورون أعداءهم ويطلبون ثأرهم، وينالون بها المغانم، فكان حبهم لها، وعظم موقعها عندهم، على حسب حاجتهم إليها، وغنائهم عنها، وما يتعرفون من بركتها ويُمْنها؛ إلى أَن بعث الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ، وأكرم أمته بما هداهم له من دينه، وأمتنَّ عليهم به منه، فاختار لنبيه ﵊ إعداد الخيل وارتباطها لجهاد عدوه؛ فقال سبحانه:) وأَعِدُّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباِط الخيل، تُرْهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم، الله يعلمهم (.
عن رسول الله ﷺ في هذه الآية:) وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم (قال: الجن؛ ولن يخَيَّلَ الشيطان إلى إنسان في داره فرس عتيق.
فاتخذ رسول الله ﷺ الخيل وارتبطها وأحبها، وحض المسلمين على ارتباطها، وأَعْلَمَهُمْ ما لهم في ذلك من المثوبة والأجر، فسارَعوا إلى ذلك وازدادوا حرصًا عليها وفي إمساكها، رغبة في الأجر والتماس البركة والخير في العاجل والآجل، في اقتنائها وتثميرها واستبطانها، وتنافسوا فيها، وغَالوْا، لما جعل الله فيها من أنواع البركات وجماع الخيرات.
قيل: ومن فضائل الخيل أنها أَصبر البهائم وأشدها شدة، وأخف الدواب كلها مئوية في العلف والمشرب عند ضيق الأمر في ذلك، إذ كان يكفيها في السرايا والمفاوز والأسفار القليل منه، ثم قسنا عليها في شدتها: فوجدنا أشد البهائم وأقواها على الأحمال الثقال الإبل، فأصَبْنا البعير البازل الشديد أكثر ما يحمل ألف رطل، فإذا حَمَل هذا المقدار لم ينهض إلا بعد الجهد والحيلة، ورأيناه لا يجري بحمله؛ وكذلك سائر البهائم التي توصف بالشدة لا تجري بأحمالها. ووجدنا ما يوصف من الوحش بشدة الْعَدْو لو حَمَل ثقيلًا لم يؤد عُشْر جريه؛ فوقفنا على أن الفرس يحمل من فارسه وآلته وسلاحه وتجِفافه وزاده وعلفه، وعَلَمٍ إن كان في يد صاحبه في يوم ريح، زُهاء ألف رطل، ويجري به يومًا جَريدًا لا يكاد يمل ولا يخَوْىَ بجوع ولا عطش؛ فعلمنا أنه لا شيء من البهائم أشد ولا أصبر ولا أجود ولا أفضل ولا أكرم ولا أقوى من الخيل.
وأنزل الله ﷿ في ارتباط والاتفاق عليها آيتين من القران العظيم، قوله تعالى:) مَنْ ذا الذي يُقْرضُ اللهَ قرضنًا حسنًا فيضاعفَه له أضعافًا كثيرة (، وقوله سبحانه:) الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرًا وَعَلاَنِيَةً فلهم أجرهم عند ربهم، ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون (. قال أبو أمامة، وأبو الدرداء، ومكحول، والأوزاعي، ورباح ابن يزيد: هم الذين يرتبطون الخيل في سبيل الله.
وعن ابن عباس:) الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرًا وعلانية (: قال: نزلت في عَلَف الخيل.
وروى أن أبا ذَرٍّ أشار إلى بعض خيل كانت في الجَّبانة وقال: أصحاب هؤلاء هم الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرًا وعلانية وكان أبو هُرَيْرَةَ إذا مر بفرس سمين تلا هذه الآية، وإذا مر بفرس أعجَف سكت.