٩- وقد سماه قوم: الإيغال
٤٩ قال أبو علي: هو أن يأتي الشاعر بالمعنى في البيت تمامًا، قبل انتهائه إلى القافية، ثم يأتي بها لحاجة الشعر إليها، فتزيد البيت نصاعة، والمعنى بلغًا إلى الغاية القصوى في الجودة، وأبدع ما قيل في ذلك قول امرئ القيس طويل:
كأن عيون الوحش حول خبائنا وأوحلنا الجزع الذي لم يثقب
فقد تم الوصف قبل القافيه، وذلك أن "عيون الوحش" إذا ماتت وتغيرت هيئتها، أشبهت الجذع، ثم أتى بالقافية، ثم أكد المعنى البعيد في التأكيد، لأن تشبيه عيون الوحش بالجذع الذي لم يثقب، أوقع في التشبيه، وزعم الأصمعي، أنه إذا كان كذلك، كان أصفى له وأحسن.
وقول امرئ القيس أيضًا طويل:
إذا ما جرى شأوين وابتل عطفه تقول هزيز الريح مرت بأثاب
فقد تم الوصف بالتشبيه قبل القافية، فلما أتى بها، زاد المعنىبراعة، ونصاعة، وذلك لأن "الأثأب" شجر يكون للريح في أغصانه حفيف شديد.
٥٠قال أبو علي: أخبرنا عبد الله بن جعفر عن المبرد عن التوزي قال: قلت للأصمعي من أشعر الناس؟ قال: "من يأتي إلى المعنى الخسيس فيجعله بلفظه حسنًا، ويأتي إلى المعنى الكبير فيجعله بلفظه خسيسًا.
أو ينقضي كلامه قبل القافية، فإذا احتاج إليها، أفاد بها معنى "قال: قلت: نحو من؟ قال نحو الأعشى إذ يقول- بسيط:
كناطح صخرة يومًا ليفلقها فلم يضرها، وأوهى قرنه الوعل
فقد تم المعنى بقوله "وأوهى قرنه" فلما احتاج إلى القافية، قال: "الوعل".
قال: قلت: وكيف صار الوعل مفضلًا على كل ما ينطح؟ قال: لأنه ينحط من قنة الجبل على قرنه، فلا يضيره، قال، قلت: ثم نحو من؟ أيضًا؟ قال: نحو قول ذي الرمة، حيث يقول طويل"
قف الفيس في أطلال فاسأل ربوعًا كأخلاق الرداء
فتمم كلامه، ثم احتاج إلى القافية فزاد شيئًا فقال: "المسلسل" وقوله طويل.
أظن الذي يجدي عليك سؤالها دموعًا كتبديد الجمان
فتمم كلامه، ثم احتاج إلى القافية فزاد شيئًا أيضًا فقال: "المفصل".