وإغذاذ السير، وتحير ماء الشباب، وإعلان الحب وإمراره، وإنكاح النوم وإغلاق الرهن، وإهدار القتل، وإدراك الثأر، ومعاتبة الآلاف، ووميض البروق وشيم ضيائها، واعتلاج الفكر، وهيج الذكر، ووصف الخصب، والجدب، والسحاب والغيث، والروض والكلأ، ونعوت الوحش والقفر، وذكر الغنى والفقر، والهداية والقيافة والعيافة، والعي والبلاغة، وما لهوا به من الطرد والقنص، والمأكل والمشرب، ووصفهما، وتشبيهات الخمر لونًا، وطعمًا، ونشرًا والتمدح بالسبق إلى شربها وإباء قبول العذل فيها وغير ذلك مما لو ذهبت إلى تعديد مذاهبه، وإيضاح مآربه، ونهج معالمه، وإضحاك مباسمة، والأخبار عن توسعها فيه، وتناولها البعيد من غاياته في القريب من أوجهها وإشاراتها إليه، لجريت طلق الجموح في مضمار لا ينتهي إلى غاية إلا مع الكد والإطالة، واستخدام طول المدة.
١٠قال أبو علي: وقد رأيت أن أفترع كتابًا أشرع فيه لمحاسن الشعر شريعة ترد القرائح مائها، وترود مساقط أندائها، وتشيم بروق أنوائها، وتستهدي بنجوم سمائها، واقصره على فقره النادرة، وغرر معانيه المتنافرة، ولمعه البارعة، وكواكبه الصادعة، وأقسامه المختارة، وهي ثلاثة: مثل شرود، وتشبيه رائع، واستعارة واقعة، وأودعه من ذلك ما وقع إجماع نقاد الكلام، والعلماء بسرائر الشعر، على أنه أشعر ما قيل في معناه من كل نوع، تتناوله المحاضرة، وتتهادى جواهره المذاكرة، وتتعاط بلاغته الألسنة، ويكون لعطل اللفظ حليًا، وللاختيار رونقًا، وللأسماع علقًا ولشمل الاختصار جامعًا، وافتتح القول فيه ببندٍ من فنون البديع، ولمع من الاستعارات اللطفية، والمجازات التي توسعت العرب فيها، إذ كان من عادتها الاختصار والحذف والإيجاز والإيماء والاكتفاء باللمحة الدالة، والإشارة إلى المقصد، والاستغناء بالقليل عن الكثير إذا كانوا محتاجين إلى ذلك، لارتجال الخطيب في الحروب، والكلام عند البديهة في المقامات، لإطفاء جمرة الحرب، وإصلاح ذات البين، فجعلوا موضع كلامهم على التوسع والمجاز، ومعنى المجاز، طريق القول ومأخذه، والمجاز: مصدر جزت مجازًا، كما تقول: قمت مقامًا قال الأصمعي: "كلام العرب إنما هو مثال شبيه بالوحي، لا سيما الشعر، لأنه موضع اضطرار، إذ كان على روي واحد، ووزن لابد من إقامته، وكانت حروف بعضه أقل من حروف بعض عددًا وأثقل وزنًا، فإذا لم يستقم للشاعر أن يضع الحرف موضعه لاختلاف الوزن، وضع مكانه ما يدل عليه، مما يسلم به بناؤه الذي ذهب إليه كقول مزرد طويل:
فما رقد الولدان حتى رأيته على البكر يمريه بساق وحافر
فجعل للإنسان حافرًا، ولا حافر له".
١١ قال أبو علي، فهذه مخيلة من القول، إن استطار بارقها، اقتبس سناه، أو صدق قولها غمر ضياه فأثرى بقلوب الأدباء ثراه وكان خليقًا أن يغادر بكل قرارة غديرًا، ويخلف بكل ربوة روضًا منيرًا.
ومن الله ﷿ استمد معونته وتوفيقه.