استدعاني الرشيد في بعض الليالي وقد تصرمت قطعة من الليل. فراعني رسله، ولم أفتأ أن مثلت بحضرته، فإذا في المجلس يحيى بن خالد، وجعفر، والفضل، فلما لحظني الرشيد استدعاني، فدنوت، فتبين ما بنفسي من الوجل فقال لي "ليفرخ روعك فما أردناك إلا لما يراد له مثلك" فمكثت هينئة إلى أن أبت إلى نفسي، بعد أن كادت تطير شعاعًا، فقال: "إني نازعت هؤلاء القوم- وأشار إلى يحيى، وجعفر، والفضل -في أشعر بيت قالته العرب في التشبيه، ولم يقع إجماعنا على بيت نركن إليه دون غيره. فأردناك لفصل هذه القضية، واجتناء ثمرة الصواب فيها "فقلت: "يا أمير المؤمنين، إن التعيين على بيت واحدٍ، في نوعٍ، قد توسعت العرب فيه، والقصر عليه صعب ولكن أحسن الناس تشبيهًا امرؤ القيس، قال في ماذا؟ قلت: في قوله طويل:
كأن قلوب الطير رطبًا ويابسًا لدى وكرها العناب والحشف البالي
"وقوله" طويل:
كأن عيون الوحش حول خبائنا وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب
"وقوله" متقارب:
ولو عن نثا غيره جاءني وجرح اللسان كجرح اليد
"وقوله" طويل:
سموت إليها بعدما نام أهلها سمو حباب الماء حالًا على حال
قال: فالتفت إلى يحيى، فقال: "هذه واحدة -وقد نص على أن أمرأ القيس أبرع الناس تشبيهًا -قال يحيى: "هني لك يا أمير المؤمنين.
"قال: ثم قال لي الرشيد: فما أبرع تشبيهاته عندك؟ قلت: قوله يصف فرسًا" متقارب:
كأن تشوفه بالضحى تشوف أزرق ذي مخلب
إذا بز عنه جلال له يقول سليب ولم يسلب
قال: فقال الرشيد: "هذا أحسن، وأحسن منه قوله طويل:
فرحنا بكابن الماء يجنب وسطنا تصوب فيه العين طورًا وترتقي