قال أبو المِسْور الباهلي:
إذا ما الفَتَى بَلَغ الأربعينَ وجاوزَهَا عَدُّ حسابِهِ
ولم ينهَهُ الشَّيْبُ عن جهلِهِ وقد شابَ أكثرُ أترابِهِ
فلا تَرْجُ أنْ يرعَوِي بعدَها ولكنْ سيَجرِي على دابِهِ
كفَى بالمشيبِ له واعِظًا دليلًا على ما سيُمنَى بِهِ
وقال حاتم طيء:
عَرِيتُ عن الشَّبابِ وكنتُ غَضًّا كما يعرَى عن الورَقِ القضيبُ
ونُحْتُ على الشَّبابِ بدمعِ عيني فما نفَعَ البكاءُ ولا النَّحيبُ
ألا ليتَ الشَّبابَ يعودُ يومًا فأُخبِرَهُ بما فعَلَ المشيبُ
وقال عَتَّاب بن وَرقاء:
يا ذا الَّذي شابَ وما تابَ انْزجِرْ وارْدَعْ فُؤادًا قد أصرَّ وعتَا
حتَّى مَتَى لا تَرْعَوِي حتَّى مَتَى حسبُكَ بالشَّيْبِ نَذيرًا وكَفَى
والشَّيْبُ والشّبَّانُ للموتِ ولا حيلةَ للموتِ إذا الموتُ أتَى
وقال بعض المعمرين:
الموتُ خيرٌ للفَتَى فليهلكَنْ وبِهِ بَقيَّهْ
من أنْ يُرَى الشَّيخَ البَجَا لَ وقد تهادَى بالعشيَّهْ
وَلَكُلّ ما نالَ الفَتَى قدْ نلتُهُ إلاَّ التَّحيَّهْ
وقال آخر:
إذا مَا المرءُ جرَّبَ ثمَّ مرَّتْ عليهِ الأربعونَ مع الرِّجالِ
فلمْ يلحقْ بصالِحهم فَدُعْه فليسَ بمفلحٍ أُخرى اللَّيالِي
وقال محمود الوَرَّاق:
لمَّا طوتْكَ الأربعونَ وآنَ للعُمْرِ انْقِراضُ
جادَ السَّواد بنفسه وبَدَا بعارضك البياضُ
ومَتَى أطفت بلذَّة فلعارض فيها اعتراضُ
أنشدني أبو نصر الوزير:
إذا بلَغَ السَّبعينَ عمرُكَ لم يكنْ لدائِك إلاَّ أنْ تَموتَ طبيبُ
وإنَّ امرءًا قد سارَ سبعينَ حجَّةً إلى منهلٍ من وردِهِ لَقريبُ
وقال منصور الفقيه ﵀:
قبيحٌ بمَنْ جَاوزَ الأربعينَ وشابَتْ ذَوائبهُ أنْ يَقولا
ألا شمسُ دَجْنٍ تجيدُ الغناءَ وبَدرٌ يُديرُ علينا الشَّمُولا
وقال ابن المعتزّ:
أَفِقْ عنكَ حانَتْ كبرةٌ ومَشيبُ أما للتُّقَى والحقِّ فيكَ نَصيبُ
وما الدَّهرُ إلاَّ مِثلُ يومٍ وليلةٍ وما الموتُ إلاَّ نازلٌ وقَريبُ
أيَا مَنْ لهُ في باطِنِ الأمرِ مَنزلٌ أتفرَحُ بالدُّنيا غريبُ
وقال ابن الرُّومي:
تُعيِّرني شَيبي بِبَيْضاءَ نابتَهْ لها لَوْعةٌ في مُضمرِ القلبِ ثابتَهْ
ومن عَجَبٍ أنِّي إذا رُمْتُ نَتْفَهَا نَتَفْتُ سِواها وهي تَضحكُ شَامتَهْ
وقال أيضًا:
لم أقلْ للشَّبابِ في كنَفِ الل هـ وفي سِتْره غَداةَ تَوَلى
زَائرٌ زارَنَا أقامَ قليلًا مَلأَ الصُّحْفَ بالذُّنوبِ وَوَلَّى
وقال أبو بكر القوهي:
الشَّيْبُ سرُّ المَوْتِ يَتْ لُوه لأخذِكَ جَهْرُهْ
سَهْمُ المنيَّةِ نافِذٌ فيمَنْ تَقَوَّسَ ظَهْرُهْ
وقال آخر:
أهْلًا وسهْلًا بضيفٍ نَزَلْ وأَسْتودِعُ اللهَ إلْفًا رَحَلْ
سَقَى اللهُ ذاكَ وهَذا معًا فنِعمَ المُولِّي ونعمَ البَدَلْ
فأمَّا المشيبُ فصُبحٌ بَدَا وأمَّا الشَّبابُ فَلَيْلٌ أَفَلْ
فولَّى الشَّبابُ كأَنْ لم يكنْ وحَلَّ المَشيبُ كأَنْ لمْ يَزَلْ
وقال أبو حنيفة الإمام ﵁:
لمَّا رأيتُ الشَّيْبَ قد نَزَلا وبانَ منِّي الشَّبابُ فارْتَحَلا
أحسَسْتُ بالموتِ فانكسرتُ لهُ وكلُّ حيٍّ يوافِقُ الأَجَلا
كمْ صاحبٍ لِي كانَ يُؤنسني أصبَحَ تحتَ التُّرابِ منجدلا
لا يسمعُ الصَّوتَ إن هتفتَ بِهِ ولا يَردُّ الجوابَ إن سُئِلا
لو خلد الله، فاعلموا، رجلًا لخلد الأنبياء والرسلا
وقال دويد النهدي، وكان من المعمرين:
اليومَ يُبْنَى لدُوَيْدٍ بيتُه
لو كانَ للدَّهرِ بِلًى أبليتُه
أو كانَ قِرْنِي واحدًا كَفَيْتُه
يا رُبَّ نهبٍ صالحٍ حَويتُه
ورُبَّ خصمٍ صالحٍ أشجيتُه
[ ١ ]
ومِعْصَمٍ مخضّبٍ ثنيتُه
آخر:
أنتَ في الأربعينَ مِثلُكَ في العش رين قُلْ لي مَتَى يكونُ الفَلاحُ
وقال آخر:
يا خاضِبَ الشَّيْبِ بالحِنَّاءِ يستُرُه سَلِ الإلهَ سِتْرًا من النَّارِ
لنْ يرحلَ الشَّيْبُ عن دارٍ يَحلُّ بها حتَّى يُرحّلَ صاحبَ الدَّارِ
وقال آخر:
قالتْ وقدْ راعها مَشيبي كنتَ ابنَ عَمٍّ فصِرْتَ عَمَّا
فقلتُ لا تَعْجَبِي لِهذا قد كنتِ بنتًا فصرتِ أُمَّا
أنشدني قاضي هراة وهو أبو القاسم الداودي:
ولي صاحِبٌ ما كنتُ أرضاهُ صاحبًا فلمَّا التَقَينا كانَ أكرمَ صاحبِ
نَفِسْتُ عليه أنْ يُفارقَ بعدَما تمنَّيتُ دهرًا أنْ يكونَ مُجانِبِي
وقال آخر يمدح الشَّيْب ويخفّفه علَى قلبه:
والشَّيْبُ إنْ يَحلُلْ فإنَّ وَرَاءهُ عُمْرًا يكونُ خِلالَهُ مُتَنَفَّسُ
لم ينقِصْ منِّي المَشيبُ قُلامَةً الآنَ حينَ بَدَا أَلَبُّ وأكيسُ
آخر:
من عاشَ أخلقتِ الأيَّامُ جِدَّته وخانَهُ ثِقَتاهُ السَّمعُ والبَصَرُ
آخر:
وأرَى اللَّيالي مَا طوَتْ من قُوَّتي رَدَّتْه في عِظَتي وفي إفْهامِي
آخر:
ولَعمرُ الشَّبابِ ما كانَ عنِّي أوَّلَ الرَّاحلينَ مِن أصحابي
وقال أبو العتاهية:
نعى لك شرخ الشباب المشيب وناداك باسم سواك الخطوب
فكُنْ مستعدًّا لداعي الفَنَاء فإنَّ الَّذي هو آتٍ قريبُ
وقبلَكَ داوَى الطَّبيبُ المريضَ فعاشَ المريضُ وماتَ الطَّبيبُ
وقال أعرابيّ:
وخَريدةٍ مَسَحتْ عِذاري مَسَحتْ مَشيبي بالخِمارِ
قالتْ غُبار قدْ عَلا كَ فقلتُ مَاذا بالغبارِ
هَذا الَّذي نقَلَ الملو كَ إلى القبورِ من الدِّيارِ
وقال آخر، وكان الزهري يتمثَّل به:
ذَهَبَ الشَّبابُ فلا شَبابَ جُمانا وكأنَّ شَيئًا بَانَ لم يَكُ كَانَا
وطَويتُ كفِّي يا جُمَانَ علَى العَصَا وكَفَى جُمَانا بطَيِّها حَدَثانا
يا مَنْ لِشيخٍ قد تَخَدَّدَ لحمُهُ أفنَى ثَلاثَ عمائمٍ ألوانَا
وقال آخر:
أبنيَّ إنِّي قدْ كَبِرتُ وقدْ حنا قوسي الكِبرْ
وابْيَضَّ بعْدَ سَوادِهِ وجُثُوله منِّي الشَّعرْ
وتَقَاربَ الخطوُ البعيدُ وكَلَّ سَمْعِي والبَصَرْ
فعليكُمُ بالغَزْو في أعيانِ قومكمُ الغُرَرْ
والقَوْدِ للخيلِ العِتَاقِ إلى الثُّغُورِ بلا بَطَرْ
كَيْما تعيشوا مُوسِري ن من المُوَبَّلَة العَكَرْ
إنَّ الكريم بلا غنًى كالقَوسِ ليسَ لها وَتَرْ
أنشدني أبو الحسن بن محمد بن الحسن بن جعفر بن أبي روح الزوزني:
كَفَى الشَّيْبُ عارًا أنَّ صاحبَهُ إذا أردتَ له وَصْفًا به قلتَ أشيَبُ
وكانَ قياسُ الأصلِ أن قستَ شائِبًا ولكنَّه من جُملةِ العَيْبِ يُحسَبُ
وقال عبد الله بن طاهر:
اشتَعَلَ الرَّأسُ فأخفيتُهُ وَكَلَّ مِقْراضِي فأَعْفَيْتُهُ
وكلَّما حاولتُ قَصًّا له وقلتُ في نفسي أفنيتُهُ
عاوَدَني مِن غدِهِ طالِعًا كأنَّني بالأمسِ ربَّيتُهُ
أَرومُ ما ليستْ له حِيلةٌ أعيانِيَ الشَّيْبُ فخلَّيتُهُ
وقال آخر:
نَذيرٌ ولكنَّه صامِتٌ وضيفٌ ولكنَّه شامِتُ
وإشْخاص موتٍ ولكنَّه إلى أنْ يُشَيِّعني ثابِتُ
وقال الخليل السجزي:
الشَّيْبُ أبهَى من الشَّبابِ فلا تُهَجّنْه بالخِضابِ
هَذا غرابٌ وذاكَ بَازٍ والبازُ أبهَى من الغُرابِ
قيل لعبَّاس بن مرداس بعدما شاخ: لو شربت النَّبيذ لزاد في قوَّتك، فقال: لا أُصبح رئيسَ قومي ثمَّ أُمسي وأنا سفيهُهم وأنشأ يقول:
رأيتُ النَّبيذَ يُذِلُّ العزيزَ ويَزدادُ فيه الوَضِيعُ انْفِساخَا
ويُوقِعُ في سَوْأةٍ شاربيهِ ويَكسُو التَّقيَّ النَّقيَّ اتّساخَا
فإنْ كانَ ذا جائزًا في الشَّبابِ فما العُذرُ فيه إذا المرءُ شاخَا
[ ٢ ]
وقال يموت بن المزرع:
مَنْ شَابَ قد ماتَ وهو حيٌّ يَمشي علَى الأرضِ مشيَ هالِكْ
لو كانَ عمر الفَتَى حِسابًا لكانَ في شيبهِ فَذَلِكْ
وقال آخر:
تعجبتْ دُرُّ من شَيبي فقلتُ لها لا تَعجبي قد يَلوحُ الفجرُ في السدَفِ
وزادَهَا عَجَبًا أنْ رُحتُ في سَمَلٍ وما دَرَتْ دُرُّ أن الدّرَّ في الصَّدفِ
وقال آخر:
صدَّتْ نَوَارُ وأبدتْ زُهدَها فينا وصارَمَتْ بعدَما كانتْ تُصافينَا
واستنكرتْ لمَّتي بعدَ المشيبِ فما تَرعَى الوِصالَ وقد كانتْ تُراعينَا
فقلتُ لمَّا رأيتُ الهجرَ عزمتهَا ماذا دهاكِ وقد كنَّا مُحبِّينَا
وما أتيتُ بذنبٍ أَستحِقُّ بِهِ منكِ الجفاءَ فكمْ عنَّا تَصُدِّينا
قالتْ بلَى لكَ ذنبٌ لستُ أغفِرُهُ ولو تشفَّعْتَ فينا بالنَّبيِّينا
أليسَ قد لاحَ فيكَ الشَّيْبُ من كبرٍ وبانَ منكَ شبابٌ كانَ يُصبينَا
فما لنا فيكَ بعدَ الشَّيْبِ مِنْ أَرَبٍ فاقنَ الحياءَ وشمّر في المخِفينا
فقلتُ ويحكِ إنَّ الشَّيْبَ مكرمةٌ فيه الوَقارُ فما منهُ تَعيبينا
أنبِلْ بذي الشَّيْبِ في الإسلامِ صارَ بِهِ مُبَجَّلًا في عيونِ النَّاسِ مأمونَا
قالتْ وراءَكَ لا تكثر تَمَلُّقَنَا قَصِّر عنانَكَ كم بالقولِ تُؤذينَا
الشَّيْبُ أعظمُ ذنبًا عندَ غانيةٍ من ابنِ ملجمَ عندَ الفاطميِّينَا
أنشدني محمد بن حامد بن أسد الخارجي:
تعجَّبتْ أنْ رأَتْ شيبي فقلتُ لها لا تَعجَبي مَنْ يَطُلْ عمرٌ بِهِ يَشِبُ
شيبُ الرِّجالِ لهمْ عِزٌّ ومكرمةٌ وشيبكُنَّ لكُنَّ الويلُ فانتحِبِي
لأن فينا وإن شيبٌ بَدَا أَرَبٌ وليس فيكُنَّ بعدَ الشَّيْبِ من أَرَبِ
وقال إسماعيل بن عبد الله العجلي:
لَهَفي علَى عُمُرٍ ضيَّعتُ أوَّلَه وغالَ آخرَه الأسقامُ والهرمُ
كمْ أقرَعُ السِّنَّ بعدَ الفَوْتِ من نَدَمٍ وأينَ يبلغُ قرعُ السِّنّ والنَّدَمُ
إلا تناهيتُ حينَ العمرُ مقتَبلٌ والنَّفسُ في جذوةٍ والعزّ محتدمُ
وقال آخر:
أعينيَّ هلاَّ تبكيانِ علَى عُمري تناثَر عُمْري من يدَيَّ ولا أدري
إذا كنتُ قد جاوزتُ ستينَ حجةً ولم أتأهَّبْ للمعادِ فما عُذْري
وقال محمد بن مناذر:
ماذا أُرجي وقد خلتْ ليَ ستونَ وستٌ سلبنَني مَجْلودي
حُلْنَ عنّي وقد تَعرّقْنَ لحمي وبريْنَ العظامَ بَريَ العودِ
وقال عوف بن محلّم:
قل للذي دانَ له المَشْرقانْ وألبسَ الأمْنَ به المغرِبانْ
إنَّ الثمانينَ وبلّغتَها قد أحوجتْ سَمعي إلى تَرْجُمانْ
وبدلتني بالشطاطِ الحَنا وكنتُ كالصَّعْدةِ تحتَ السِنانْ
وقاربَتْ منِّي خُطى لم تكنْ مُقارباتٍ وثَنتْ من عِنان
وأنشأتْ بيني وبينَ الورَى عَنانةً ليستْ بجنس العَنان
وبدّلتْني بَزَماعِ الفَتَى وعزمه عَزمَ الجَثوم الهِدان
وما بقي منِّي لمُستمتعٍ إلاَّ لساني وبحَسبي لسان
أدعو به الله وأثْني به علَى الأميرِ المُصْعَبيّ الهِجان
فهمْتُ بالأوطانِ شَوْقًا بها لا بالغواني أينَ منِّي الغَوان
فَقرّباني بأبي أنتُما من وطني قبلَ اصفرارِ البَنان
وقبلَ منعايَ إلى نسْوة أوطانُها حَرّانُ والرَّقَّتان
سقى قصورَ الشَّاذياخِ الحيا بعدَ وَداعي وقصورَ الميان
فكمْ وكمْ من دَعوةٍ لي بها أنْ تَتخطَّاها صُروفُ الزَّمان
وقال آخر في نصر بن دُهْمان المعمّر:
ونصرُ بنُ دُهْمانَ الهنيدةَ عاشَها وتسعينَ حولًا ثمَّ قُوم فانصاتا
وعادَ سوادُ الرأسِ بعدَ بياضه وراجَعه شرخُ الشَّبابِ الَّذي فاتا
فعاشَ بخيرٍ في نعيمٍ وغِبْطةٍ ولكنّه من بعدِ ذا كلِه ماتا
وقال رجل من قريش:
بانَ شَبابي لو تَعزّيْتُ واستُقبِلَ العيشُ وولّيْتُ
[ ٣ ]
وقد أراني مُسْبلًا ذيلَه كم جِدّةٍ للعيشِ أبليْتُ
ثمَّ انقضَى عنّي بلَيّاتِه لمّا علَى الستينَ أربيْتُ
أُفٍ لدنيا عيشُها زائلٌ والحيُّ فيها واسمه الميْتُ
وقال آخر:
ما مَنْ أتَتْ من دونِ مولدِه خمسونَ بالمعذورِ في الجَهْلِ
وإذا انقضتْ خمسونَ عن رجلٍ هَجر الصِّبَى ومشى علَى رِسْلِ
ولو أنَّ أسرابَ الدموعِ ثَنتْ شرخَ الشَّبابِ علَى امرئٍ قبلي
لَهرقتُ من عينيَّ أربعةً وسَفحتُها سَجْلًا علَى سَجْلِ
وقال ابن الرومي:
فكّرتُ في خمسين عامًا مضتْ كانتْ أمامي ثمَّ خَلّفتُها
لو أنَّ عُمْري مائةٌ هَدّني تَذكُري أنِّي تَنصّفتُها
وقال ابن حازم:
لا حينَ صَبرٍ فخَلِ الدمعَ يَنهمِلُ فقدُ الشَّبابِ بيومِ المرءِ مُتَّصِلُ
سَقْيًا ورعيًا لأيام الشَّبابِ وإنْ لم يبقَ منكَ له رسْمٌ ولا طَلَلُ
بانَ الشَّبابُ ووَلَّى عنكَ باطلُه فليسَ يَحْسنُ منكَ اللهو والغَزلُ
لا تَكذبنَّ فما الدُّنيا بأجمعها من الشَّبابِ بيومٍ واحدٍ بَدَلُ
وقال آخر:
أليسَ عَجيبًا بأنَّ الفَتَى يُصابُ ببعضِ الَّذي في يَديْهِ
فمِنْ بين باكٍ له موجعٍ ومن بينِ غادٍ مُعَزٍ إليهِ
ويَسْلُبه الشَّيْبُ شرخَ الشَّبابِ فليسَ يُعَزّيه خَلْقٌ عليهِ
أنشدني حمزة بن أسد العامري ﵀:
علَى كُلِّ حالٍ يأكلُ المرءُ زادَه علَى البُؤسِ والنَّعْماءِ والحَدثانِ
وكلُّ جديدٍ يا أُمَيْمَ إلى بِلًى وكلُّ امرئٍ يومًا يَصير إلى كانِ
وقال الهيثم بن عريان النخعيّ:
ألا أُنبّيكَ بآياتِ الكِبَرْ
تَقاربُ الخَطْوِ ونَقْصٌ في البَصرْ
وقِلّةُ الطَّعْم إذا الزَّادُ حَضرْ
وتركيَ الحسناءَ في وقت السَحَرْ
والنّاسُ يَبْلَونَ كما يَبْلى الشَجَرْ
وقال آخر:
جَنبي تَجافَى عن الوِسادِ خوفًا من الموتِ والمَعادِ
من خافَ من سَكرة المَنايا لم يَدْرِ ما لَذّةُ الرُّقادِ
قد بلغَ الزرعُ مُنْتهاهُ لا بُدَ للزرعِ من حَصادِ
أنشدني عبد الرحمن بن أبي شريح الأنصاري:
إذا رأيتَ صَلَعًا في الهامَهْ
وحَدَبًا بعدَ اعتدالِ القامَهْ
وصار شعْرُ الرأسِ كالثَّغامَهْ
فايْأسْ عن الصّحة والسَّلامَهْ
وعُدْ إلى التَّوبةِ والنَّدامَهْ
فقدْ عليك قامَتْ القِيامَهْ
أنشدني عبد الملك بن محمد اليمامي:
أقولُ ونُوّار المَشيبِ بعارضي قد افْترَّ لي عن نابِ أسودَ سالخِ
أشَيْبًا وحاجاتُ الفؤادِ كأنّما يَجيشُ بها في الصّدر مِرجلُ طابخِ
وما بيَ ريعانُ الشَّبابِ وإنْ هوَى به الشَّيْبُ عن طَودٍ من العِزّ باذخِ
ولكنّه قد قيل شَيخٌ وليس لي علَى حَدثانِ الدَّهْرِ صَبرُ المشايخِ
وقال آخر:
أصبحتُ لا يحمِل بعضي بعضا
كأنّما كان شبابي قرضا
فَأُدِّيَ القَرضُ وكان فَرضا
وصارَ غُصني ذاويا مُنْفَضّا
وقال آخر:
اللّيلُ شيّب والنَّهارُ كلاهُما رأسي بكثرة ما تدورُ رَحاهما
فأنا النذيرُ لذي الشبيبة منهما لا يأمننَّهما فإنّهما هُما
والشَّيْبُ إحدى الميتتين تَقدمَتْ أُولاهُما وتأخَّرتْ أُخراهُما
وقال آخر:
إذا الرجالُ ولَدتْ أولادُها
وضعُفت من كِبَر أجسادُها
وأصبحت أسقامُها تعتادُها
فهي زُروع قدْ دَنا حصادُها
وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
ثِنتانِ لو بكَتِ الدماءُ عليهما عَينايَ حتَّى تُؤذِنا بذَهابِ
لم تبلُغا المِعْشارَ من حَقيهما فقْدُ الشَّبابِ وفرقةُ الأحبابِ
وقال آخر:
بكيتُ علَى شبابٍ قد تولَّى فيا ليتَ الشَّبابَ لنا يعودُ
فلو كانَ الشَّباب يُباعُ بَيْعًا لأعطيتُ المُبايعَ ما يُريدُ
[ ٤ ]
ولكنَّ الشَّبابَ إذا تولَّى علَى شَرفٍ فمطلبُه شَديدُ
وقال الحارث بن حبيب الأزدي:
ألا هلْ شَبابٌ يُشترَى برغيبِ يدُلُّ عليه الحارثَ بنَ حبيبِ
فَمن لِسوادٌ الرَّأسِ بعد بياضِهِ ومن لاعتدالِ الظَّهرِ بعدَ دَبيبِ
وقال أبو علي المهراني:
أبعدَ ستِّينَ من عُمري أُؤملُ أن أنالَ ما لمْ أنلهُ في ثَلاثينا
مَنْ أخطَأتْهُ الأخاطِي في شَبيبته ورَامَهَا لم يَنَلْها في المُسنِّينا
وقال بعض العلماء:
ألا فامهدْ لنفسكَ قبلَ موتٍ فإنَّ الشَّيْبَ تَمهيدُ الحِمامِ
وقدْ جدَّ الرَّحيلُ فكنْ مُجِدًّا لحطِّ الرَّحلِ في دار المقامِ
وكان هشام بن عبد الملك يتمثَّل:
قد كنتُ أبكي من البيضاءِ أُبصِرُها في شعرِ رأسِي فقد أقررتُ بالبَلَقِ
فاليومَ حينَ عَلاني الشَّيْبُ وَدَّعني ما كنتُ ألتَذُّ من عيشٍ ومن خُلُقِ
وقال آخر:
قد شابَ رأسُكَ وانْطَوَى ثوبُ الصِّبى وأراكَ غِرًّا في البَطالةِ تلعَبُ
قال الشَّبابُ لعلَّنا في شَيبنَا نَدَعُ الذّنوبَ فما يقولُ الأشيبُ
أنشدني قاضي سجستان:
غَدَا بُنَيَّ وراحَ قبلي يلبسُ ما قدْ خلعتُ عنِّي
فسرَّني ما رأيتُ منهُ وسَاءَني ما رأيتُ منِّي
وقال رؤبة:
قالت سُلَيْمَى والكبيرُ يصلَعُ
ما رأسُ ذا إلاَّ جَبينٌ أجمَعُ
وقال آخر:
في الشَّيْبِ عافيةٌ ما لم يكُنْ صَلَعُ فإنَّ ذاكَ وذَا بلوَى إذا اجتمَعَا
لونُ المشيبِ إذا ما شئتَ يستُرُهُ لونُ الخِضابِ فماذا يستُرُ الصَّلَعَا
وقال الحسن بن أحمد المهراني الإمام:
تنْعَى إليَّ بُنَيَّتي نَفسِي ودَّعْتُ يومَ وِلادِها أُنْسِي
أيقنتُ أنِّي بعدَما بلغتْ مُترحِّلٌ عنها إلى رَمْسِي
أنا أمْسُها وبُنيَّتي يَومِي فمتى يعودُ ليومِها أمسِي
أنشدني والدي ﵀:
اعلمْ هَداكَ اللهُ يا ابنَ الحارثَهْ
أنَّ العَصَا للشَّيخ رِجلٌ ثالثَهْ
وقال حميد بن ثور:
أرَى بَصَرِي قد رابَني بعدَ صِحَّةٍ وحسبُكَ داءً أنْ تَصِحَّ وتسلَمَا
ولن يلبثَ العصرانِ يومٌ وليلةٌ إذا قَصَدا أن يُدركا ما تيمَّمَا
وقال آخر:
كانتْ قَنَاتي لا تَلينُ لغامزٍ فَالأَنها الإصباحُ والإمساءُ
ودعوتُ ربِّي بالسَّلامةِ جاهِدًا لِيُصحني فإذا السَّلامةُ داءُ
وفي نحوه لآخر:
يُريدُ الفَتَى طولَ السَّلامةِ جاهدًا فكيفَ يُرَى طولَ السَّلامةِ يفعَلُ
وقال ابن المعتزّ:
صدَّتْ شَريرُ وأزمعتْ هَجْرِي وصَفَتْ ضَمائرها إلى الغدرِ
قالتْ كَبِرْتَ وشِبتَ قلتُ لها هذا غُبارُ وقائعِ الدَّهرِ
لابن الرُّومي:
يا ابنَ عشرينَ لا تغَرَّنَ بالدَّهرِ فقد تُكسَرُ الغصونُ الرِّطابُ
يا مَن استكملَ الثَّلاثينَ ما أسْ رعَ ما يُستردُّ منكَ الشَّبابُ
يا أخا الأربعينَ فقد نزَلَ الشَّيْ بُ وما بعدَ ذاكَ إلاَّ الذَّهابُ
يا ابنَ خمسينَ عَزِّ نفسكَ بالصَّبْ رِ فلا يُرجعُ الشَّبابَ الخضابُ
يا ابنَ ستِّينَ قد توفيتَ عُمْ رينِ وما إنْ أقلعتَ عمَّا يُعابُ
يا ابنَ سبعينَ توَّبَتْكَ اللَّيالي أفلا تُبْتَ حينَ فيك مَتَابُ
يا مَن استنفَدَ الثَّمانينَ عُمِّرْ تَ وماتَ الإخوانُ والأصحابُ
فزيد فيه:
يا ابنَ تسعينَ قد أعلَّكَ جسمٌ واهِنٌ أيْره وعقلٌ مُصابُ
ولقلَّ الَّذي يعيشُ فَيحصِي عشرَ إلفٍ من عُمْرِهِ الحُسَّابُ
وقال آخر:
ألن تَرَ أنَّ الدَّهرَ يومٌ وليلةٌ يَحُولانِ من سبْتٍ عليك إلى سَبْتِ
فقُلْ لجديدِ العُمْرِ لا بدَّ من بِلًى وقلْ لاجتماعِ الشَّملِ لا بدَّ من شَتِّ
وقال آخر:
بانَ الشَّبابُ فودِّعاهُ حَميدا هل ما تَرَى خَلَقًا يَعودُ جَديدَا
وقال آخر:
[ ٥ ]
أَقْصِرْ فإنَّ المنايا لها ببابكَ نَوْبَه
إنْ لمْ تَتُبْ بعدَ شيبٍ فليسَ في القبرِ تَوْبَه
وقال آخر:
ما لكَ في الجهلِ من عَذيرِ وقد توسَّمْتَ بالقَتِيرِ
خلت ثلاثونَ بعد عَشْر وتَابعاتٌ من الشُّهورِ
أحدثْنَ بعدَ الضَّلالِ رُشْدًا وما عَمي القلب كالبصيرِ
أنشدني أبو الشريف البسطامي لنفسه:
شيبُ الفَتَى آخر عُمْر الفَتَى وإنْ تَمادَى بالفَتَى عُمْرُهُ
شَبابُهُ أخِرُه شَيبُه وشَيبُه أخرُه قبرُهُ
وقال أبو الحسن المدني:
فهلْ تَرَى بعدَ المشيبِ والصَّلَعْ
لابنِ ثلاثينَ وعشرٍ من طَمَعْ
يرقَعُ والدَّهرُ يُفَرِّي ما رَقَعْ
فَهَلْ تَرَى يُغني الحِذارُ والجَزَعْ
إذا الفَتَى عايَنَ شيئًا قدْ طَلَعْ
كأنَّما عايَنَ هَوْلُ المُطَّلَعْ
وقال أبو الحسن العبدلكاني:
أناخَ جيشُ المشيبِ مقتدِرَا علَى شبابي فمرَّ منكسِرَا
ليلٌ حبيبٌ إليَّ رؤيتُه مَضَى وصبحٌ كرِهْتُه ظَهَرا
كأنَّه واخِزٌ بطلعته في القلبِ منِّي بكفِّه إبَرَا
نذيرُ موتٍ أتَى ليُنذرني بقربهِ لوْ ظَلِلْتُ مُعتَبِرا
أستغفرُ الله ما حييتُ فقدْ جاءَ رسولُ الحِمام مبتَكِرا
آخر:
يا صلعةً لأبي حفصٍ مُمَرَّدةً كأنَّ ساحَتَها مِرآةُ فولاذِ
أنشدني رئيس الكتبة بالحضرة أبو نصر منصور بن مشكان:
قالَ السّلاميُّ وَهَتْ قوَّتي فصِرتُ مثلَ الفرخِ إذْ يلقُطُ
فأسودٌ يَبْيَضُّ في عارِضي وأبيضٌ في الفم لي يسقُطُ
وقال آخر:
أحالَ الشَّبابُ عليه المشيبا ودَبَّ الزَّمَانُ إليه دَبيبا
وأنكره البيضُ بعدَ البياضِ فأصبحَ بين الغواني غريبا
وقال علي بن الجهم:
وعظته الكأسُ إذ ارتعَهَا وأرتْهُ الشَّيْبَ فيها والصَّلَعْ
زَجرتْهُ فانتَهَى عنها ولو غيرُها يردَعُ عنها ما ارتَدَعْ
وقال علقمة بن عبدة الفحل:
فإنْ تسألوني بالنِّساءِ فإنَّني عليمٌ بأدواءِ النِّساءِ طبيبُ
يُرِدْنَ ثراءَ المالِ حيثُ علمنَهُ وشرخُ الشَّبابِ عندهُنَّ عجيبُ
إذا شابَ رأسُ المرءِ أو قلَّ مالهُ فليسَ له في وُدِّهنَّ نصيبُ
وقال آخر:
ألستَ تَرَى شَيبًا برأسيَ شاملًا وَنَتْ حيلتِي عنه وضاقَ به ذَرعِي
كأنَّ المقاريضَ الَّتي يَعتورْنَه مناقيرُ طيرٍ تَنتقي سنبل الزَّرْعِ
آخر:
فأنتَ تَقرضها والله يُنْبِتُها وهلْ يقومُ لأمر الله مِقْراضُ
آخر:
وأرَى الغَواني لا يُواصلنَ امرءًا فَقَدَ الشَّبابَ وقد يصلْنَ الأمْرَدَا
آخر:
أحلَى الرِّجالِ من النِّساءِ مَواقعًا مَنْ كانَ أشبههُم بهنَّ خُدُودَا
وقال البحتري:
كواكبُ شيبٍ علقْنَ الصِّبَا فقلَّلْنَ من حُسنهِ ما كَثُرْ
وإنِّي وجدتُ فلا تكذبَنْ سوادَ الهَوَى في بياض الشَّعَرْ
ولا بدَّ من تركِ إحدَى اثْنَتَيْن إمَّا الشَّباب وإمَّا العُمُرْ
وقال أبو تمام:
أرَى الشَّيْبَ مُختَطًّا بفَوْدَيَّ خِطَّة طريقُ الرَّدَى منها إلى النَّفس مَهْيَعُ
هو الزَّوْرُ يُجْفَى والمعاشرُ يُجْتَوَى وذو الإلفِ يُقْلَى والجديدُ يُرقَّعُ
ونحن نُزجِّيه علَى الكُرة والرِّضَا وأنفُ الفَتَى من وجهِهِ وهو أجدَعُ
وقال لبيد:
ولقدْ سئمتُ من الحياةِ وطولِها وسؤالِ هذا النَّاسِ كيفَ لبيدُ
وبَقيت سبتًا قبل مجرى داحِس لو كانَ للنَّفسِ اللَّجوجِ خلودُ
وقال زهير:
سئمتُ تكاليفَ الحياةِ ومن يعِشْ ثمانينَ حولًا لا أبا لَكَ يَسْأَمِ
رأيتُ المنايا خبطَ عشواءٍ من تُصبْ تُمتْهُ ومن تُخطِئ يُعمّر فيهرَمِ
ومن لا يذُدْ عن حوضِهِ بسلاحِهِ يُهَدَّمِ ومن لا يَظلم النَّاسَ يُظلَمِ
ومهما تكنْ عند امرئٍ من خَليقَة ولو خالَهَا تَخفى علَى النَّاس تُعْلمِ
[ ٦ ]
ومن لا يُصانع في أُمورٍ كثيرةٍ يُضرسْ بأنيابٍ ويُوطَأ بمنسِمِ
ومن يَغتربْ يحسِبْ عدوًّا صديقَهُ ومن لا يُكرّم نفسه لا يكرَّمِ
ومن يجعلِ المعروفَ من دونِ عِرضه يَفِرْه ومن لا يتَّقي الشّتم يُشتَمِ
لسانُ الفَتَى نصفٌ ونصفٌ فؤاده فلم يبقَ إلاَّ صورةُ اللَّحمِ والدَّمِ
وكائنْ تَرَى من صامت لكَ معجب زيادتهُ أو نقصُهُ في التَّكلُّمِ
وأعلمُ ما في اليومِ والأمسِ قبلَهُ ولكنَّني عن علمِ ما في غدٍ عَمِي
ومن يَكُ ذا فضلٍ فَيَبخلْ بفضلِهِ علَى قومِهِ يُسْتغنَ عنهُ ويُذمَمِ
ومَن لمْ يزلْ يستحملُ النَّاسَ نفسَهُ ولا يُغْنِها يومًا من الدَّهر يُسْأمِ
ومنْ هابَ أسبابَ المنايا ينلنَهُ ولو رامَ أسبابَ السَّماءِ بسلّمِ
آخر:
والشَّيْبُ يبرُقُ في الشَّبابِ كأنَّه ليلٌ يَصيحُ بجانبيهِ نَهَارُ
آخر:
وَدِدْتُ بياضَ السَّيف يوم لقينني مكانَ بيضَ الشَّيْبِ لاحَ بمَفْرِقِي
أخبرني أبو بكر الإصلاحي، قال: أنشدنا أبو بكر العلاف لنفسه في تمنِّي الشَّيْب وكان مُخلَدًا:
إلامَ وفيمَ يَظلمُنِي شَبابِي ويُلبِسُ لمَّتي حَلَكَ الغُرابِ
فيا ابنَ المعتلينَ علَى البَرَايا بعلياءِ النُّبوَّةِ والكتابِ
أبِنْ هل من دواءٍ مُسْتجادٍ لديكم أو دعاءٍ مستجابِ
لأبدِلَ من سوادِ اللَّيلِ صُبْحًا يُضيءُ وادْهِمامًا باشْهِبابِ
فكافورُ المشيبِ لديَّ أحلَى وفي العينينِ من مِسْكِ الشَّبابِ
وقال آخر:
كأنَّ الشَّيْبَ والحَدَثانَ جَرْيًا إلى نفسِ الفَتَى فرسَا سباقِ
كأنَّ بني أميَّة لم يكونُوا ملوكًا بالحجازِ ولا العراقِ
فما الدُّنيا بباقيةٍ لحيٍّ وما حيٌّ إلى الدُّنيا بباقِ
وقال الأسود بن يعفر:
ومن العجائبِ لا أبا لَكَ أنَّني ضُربتْ عليَّ الأرضُ بالأسدادِ
لا أهتَدِي فيها لمَدفعِ تَلْعَةٍ بينَ العراقِ وبينَ أرضِ مُرادِ
وقال علي بن القاسم الخوافي صاحب المختصر من العين:
شاعَ في عارِضَيَّ هذا المشيبُ فهوَ الموتُ والفراقُ قريبُ
كلّ يومٍ للموتِ منِّي نصيبٌ وسهامٌ أرمِي بها وتُصيبُ
وتفانَى أحبَّتِي ولِدَاتِي والبَلايا مع الرَّزايا تَنوبُ
كلّ يومٍ يُنْعَى إليَّ رفيقٌ أو قريبٌ أُحبُّهُ أو حبيبُ
وكأنَّ الفَناءَ صُبَّ عليهم فهُمُ في التُّرابِ مُرْدٌ وشِيبُ
وقال آخر:
أصبحتُ لا أحمِلُ السِّلاحَ ولا أملِكُ رأسَ البعيرِ إنْ نَفَرَا
والذِّئبُ أخشاهُ إنْ خلوتُ بِهِ وحدِي وأخشَى الرِّياحَ والمَطَرا
من بعدِ ما قوَّةٍ أُسَرُّ بها أصبحتُ شيخًا أُعالجُ الكِبَرَا
وقال الحسن بن هانئ:
قالوا كبِرْتَ فقلتُ لم تكبرْ يدِي من أنْ تخِفَّ إلى فمِي بالكاسِ
وإذا عددتُ سِنِّي كم هيَ لم أجدْ للشَّيبِ عُذرًا في الحلولِ براسِي
فإذا نزعتَ عن الغوايةِ فليكُنْ لله ذاكَ النَّزْعُ لا للنَّاسِ
آخر:
قالوا: أنينُكَ طولَ ليلِي يُسْهِرُنا فما الَّذي تشتَكِي قلتُ الثَّمانينا
أنشدني إبراهيم بن علي الطيفوري:
وقالوا ما أشابَكَ قبلَ وقتٍ فقلتُ هوًى وهجرٌ واكتِئابُ
ولو أنَّ الغرابَ اهتمَّ همِّي وفكَّرَ فكرِتي شابَ الغُرابُ
وقال آخر:
كَرِهْتُ شيبي وكرهٌ أنْ يُفارِقَني أعْجِبْ بشيءٍ علَى البغضاءِ مَوْدُودُ
أمَّا الشَّبابُ فمفقودٌ لهُ بَدَلٌ والشَّيْبُ يذهبُ مفقودًا بمفقودِ
وقال آخر:
عَجَبًا للشَّبابِ كيفَ تولَّى ولثوبِ المشيبِ أيّ لِباسِ
ليسَ جُودُ الجوادِ فَضْل مالٍ إنَّما الجودُ للمقِلِّ المُواسِي
وقال بشر بن الحارث:
شَيبٌ يلوحُ كأنَّما نَفَضَتْ زَغَبًا عليهِ حمائمٌ بُلْقُ
ما كنتُ أفسُقُ والشَّبابُ أخي أفحينَ شِبْتُ يجوزُ لي فُسْقُ
[ ٧ ]
وقال أبو نخيلة:
رأتْ قَميصِي قد تَفَرَّى عن يَدِي
وعنْ ذِراعيَّ وعنْ مُقَلَّدِي
تَفرِي الجَفْن عن المُهَنَّدِ
وقدْ عَلَتْنِي ذُرْأةٌ بادِي بَدِي
وَرَثْيَةٌ تَنهضُ في تَشَدُّدِ
وصارَ للفحلِ لِسانِي ويَدِي
وقال منصور الفقيه:
فكُنْ إذا الشَّيْبُ أتَى منِ الرَّدَى علَى وَجَلْ
أنشدني محمد بن عبد الكريم الكاتب لإسحاق بن إبراهيم الموصلي:
سلامٌ علَى سَيْرِ القِلاصِ ما الرَّكبِ وَوَصْلِ الغَواني والمُدامَةِ والشُّربِ
سلامُ امرئٍ لم يبقَ منهُ بقيَّةٌ سوَى نظرِ العينينِ أو شهوةِ القلبِ
لعمرِي لقدْ حُلِّئْتُ عن منهلِ الصِّبا لقد كنتُ وَرَّادًا لمشْرَعِهِ العذبِ
لياليَ أمشي بينَ بُردَيَّ لاهيَا أمِيسُ كغصنِ البانَةِ الناعِمِ الرَّطْبِ
وقال آخر:
رحَلَ الشَّبابُ مُوَلّيًا مَا إنْ أقامَ ولا وَقَفْ
كانَ الشَّبابُ كمُرْسَلٍ أدَّى الرِّسالَةَ وانصرَفْ
أنشدني أبو القاسم النعماني للخوارزمي:
ذَهَبَ الشَّبيبةُ والحَبيبةُ فانْبَرَى دَمْعانِ في الخدَّينِ يزدَحِمانِ
مَا أنصفَتْني الحادثاتُ رَمَيْنَنِي بمُودِّعَيْنِ وليسَ لي قلبانِ
وقال أعشى قيس:
فإنْ يُمْسِ عِندي الشَّيْبُ والهمُّ والعَشَى فقدْ بِنَّ منِّي والسِّلامُ تُفَلَّقُ
بأشجَعَ أخَّاذٍ علَى الدَّهرِ حكمُهُ فمنْ أيّ مَا تَجني الحوادثُ أفرَقُ
وقال آخر:
قدْ ينفَعُ الأدبُ الأحداثَ في مَهَلٍ وليسَ ينفعُ بعدَ الكَبْرَةِ الأدبُ
إنَّ الغُضونَ إذا قَوَّمتها اعتدَلَتْ ولا تَلينُ إذا قَوَّمتها الخَشَبُ
وقال آخر:
وإنَّ سَفَاه الشَّيخِ لا حِلْمَ بعده ويُبدِي الفَتَى بعد السَّفاهِ تَحلُّما
لِذِي الحِلْم قبلَ اليومِ مَا تُقرعُ العَصَا وما عُلِّمَ الإنسانُ إلاَّ ليَعلما
وقال صالح بن عبد القدوس:
والشَّيخُ لا يترُكُ أخلاقَهُ حتَّى يُوارَى في ثَرَى رمسِهِ
إذا ارعَوَى عادَ إلى جهلِهِ كذِي الضّنَى عادَ إلى نكسِهِ
وإنَّ مَنْ أدَّبتَهُ في الصِّبا كالعُودِ يُسقَى الماءَ في غرسِهِ
حتَّى تَراهُ مُورِقًا ناضرًا بعدَ الَّذي أبصرتَ من يبسِهِ
وقال لبيد:
بَلِينا وما تبلَى النُّجومُ الطَّوالعُ وتبقَى الجبالُ بعدنا والمصانِعُ
وما المرءُ إلاَّ كالشِّهابِ وضوئِهِ يحُورُ رَمادًا بعد إذ هو ساطعُ
وما النَّاسُ إلاَّ كالدِّيارِ وأهلِها بها يومَ حَلُّوها وغَدوًا بلاقعُ
وما المالُ والأهلونَ إلاَّ وديعةٌ ولا بدَّ يومًا أنْ تُردَّ الودائعُ
وما النَّاسُ إلاَّ عاملانِ فعاملٌ يُتبّرُ ما يبنِي وآخرُ رافعُ
فمنهم سعيدٌ آخذٌ لنصيبِهِ ومنهم شقيٌّ بالمعيشةِ قانعُ
أليسَ ورائي إنْ تراختْ منِّيَّتِي ركوبُ العَصَا تحْنَى عليها الأصابعُ
أخبّر أخبارَ القرونِ الَّتي مَضَتْ أَدبّ كأنّي كلّما قمتُ راكِعُ
وقال أبو يعلى حمزة بن أحمد الفقيه من مقصورته:
ذُو الشَّيْبِ عمَّا يَشتهيهِ عاجزٌ لا مُقصِرٌ فأيّ خيرٍ يُرتَجَى
مَنْ كفَّ عن آثامِهِ ضَرورةً فلا صَحَا ولا انتَهَى ولا ارْعَوَى
الدّينُ رأسُ المالِ فاستمسِكْ بِهِ فمن نَجَا بدِينهِ فقدْ نَجَا
وقال آخر:
تاركَكَ الذَّنبُ فتاركتَهُ بالجسمِ والشَّهوةُ في القلبِ
تركتَهُ إذْ لمْ تجدْ حِيلةً وقلتَ قد تُبْتُ إلى الرّبِّ
فالحمدُ للذّنبِ علَى تركِهِ لا لَكَ في ترككَ للذّنْبِ
دخل أرطأة بن سهيّة علَى عبد الملك بن مروان وقد كبر، فقال: أنشدني، فأنشده قوله:
رأيتُ المرءَ تأكلُهُ اللَّيالي كأكلِ الأرض ساقِطةَ الحديدِ
وما تبقي المنيَّةُ حينَ تأتِي علَى نفسِ ابنِ آدمَ من مَزيدِ
وأعلمُ أنَّها ستعودُ حتَّى تُوفِّي نَذْرَهَا بأبي الوليدِ
[ ٨ ]
فارتعد عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين، لا تُرَعْ فإنِّي أكنى بأبي الوليد، فقال: كلانا للمنيَّة بمرصد.
وقال سليمان بن يزيد العدوي:
حلَّ المشيبُ حلولَ غيرِ مزايل ومَضَى الشَّبابُ مولِّيًا لا يرجِعُ
وخلعتَ عنكَ إلى المشيبِ رداءهُ والشَّيْبُ عنك رداءه لا يخلَعُ
عمَّا قليلٍ ما تدِبُّ علَى العَصَا إنْ لمْ يعاجِلْكَ الأجلُّ الأقطَعُ
حتَّى كأنَّكَ في النُّهوضِ تَحامُلًا بعدَ اعتدالٍ من قناتكَ تركَعُ
أحلامُ نوْمٍ أوْ كظِلٍّ زائلٍ إنَّ اللَّبيبَ بمثلها لا يُخدَعُ
وقال آخر:
بكيتُ لقربِ الأجلْ وبعدَ فواتِ الأمَلْ
ووافدِ شيبٍ طَرَا بعَقْبِ شبابٍ رَحَلْ
شبابٌ كأنْ لم يكُنْ وشيبٌ كأنْ لم يَزَلْ
وقال محمود الوراق:
يَهوَى البقاءَ وإنْ مُدَّ البقاءُ لهُ وأدركتْ نفسُهُ فيها أمانيها
أبقَى البقاءُ لها في نفسِهِ شُغُلًا لمَا يَرَى من تصاريفِ البلَى فيها
وقال أيضًا:
يحبُّ الفَتَى طولَ البقاءِ وإنَّه علَى ثقةٍ أنَّ البقاءَ فَنَاءُ
زيادتُهُ في العمرِ نَقْصُ حياتِهِ وليسَ علَى طولِ البقاءِ نَمَاءُ
وله:
يا خاضبَ الشَّيْبِ الَّذي في كلِّ ثالثةٍ يَعودُ
إنَّ النُّصُولُ إذا بَدَا فكأنَّه شيبٌ جديدُ
وله:
قائدُ الغفلةِ الأمَلْ والهَوَى قائدُ الزَّلَلْ
قتلَ الجهلُ أهلَهُ ونَجَا كلُّ مَنْ عَقَلْ
أيُّها المبتَنِي الحُصُو نَ وقد شابَ واكتَهَلْ
أخبَرَ الشَّيْبُ عنكَ أ نَّكَ في أخِرِ الأجَلْ
آخر:
يا ميِّتًا في كلِّ يومٍ بعضُهُ سَدِّدْ فتوشِكُ أن تموتَ جميعَا
آخر:
يشيبُ لِئامُ النَّاسِ في نقرة القَنَا وشيبُ كرامِ النَّاسِ يعلُو المفارِقا
أنشدني الحسن بن محمد الخريمي:
أراني في انْتِقاصٍ كلَّ يومٍ ولا يبقَى علَى النُّقصانِ شيءُ
طوَى الفتيان ما نَشَراهُ منِّي فأخلَقَ جَدَّتِي نَشْرٌ وطَيُّ
وقال أبو الطيّب:
وما ماضِي الشَّبابِ بمسترَدٍ ولا يومٌ يمرُّ بمُسْتَعَادِ
مَتَى لَحَظتْ بياضَ الشَّيْبِ عينِي فقد وجدتْهُ منها في السَّوادِ
مَتَى ما ازْدَدْتُ من بعدِ التَّناهِي فَقَدْ وقعَ انْتِقاصِي في ازْدِيادِ
وقال آخر:
المرءُ يأملُ أنْ يَعي شَ وطولُ عيشٍ ما يضرُّهْ
تفنَى بشاشتهُ ويب قَى بعدَ حلوِ العيشِ مُرُّهْ
وتَسوؤُهُ الأيَّامُ حتَّى مل يَرَى شيئًا يسُرُّهْ
والمرءُ للدُّنيا تَبُو عٌ وهي دائبَة تغرُّهْ
من لمْ يكتِّمْ سِرَّه عن مؤنسيهِ باحَ سرُّهْ
كم شامِتٍ بي إنْ هلك تُ وقائلٍ لله دَرُّهْ
وقال بعضهم:
والمرءُ يعجبُهُ الحياةُ وإنْ ملأَ الصَّحيفةَ طولَها وِزْرا
والقوتُ يُسخِطُهُ وفيه غنًى ويُحِبُّ وفرًا يجلُبُ الفقْرَا
أنشدني كامل بن أحمد الفراهيدي:
رأيْنَ الغَوانِي الشَّيْبَ لاحَ بعارِضِي فأعرضْنَ عنِّي بالخدودِ النَّواضِرِ
وكنَّ إذا أبصرْنَنِي أوْ سمِعْنَ بِي سعينَ فرقَعْنَ الكُوى بالمحاجرِ
آخر:
قالوا كساكَ الشَّيْبُ ثوبَ جلالةٍ لا تَغلطوا ثوبَ الفناءِ كسانِي
لا تَغْبِطوني بالجديدِ لبسْتُهُ ليتَ الجديدَ لكمْ ولِي خُلْقَانِي
وقال آخر:
وحبَّبَ أوطانَ الرِّجالِ إليهم مآربُ قضَّاها الشَّبابُ هنالِكَا
إذا ذكَروا أوطانَهُم ذكَّرَتْهُمُ عهودَ الصِّبى فيها فحنّوا لذلكَا
آخر:
إذا ما ماتَ بعضُكَ فابْكِ بعضًا فبعضُ الشَّيء من بعضٍ قريبُ
وقال آخر:
أُرانيَ أنسَى ما تعلَّمتُ في الكِبَرْ ولستُ بناسٍ ما تعلَّمتُ في الصِّغرْ
ولو فُتِشَ القلبُ المعلَّمُ في الصِّبى لأُلفيَ فيهِ العلمُ كالنَّقشِ في الحَجَرْ
وقال أمية بن أبي الصلت:
[ ٩ ]
ما رغبةُ النَّفسِ في الحياةِ وإنْ عاشتْ طويلًا فالموتُ لاحقُها
يُوشكُ مَنْ فرَّ من منِّيَّتهِ في بعضِ غِرَّاته يُوافقُها
منْ لمْ يمتْ عَبْطَةً يمُتْ هَرَمًا للموتِ كأسٌ والمرءُ ذائقُها
وقال أبو زهير بن أبي قابوس السجزي:
نَظَرتْ إلى رأسِي فقالت مالَهُ قد ضَمَّ فَوْدَيْه قناعٌ أدكنُ
يا هذه لولا النُّجومُ وحسنُها لم تألفُ اللَّيلَ البهيمَ الأعيُنُ
فتضاحكتْ عَجَبًا وقالت يا فتَى تقصيرُ رأيكَ في قياسكَ بيّنُ
اللَّيلُ يَحسُنُ بالنُّجومِ وإنَّما ليلُ الشَّبابِ بلا نجومٍ أحسَنُ
وقال آخر:
الدَّهرُ أبْلانِي وما أبليتُهُ والدَّهرُ غيَّرني ولا يتغيَّرُ
إنَّ امرءًا أمسَى أبوه وأُمُّه تحتَ التُّرابِ فحقُّهُ يَتَفكَّرُ
وأنشدني عمر بن فهلوية:
لمَّا رأَى الشَّيْبَ إبراهيمُ لاحَ بي فقال ماذا إلهي قال ذا نُورُ
فقال زدني إلهِي ما يُنَوِّرني فإنَّني بلباسِ النُّورِ مسرورُ
وقال أبو الشيص عبد الله بن رزين الخزاعي:
أبقَى الزَّمانُ بِهِ ندوبَ عضاضِ ورمَى سوادَ قرونهِ ببياضِ
نَفَرتْ به كأسُ النَّديمِ وأغمَضَتْ عنهُ الكواعبُ أيّما إغماضِ
شَيئانِ لا تَصبو النِّساءُ إليهما حُلَلُ المشيبِ وخَلَّةُ الإنفاضِ
وقال أبو دلف العجلي:
في كلِّ يومٍ أَرَى بيضاءَ قد طلَعَتْ كأنَّما طلعتْ في ناظرِ البصرِ
لئنْ قصصتكِ بالمِقراضِ عن بصرِي فلنْ أقصَّكِ عن قلبِي وعن فِكَرِي
وإنْ كسوتكِ بالحِنَّاءِ أرديةً أوْ بالخضابِ ولو واريتِ بالخُمُرِ
لما تلبَّثتِ أنْ قهقهتِ ضاحكةً تحتَ الثِّيابِ كفعلِ الشَّامتِ الأشِرِ
وقال آخر:
وكم حَسَدَ الغرابُ سوادَ شَعرِي فها أنا ذا حَسودٌ للغُرابِ
وقال آخر:
لَهفي علَى الشُّربِ والنَّدامَى وقُبْلةٍ نلتُها حَرامَا
أقبِحْ بذِي الشَّيْبِ أنْ تَراهُ يخلَعُ عن رأسِهِ اللّجَامَا
وقال آخر:
شَيبٌ نُعلِّله كيما نغيّرهُ كهيئةِ الثَّوبِ مَطويًّا علَى خِرَقِ
قدْ كنتُ كالغصنِ تَرتاحُ الرِّياحُ لهُ فصِرْتُ عودًا بلا ماءٍ ولا وَرَقِ
آخر:
وما أحوالُنا إلاَّ ثلاثٌ شَبابٌ ثمَّ شَيبٌ ثمَّ مَوْتُ
وقال آخر:
من يعشْ يكبرْ ومنْ يكبرْ يمُتْ والمنايا لا تُبالِي مَنْ أَتَتْ
كَمْ وكَمْ قد أدرجَتْ مِن قبلِنا من قُرونٍ وقُرونٍ قدْ خَلَتْ
وقال دكين الراجز:
إليكَ أشكُو وَجَعًا بركبتي
وهَدَجَانًا لم يكنْ من خطوتي
كَهَدَجَانِ الرّأْلِ تحتَ الهَيْقَةِ
وقال أبو منصور الثعالبي:
أبا منصورٍ المغرور أقْصِرْ وأبْصرْ طُرْقَ أصحابِ الرّشادِ
ألستَ ترَى نجومَ الشَّيْبِ لاحتْ وشَيْبُ المرءِ عُنوانُ النفادِ
وقال أيضًا:
هذا عِذاركَ بالمشيبِ مُطرَّزٌ فقَبُولُ عذركَ في التَّصابِي مُعْوِزُ
ولقد علِمت ما علِمت توهُّمًا أنَّ المشيبَ بهدمِ عمرِكَ يَرْمُزُ
وله:
أبلَى جَديديَّ هذانِ الجديدانِ والشَّأنُ في أنَّ هذا الشَّيْب ينعاني
كأنَّما اعتَمَّ رأسِي منه بالجَبَلِ الرَّا سِي فأوهَنَني تقْلًا وأوهانِي
وقال الأخطل:
النَّاسُ همُّهم الحياةُ ولا أرَى طولَ الحياةِ يَزيدُ غيرَ خَبَالِ
وإذا افتقرتَ إلى الذَّخائرِ لم تجدْ ذُخرًا يكونُ كصالِحِ الأعمالِ
وقال آخر:
لَعمرُ الغواني ما أتينَ ملامةً ولا غيرَ مكروهٍ كرهْنَ فَتَحْرَدَا
كَرِهْنَ من الشَّيْبِ الَّذي لو رأيتَهُ بهِنَّ لكانَ الطَّرفُ عنهنَّ أحيَدَا
وقال آخر:
أرَى الشَّيْبَ مذ جاوزتُ عشرينَ حجَّة يَدِبُّ دبيبَ النَّملِ في غَسَقِ الظُّلَمْ
هو السُّقْم إلاَّ أنَّه غيرُ مُؤلمٍ ولم أَرَ قبلَ الشَّيْبِ سُقمًا بلا ألَمْ
وقال أبو محمد العبدلكاني:
[ ١٠ ]
عَزَلَ الأخبَاتُ سلطانَ الهَوَى وحَدَا اللَّيلَ تباشيرُ الفَلَقْ
غاضَ ماءَ اللَّهوِ شيبٌ مُغْدِقٌ ولقدْ تكرع والماء غدقْ
وجَلا عنك الصِّبى زَوْرًا أتَى والجَلاَ في مقلةِ اللَّهوِ زَرَقْ
حدَّثني أحمد بن ممشاذ بن أبي الرِّجال، حدَّثنا ابن يعقوب الأصم، حدَّثنا بكر بن سهيل الدهاطي، حدَّثنا عبد الله بن محمد بن رمح، حدَّثنا ابن وهب عن حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم عن أنس عن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: " ما من معمّر يعمر في الإسلام أربعين سنة إلاَّ صرف الله عنه ثلاثة أنواع من البلاء: الجنون والجذام والبرص، وإذا بلغ الخمسين ليّن الله عليه حسابه، فإذا بلغ الستين رزقه الله الإنابة إليه لما يحب ويرضى، فإذا بلغ السبعين أحبّه الله وأحبّه أهل السَّماء، وإذا بلغ الثمانين قبل الله حسناته وتجاوز عن سيّئاته، فإذا بلغ التسعين غفر له ما تقدّم من ذنبه وسمّي أسير الله في أرضه وشفّع في أهل بيته ".
وحدَّثني أبو عبد الله الحسين بن علي العباسي ببست بإسناده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: " إنَّ لله ملكًا في السَّماء ينادي في كلِّ يوم وليلة: أبناء الأربعين زرعٌ قد دنا حصاده، أبناء الستين هلمُّوا إلى الحساب، ماذا قدّمتم وماذا أخّرتم، أبناء السبعين لا عذر لكم ".
وأنشدني لرجل من أهل نيسابور:
لَكلبٌ عَقورٌ أسود الذَّيلِ رابضٌ علَى صدرِ بيضاءِ التَّرائبِ كاعبِ
أحبُّ إليها من مُضاجِعها الَّذي له لحيةٌ بيضاءُ فوقَ التَّرائبِ
آخر:
وإذا دعونَكَ عمَّهُنَّ فإنَّهُ نَسَبٌ يزيدُكَ عندهنَّ خَبَالا
وقال آخر:
ألا إنَّ المشيبَ عليَّ ممَّا فقدتُ من الشَّبابِ أعزُّ فوتَا
تملَّيتُ الشَّبابَ فصارَ شيبًا وأفنيتُ المشيبَ فصارَ موتَا
وقال جميل بن معمر:
بُثينةُ قالتْ وقد راعَهَا تَفاريقُ من شيبيَ المُسْفِرِ
جميلُ كبرتَ وجاءَ المشيبُ فقلتُ بٌثينَ ألا أقصِرِي
أتنسينَ أيَّامَنا باللِّوَى وأيَّامَنا بذُرَى معمرِ
وإذْ لِمَّتي كجناحِ الغُدَافِ تُضَمَّخُ بالمسكِ والعنبرِ
وأنتِ كلؤلؤةِ المرزبانِ بماءِ شبابكِ لمْ تُعْصرِي
صغيرينِ مرتعُنا واحدٌ فأنِّي كبرتُ ولم تكبرِي
وقال آخر:
تُجِدُّ الليالي بالفتى وهو يلعبُ وتَصدقُه الأيامُ والنَّفسُ تكذِبُ
وفي كلِّ يومٍ يفقدُ المرءُ بعضَه ولا بُدَّ أن الكلَّ منه سيذهبُ
وقال عبد الملك البستي الطبيب:
شبابُ الفَتَى ظُلمَةٌ لا تَبينُ وشيبتُه صبحُه المستبينْ
وقد يُعذَرُ المرءُ في ظُلمةٍ ولا عذر في الصبحِ صُبحِ اليقينْ
آخر:
حركات الشيوخِ في كلّ وقتٍ حركاتٌ ما إنْ لها بَركاتُ
أنشدني قاضي القضاة لأبي القاسم المهراني الزوزني:
الدَّهرُ ساومني عُمري فقلتُ له لا بعتُ عُمري بالدُّنيا وما فيها
فابتاعَ عمري تفاريقًا بلا ثمنٍ تبَّتْ يدا صفقةٍ قد خابَ شاريها
آخر:
فإنَّ امرءًا قد عاش تسعينَ حِجةً ولم يسأمِ الدُّنيا الذميمةَ جاهلُ
قال النَّبي ﵇: " إنَّ السعادة كلّ السعادة طول العمر في طاعة الله ".
وقال ﵇: " ألا أنبئكم بخياركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أطولكم أعمارًا وأحسنكم أخلاقا ".
وعن عبد الله بن بشير، قال: جاء أعرابيان إلى النّبي ﷺ، فقال أحدهما: أي النَّاس خير؟ فقال: " من طال عمره وحسن عمله "، وقال الآخر: يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: " أن لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله ".
وقال محمد بن واسع: اغتنم طول العمر فكأنّك قد صرت إلى دار ليس فيها معتمل.
وعن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس في قوله عز. ذكره: " أو لم نعمّركم ما يتذكر فيه من تذكر "، قال: هو العمر الَّذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة.
وعن أبي أمامة، عن النبي ﷺ، قال: " من شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورًا يوم القيامة ".
[ ١١ ]
وعن أبي العوّام، عن قتادة في قوله ﷿:) وجاءكم النذير (، قال: الشَّيْب.
ورؤي يحيى بن أكثم في النوم، فقيل له: ما صنع الله بك؟ قال: قدّمني بين يديه وقال لي: بئس الشَّيخ أنت، وأمر بي إلى النار. قال: فمكثت أكثر الالتفات، فقال لي: يا يحيى مالك تلتفت؟ فقلت: يا ربّ، حدثني يزيد بن هارون، عن هشيم، عن حميد الطويل، عن أنس عن نبيّك ﷺ أنّك قلت: " إنّي لأستحيي عبدي يشيب في الإسلام أن أعذّبه "، فقال عز ذكره: صدق يزيد، صدق هشيم، صدق أنس، صدق نبيي، ردّوه إلى الجنة.
قال عبد الملك بن عمير: إذا أسنّ الرَّجُل استحكم وذهب حدّه وحسن خلقه. وإذا أسنّت المرأة عقم رحمها وحدّ لسانها وساء خلقها.
وقال النّبي ﷺ: " لا يتمنّين أحدكم الموت، فإنّ المؤمن يزداد بطول عمره خيرًا ".
وعن الصّنابحيّ، عن معاذ بن جبل، عن النبي ﷺ، قال: " لا تزول قدم العبد يوم القيامة حتَّى يسأل عن أربعة: عمره فيما أفناه، وشبابه فيما أبلاه، وعن علمه ماذا عمل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ".
وقال بعض الصالحين في دعائه: اللهم إنّ المخلوقين إذا شاخ عبد في خدمتهم أعتقوه، وقد شخنا في خدمتك فأعتقنا من النار.
وقال النّبي ﵇: " أكثر فناء أمّتي ما بين الستين والسبعين " ويقال: إذا ابيضّ فوداك فلا يسودّن فؤادك.
ومن كلام بعضهم: ما أنقذ سهم المنيّة فيمن حنا قوسه الكبر.
من قيّده الهرم لم يطلقه إلاَّ الموت.
جاء شيخ إلى الطبيب، فقال: إنّي أشتكي فترة أعضائي وقلّة استمرائي ووهنًا في مفاصلي ونحو ذلك ممّا يعتري المشايخ فماذا أعمل؟ فقال: إنّ هذه العلّة الَّتي اعترتك تسمى كابوريا، قال: فما علاجها؟ قال: قابوريا، فقال: فسّر لي، فقال: هي الكبر وعلاجها القبر.
وفي الزبور مكتوب: من بلغ السبعين اشتكى من غير علّة.
قال: أشرف المعتضد علَى قصر له فرأى امرأة في الطريق تمشي بدلال وتثن، فأعجبه مشيها وتثنيها. فقال: عليّ بها، فمروا فأخذوها وجاءوا بها، فقال لها: أحرّة أنت أم مملوكة؟ فقالت: مملوكة، فقال لها: أسفري، فإذا وجه من أملح ما يكون. وكان في لحية المعتضد شعرات بيض، فقال المعتضد: مروا إلى مولاها فاشتروها بما يحكم به، فقالت: يا أمير المؤمنين ليس لي عيب إلاَّ شيء واحد أحبّ أن تقف عليه قبل شرائي، فقال: وما هو: في رأسي شعرات بيض، فقال المعتضد: مرّي فلا حاجة لنا فيك. فولّت ثمَّ: رجعت وقالت: ليس في رأسي بياض ولكني كرهت منك ما كرهت منّي، فخلاّها المعتضد.