قال النجاشي الحارثي:
إذا سقَى اللهُ أرضًا صوبَ غاديةٍ فلا سَقَى اللهُ أهل الكوفة المطَرَا
السَّارقينَ إذا ما جنَّ ليلهمُ والدَّارسينَ إذا ما أصبحوا السُّوَرَا
والتَّاركينَ علَى طُهْرٍ نساءهمُ والنَّاكحينَ بشطَّيْ دجلةَ البقَرَا
وقال آخر:
نهَى التَّيْميُّ عُتبةُ والمعلَّى وقالا سوفَ يبهرُكَ الصُّعودُ
أتطمعُ أنْ تنالَ منالَ قومٍ هُمُ سَبَقوا أباكَ وهمْ قُعودُ
ويُقضَى الأمرُ حينَ تَغيبُ تيْمٌ ولا يُستَأذَنون وهم شُهُودُ
وإنَّكَ لو رأيتَ عبيدَ تيْمٍ وتَيْمًا قلتَ أيُّهمُ العبيدُ
وقال دعبل بن علي بن رزين الخزاعيّ:
أبا جعفرٍ وأصولُ الفَتَى تدلُّ عليه بأغصانِه
أفي الحقِّ أنَّ صديقًا أتاكَ لتكفِيَهُ بعضَ أشجانِه
فتأمرُ أنتَ بإعطائِهِ ويأمُرُ سعدٌ بحرمانِه
[ ٢٣ ]
ولستُ أُحبُّ الشَّريفَ الظَّري فَ يكونُ غلامًا لغلمانِه
وقال آخر:
مُتَنَاومٌ إن زارَهَا إخوانُها متغافلٌ إن زارَهَا أخواتُها
امرأتهُ ملكتْ عليه أمورَهُ حتَّى ظننَّا أنَّه امرأتُهَا
أنشدني والدي:
قالوا طُهيَّةُ تهجوني فقلتُ لهم ما كنتُ أحسِبهم كانوا ولا خُلِقوا
قومٌ من الحَسَبِ العالي بمنزلةٍ كالفَقْع بالقاعِ لا أصلٌ ولا وَرَقُ
لو جاوَروا اليَمَّ ما تَنْدَى أنامِلُهم ولو يَبُولُ عليهم ثعلبٌ غَرِقوا
جَفوا من اللومِ حتَّى لو بَدَا لهم ضَوءُ السُّها في سوادِ اللَّيل لاحتَرَقُوا
وقال الطرمَّاح بن حكيم الطَّائي:
تَميمٌ بطُرْقِ اللؤمِ أهدَى من القَطَا ولو سلكتْ سُبْلَ المكارمِ ضلَّتِ
ولو أنَّ حُرقُوصًا علَى ظهرِ قملةٍ يكُرُّ علَى صَفَّيْ تَميمٍ لولَّتِ
أجَخْفًا إذا ما كنتَ في الحيِّ آمنًا وجُبْنًا إذا ما المشرفيَّةُ سُلَّتِ
وقال آخر:
وجَاءوا بمجنونٍ يَسيلُ لُعابَهُ وما صَاحبي إلاَّ الصَّحيحُ المُسلّمُ
أقولُ له والقولُ كالصَّمتِ عندَهُ وهلْ يسمَعُ الصَّخرُ الأصمُّ المُلْمْلَمُ
وإنَّ عَنَاءً أنْ تُعلِّمَ جاهلًا ويحسَبُ جهلًا أنَّه منكَ أعلَمُ
وهل يبلغُ البنيانُ يومًا تمامَهُ إذا كنتَ تبنِيهِ وغيرُكَ يهدِمُ
وقال الحُطيئة، أبو مليكة جَرْول:
والزِبْرِقانُ ذُناباهُمْ وشرُّهُمُ ليسَ الذُنابَى أبا العبَّاس كالرَّاسِ
دعِ المكارمَ لا ترحلْ لبُغيَتِها واقعدْ فإنَّك أنتَ الطَّاعمُ الكاسي
من يفعلِ الخيرَ لا يعدمْ جَوازيَهُ لا يذهبُ العرفُ بينَ اللهِ والنَّاسِ
وقال يهجو أُمّه:
جَزاكِ اللهُ شرًّا من عجوزٍ ولَقَّاكِ العُقوقَ من البَنينَا
تنحَّيْ فاقعُدِي عنِّي بعيدًا أراحَ اللهُ منكِ العالمينَا
أغِربالًا إذا استُودِعتِ سرًّا وكانُونًا علَى المتحدِّثينا
وقال يهجو قومه:
لَعَمْري لقدْ جرَّبتكمْ فوجدتُكُمْ قِباحَ الوجوهِ سَيِّئي العذاراتِ
لكمْ نَفَرٌ مثلُ التُّيوسِ ونسوةٌ مَمَاجينُ مثل الأُتْنِ النَّعِراتِ
ونظر الحُطيئة في جبّ ماء فرأَى صورة وجهه فقال:
أري ليَ وجهًا شوَّهَ اللهُ خلقَهُ فَقُبِّحَ من وجهٍ وقُبِّحَ حامِلُهْ
وقال عمَّار بن أحمد الكاتب الزوزني في بعض ذويه:
يقبُحُ في خُفِّه وصندلِهِ والدُّبُّ مولاه حين ينتعِلُ
يقترحُ اللَّونَ إنْ أُضيفَ وإنْ لم يكُ ضيفًا فلونُهُ بَصَلُ
يا حسنَهُ مَيتًا تَشُولُ بِهِ أعناقُنا والبكاءُ مُفتعلُ
وقولُنا بعدَ دفنِهِ انْصَرِفوا لا مأتمٌ عندَنا ولا زَجَلُ
وقال أبو دلامة يهجو نفسه:
ألا أبلغْ لديكَ أبا دُلامَهْ فلستَ من الكرامِ ولا كَرَامَهْ
جَمعتَ دَمَامةً وجمعتَ لُؤمًا كذاكَ اللّؤمُ تتبعُهُ المَلامَهْ
وقال ابن بسَّام في أبيه:
هَبْكَ عُمِّرتَ تسعينَ نَسْرًا أتُرجِّي بأنْ أموتَ وتبقَى
فلئنْ عِشتُ بعدِ موتِكَ يومًا لأشُقَّنَّ جيبَ مالِكَ شَقَّا
وقال في أخيه:
يا مَنْ نعتْهُ إلى الإخوانِ لحيتُه أدْبرتَ والنَّاسُ إقبالٌ وإدبارُ
قدْ كنتَ ممَّن يَهُشّ النَّاظرونَ لهُ فغُضَّ دونَك أسماعٌ وأبصارُ
حانتْ منِّيَّتُهُ فاسودَّ عارِضُه كما يُسوّدُ بعدَ الميّتِ الدَّارُ
سقيًا لدهرٍ مَضَى ما كانَ أحسنَهُ إذْ أنتَ مُتَّبع والشَّرطُ دينارُ
أيَّامَ وجهكَ مصقولٌ عوارضُهُ وللرَّبيعِ علَى خدَّيكَ أنوارُ
وقال في امرأة أبيه:
إذا عَرَكتْ قادتْ وإنْ طَهُرَتْ زَنَتْ فهيَ أبدًا يُزْنَى بها ويَقودُ
وقال في عمَّه:
القَلايَا قد جِئْنَ من منزل الع مِّ قَلايَا قومٍ ذَوي إمساكِ
قلَّ أوداكُهَا فلمْ أستَطِبْها والقَلايا تَطيبُ بالأوداكِ
[ ٢٤ ]
وحدَّثني بديع الزَّمان، قال: أنشدني كاتب بكر في مجلس قوله:
رقَّ الهَوَا وأصبحت السَّماء
وفي المجلس رجل من أصحاب اللغة، فقال له: لحنت، إذا قصرت الهواء وهو ممدد، فقال ارتجالًا:
لَحَنْت وقصَّرتَ حرفًا يُمَدُّ واللَّحنُ يقبُحُ في المجْمَعَهْ
فلا تعجَبَنْ فإنَّ اللّغا تِ كصدْعِ عَجوزكَ فيها سَعَهْ
وأعجَبُ من كلِّ قصرٍ يمدُّ عجوزٌ تُقامُ علَى أربَعَهْ
وأنشدني عدي الجرجاني لكاتب بكر:
لعَزَّةَ خُفٌّ مذْ ثلاثونَ حِجَّةً علَى الدَّهرِ لا يبلَى ولا يَتَخرَّقُ
وكيفَ بِلَى خُفّ هو الدَّهرُ كلُّه علَى قدميها في السَّماءِ مُغلَّقُ
وأنشدنا أبو طاهر البخاري:
مُحتَجِبٌ دونَ من ألمَّ بِهِ وليسَ للخَارجاتِ حُجَّابُ
لأنَّ للخارجاتِ منفَعَةً تأتيهِ والدَّاخلونَ طُلاَّبُ
وقال أبو أحمد بن أبي أُسامة:
أتيتُ ابنَ داودَ في حاجةٍ فطالَ الوقوفُ علَى بابِهِ
فلحيةُ بوَّابهِ في اسْتِهِ ولحيتُه في اسْتِ بوَّابِهِ
وقال آخر:
أتيتُكَ مُشتاقًا إليكَ مُسلِّمًا عليكَ وإنِّي باحتجابِكَ عالمُ
فقالَ ليَ البوَّابُ إنَّكَ نائمٌ وأنتَ إذا استيقظتَ أيضًا فنائمُ
وقال آخر:
اغسِلْ يديكَ بأشنانٍ ونقِّهما غَسْلَ الجَنابةِ من معروفِ عُثمانِ
واسلَحْ علَى كلِّ عُثمانٍ مررتَ بهِ إلاَّ الخليفةُ عثمانُ بنُ عفَّانِ
قدْ يَبتغي المدحَ أقوامٌ بمالِهم لكنَّ عُثمانَ يَبْغيهِ بمجَّانِ
والنَّاسُ أكيسُ من أن يَمدحوا رجُلًا حتَّى يروا عندَهُ آثارَ إحسانِ
يا أُختَ كندةَ ليسَ الرّزقُ في يدهِ الرِّزقُ في يدِ مَنْ لو شاءَ أعطاني
وقال ابن المعتزّ:
صَلاتُك بينَ المَلا نَقرةٌ كما استلبَ الجُرعَةَ الوالِغُ
وتسجُدُ من بعدها سَجدةً كما خُتِمَ المِزْوَدُ الفارغُ
آخر:
وصاحبٍ سبقتْ منهُ إليَّ يَدٌ راثت عليهِ وكافانِي فَعَادانِي
لمَّا تيقَّنَ أنَّ الدَّهرَ حَاربني أبدَى النَّدامَةَ فيما كانَ أولانِي
أفسدتَ بالمنِّ ما أسديتَ مِنْ نِعَمٍ ليسَ الكريمُ إذا أسْدَى بمنَّانِ
وقال آخر في المبرّد:
ويومٍ كحَرِّ الشَّوقِ في القلبِ حُرُّهُ علَى أنَّه منهُ أحرُّ وأَوْمَدُ
ظَلِلتُ بهِ عندَ المُبرِّد قاعدًا فما زلتُ من ألفاظِهِ أتبرّدُ
وقال الطَّائي:
لولا الإلهُ وأنَّني مُتحرِّجٌ مُتورِّعٌ لَلَعَنْتُ قبرَ خليلِ
أنشَا مسائلَ في العرُوضِ يبينها من فاعِل وَمَفَاعِل وفَعُولِ
ما كانت الشُّعراءُ تعرفُ قبلَها من فَاعِل أبدًا ولا مَفعولِ
آخر:
لو يُمسَخُ الخِنزيرُ مَسْخًا ثانيًا ما كانَ إلاَّ دونَ قُبحِ الجاحِظِ
آخر:
وجهٌ قبيحٌ في التَّبسُّمِ كيفَ يَحسُنُ في القُطُوبِ
وقال آخر:
ماذا لَقِينا من المستعربينَ ومِنْ بلاءِ إعرابِهم هذا الَّذي ابتَدَعُوا
لقدْ ضَرَّبُوا بين عبد الله ويحهُمُ وبين عمرٍو فطالَ الضربُ والوَجَعُ
كم بينَ قومٍ قد احْتَالوا لِمنطقِهم وبينَ قومٍ علَى إعرابِهِ طُبْعُوا
أنشدني أبو جعفر البحّاث:
ظلَّ يُغنِّي فَظِلْتُ أبكِي أنْتَشِفُ الدَّمعَ بالعِمامَهْ
قالَ تعشَّقتَ قلتُ كلاَّ لستُ من الحُبِّ في قُلامَهْ
صوتُكَ هذا الَّذي سَمِعْنا ذكَّرَنا صيحَةَ القيامَهْ
أنشدنا عيسى بن عبد الله الأديب:
ولِي صاحبٌ لا قدَّسَ اللهُ روحَهُ بغيضٌ إلى الأخوانِ غيرُ رحيبِ
أكلتُ عَصِيبًا عندَهُ في مَضِيرة فيا لك من يومٍ عليَّ عَصِيبِ
وقال آخر في معربد:
لا بُدَّ يومَ شَرابِهِ لنديمه عندَ النَّدامَهْ
مِن جَوْشَنٍ تحتَ الثِّيابِ وخوذةٍ تحتَ العِمامَهَ
وقال آخر في القربان:
يا بخيلًا ليسَ يَدري ما الكَرَمْ حرَّمَ اللّؤمُ علَى فيهِ نَعَمْ
[ ٢٥ ]
حَدَّثوني عنهُ في العيدِ بما سرَّنِي من لفظِهِ فيما حَكَمْ
قالَ لا قرّبتُ إلاَّ بدمِي ذاكَ خيرٌ من أضَاحِيّ النّعَمْ
فاستَخَارَ الله في عَزْمَتِه ثمَّ ضحَّى بقَفَاهُ فاحتَجَمْ
أنشدني الوليد بن بكر الأندلسيّ:
لو أنَّ قصرَكَ يا ابنَ أغلبَ مُمتَلٍ إبَرًا علَى سَعَةِ الفَضَا والمنزِلِ
وأتاكَ يوسفُ يستعيرُكَ إبْرةً ليخيطَ قَدَّ قَميصه لم تفعلِ
وقال ابن دريد:
أُناسٌ أمِنَّاهُمْ فَنَمُّوا حديثَنَا فلمَّا كَتَمْنا السِّرَّ عنهمْ تَقَوَّلوا
فلا همْ رَعَوا حقَّ المودَّةِ بينَنَا ولا حينَ همّوا بالقطيعةِ أجملوا:
وقال الأصمعي، عبد الملك بن قريب الباهليّ:
إذا ذُكرَ الشِّركُ في مجلسٍ أنارَتْ وُجُوهُ بني برمَكِ
وإنْ تُليتْ عندهُم أيةٌ أَتَوا بالأحاديثِ عن مَزْدِكِ
وقال ابن الرُّومي:
انصرَفَ النَّاسُ من خِتَان يَرْعَونَ من جُوعهمْ خُزامَى
فقلتُ لا تَعجبُوا لهذا فَهَكذا يُختَنُ اليَتَامَى
وقال آخر:
ولقد نظرتُ إلى زيادٍ مرَّةً فحسبتُهُ شَيئًا يَضُرّ وينفَعُ
فإذا زيادٌ في الدِّيارِ كأنَّه مُشْطٌ يُقلِّبه خَصِيٌّ أقرَعُ
وقال جرير يهجو الفرزدق:
إنِّي انْصَمَيْتُ من السَّماءِ عليكم حتَّى اختطفتُكَ يا فَرزدقُ من عَلِ
لمَّا وضعتُ علَى الفرزدقِ مَيْسَمِي وضغا البَعيثُ جَدَعْتُ أنفَ الأخطلِ
وقال الأخطل:
فينا رِبَاطُ الخيلِ مُقْربةً وفي كُليبٍ رِباطُ اللّؤمِ والعارِ
قومٌ إذا استنْبَحَ الأضيافُ كلبهُمُ قالُوا لأُمّهم بُولي علَى النَّارِ
وقال آخر:
ما كنتُ أحسِبُ أنَّ الخبزَ فاكهةٌ حتَّى نزلتُ بعبَّادِ بنِ منصورِ
الحابٍس الرَّوثَ في أعفاجِ بغلتِهِ خوفًا علَى الرَّوثِ من نقرِ العصافيرِ
وقال آخر في الكتَّاب يهجوهم:
تعِسَ الزَّمانُ أتَى بعُجابِ ومَحَا طريقَ الظّرفِ والآدابِ
وأتَى بكُتَّابٍ لو انبسطتْ يَدي فيهُمُ رَدُدْتُهم إلى الكُتَّابِ
صورٌ تروقُكَ ثمَّ إنْ فتَّشتَها كانتْ مجامعُها كلَمْعِ سَرَابِ
وقال أبو الحسن الرازي في البليد:
قيلَ كمْ خَمسٌ وخمسٌ لارتأَى يومًا وليلتَهُ يعُدُّ ويحسُبُ
ويقولُ مُعجزةٌ عظيمٌ أمرُها ولئنْ أصبتُ فإنَّ حِذقي أعجَبُ
حتَّى إذا خَدرتْ أصابعُ كفَّه عدًّا وكادتْ عينُهُ تتصوَّبُ
أوفَى علَى نَشْز فقال ألا اسمَعُوا ويكادُ من فَرَحٍ يُجَنّ ويعطَبُ
خمسٌ وخمسٌ سِتَّةٌ أوْ سبعةٌ قولانِ قالهُما الخليلُ وثعلَبُ
وقال ابن طباطبا العلويّ:
أيَّامكمْ يا بني الجرَّاحِ قد جَرَحَتْ كلَّ القلوبِ ففيها منكُمُ نارُ
تُمحَى محاسنُ آثارِ الكرامِ بكمْ وتُسْتَجدُّ لكم في اللّؤمِ آثارُ
لا متَّعَ اللهُ بالإقبالِ دولتكمْ فإنَّ إقبالكمْ للنَّاسِ إدبارُ
أنشدني الحسن بن إسماعيل خطيب بغداد:
رأَى القومُ لي فضلًا فعاداهُ نقصُهمْ فمالوا إلى ذِي النَّقصِ والشَّكلُ أقربُ
خَفافيشُ أعماهَا نهارٌ بضوئِهِ ولاءَمَها قِطعٌ من اللَّيلِ غيهَبُ
بهائمُ لا تُصغِي إلى شدوِ مَعْبَدٍ ولكنْ علَى جَافي الحُداةِ تَطَرَّبُ
وقال عبد الرحمن بن عيسى في أخيه علي بن عيسى:
عُمرُ الوزارةِ أقصرُ الأعمارِ والظُّلمُ داعيةٌ لدارِ بَوَارِ
كمْ بالعراقِ منازلًا مهجورةً كانتْ لكلِّ معظّمٍ جبَّارِ
دَرَستْ وغُيِّرَ رسمُها وتبدَّلتْ وكذا تكونُ منازلُ الفُجَّارِ
وقال عبدان الأصفهانيّ:
أضحَى الملومُ أبو العلاءِ يَسُبُّني وأنا أبوهُ يَسبّني ويُعادِي
والمُنتمونَ إليه من أولادِهِ اللهُ يعلمُ أنَّهمْ أوْلادِي
وقال أبو إسحاق الكادوشي يعرّض بابن طباطبا:
تعرضْتَ للهجوِ لمَّا رأيتَ أديمَكَ صَحَّ ومَن سَبَّ سُبْ
[ ٢٦ ]
إذا لم نجدْ فيكَ من مَغْمَز سَلَكنا إليكَ طريقَ الكذبْ
فلولا الإلهُ ولولا النَّبيُّ ولولا الوصيُّ رأيتَ العَجَبْ
وقال أعرابيّ في ابن عمّ له كان قد اعتزل النَّاس:
أحبُّ شيءٍ أنْ يكونَ لَهُ حُلقُومُ وادٍ لهُ في جوفِهِ غارُ
لا تعرفُ الريحُ ممْساهُ ومَصْبَحَهُ ولا تُشَبُّ إذا أمسَى لهُ نارُ
لا يحلبُ الضَّرعَ يومًا في الإناءِ ولا تُرَى له في نواحِي الصَّحنِ آثارُ
وقال آخر:
رغيفُ سعيدٍ عندَهُ عِدْلُ نفسِهِ يُرقِّصُهُ طورًا وطورًا يُلاعبُهْ
ويَحمله في حِضْنه ويشُمُّه وينصبُهُ قُدَّامَهُ ويُخاطبُهْ
ويبكِي عليهِ إنْ شَكَا الجوعَ أهلُهُ وإن كَسَروهُ قامَ بالويلِ نادِبُهْ
وإنْ مرَّ مسكينٌ علَى بابِ دارِهِ فقدْ ثكِلَتْهُ أُمَّهُ وأقاربُهْ
يُصَبُّ عليهِ البولُ من كلِّ جانبٍ ويُخْضَدُ ساقاه ويُنتَفُ شاربُهْ
رأَى الصَّيفَ مكتوبًا فظنَّ بأنَّهُ لتَصْحيفِهِ ضيفٌ فقامَ يُواثبُهْ
وقال نهار بن توسعة يهجو قتيبة بن مسلم:
كانتْ خُراسانُ دارًا إذْ يَزيدُ بها وكلُّ بابٍ من الخيراتِ مفتوحُ
فبُدِّلتْ قَتَبًا جَعْدًا أناملُهُ كأنَّما وجهُهُ بالخَلِّ منضُوحُ
وقال آخر:
إنَّ أبا أيُّوبَ في فعلِهِ مُؤيَّدٌ بالحُجَجِ البالغَهْ
ليسَ لهُ عيبٌ سوَى أنَّه يدهَنُ من قارورةٍ فارغَهْ
وقال شهيد بن الحسين البلخي:
يا مَنْ رأَى حَرَجًا عليهِ رِعايتِي لمَّا استَبَانَ لهُ عظيمُ كفايتِي
أيقنتُ أنِّي في مديحكَ كاذبٌ فلذاكَ لم يُعجبكَ حُسنُ روايتِي
سَخَّى بنفسِي أنَّني لا ألتَقِي إلاَّ بمنْ يَشكوكَ مثلَ شِكايتِي
وقال آخر:
كأنِّي إذْ أتيتُكَ مُستميحًا بمرأى من النَّاسِ في رمضانَ أزْنِي
فإنْ أكُ أبتُ منكَ بلا نوالٍ فلا تفرحْ فذلكَ كانَ ظنِّي
وقال آخر:
سقيًا لأبهر، لولا من يحل بها من روضة غنيت فيها الأزاهيرُ
غناء ما شءت من ماءٍ ومن شجرٍ لكنها جنةٌ فيها خنازيرُ
وقال محمد بن محمد بن عروس:
خَنازيرُ نامُوا عن المكرُماتِ فأنبههُمْ قَدَرٌ لمْ يَنَمْ
فيَا قبحَهُمْ في الَّذي خُوِّلوا ويا حُسنَهمْ في زوالِ النّعَمْ
أيضًا له:
يَتكاتَبونَ فمُخْطِئ بادِي العَمَى ومقصِّرٌ عن كلِّ لفظٍ نادِرِ
وكأنَّما أقلامُهُمْ بأكفّهمْ أعوادُ مِنْدَفَةٍ لعُودِ النَّاقِرِ
وقال آخر:
أطارَ المكثُ في بغدادَ نومِي وقد يشقَى المسافرُ أوْ يَفوزُ
غدوتُ بها علَى كرهِي مقيمًا كعِنِّينٍ تُضاجعهُ عَجوزُ
أنشدني أبو الحسن الواصلي الكاتب:
عذبَ الله جَرْجَرايَا بنارٍ ورَماهَا بالطّعنِ والطَّاعونِ
فبها بِعْتُ قُبَّةَ الخيشِ في الصَّي فِ وبعتُ الكانُونَ في كانونِ
وأنشدني العلاء بن الحسن الخزرجي:
سمعتُ ورائِي بالمحَصَّبِ من منًى كلامًا رقيقًا خلفَ سِترٍ إلى جَنبِي
فلمَّا بَدَتْ كبَّرتُ من قُبْحِ وجهِها وقلتُ لها السَّاجُورُ خيرٌ من الكلبِ
وقال منصور بن أبي منصور
يا مَنْ أنافَ بلحيةٍ تَيسيَّةٍ بدَّلتَنَا بالوردِ شوكَ العَوْسجِ
قدْ كنتَ تُؤْنِسُنا بطلعةِ كوكبٍ فالآنَ تُوحشُنا بلحيةِ مَوْسَجِ
وقال البحتريّ:
وأسْلَمَني الزَّمانُ إلى أُناسٍ وجوهُهُمُ وأيديهم حديدُ
لهمْ حُلَلٌ حَسُنَّ فهنَّ بِيضٌ وأفعالٌ سَمُجْنَ فهنَّ سُودُ
وأخلاقُ البِغالِ فكلّ يومٍ يعِنُّ لبعضِهم خُلُقٌ جديدُ
وممَّن تخلّص إلى الهجاء حسَّان بن ثابت:
إنْ كنتِ كاذبتِي الَّتي حَدَّثتِني ونجوتِ منجَى الحارِثِ بنِ هشامِ
تَرَكَ الأحبَّةَ أن يُقاتِلَ فيهمُ ونَجَا برأسِ طِمِرَّةٍ ولِجامِ
وفي نحوه لبشَّار:
خليليَّ من سعدٍ أعينَا أخاكُما علَى بثَّهِ إنَّ الكريمَ مُعينُ
[ ٢٧ ]
ولا تبخُلا بُخلَ ابنِ قزعةَ إنَّه مَخافَةَ أن يُرجَى نَدَاهُ حَزينُ
إذا جئتَهُ للعُرفِ أغلقَ بابَهُ فلم تلقَهُ إلاَّ وأنتَ كمينُ
فقلْ لابنِ يحيى مَتَى تدرك العُلا وفي كلِّ معروف عليك يمينُ
وقال أبو النَّدَى الأعرابيّ:
وحيَّرتني أُمورٌ قد رآهَا بنيسابورَ ليسَ لها نِظامُ
رأيتُ أميرَهَا في جوفِ قصرٍ علَى أبوابِهِ حَرَسٌ قيامُ
بأيديهمْ مَقَامِعُ من حديدٍ أعدُّوها إذا حَضَرَ الطَّعامُ
لئنْ أُخرجتُ من جرجانَ إنِّي لأحسُدُ من لَهُ فيها مَقَامُ
أنشدني بديع الزَّمان:
لا تنزِلنَّ بنيسابورَ مُغتربًا إلاَّ وحبلكَ موصُولٌ بسُلطانِ
أولًا فلا أدبٌ يُجدِي ولا حَسَبٌ يُغنِي ولا أحدٌ يرعَى لإنسانِ
لآخر:
وإنَّ فتًى لهُ أَلفَا صَديقٍ بنيسابورَ ليسَ لهُ رَفيقُ
تَوَلاَّها وليسَ لهُ عدوّ وفارَقَها ولبسَ لهُ صَديقُ
أنشدني أحمد بن إسحاق الكاتب:
كانَ دخولِي علَى أبي كرَبِ من غيرِ ما حاجةٍ ولا أَرَبِ
من حُمُقَاتي فإنَّني رجلٌ مُضطربُ العقلِ سَيّئ الأَدَبِ
وقال أبو الفرج بن الببغا:
ما كلُّ مَنْ طوَّلَ عُثْنُونَهُ يزدادُ فضلًا يا أبا الفضلِ
طوَّلتَ عُثْنونَكَ تبغي العُلا أيّ علا في ذَنَبِ البغلِ
ولستُ أحصي كم رأيتُ امرأ الحيّ ولكنْ كوسج العقلِ
قد ملأتْ لحيتُهُ صدرَهُ ورأسُهُ أفرغُ مِنْ طَبْلِ
وقال آخر:
وأشدُّ أهلِ الأرضِ إلاَّ أنَّه خَضَبَ الأسِنَّةَ في اللِّقاءِ بلا دَمِ
ويقولُ حينَ يَرَى الرِّماحَ تهُزّهُ ليسَ الكريمُ علَى القَنَا بمحرّمِ
وقال الكُميت بن زيد الأسديّ:
ألا أبلِغْ أُميَّةَ حيثُ حلَّتْ وإنْ خِفْتَ المُهَنَّدةَ الصَّنيعَا
أجاعَ اللهُ مَنْ أشبعتُموه واشبعَ مَنْ بجوركمُ أُجيعَا
أنشدني أبو الحسن الفارسي الوزير:
لَشَتَّانَ ما بينَ اليزيدَينِ في النَّدَى يزيدِ كُليبٍ والأغرِّ بنِ حاتِمِ
وقال زيد بن الحسين العامريّ:
اللهُ أغنانِي بعزِّ جلالِهِ عنْ جَعفرٍ والمُبْتَغَى من مالِهِ
لا يُعجبنَّكَ قَدّه وجَمالُهُ فعساكرُ الأدْبارِ تحتَ جَمَالِهِ
لا تنظرنَّ إلى أبيهِ وجَدِّهِ وانظُرْ إلى المَذمومِ من أفعالِهِ
وانظُرْ إلى جُلسائِهِ وقرينهِ لتَرَى خساستَهُ وفرطَ سفالِهِ
يا لائِمي في بغضِهِ وهجائِهِ أقْصِر فلم تعرِفْ حقيقةَ حالِهِ
ومن أجود ما قيل في البخر لأبي إسحاق الصابي:
مَضَغ الأزديُّ للهرَّ ةِ خُبْزًا فرماهَا
فدنتْ منهُ فَشَمَّتْ هُ فظنَّتهُ خَراهَا
فحَثَتْ تُربًا عليه ثمَّ ولَّتْهُ قَفَاها
أنشدني علي بن يوسف الهمداني:
رأيتُ في رأسِ عبَّاسٍ قُلُنسوةً عساكرُ القملِ تَمشي في نَواحيها
إنَّ المعلمَ لا تخفَى حماقتُهُ ولو تَقَلَّسَ بالدُّنيا وما فِيها
وأنشدني عبد الرحيم بن عبد الله:
أينسَى كليْبٌ زَمانَ الهُزالِ وتعليمَهُ سُورةَ الكوثرِ
رغيفٌ لهُ فلكَةٌ لا تُرَى وآخَرُ كالقمرِ الزَّاهِرِ
آخر:
إذا أنشَدَ حمَّادٌ فَقَدْ جَوَّدَ بشَّارُ
في هجاء الأعمى:
ما للضَّريرِ وما للكِبْرِ والتِّيهِ أليسَ يكفيهِ أن يشقَى بما فِيهِ
أليسَ يكفيهِ أنْ لا يهتَدِي أبدًا إلاَّ بعكَّازَةٍ أوْ مَن يُهَدِّيهِ
آخر:
كيفَ يرجُو الحياءَ منهُ صديقٌ ومحلُّ الحياءِ منهُ خَرابُ
وقال آخر:
مَنْ يشترِي منِّي أبا وائلٍ بكرَ بنَ نطاحٍ بفلسَيْنِ
كأنَّما الآكلُ من خُبزِهِ يأكُلُ منهُ شَحمَةَ العينِ
يحلفُ من بغضِ بني هاشمٍ بعدَ يمينٍ بيمينَيْنِ
لو كانت الجنَّةُ في كفَّهِ ما طارَ فيها ذُو الجَناحيْنِ
وقال آخر في أعور:
طاهرٌ قلَّلَ كسْبي لَعَنَ الرَّحمنُ طاهِرْ
[ ٢٨ ]
وجهُهُ نصْفٌ خرابٌ وسوَى ذاكَ فعامِرْ
لو تراهُ قلتَ هذا مِن شياطينِ المقابِرْ
وقال أبو علي السلمي يهجو وزيره:
لا تَرَى ردَّ كلامِ النَّا سِ إلاَّ بالإشارَهْ
أنا أهواكَ فقلْ لِي أينَ آلاتُ الوَزَارَهْ
لا بيانٌ لا بَنانٌ لا رُواءٌ لا عبَارَهْ
وقال آخر:
لقدْ ضاعَ قومٌ قلَّدوهُ أُمورَهم بدابِقَ إذْ قيلَ اللُّصوصُ قريبُ
رأوا رجلًا ضخمًا فقالُوا مقاتلٌ ولم يعلموا أنَّ الفؤادَ نَخيبُ
وقال آخر:
كلّ يومٍ لأبي الفَتْ حِ علَى الأنسابِ غارَهْ
فهو يومًا من قريشٍ وهو يومًا من فَزارَهْ
خَزَمَتْ مخزومُ فاه فادَّعاها بالإشارَهْ
وَتَراهُ مع هذا يَشتهِي مثلَ المَنارَهْ
وقال آخر:
أبكِي وأندُبُ شَجوةَ الإسلامِ إذْ صرتَ تقعُدُ مَقعَدَ الحُكَّامِ
إنَّ الحوادثَ في الزمَّانِ كثيرةٌ وأراكَ بعضَ حوادثِ الأيَّامِ
آخر:
ومِنَ المظالمِ أن تكُو نَ علَى المظالمِ يا فَزَارَهْ
آخر:
ومنَ النَّوادِرِ أنَّه يُملِي علَى النَّاسِ النَّوادِرْ
آخر:
مَتَى تُتْصفُ المظلومَ مِنْ أخذِ حقِّهِ إذا أنتَ ولَّيتَ المظالمَ ظالمَا
وقال ابن أبي عُيينة:
خالدٌ لولا أبُوهُ كانَ والكلبُ سواءَ
لو كما يَنْقُص يَزدا د إذًا نالَ السَّماءَ
وقال أبو الحسن الأشعبي الزوزني:
ينسَى إذا سرَّجَ باللَّيالي تسعَةَ أوراقٍ ولا يُبالِي
آخر:
وإنَّ أبا عبد الإلهِ فَدَيْتُهُ مُقيمٌ علَى عشرينَ من سُورةِ الكهفِ
آخر:
لو كما تجهَلُ تَدرِي كنتَ لله رِسُولا
آخر:
وإذا رَأَى إبليسُ يومَّ وجهَهُ حيَّا وقال فَديتُ من لا يُفلِحُ
آخر:
ومُدبرٌ ضُمَّ إلى مُدبرٍ فاجتمعتْ كفُّ مَدابيرِ
آخر:
لهُ كلُّ شيءٍ ولكنَّهُ إذا فُتِشَ العقلُ فالعقلُ لَيْس
وقال أبو القاسم عبد الله بن يحيى بن عبد الخالق
وشادِنٍ بالحُسْنِ تيَّاهُ حلَّ بهِ الشَّعْرُ فأَخزاهُ
بينَا تَراهُ ملكًا قادرًا يُطاعُ فيما هوَ يَهواهُ
إذْ خَرجتْ لحيتُهُ فجأةً أماتَهُ اللهُ وأخزاهُ
يَوَدُّ إذْ تخرجُ لو أنَّه مكانَهَا تَخرجُ عينَاهُ
وقال ابن الرُّومي:
عجبَ النَّاسُ من أبي الصَّقرِ إذْ قُ لِّدَ بعدَ الإجارةِ الدِّيوانا
ولَعمرِي ما ذاكَ أعجَبُ مِن أنْ كانَ عِلْجًا فصارَ من شَيْبانا
إنَّ للجَدِّ كيمياءً إذا مَا نالَ كلبًا أصابَهُ إنسانَا
يخلُقُ اللهُ ما يشاءُ كمَا شَا ءَ إذا شاءَ كائنًا ما كانَا
وقال أيضًا فيه:
مهلًا أبا الصَّقرِ فكمْ طائرٍ خرَّ صريعًا بعدَ تحليقِ
زُوِّجتَ نُعمَى لم تكنْ كفؤها أعقَبَها اللهُ بتَطليقِ
لا بَقِيَتْ نُعمَى تسربلتَها كم حُجَّةٍ فيها لزِنْديقِ
وقال ابن عبَّاس ﵁:
نَظَروا إليكَ بأعينٍ مَشْزُورة نظَرَ التُّيوسِ إلى شِفارِ الجَاذرِ
خُزْر العيونِ نَواكِسًا أذقانُها نظرَ الذَّليلِ إلى العزيزِ القادرِ
أحياؤُهم عارٌ علَى أمواتهم والميّتونَ مَسَبَّةٌ للغابرِ
وقال عمران بن حطَّان:
أَسَدٌ عليَّ وفي الهياجِ نَعامَةٌ فَتْخَاءُ تَنفر من صفيرِ الصَّافِرِ
هلاَّ برزتَ إلى غزالةَ في الوَغَى بلْ كانَ قلبُكَ في جَناحَي طائِرِ
وقال عبد الله بن همام السلولي:
لقد رَابَني من أهلِ يثربَ أنَّهُمْ يَهُمّهم تقويمُنَا وبهم عُصْلُ
إذا ركِبُوا الأعوادَ قالوا فأحسنُوا ولكنَّ حسْنَ القولِ خالفَهُ الفِعْلُ
وذَمّوا لنا الدُّنيا وهم يرضعونَهَا أفاويقَ حتَّى ما يَدِرُّ لها ثَعْلُ
وقال آخر:
ليَ أصحابٌ ثِقالٌ كلُّهم فإذا خَفّوا فهم مثلُ الرَّصاص
[ ٢٩ ]
قيلَ لي قدْ غَضِبوا قلتُ لهم غَضَبَ الخيلِ علَى اللّجْمِ الدِّلاص
أنشدنا أبو المسجح البغدادي الضَّرير لنفسه:
بَغيضٌ بَراُ اللهُ أثقَلَ مَن مشَى ففي كلِّ قلب بَغْضَةٌ منه كامِنَهْ
خَطَا فدعتْ منْ ثقلِه الأرضُ ربَّها وقالتْ إلهي زدتَ في الأرضِ ثامِنَهْ
وقال آخر:
سنصبِرُ إنْ جفوتَ كما صبرنا لغيركَ من أميرٍ أو وزيرِ
رجوناهُمْ فلمَّا آيسُونا أدالَتْ منهمْ غيرُ الدُّهورِ
ولمَّا لم نجدْ منهم سُرورًا رأينا فيهمُ كُلَّ السُّرورِ
فَفزنا بالسَّلامةِ وهي غُنْمٌ وباتُوا في المحابِسِ والقُبورِ
وأنشدنا بكر بن أبي بكر:
ثقيلٌ يُطالعُنا مِن أَمَمْ إذا سَرَّه رَغْمُ أنفِي رَغِمْ
لطلعتِهِ وَخزةٌ في الحَشَا كوقعِ المشَارِطِ في المحتَجَمْ
أقولُ لهُ إذْ أتَى مقبلًا ولا نقلتْهُ إليَّ قَدَمْ
فقدتُ خيالَكَ لا من عَمًى وجرَس كلامك لا من صَمَمْ
وقال بشَّار المرعّث:
كيفَ لا تحمِلُ الأمانَةَ أرضٌ حمَلَتْ فوقَهَا أبا سُفيانِ
آخر:
خَلَقَ اللهُ جِبالًا وتَّدَ الأرضَ بها ولوَ انْشَاكَ بَدِيًّا كنتَ عنها بَدَلا
وقال آخر:
ألهَى بني تَغلبٍ عن كلِّ مكرُمَة قصيدةٌ قالَهَا عمرُو بن كلثُومِ
يَمْشِي السَّليطيُّ والأبطالُ قد كُلِمُوا وسْطَ الرِّجالِ بَطيئًا غيرَ مكلومِ
وقال آخر:
أبا حاتمٍ قد كُنتَ سَبَّاحَ غَمرةٍ صَغيرًا فلمَّا شِخْتَ خيَّمتَ بالشَّاطِي
كسِنَّوْرِ عبدِ الله بِيعَ بدرهَمٍ صغيرًا فلمَّا شبَّ بِيعَ بقيراطِ
وقال آخر:
دَعِيٌّ في الكتابَةِ يدَّعيها كدعوَةِ آل حربٍ في زِيادِ
فَدَعْ عنكَ الكتابَةَ لستَ منها ولو أنْقَعْتَ ثوبَكَ في المدادِ
فديوانُ الخَراجِ بطرْحِ جِيمٍ وديوانُ الضِّياعِ بفتْحِ ضادِ
وقال أبو الفتح كشاجم:
وزعمتَ أنَّكَ في الكتابَةِ مُدركٌ شأوِي وقلتَ سلاحُنا الأقلامُ
وقال آخر في الوزراء:
عصائِبٌ أصبحُوا بالملكِ لاهيةً صارُوا وجُوهًا وكانُوا قبلُ أستاهَا
منهم سعيدٌ وسَعدانٌ وسَاعدةٌ سُبحانَ من فَضَحَ الدُّنيا وأخزاهَا
وقال آخر:
يا دولةً ليسَ فيها لعاقلٍ كسبُ حَبَّهْ
مُرّي إلى لعنةِ الل هِ أُمّ أهلكِ قَحْبَهْ
وقال أمير المؤمنين عليّ كرَّم الله وجهه:
رأيتُك تَبنِي مَسْجدًا من خيانةٍ فأنتَ وبيتِ الله غيرُ موفَّقِ
كمطعمةِ الرمَّان من كسبِ فَرجِها لكِ الويلُ لا تَزني ولا تَتَصدَّقي
آخر:
زعمتَ أنَّكَ عَمي كذبتَ بلْ أنتَ غَمي
لأنَّ فيكَ خِصالًا أذمُّها كلَّ ذمِّ
وقال اليمامي:
إذا ما هممتَ بقتلِ امرئٍ فهيِّ الحَنوط له والكَفَنْ
ولا تُشهِرنْ عليه السلا حَ ودعْهُ وزوّجْه أمَّ الحَسنْ
وقال ابن بسّام:
لو نَزلَ الوحيُ علَى نَفْطويه لكانَ ذاكَ الوحيُ خزيًا عليه
أحرقَه الله بنصفِ اسمِه وصيَّرَ النصفَ صُراخًا عليه
وقال آخر:
ولو أنَّ الذُبابَ رآه يومًا يُدوِّمُ حولَ صَحْفتِه يَحومُ
لَنادى في العشيرة أدْرِكوني ألا أينَ القَماقمةُ القُرومُ
فيا ويلَ الذبابِ إنِ ادرَكوه وفي الهيجا عدوُّهمُ سليمُ
ومن غريب الهجاء قول العبدلكاني:
أبا نَصْرٍ وأنتَ علَى الحواشي كثيرُ القَدْرِ تَعدِلُ بالسلامِ
إمامُك مُنْظرٌ وأبوك ماضٍ من الإيواءِ ممتنعُ المرامِ
وقال أبو السّريّ:
ما للعُدولِ أراني الله جمعَهُمُ في مُطْبقٍ من جحيم النّارِ مَسْعورِ
قومٌ إذا حاربوا كانت أسنّتُهم بَثَّ الشَّهادةِ بينَ النَّاسِ بالزورِ
ترى قلانسَهم كالرمحِ طعنتُها لكن جَراحتُها في جنب مغدورِ
همُ الصعاليكُ إلاَّ أنَّ بأسَهم علَى المزارعِ والأطلالِ والدورِ
[ ٣٠ ]
وأكلةٍ قدّمَتْ للهُلكِ صاحبَها كحبّةِ الفَخِّ دقَّتْ عُنْقَ عُصفورِ
للقمةٌ بجَريشِ الملحِ تأكلها ألذُّ من تمرةٍ تُحْشى بزُنْبورِ
وقال عبد الله بن المبارك:
يا عُدولَ البلادِ أنتم ذِئابٌ سَترتكم عن العيونِ الثّيابُ
غيرَ أنَّ الذئابَ تصطادُ وحشًا ومباآتُها القِفارُ اليَبابُ
ويَصيدُ العدولُ مالَ اليتامى باقتناصٍ كما يصيدُ العُقابُ
عَمّروا موضِعَ التصنعِ منهم ومحلُّ الإخلاصِ منهم خرابُ
أنشدني قاضي سجستان لابن الرومي:
ومعشرٌ قلتُ إذْ حسِبتهُمُ بحملهم للرِّكاءِ مُبْتَهلهْ
مَنْ معشرُ القومِ قالَ قائلُهم أصحابُنا الزاهدونَ والحَملَهْ
فلم أزلْ مولَعًا بصحبتهم حتَّى تيقّنتُ أنهم أكلَهْ
وقال أبو القاسم بن أسد العامري:
شاعرُ خوارزْمَ جاءَ مُعترضا وأقبلَ العامريُّ فاقْترضا
فنتفَ العامريُّ لحيتَه ودسَّها في حِرامِّه ومضَى
وقال آخر في الفضل بن مروان:
إلى النّارِ فليرحلْ ومَنْ كانَ مثله علَى أيِّ أمرٍ فاتنا منه نأسَفُ
لَعمرُكَ ما يبكي بعينٍ سَخينةٍ علَى الفضل إلاَّ ماجِنٌ أوْ مُكلَّفُ
وقال أبو الفتح:
علَى بابِ سُلطاننا عُصْبةٌ يُقِرّونَ أعينَ أعدائهمْ
كُفاةٌ ولكنّهم يَسرقو نَ ثلاثةَ أرباعِ أسمائهمْ
وقال ابن بسّام:
قالوا خليفتُنا قد ماتَ قلتُ لهم في الكلبِ منه وفي أمثالِه خَلَفُ
حتَّى إذا قامَ شرٌّ منه قلتُ لهم الآنَ طابَ عليه الهمُّ والأسَفُ
وقال الحمدوني:
يا ابنَ حربٍ كسَوتَني طيلسانًا ضَجّ من صُحبةِ الزَّمانِ وصَدَّا
طالَ تَرْداده إلى الرّفاءِ حتَّى لو بَعثناهُ وحدَه لتَهدَّى
أنشدني الحصين بن محمد مولى أمير المؤمنين:
قلْ للّذي لم يعُدْ سَقامي فالقلبُ منه علَى حَزازَهْ
من لم يَعُدْنا إذا مَرِضْنا إنْ ماتَ لم نشهدِ الجنازَهْ
وقال آخر:
مَرضتُ ولم يعُدْني في شَكاتي من الإخوانِ ذو كرمٍ وخيْرِ
فإنْ مَرِضوا وللأيَّام حُكمٌ سينفُذ في الصغير وفي الكبيرِ
عكفتُ علَى المُدامةِ والمَلاهي وإن ماتوا خَريتُ علَى القُبورِ
وقال منصور الفقيه:
وقال الطانِزونَ له فقيهٌ فصعَّدَ حاجبيهِ به وتاها
وأطرَقَ للمسائل أي بأنّي ولا يدري لعمرُكَ ما طحاها
وقال آخر:
طلعتُه في المريض صُبْحًا يزدادُ في علّةِ النفوسِ
ما زارَ في الأربعاءِ عليلًا إلاَّ دفنّاهُ في الخميسِ
وقال آخر في نعمان الطبيب:
أقولُ لنُعمانٍ وقد ساقَ طبُّه نُفوسًا نفيساتٍ إلى باطنِ الأرضِ
أبا مُنذرٍ أفنيتَ فاستبقِ بعضَنا حَنانيكَ بعضُ الشرِّ أهونُ من بعضِ
وقال مضراب البوشنجي:
قد كنتُ أعرفُ عبدَ العزيزِ وترياقَه النافذَ النافعا
أقامَ ثمانيةً عندَه وأدرجَه يومَه التاسِعا
آخر:
لم أرَ في الحكّامِ كالمُسَيّحي يطمعُ في السَّلْحِ الَّذي لم يُسْلحِ
وقال محمد بن حازم الباهلي:
إذا استقلّتْ بكَ الركابُ فحيثُ لا درَّت السَّحابُ
وحيثُ لا يُرتجى إيابُ وحيثُ لا يوصَل الكتابُ
فدونَ موعدِكَ البلايا ودون تنويلِكَ العذابُ
وخيرُ أخلاقِك اللواتي تَعافُ أمثالَها الكلابُ
آخر:
هبْكَ من آلِ مَخْلَدٍ ولئنْ كن تَ فمنْ مخلدٍ إذا كنتَ منه
وقال آخر:
فأنتَ باللّيلِ ذئبٌ لا حريمَ له وبالنَّهارِ علَى سَمْتِ ابنِ سيرينِ
آخر:
ترى رجلًا ضخْمًا طويلًا وإنَّما عصا خروَعٍ بينَ العِمامة والنّعْلِ
آخر:
مُذْ تزوَّجتُ صفيَّهْ أنا منها في بليَّهْ
هيَ في السنِّ عجوزٌ وهي في العقلِ صبيَّهْ
لا صلاةٌ لا صيامٌ لا ولا في الخيرِ نيّهْ
فإذا صلَّتْ رياءً فعلى غيرِ تحيَّهْ
[ ٣١ ]
قَبِلتْ دهرًا وقادَتْ فهيَ من شرّ البَريّه
لعنةُ الله عليها في غَداةٍ وعَشيّهْ
أنشدنا أبو جعفر الطائي:
زبيبةٌ من فوقها زبيبة قدرٌ وقدرٌ فوقها مكبوبة
يخالها من جهله خرعوبة وليس يدري أنها عقوبة
وقال أبو سعيد الأسود الزوزني:
يا أيُّها السائلُ عن زَوْزَنٍ أمسَتْ خرابًا شأنُها أعوَجُ
رئيسُها شيخٌ له لحيةٌ شَوهاءُ لكنْ عقلُه كوسَجُ
النّارُ والعرْفَجُ في وسْطِها هل تُفلحُ النيرانُ والعرفجُ
وقال دعبل الخزاعي في المعتصم:
ملوكُ بني العبّاسِ في الكتْبِ سبعةٌ ولم يأتنا في ثامنٍ منهم كتْبُ
كذلك أهلُ الكهْفِ في الكتْبِ سبعةٌ خيارٌ إذا عُدّوا وثامنهُم كلبُ
وقال الطائي:
غَلَبنا للحطيئةِ ألفَ بيتٍ كذاك الحيُّ يغلبُ ألفَ ميْتِ
وهذا دعبلٌ يرجو سَفاهًا وجهلًا أن ينال مدَى الكُميْتِ
إذا ما الحيُّ هاجَى حشوَ قبْرٍ فذلكمُ ابنُ زانيةٍ بزيْتِ
وقال ابن قبّان المحاربي:
قد قلتُ لمّا جئتُ مجلسَهم قبح الإلهُ عمائم الخَزِّ
عجبًا لهذا الخَزّ يلبَسُه منْ كانَ مٌشتاقًا إلى الخُبْزِ
وقال آخر:
شاتمَني عبدُ بني مسمَعٍ فصُنْتُ عنه النفسَ والعرضا
ولم أُجِبْه لاحتقاري له ومن يعَضُّ الكلبَ إن عضّا
وأنشدني سعيد بن محمد الحمداني لغيره:
إنْ يغدِروا أو يبخَلوا أو يفجُروا لا تحفِلوا
وغدَوا عليك مُرَجلي نَ كأنَّهم لم يفعَلوا
كأبي براقِشَ كلّ لو ن لونُه يتخيّلُ
وقال آخر:
لجحظةَ المطربِ عندي يدٌ أشكُرها عنه إلى المحشرِ
لمّا رآني صَدَّ بِرْذَونه وصانني عن وجهه المنكرِ
وقال آخر:
لا تمدَحنَّ ابنَ عبّادٍ وإنْ مَطرتْ كفّاه جودًا ولا تذمُمهْ إنْ زَرِما
كلاهُما خطراتٌ من وساوِسه يُعطي ويمنعُ لا بخلًا ولا كَرما
وقال آخر:
يا صورةً صاغَها النجّارُ من خشبٍ وسْطَ الكنيسةِ في تمثالِ قِدّيسِ
شهًّا عليكَ فما تُرْجى لنائبةٍ يا هِنْدبًا بلسانِ الفرسِ كسنيسِ
وقال ابن بسّام:
عمرو العلَى بَذَّ الوَرَى في البذْلِ والخلُقِ الحميدِ
هشمَ الثريدَ لقومه والنَّاسُ في مَحْلٍ شديدِ
وهَشمتَ أنتَ أنوفَ هـ ذا الخلقِ في طلبِ الثَّريدِ
حتَّى ارتجعتَ ثريدَه وسعيتَ في طلبِ المزيدِ
وقال آخر:
بني حاتمٍ جيئوا بأفعالِ حاتمٍ ولا تنجلونا بالدَّواهي العظائمِ
أرى ألْفَ بانٍ لا يقومُ لهادِمٍ فكيف ببانٍ خلفَه ألفُ هادمِ
وقال آخر:
شيخُهمُ وغْدٌ ومولودُهم تلعَنُه من بغضِه القابلَهْ
وإنَّ من غايةِ حرصِ الفَتَى أنْ يطلُبَ المعروفَ من باهله
وقال خالد بن صفوان:
أبوكَ أبٌ حُرٌّ وأمُّكَ حُرّةٌ وهل يلِدُ الحُرّانِ غيرَ نجيبِ
فلا تعجبنَّ النَّاسُ منكَ ومنهما فما خبَثٌ من فضة بعجيبِ
وقال أبو عبد الله الشبلي:
تعلمتُ بالنونِ أكلَ الأقطْ وغزلَ العُهونِ ونسجَ البُسُطْ
وما كنتُ فيما مضى هكذا ولكنْ من الدَّهرِ جاءَ الغَلَطْ
وقال أسد بن أحمد العامري:
عذيري من حائكٍ لَجْلَجِ إذا عيجَ للحقِّ لم يَنعجِ
يَلوكُ لسانًا له ألكنًا كلبْلَبةِ التيسِ في رَجْرجِ
تمنَّى لقائي فلاقيتُه فعادَ الغبارُ علَى المُرْهِجِ
وقال آخر:
أيا شَرَّ منْ مرَّ تحتَ الفلكْ وأخبث حيٍّ طريقًا سَلَكْ
خُذ اسمَ المُيسّرِ بالفارسيّ فمقلوبُ أولِ حرفيْهِ لَكْ
وباقيهِ لي لأرُدَّ الَّذي تعيْهِ فعالجْ به أسفلَكْ
وقال آخر:
عجبْتُ لي ولابنِ عمّي مَسْعَدهْ
يُريدُ أنْ يسيء بي وأحمدَهْ
ألا ترى ما بيننا ما أبعدَهْ وقال آخر:
قومي كِرامٌ غيرَ ما أنَّهُمْ صولتُهم منهم علَى جارِهمْ
[ ٣٢ ]
ليسَ لهم مجدٌ سوى مسجِدٍ به تَعدّوا فوقَ أطوارهمْ
لو هُدِمَ المسجدُ لم يُعْرَفوا يومًا ولم يُسمعْ بأخبارهم
آخر:
بنو فلانٍ مجدُهم دارهُم وكلُّ قومٍ لهمُ مجدُ
وقال الأعشى:
هم الكَشوثُ فلا أصْلٌ ولا ورَقٌ ولا عَمودٌ ولا ظِلٌّ ولا ثمرُ
وقال أعرابيّ في أخيه:
لئيمٌ أتاهُ اللؤمُ من عند نفسِه ولم يأتِه من إرثِ أُمٍّ ولا أبِ
آخر:
فما ذنبُنا إنْ جاشَ بحرٌ برغمِكُمْ وبحرُكَ مَحْلٌ لا يُواري الدَّعامِصا
فلو كنتُم نمْرًا لكنتم جَزامةً ولو كنتُم نَبْلًا لكنتُمْ مَشاقِصا
قال الله تعالى ذكره) والشعراء يتّبعهم الغاوون. ألم تر أنّهم في كلّ وادٍ يهيمون. وأنّهم يقولون مالا يفعلون. إلاَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرًا وانتصروا من بعد ما ظلموا، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون (، استثنى الذين ينتصرون بالهجاء ممَّن ظلمهم، ثمَّ لم يقتصر ﷿ حتَّى أوعد من ظلم الشعراء ولم يعرف قدرهم، فقال: وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون.
وقال عزّ اسمه) لا يحبّ الله الجهر بالسوء من القول إلاَّ من ظلم (، قيل في التفسير: منع الضيافة.
وقال النبيّ ﵇ لما هجته قريش لحسّان: أجبهم، ثمَّ قال النبيّ ﷺ: قل وجبريل معك، وقال: اللهم أيده بروح القدس، فقال حسان:
هجوتَ محمدًا فأجبتُ عنه وعندَ الله في ذاكَ الجزاءُ
هجوتَ محمدًا برًّا حَنيفًا رسولَ الله شيمتُه الوفاءُ
أتهجوهُ ولستَ له بكُفْءٍ فشرُّكما لخيركما الفِداءُ
فإنَّ أبي ووالدَه وعِرضي لعرضِ محمدٍ منكم وِقاءُ
وقال عمر بن الخطاب ﵁ للحطيئة: بئس الرَّجُل أنت، تمنع إبلك وتهجو قومك. ولما قال الحطيئة للزبرقان بن البدر:
دَعِ المكارمَ لا ترحلْ لبغيَتِها واقعدْ فإنَّكَ أنتَ الطاعمُ الكاسِي
استعدى عليه عمر، فقال: قد أحسن إليك، جعلك تطعم وتكسو، فقال: يا أمير المؤمنين، فأين طلب المعالي وما يليق بأمثالي؟ فقال عمر: سلوا عنه لبيد وحسَّان، فسألوهما، فأمَّا لبيد فقال: ما يسرّني أنَّه نالني من هذا البيت ما نال الزبرقان وأنَّ لي حمر النّعم. وأمَّا حسان فقال: ما هجاه ولكن ذرق عليه. فحبس عمر الحطيئة.
ويقال: إنَّ أزنى الزناء شتم الأعراض، وأشدّ الشَّتم الهجاء والرواية أحد الشاتمين.
وجاء بنو العجلان إلى عمر ﵁ فاستعدوه علَى النجاشي، وقالوا: قد هجانا، فقال: وماذا قال؟ فقالوا: قال:
إذا اللهُ عادَى أهل لؤم وقلَّة فعادَى بني العجلان رهط ابن مقبل
فقال عمر: هذه دعوة، وإن كان مظلومًا رجوت أن يستجاب له، قالوا: فأين قوله:
قبيلته لا يغدرون بذمّة ولا يظلمون النَّاس حبّة خردل
فقال عمر: ليت آل الخطّاب كذلك، قالوا: فأين قوله:
ولا يردون الماء إلاَّ عشيّة إذا صدر الورّاد عن كلّ منهل
فقال عمر: ذاك أروى للإبل وأقلّ للزحمة. قالوا: فأين قوله:
تعاف الكلاب الضاريات لحومهم ويأكلن من عوف وكلب ونهشل
فقال عمر: ذلك لأنهم لا يستعملون السنّة في دفن موتاهم وقتلاهم، قالوا فأين قوله:
وما سمّي العجلان إلاَّ لقولهم خذ القعب واحلب أيها العبد واعجل
فقال عمر: سيّد القوم خادمهم، وكلّنا عبيد الله. ولم يكن هذا لسوء معرفة بانتقاد الشعر ولكن استعمل قول النبيّ ﵇ " ادرؤا الحدود بالشبهات، وادرؤا الحدود ما استطعتم ".
ونبغ في بني حزام شاعر، فهجا الفرزدق فأخذوه وكتّفوه وجاءوا به إلى الفرزدق فقالوا: إنَّ هذا قد هجاك فخذ منه حكمك ولا تطلق فينا لسانك فقد مكّناك منه، فأطلقه الفرزدق وخلاَّه، ثمَّ أنشأ يقول:
فمن يكن خائفًا لبنات شعري فقد أمن الهجاء بنو حزام
هم قادوا سفيههم وخافوا قلائد مثل أطواق الحمام
[ ٣٣ ]
حدثنا أبو محمد حاتم بن محمد بن يعقوب بهراة، فقال: حدثنا محمد بن إسحاق القرشيّ، فقال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا شعبة عن عديّ بن ثابت عن البراء بن عازب: أن النبيّ ﷺ قال لحسّان: اهجهم، أوْ قال: هاجهم وجبريل معك.
وحدثنا حاتم بن محمد بن يعقوب، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق القرشي، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: قرأت علَى أبي اليمان: أن شعيب بن أبي حمزة أخبره عن الزهريّ، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أنَّه سمع حسان بن ثابت يستشهد أبا هريرة: أنشدك الله هل سمعت رسول الله ﷺ يقول: يا حسّان أجب عن رسول الله، اللهم أيّده بروح القدس، قال أبو هريرة: نعم.