[ ١٥١ ]
قالت ليلى الأخيلية، ترثي توبة بن الحُميِّر:
يا عينُ بكِّي بدمعٍ دائم السجمِ وابكي لتوبة عند الروع والبُهَمِ
على فتىً من بني سعدٍ، فجعت به ماذا أُجِنُّ به في حفرة الرَّجَمِ
من كل صافيةٍ صرفٍ، وقافيةٍ مثل السنان، وأمر غير مقتسمِ
ومصدرٍ حين يُعيي القوم مصدرهمْ وجفنةٍ عند نحس الكوكب الشئمِ
[ ١٥٣ ]
وقال أشجع السُّلميُّ:
ويحها هل درتْ على من تنوحْ أسقيمٌ فؤادها أم صحيحُ؟
قمرًا أطبقوا عليه ببغدا دَ ضريحًا، ماذا أجن الضريحُ؟
رحم الله صاحبي ونديمي رحمةً تغتدي وأخرى تروحُ
[ ١٥٤ ]
وقالت الخنساء:
وقائلةٍ، والنعشُ قد فات خطْوها لتدركهُ: يا لهف نفسي على صخرِ
ألا ثكلت أم الذين مشوا به إلى القبر، ماذا يحملون إلى القبرِ؟
وقال محمد بن مناذر:
إن عبد الحميد يوم توفِّي هدَّ ركنًا ما كان بالمهدودِ
[ ١٥٥ ]
ما درى نعشه، ولا حاملوهُ ما على النعش من عفافٍ وجودِ
وقال آخر:
ألا في سبيل الله ماذا تضمنتْ بطون الثرى، واستودع البلد القَفْرُ
بدورًا، إذا الدنيا دجتْ أشرقتْ بهم وإن أجدبت يومًا فأيديهم القَطْرُ
أقاموا بظهر الأرض فاخضرَّ عودها وصاروا ببطن الأرض فاستوحش الظهرُ
[ ١٥٦ ]
وقالت سعدة بنت فريد ترثي ابنها الكُميت بن زيد:
لأمِّ البلاد الويلُ، ماذا تضمنتْ بأكناف طورى من عفافٍ ونائلِ؟
ومن وقعاتٍ بالرجال كأنها إذا أعيت الأحداث وقعُ المناصلِ
يعزِّ المعزِّي بالكميت فتنتهي مقالته، والصدرُ جَمُّ البلابلِ
[ ١٥٧ ]
وقال آخر:
لعمرك ما المصيبة هدم دارٍ ولا شاةٌ تموت ولا بعيرُ
ولكن المصيبة موت حرٍّ يموت بموته بشرٌ كثيرُ
[ ١٥٨ ]
وقال آخر:
عجبْتُ لهذا الدهرِ أفنى محمّدًا وكان الذي يسطو به ويُصاولُ
مضى فمضى مجدٌ تليدٌ وسُؤددٌ وأودى فأودى منه بأسٌ ونائلُ
وكان سراج الأرض، فالأرض مُظلمٌ قَرَاها، وحَلْيَ الدهرِ، فالدهر عاطلُ
وقال أبو سعيد إبراهيم، يرثي ببني أمية:
بَكَيتُ، وماذا يردُّ البكاءْ وقلَّ البكاءُ لِقتلى كَراءْ
أُصيبوا معًا، فتولوا معًا كذلك كانوا معًا في رخاءْ
[ ١٥٩ ]
بكتْ لهم الأرض من بعدهم وناحت عليهم نجومُ السماءْ
وكانوا ضياءً، فلما انقضى ال زَّمان بقومي تولى الضياءْ
وقال أيضًا:
أثَّرَ الدهر في رجالي، فقلُّوا بعد جمعٍ، فراح عظمي مَهِيضا
ما تذكرتهم فتملك عيني فيض دمعٍ، وحقَّ لها أن تفيضا
[ ١٦٠ ]
وقال أيضًا:
أولئك قومي بعد عزٍّ وثروةٍ تداعوا، فإلا تذرف العين أُكْمَدِ
كأنهم لا ناس للموتِ غيرهم ولإن كان فيهم مُنْصفًا غير مُعْتَدِ
وقالت بنت عمرو بن يثربي، ترثي أباها:
يا ضبُّ إنك قد فُجعتِ بفارسٍ حامي الحقيقة قاتل الأقرانِ
عمرو بن يثربي الذي فُجِعتْ به كل القبائل من بني عدنانِ
[ ١٦١ ]
لم يحمه وسط العجاجة قومه وحنت عليه الأزدُ أزد عُمانِ
فلهم عليَّ بذاك حادث نعمةِ ولحبهم أحببتُ كلَّ يَمانِ
لو كان يدفع عن منية هالكٍ طول الأكفِّ بذابلِ المُرَّانِ
أو معشرٌ وصلوا الخُطا بسيوفهم وسط العجاجةِ والحُتوفُ دوانِ
ما نِيلَ عمروٌ والحوادثُ جمةٌ حتى يُنال النجمُ والقمرانِ
وقالت بثينة، ترثي جميلًا:
وإن سلوِّي عن جميلٍ لساعةٌ من الدهر ما جاءت، ولا حان حينها
[ ١٦٢ ]
سواءٌ علينا يا جميل بن معمرٍ إذا مت بأساء الحياة ولينها
وقال مطرود الخزاعي:
يا عينُ جودي وأذري الدمع واحتفلي وابكي حبيسة نفسي في الملماتِ
وابكي على كل فياضٍ أخي حسبٍ ضخم الدَّسيعةِ وهاب الجزيلاتِ
ماضي الصريمةِ عالي الهمِّ ذي شرفٍ جلد النحيزة حمَّال العظيماتِ
صعب المقادة لا نكسٍ ولا وكلٍ ماضٍ على الهول متلاف الكريماتِ
محضٍ توسط من كعبٍ إذا انتسبوا بحبوبة المجد في الشمِّ الرفيعاتِ
وابكي على هاشمٍ في وسط بلقعةٍ تسفي الرياح عليه وسط غزَّاتِ
[ ١٦٣ ]
يا عين بكي أبا الشعث الشجيات يبكينه حسَّرًا مثل البنياتِ
يبكين عمرو العلا إذ حان مصرعه سمح الشجية بسّام العشياتِ
يبكينه معولاتٍ في معاوذها يا طوْل ذلك من حزنٍ وعولاتِ
[ ١٦٤ ]
وقال أبو طالب يرثي نديمًا له مات غريبًا:
ليت شعري مسافر بن أبي عمْ رٍو، وليت يقولها المحزونُ
كيف كانت مذاقة الموت إذْ مِ تَّ، وماذا بعد الممات يكونُ؟!
رحل الركب قافلين إلينا وخليلي في مرمس مدفونُ
بورك الميت الغريب كما بو رِكَ نضر الريحان والزيتونُ
رُزْءُ ميتٍ على هُبالةَ قد حا لتْ فيافٍ من دونه وحزونُ
مِدْرَهُ يدفعُ الخصومَ بأيْدٍ وبوجهٍ يزينه العِرنينُ
كم خليلٍ وصاحبٍ وابن عمٍّ وحميمٍ قضت عليه المَنونُ!
فتعزيت بالجلادة والصب رِ، وإني بصاحبي لضنينُ
[ ١٦٥ ]
وقال آخر:
لقد غادرت أرماح بكر بن وائلٍ قتيلًا عن الأهوال ليس بمُحجِمِ
قتيلًا يظلُّ الحيُّ يثنون بعدهُ عليه بأيدٍ من نداهُ وأنْعُمِ
لقد فجعتْ طيٌّ بحلمٍ ونائلٍ وصاحب غاراتٍ ونَهْبٍ مقسَّمِ
[ ١٦٦ ]
وقد كان خالي ليس خالٌ كمثلهِ دفاعًا لضيم واحتمالًا لِمَغْرَمِ
يذكرني طلوع الشمس صخرًا وأندبه لكل غروب شمسِ
ولولا كثرة الباكين حولي على أمواتهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن أسلِّي النفس عنه بالتأسي
[ ١٦٧ ]
وقال أبو الهيذام يرثي أخاه:
سأبكيك بالبيض الرقاق وبالقنا فإن بها ما يطلب الماجد الوِترا
ولستُ كمن يبكي أخاهُ بعبرةٍ يعصرها في جفن مقلته عَصْرا
وإنا أناسٌ ما تفيض دموعنا على هالكٍ منا، وإن قَصَمَ الظّهْرا
[ ١٦٨ ]
وقال مطيع بن إياس يرثي يحيى بن زيادٍ:
انظر إلى الموت كيف بادهه والموتُ مقدامةٌ على البُهَمِ
لو قد تدبرت ما صنعتَ به قرعت سنًا عليه من ندمِ
فاذهب بما شئت إذ ذهبت به ما بعد يحيى للرزء من ألمِ
[ ١٦٩ ]
وقال يرثيه أيضًا:
قد مضى يحيى، وغودرت فردًا نصْبَ ما سرَّ عيون الأعادي
وأرى عيني مذ غاب يحيى بُدِّلت من نومها بالسُّهادِ
وسّدته الكف مني تُرابًا ولقد أرثي له من وِسادِ
بين جيرانٍ أقاموا صموتًا لا يحيرون جواب المُنادي
أيها المزن الذي جاد حتى أعشبتْ منه متونُ البوادي
اسقِ قبرًا فيه يحيى، فإني لك بالشكر موافٍ مفادِ
[ ١٧٠ ]
وقال ضرار بن نهشلٍ، يرثي أخاه:
لعمري لئن أمسى يزيد بن نهشلٍ حشا جدثٍ تسفي عليه الروائحُ
لقد كان ممن يبسط الكف بالندى إذا ضنَّ بالخير الأكف الشحايحُ
فبعدك أبدى ذو الضغينة ضغنهِ وشدَّ لي الطرف العيونُ الكواشحُ
ذكرت الذي مات الندى عند موته بعافيةٍ، إذ صالحُ القوم صالحُ
إذا أرقي أفنى من الليل ما مضى تمطَّى به ثنيٌ من الليل راجحُ
[ ١٧١ ]
وقال علبة الحارثي، يرثي ابنه:
لعمرك إني يوم أسلمت جعفرًا وأصحابه للموت لما أُقاتلِ
لمجتنبٌ حبَّ المنايا، وإنما يهيج المنايا كل حقٍّ وباطلِ
فراح بهم قومٌ، ولا قوم عندهم مغللةٌ أيديهم في السلاسلِ
وربَّ أخٍ لي غاب لو كان شاهدًا رآه التباليون لي غير خاذلِ
[ ١٧٢ ]
وقال نهار بن توسعة:
ألا ذهب الغزو المقرب للغنى ومات الندى، والجود بعد المهلَّبِ
أقاما بمرو الروذ لا يبرحانها وقد فقدا من كل شرقِ ومغْربِ
وقالت امرأة من بني عاممر:
أيا شجرات الواد من يضمن القرى إذا لم يكن بالواد عمرو بن عامرِ
[ ١٧٣ ]
فتى جعفر ما كان غير ميامنٍ طريق الندى عنه، وغير مياسرِ
ولكن إليه قصد كل معصَّبٍ صبورٍ على مستقطعات الجرائرِ
وقال أبو العيص بن حزام المازني:
وكم من صاحبٍ قد بان عني رميت بفقده، وهو الحبيبُ
فلم أُبْدِ الذي تحنو ضلوعي عليه، وإنني لأنا الكئيبُ
مخافة أن يراني مستكينًا عدوٌ أو يُساء به قريبُ
فيشمت كاشحٌ، ويظن أني جزوعٌ عند نائبةٍ تنوبُ
فبعدك شدَّت الأعداء طرفًا إليَّ، ورابني دهرٌ يُريبُ
[ ١٧٤ ]
وأنكرتُ الزمان وكل أهلي وهرَّتني لغيبتك الكليبُ
وكنتَ تقطِّعُ الأبصار دوني وإن وغرت من الغيظ القلوبُ
وتمنعني من الأعداء، إني وإن زعموا لمخشي مهيبُ
فلم أرَ مثل يومك كان يومًا بدت فيه النجوم، فما تغيبُ
وليلٍ ما أنام به طويلٍ كأني للنجوم به رقيبُ
وما يكُ جائيًا، لا بدَّ منه إليك، فسوف يجلبه الجَلوبُ
[ ١٧٥ ]
وقال نهشل بن حري:
ذكرت أخي المخوِّل بعد يأسٍ فهاج عليَّ ذكره اشتياقي
فلا أنسى أخي ما دمتُ حيًا وإخواني بأقرنة العناقِ
يجرون الفصال إلى الندامى يروض الحزن من كنفي أباقِ
ويغلون السِّباء إذا أتوهُ بضمرِ الخيلِ والشُّولِ الحِقاقِ
إذا اتصلوا وقالوا: يالِ غوثٍ! وراحوا في المُحبَّرةِ الرِّقاقِ
أجابكَ كل أروع شمَّريٍّ رخي البال منطلق الخناقِ
أناسٌ صالحون نشأتُ فيهم فأودوا بعد إلفٍ واتِّساقِ
مضوا لسبيلهم، ولبثت عنهم ولكن لا محالة من لحاقِ
[ ١٧٦ ]
وقال متمم بن نويرة، يرثي أخاه مالكًا:
وكنا كندماني جذيمة حقبةً من الدهر حتى قيل: لن يتصدعا
وعشنا بخيرٍ في الحياة وقبلنا أصاب المنايا رهط كسرى وتبعا
فلما تفرقنا كاني ومالكًا لطول اجتماع لم نبت ليلةً معا
[ ١٧٧ ]
وقال أيضًا:
ولنعم حشو الدرع كان وحاسرًا ولنعم مأوى الطارق المتنورِ
لا يمسك الفحشاء تحت ثيابه حلوٌ شمائلهُ، عفيفُ المئزرِ
[ ١٧٨ ]
وقال آخر:
أبى حدثان الدهر إلا تفرقًا وأي فتىً يبقى على حدث الدهرِ
وإني إذا ما أعوز الدمع أهله فزعت إلى وطفاء دائمة القطرِ
وقال النابغة الجعدي:
تذكرت، والذكرى تهيج على الهوى ومن حاجة المحزون أن يتذكرا
نداماي عند المنذر بن محرقٍ أرى اليوم منهم ظاهر الأرض مُقفرا
كُهولٌ وفتيانٌ كأن وجوههم دنانيرُ مما شِيف في أرض قيصَرا
[ ١٧٩ ]
وقال عبد الله بن الزبير:
عقدتم لعمرو عقده، وغدرتم بأبيض كالمصباح في ليلة الدجنِ
فما قال عمروٌ، إذ يجود بنفسه لضاربه حتى قضى نحبه دعني
وقال آخر، يرثي يزيد بن مزيدٍ:
أبعد يزيد تختزن البواكي دموعًا أو يُصان لها خدودُ؟
[ ١٨٠ ]
فغن يهلك " يزيدٌ " فكلُّ حيٍّ فريسٌ للمنية، أو طريدُ
لقد عزَّى ربيعة أن يومًا عليها مثل يومك لا يعودُ
وقال أبو دهبل الجمحي يرثي الحسين:
يبيت النشامى من أمية نوَّمًا وبالطَّفِّ قتلى ما ينام حميمها
وما ضيَّع الإسلام إلا عصابةٌ تأمّرَ نوكاها، ودام نعيمها
وصارت قناة الدين في كف ظالمٍ إذا مال منها جانبٌ لا يقيمها
[ ١٨١ ]
وقال عمران بن حطان الخارجي:
يا عينُ بكِّي لمرداسٍ ومصرعه يا ربَّ مرداس ألحقني بمرداسِ
تركتني هائمًا أبكي لمرزأتي في منزلٍ موحشٍ من بعد إيناسِ
أنكرتُ بعدك من قد كنت أعرفهُ ما الناس بعدك يا مرداس بالناسِ
[ ١٨٢ ]
وقال عيسى بن فاتكٍ الخطي الخارجي:
ألا في الله لا في الناس شالتْ بداودٍ وإخوته الجذوعُ
مَضَوا قتلًا وتمزيقًا وصلبًا تحومُ عليهم طيرٌ وقوعُ
إذا ما الليل أسفر كابدوهُ فيسفر عنهم، وهم ركوعُ
أطار الخوف نومهم فقاموا وأهل الأرض في الدنيا هُجوعُ
[ ١٨٣ ]
وقال عبيدة بن هلال الخارجي:
ومسومٍ للحربِ يركب ردعه بين الأسنة والقنا الخطارِ
يدنو وترفعه الرماح كأنه شلوٌ تنشَّبَ في مخالب ضارِ
فثوى صريعًا والرماح تنوشهُ إن الشراة قصيرة الأعمارِ
[ ١٨٤ ]
وقال بعض الخوارج يرثي نافع بن الأزرق، وكان خليفتهم:
شِمْتُ ابن بدرٍ، والحوادثُ جمةٌ والحائرون بنافعٍ بن الأزرقِ
والموتُ حتمٌ لا محالة واقعٌ من لا يصبِّحه نهارًا يَطْرقُ
فلئن أمير المؤمنين أصابهُ ريبُ المنون، فمن يصبه يغلقِ
وقال عمرو بن الحصين العنبري الخارجي:
هبّت قبيل تبلج الفجر هندٌ تقول، ودمعها يجري
[ ١٨٥ ]
إذ أبصرت عيني وأدمعها تنهلُّ واكفةً على النحرِ
أنّى اعتراك وكنت عهدي لا سرب الدموع، وكنت ذا صبرِ
أقذىً بعينك ما يفارقها أم عائرٌ، أم مالها تذري
أم ذكر إخوانٍ فجعتَ بهم سلكوا سبيلهم على قدرِ
فأجبتها: بل ذكر مصرعهم لا غيره، عبراتها يمري
يا ربِّ أسلكني سبيلهم ذا العرش واشدد بالتقى أزري
في فتيةٍ صبروا نفوسهم للمشرفية والقنا السمرِ
[ ١٨٦ ]
تالله ألقى الدهر مثلهم حتى أكون رهينة القبرِ
أوفي بذمتهم إذا عقدوا وأعف عند العسر واليسرِ
متأهبون لكل صالحةٍ ناهون من لاقوا عن النُّكرِ
صمتٌ إذا حضروا مجالسهم من غير ما عيٍّ بهم يُزري
إلا نحيبهم فإنهم رجف القلوب بحضرة الذِّكرِ
متأوهون كأن جمر غضًا للخوف بين ضلوعهم يسري
تلقاهم إلا كأنهم لخشوعهم صدورًا عن الحشرِ
فهم كأن بهم جوى مرضٍ أو مسهم طرفٌ من السحرِ
[ ١٨٧ ]
لا ليلهم ليلٌ، فتلبسهم فيه غواشي النوم بالسُّكرِ
إلا كذا خلسًا وآونةً حذر العقاب، فهم على ذعرِ
كم من أخٍ لك قد فجعت به قوام ليلته إلى الفجرِ
متأوهًا يتلو قوارع من آي الكتاب مقرح الصدرِ
نصبًا تجيشُ بناتُ مهجته من خوف جيش مشاشة القدرِ
ظمآن رقدة كل هاجرةٍ ترَّاك لذته على قدرِ
رفّاض ما تهوى النفوس إذا رغب النفوس دعا إلى المُزري
[ ١٨٨ ]
ومبرًا من كل سيئةٍ عفَّ الهوى ذا مرةٍ شزْرِ
والمصطلي بالحرب يوقدها بحسامه في فتيةٍ زُهرِ
يختاضها بأقل ذي شُطبٍ عضب المضارب ظاهرِ الأثرِ
لا شيء تلقاهُ أسرُّ له من طعنةٍ في ثغرةِ النّحرِ
منهارةٍ منه تجيشُ بما كانت عواصمُ جوفهِ تجري
كخيلكَ المختار أذكِ به من مغتدٍ في الله أو مُسْرِ
خوَّاض غمرة كل متلفةٍ في الله تحت العشير الكدْرِ
[ ١٨٩ ]
ترَّاك ذي النخوات مختضبًا بنجيعه بالطعنة النترِ
وابن الحصين، وهل له شبةٌ في العُرْف، أنّى كان والنُّكرِ
بسّامةٍ لم يحن أضلعه لذوي أخوته على غدرِ
طلق اللسان بكل محكمةٍ رآب صدْع العظم ذي الوقرِ
لم ينفكك في جوفه حزنٌ تغلي حزازته ويستشري
ترقى وآونة يخفضها بتنفس الصعداء والزَّفرِ
ومخالطي بلجٌ وخالصتي سمُّ العدوِّ، وجابر الكسرِ
[ ١٩٠ ]
نكل الخصوم إذا هم شغبوا وسداد ثلمة حوزة الثغرِ
والخائضُ الغمرات يخطر في وسط الأعادي أيما خطرْ
بمشطبٍ أو غير ذي شطبٍ هام العدى بذبابه يفري
وأخيكِ أبرهة الهجان أخي ال حرب العوان، وموقد الجمرِ
والضارب الأخدود ليس لها حدٌّ ينهنهها عن السحرِ
ووليُّ حكمهم فجعت به عمروٌ، فواكبدي على عمرو!
قوَّال محكمةٍ، وذو فهمٍ عف الهوى متثبت الأمرِ
[ ١٩١ ]
ومسيَّبٌ، فاذكر وصيته لا تنسَ، إما كنت ذا ذكرِ
فكلاهما قد كان مختشعًا لله ذا تقوى، وذا برِّ
في مخبتين، ولم أسمهم كانوا يدي، وهو أولو نصري
وهم مساعرُ في الوغى رجحٌ وخيار من يمشي على العفْرِ
حتى وفوا لله حيث لقوا بعهود لا كذبٍ ولا غُدرِ
فتخالسوا مهجات أنفسهم وعداتهم بقواضبٍ بترِ
وأسنةٍ أثبتن في لدنٍ خطيةٍ بأكفهم زهرِ
تحت العجاج وفوقهم خرقٌ يخفقن من سودٍ ومن حُمْرِ
[ ١٩٢ ]
وتوقدت نيران حربهم ما بين أعلى البيت فالحِجرِ
وتصرعت عنهم فوارسهم لم يغمضوا عينًا على وِترِ
صرعى فحاجلةٌ تنوبهم وخوامعٌ لجسومهم تفري
وقال مهلهل يرثي أخاه كُليبًا:
كليبُ لا خير في الدنيا ومن فيها إذا أنت خليتها فيمن يُخلِّيها
نعى النُّعاة كُليبًا، فقلت لهم: مالتْ بنا الأرض، أو زالت رواسيها
[ ١٩٣ ]
الحزم والعزم كانا من صنائعه ما كل آلائه يا قوم أُحصيها
القائد الخيلُ تردى في أعنتها رهوًا، إذا الخيل لجت في تعاديها
يهزهزون من الخطي مدمجةً كمتًا أنابيبها، شهبًا عزاليها
ليت السماء على من تحتها وقعت وانشقت الأرض، وانجابت بمن فيها
[ ١٩٤ ]
وقال جرير يرثي ابنه سوادة، وقد مات بالشام:
أودى سوادة، يجلو مقلتي لحمٍ بازٍ يصرصرُ فوقَ المربأ العالي
فارقتنا حين كف الدهر من بصري وحين صرت كعظم الرمة البالي
إلا تكن لك بالديرين باكيةٌ فرب باكيةٍ بالرمل مِعوالِ
قالوا: نصيبك من أجرٍ، فقلت لهم: كيف العزاء، وقد فارقت أشبالي
[ ١٩٥ ]
وقال نصيب يرثي عبد العزيز بن مروان:
أصبتُ يوم الصعيد من سَكَرٍ مصيبةً ليس لي بها قِبَلُ
تالله أنسى مصيبتي أبدًا ما أسمعتني حنينها الإبلُ
ولا التبكي عليه أعْولهُ كل المصيباتِ بعدهُ جللُ
لم يعلم النعشُ ما عليه من ال عُرفِ، ولا الحاملون ما حملوا
حتى أجنوه في ضريحهم حين انتهى من خليلك الأملُ
[ ١٩٦ ]
وقال هلال بن الأسعر يرثي رجلًا من قومه اسمه المغيرة:
ألا ليت المغيرة كان حيًا وأفنى قبله الناس الفناءُ
ليبك على المغيرة كل خيلٍ إذا أفنى عرائكها اللقاءُ
ويبكِ على المغيرة كل كلٍّ فقيرٍ كان يُنعشهُ العطاءُ
ويبكِ على المغيرة كل جيشٍ تمور لدى معاركه الدماءُ
فتى الفتيان فارس كل حربٍ إذا شالت، وقد رفع اللواءُ
لقد وارى جديد الأرض منه خصالًا عقد عصمتها الوفاءُ
فصبرًا للنوائب، إن ألمت إذا ما ضاق بالحدثِ الفضاءُ
[ ١٩٧ ]
هزبرٌ تنجلي الغمرات عنه نقي العرض همته العلاءُ
إذا شهد الكريهة خاض منها بحورًا لا تكدرها الدلاءُ
جسورٌ لا يروعُ عند روعٍ ولا يثني عزيمته اتقاءُ
حليمٌ في مشاهده إذا ما حبا الحلماء أطلقها المِراءُ
حميدٌ في عشيرته، فقيدٌ يطيب عليه في الملأ الثناءُ
فإن تكن المنية أقصدته وحم عليه بالتلفِ القضاءُ
فقد أودى به كرمٌ وخيرٌ وعودٌ بالفضائل وابتداءُ
وجودٌ لا يضم إليه جودًا مراهنه إذا جد الجراءُ
[ ١٩٨ ]
وقال مروان بن أبي حفصة لما مات المهدي:
لقد أصبحت تختال في كل بلدةٍ بقبر أمير المؤمنين المقابرُ
ولو لم تسكن بابنه في مكانه لما برحت تبكي عليه المنابرُ
[ ١٩٩ ]
وقال عروة بن أُذينة:
سرى همي، وهم المرء يسري وغار النجم إلا قيد فِتْرِ
أراقبُ في المجرة كلَّ نجمٍ تعرَّض في المجرة كيف يجري
بحزنٍ ما أزال له مديمًا كأن القلب أسعر حرَّ جمْرِ
على بكرٍ أخي ولَّى حميدًا وأي العيش يحسن بعد بكرِ
[ ٢٠٠ ]
وقال الوليد بن يزيد يرثي نديمه القاسم بن الطويل:
عيني للحدث الجليل جودًا بأربعةٍ هُمُولِ
جودًا بدمعٍ، إنه يشفي الفؤادَ من الغليلِ
لله قبرٌ ضمِّنتْ فيه عظامُ ابن الطويلِ
ماذا تضمن إذ ثوى فيه من اللب الأصيلِ
قد كنت آوي من هوا ك إلى ذرا كهفٍ ظليلِ
أصبحت بعدك واحدًا فردًا بمدرجة السيولِ
[ ٢٠١ ]
وقال أبو طالب يرثي نديمه مسافر بن أبي عمرو:
ألا إن خير الناس غير مدافعٍ بسرو لنجم غيبته المقابرُ
تُبكِّي أباها أم وهبٍ، وقد نأى وريسان أمسى دونه ويحابرُ
على خير حافٍ من معدٍّ وناعلٍ إذا الخير يرجى، أو إذا الشر حاضرُ
تنادوا ولا أبو أمية فيهم لقد بلغت كظَّ النفوس الحناجرُ
[ ٢٠٢ ]
وقال الحسين بن الضحاك يرثي الأمين:
سألونا أن كيف نحن فقلنا: من هوى نجمه، فكيف يكون؟
نحن قومٌ أصابنا حدث الده ر، فظلنا لريبه نستكينُ
نتمنى من الأمين إيابًا لهفَ نفسي، وأين مني الأمينُ!
[ ٢٠٣ ]
وقال أيضًا:
أعزي يا محمد عنك نفسي معاذ الله، والأيدي الجسامِ
فهلا مات قومٌ لم يموتوا ودوفع عنك لي يوم الحمامِ
كأن الموت صادف منك غنمًا أو استشفى بقربك من سَقامِ
وقال الحطيئة يرثي علقمة بن علاثة حين قصده فوجده ميتًا:
لعمري لنعم المرء من آل جعفرٍ بحوران أمسى أعلقته الحبائلُ
[ ٢٠٤ ]
فإن تحيَ لا أملُلْ حياتي، وإن تمت فما في حياة بعد موتك طائلُ
وما كان بيني لو لقيتك سالمًا وبين الغنى إلا ليالٍ قلائلُ
وقال أبو العباس الأعمى، واسمه السائبُ بن فرُّوخ، يرثي بني أمية:
آمت نساء بني أمية منهم وبناتهم بمضيعة أيتامِ
نامت جدودهم وأسقط نجمهم والنجم يسقط، والجدود نيامُ
[ ٢٠٥ ]
خلت المنابر والأسرة منهم فعليهم حتى الممات سلامُ
وقال أيضًا:
ليت شعري أفاح رائحة المس كِ، وما إن إخال بالخيفِ أُنسي
حين غابت بنو أمية منه والبهاليل من بني عبد شمسِ
خطباءُ على المنابر فرسا نٌ عليها، وقالةٌ غير خرسِ
[ ٢٠٦ ]
لا يعابون صامتون، وإن قا لوا أصابوا، ولم يقولوا بلبسِ
بحلومٍ، إذا الحلوم تقضَّتْ ووجوه مثل الدنانير مُلْسِ
وقالت الخنساء ترثي أخويها صخرًا ومعاوية وأباها عمرًا:
من جشَّ لي الأخوين كال عضين أو مذراهما
قرمين لا يتظالما ن، ولا يرام حماهما
ويلي على الأخوين وال قبر الذي واراهما
لا مثل كهلي في الكهو ل، ولا فتىً كفتاهما
[ ٢٠٧ ]
رمحين خطيين في كبد السماء سناهما
ما خلفا، إذا ودعا في سؤددٍ شرواهما
سادا بغير تكلفٍ عفواص بفيض نداهما
وقالت أيضًا:
أعينيَّ جودي ولا تجمدا ألا تبكيان لصخر الندى
ألا تبكيان الجريء الجميل الا تبكيان الفتى السيدا
طويل النجاد، رفيع العما د، ساد عشيرته أمردا
إذا القوم مدوا بأيديهم إلى المجد مد إليه يدا
[ ٢٠٨ ]
فنال الذي فوق أيديهم من المجد، ثم مضى مصعدا
يحمله القوم ما عالهم وإن كان أصغرهم مولدا
ترى المجد يهوي إلى بيته يرى أفضل المجد أن يحمدا
وإن ذكر المجد ألفيته تأزر بالمجد، ثم ارتدى
وقالت ليلى الأخيلية ترثي توبة بن الحمير:
فإن تكن القتلى بواءً، فإنكم فتىً ما قتلتم آل عوف بن عامرِ
[ ٢٠٩ ]
فتىً كان أحيا من فتاةٍ حييةٍ وأشجع من ليثٍ بخفان خادرِ
فتىً كان للمولى سناءً ورفعةً وللطارق الساري قرىً غير ياسرِ
وقد كان طلاع النجاد وبين ال لسان ومدلاج السرى غير فاترِ
فأقسمت أبكي بعد توبة هالكًا وأحفل من نالت صروف المقادرِ
وقالت الفارعة ترثي أخاها الوليد بن طريف:
بتلِّ نُهاكَى رسم قبرٍ كأنه على جبلٍ فوق الجبال مُنيفِ
[ ٢١٠ ]
تضمّنَ مجدًا عدلميًا وسؤددًا وهمة مقدامٍ، ورأي حصيفِ
فيا شجر الخابور مالكَ مورقًا كأنك لم تحزن على ابن طريفِ
فتىً لا يحبُّ الزاد إلا من التقى ولا المال إلا من قنًا وسيوفِ
[ ٢١١ ]
ولا الدخر إلا كل جرداء صلدمٍ معاودةٍ للكرِّ بين صفوفِ
كأنك لم تشهد هناك ولم تقُمْ مقامًا على الأعداء غير خفيفِ
ولم تستلم يومًا لوردٍ كريهةٍ من السرد في خضراء ذات رفيفِ
ولم تسعَ يوم الحرب، والحربُ لاقحٌ وسمرُ القنا ينكزنها بأنوفِ
حليف الندى ما عاش يرضى به الندى فإن مات لا يرضى الندى بحليفِ
فقدناك فقدان الشباب، وليتنا فديناك من ساداتنا بألوفِ
وما زال حتى أزهق الموت نفسه شجًا لعدوٍّ أو نجًا لضعيفِ
[ ٢١٢ ]
ألا يا لقومي للحمام وللبلى وللأرض همت بعده برجوفِ
ألا يا لقومي للنوائب والردى ودهرٍ ملحٍّ بالكرام عفيفِ
وللبدر من بين الكواكب إذ هوى وللشمس لما أزمعت بكسوفِ
ولليث كل الليث إذ يحملونه إلى حفرةٍ ملحودةٍ وسقيفِ
ألا قاتل الله الحشا حيث أضمرت فتىً كان للمعروف غير عيوفِ
فإن يكُ أرداه يزيد بن مزيدٍ فرُبَّ زحوفٍ لفها بزحوفِ
عليه سلام الله وقفًا، فإنني أرى الموت وقاعًا بكل شريفِ
[ ٢١٣ ]
وقالت أيضًا:
يا بني وائلٍ لقد فجعتكم من يزيدٍ سيوفه بالوليدِ
لو سيوفٌ سوى سيوف يزيدٌ قاتلته لاقت خلاف السعودِ
وائلٌ بعضها يقتل بعضًا لا يفل الحديد غير الحديدِ
وقال أعشى باهلة يرثي المنتشر بن وهب الباهلي:
إنني أتتني لسانٌ لا أُسرُّ بها من علو لا عجبٌ فيها، ولا سخرُ
[ ٢١٤ ]
فظلت مكتئبًا حرَّان أندبه وكنت أحذره، لو ينفع الحذرُ
فجاشت النفس لما جاء جمعهم وراكبٌ جاء من تثليث معتمرٍ
يأتي على الناس لا يلوي على أحدٍ حتى التقينا، وكانت دوننا مضرُ
[ ٢١٥ ]
إن الذي جئت من تثليث تندبه منه السماح ومنه النهي والغِيرُ
تنعى امرءًا لا تغبُّ الحيَّ جفنته إذا الكواكب أخطأ نوءها المطرُ
وراحت الشولُ مغبرًا مناكبها شعثًا تغير منها النِّيُّ والوبرُ
وألجأ الكلبَ موقوع الصقيع به وألجأ الحيَّ من تنفاخها الحُجَرُ
عليه أول زاد القوم قد علموا ثم الطيُّ، إذا ما أرملوا جزروا
قد تكظم البُزْلُ منه حين تبصرهُ حنّى تقطّع في أعناقها الجِررُ
[ ٢١٦ ]
أخو رغائبَ يعطيها ويسلبها يأبى الظلامة منه النوفلُ الزفرُ
لم ترَ أرضًا، ولم تسمع بساكنها إلا بها من بوادي وقعه أثرُ
وليس فيه، إذا استنظرته عجلٌ وليس فيه، إذا ياسرته العُسُرُ
فإن يصبك عدوٌ في مناوأةٍ يومًا فقد كنت تستعلي وتنتصرُ
من ليس في خيره من يكدِّرهُ على الصديق، ولا في صفوه كَدَرُ
أخو حروبٍ ومكسابٌ إذا عدموا وفي المخافة منه الجد والحذرُ
مِرْدى حروبٍ ونورٌ يستضاء به كما أضاء سواد الظلمة القمرُ
[ ٢١٧ ]
مهفهفٌ أهضمُ الكشحين منخرقٌ عنه القميصُ، لسير الليل محتقرُ
طاوي المصير على العزاء منجردٌ بالقوم ليلة لا ماءٌ ولا شجرُ
لا يصعب الأمر إلا ريث يركبه وكل أمرٍ سوى الفحشاء يأتمرُ
لا يتأرى لما في القدر يرقبه ولا يعضُّ على شرسوفه الصَّفرُ
لا يغمز الساق من أين ولا نصبٍ ولا يزال أمام القوم يقتفرُ
[ ٢١٨ ]
لا يأمن الناس ممساه ومصبحه في كل فجٍّ، وإن لم يغزُ منتظرُ
يكفيه حزة فلذٍ إن ألم بها من الشواء، ويروي شربه الغُمرُ
لا تأمن البازل الكوماء غدوتهُ ولا الأمُون، إذا ما اخروَّطَ السفرُ
كانه بعد صدق الناس أنفسهم باليأس تلمع من قدَّامه البُشُرُ
لا يعجل القوم أن تغلي مراجلهمْ ويدلجُ الليلَ حتى يفسح البصرُ
عشنا به حقبةً حيًا، ففارقنا كذلك الرمح ذو النصلين ينكسرُ
[ ٢١٩ ]
أصبتَ في حرمٍ منا أخا ثقةٍ هند بن أسماءَ، لا يهنئُ لك الظَّفرُ
لو لم تخنه نُفيلٌ، وهي خائفةٌ لصبح القوم وردًا ما له صدَرُ
وأقبل الخيل من تثليل مصغيةً وضمَّ أعينها رعوان أو حضرُ
إما سلكت سبيلًا كنت سالكها فاذهب، فلا يبعدنك الله منتشرُ
وقالت الفارعة المرية ترثي أخاها مسعود بن شداد:
يا عين جودي لمسعود بن شدادِ بكل ذي عبراتٍ شجوه بادِ
[ ٢٢٠ ]
يا من رأى بارقًا، قد بتُّ أرمقه جودًا على الحرة السوداء بالوادي
أسقي به قبرًا من أعني، وحب به قبرًا إليَّ، وإن لم يفده فادِ
شهادُ أنديةٍ، رفّاع أبنيةٍ شدّاد ألويةٍ، فتّاح أسدادِ
نحَّار راغيةٍ، قتّال طاغيةٍ حلاّل رابيةٍ، فكّاك أقيادِ
قوَّال مُحكمةٍ، نقّاض ُ مبرمةٍ فرَّاج مبهمةٍ، حبَّاس أورادِ
حلاَّل ممرعةٍ، حمّال معضلةٍ قرَّاع مفظعةٍ، طلاَّاع أنجادِ
جمَّاع كل خصال الخير، قد علموا زين الندي وخطل الظالم العادي
أبا زُرارة لا تبعدْ، فكل فتى يومًا رهينُ صفيحاتٍ وأعوادِ
[ ٢٢١ ]
وقالت أم حكيم الكنانية ترثي ابنيها:
ألا من بيَّن الأخوي ن أمهما هي الثكلى
تُسائلُ من رأى ابنيها وتستسقي فما تُسقى
فلما استيأست رجعت بعبرةٍ والهٍ حرَّى
تتابعُ بين ولولةٍ وبين مدامعٍ تترى
[ ٢٢٢ ]
وقال الأسود بن يعفر النهشلي:
ماذا أؤمل بعد آل محرِّقٍ تركوا منازلهم وبعد إيادِ؟
أهل الخورنق والسدير وبارقٍ والقصر ذي الشرفات من سندادِ
جرت الرياح على محل ديارهم فكأنما كانوا على ميعادِ
ولقد غنوا فيها بأنعم عيشةٍ في ظل ملكٍ ثابت الأوتادِ
فإذا النعيم وكل ما يلهى به يومًا يصير إلى بلىً ونفادِ
[ ٢٢٣ ]
وقال أيضًا يرثي مسروق بن المنذر بن سلمى:
أقول لما أتاني هلك سيدنا لا يبعد الله رب الناس مسروقا
[ ٢٢٤ ]
من لا يشيّعه عجزٌ ولا بخلٌ ولا يبيت لديه اللحمُ موشوقا
مِردى حروبٍ، إذا ما الخيل ضرّجها نضح الدماءِ وقد كانت أفاريقا
والطاعنُ الطعنة النجلاء تحسبها شنًا هزيمًا يمجُّ الماء مخروقا
وجفنةٍ كنضيح البئر متأقةٍ ترى جوانبها باللحم مفتوقا
يسرتها ليتامى أو لأرملةٍ وكنت بالبائس المتروك محقوقا
يا لهف أمي إذ أودى وفارقني أودى ابن سلمى نقي العِرضِ موموقا
[ ٢٢٥ ]
وقال أرطأة بن سهية يرثي قتلى من قومه قتلوا يوم بنات قينٍ:
أعاذلتي ألا لا تعذلينا أقلِّي اللوم إن لم تنفعينا
فقد أكثرتِ لو أعنيت شيئًا ولست بقابلٍ ما تأمرينا
فلا وأبيك لا تنفكُّ تبكي على قتلى هنالك ما بقينا
على قتلى هنالك أوجعتنا وأنستنا رجالًا آخرينا
سنبكي بالرماح إذا التقينا على إخواننا وعلى بنينا
بطعنٍ ترعد الأحشاء منه يردُّ البيض والأبدان جونا
كأن الخيل إذ آنسن كلبًا يرين وراءهم ما يبتغينا
[ ٢٢٦ ]
وقال الأُبيرد الرياحي يرثي أخاه بُريدًا:
إذا ذكرت نفسي بُريدًا تحاملتْ إليَّ، فلم أملك لعيني مدمعا
وذكَّرنيك الناس حين تحاملوا عليَّ وأضحوا جِلدَ أجربَ مولعا
فلا يبعدنك الله خير أخي امرئٍ فقد كنت طلاَّع النِّجاد سَميْدَعا
[ ٢٢٧ ]
وصولًا لذي القربى بعيدًا عن الخنا إذا ارتادك الجادي من الناس أمرعا
أخو ثقةٍ لا ينتحي القوم دونه إذا القوم خالوا أو رجا الناس مطمعا
ولا يركب الوجناء دون رفيقه إذا القوم أزجوهن حسرى وظلّعا
وقال غيلان بن سلمة الثقفي يرثي ابنه نافعًا
ما بال عيني لا تغمِّض ساعةً إلا اعتلتني عبرةٌ تغشاني
[ ٢٢٨ ]
أرعى نجوم الليل عند طلوعها وهنًا وهن من الغروب دوانِ
يا نافعًا من للفوارس أحجمت عن فارسٍ يعلو ذُرا الأقرانِ
فلو استطعت جعلت مني نافعًا بين اللهاةِ وبين عكدِ لِساني
وقال معيَّة بن الحمام يرثي أخاه الحُصين بن الحمام المرِّي:
إذا لاقيت جمعًا، أو فئامًا فإني لا أرى كأبي يزيدا
[ ٢٢٩ ]
أشدُّ مهابةً، وأعز ركنًا وأصلب ساعة الضراء عُودا
صفيِّي وابن أمي والمواسي إذا ما النفس شارفت الوريدا
كأن مصدَّرًا يحبو ورائي إلى اشباله يبغي الأسودا
وقال أبو العيال الهذلي يُرثي أخاه لأمه:
ألا للهِ درُّك من فتى قومٍ إذا رهبوا
وقالوا: من فتىً للحرْ بِ يرقبنا ويرتقبُ
[ ٢٣٠ ]
فكنت فتاهم فيها إذا تدعى لها تثبُ
ذكرت أخي، فعاودني صداع الرأس والوصبُ
كما يعتاد ذات البَ وِّ بعد سلوها الطربُ
فدمع العين من برحا ءِ ما في الصدر ينسكبُ
كما أودى بماء الشَّنَّ ةِ المحزوزة السَرَبُ
على عبد بن زهرة ب تُّ طول الليل أنتحبُ
[ ٢٣١ ]
وقال أوس بن حجر يرثي فضالة بن كلدة:
يا عينُ لا بد من سكبٍ وتهمالِ على فضالة، جل الرزءُ والعالي
أبا دليجة، من توصي بأرملةٍ أم من لأشعثَ ذي طمرينَ، ممحالِ
أبا دليجة من يكفي العشيرة إذ أمسوا من الأمر في لبسٍ وبلبالِ
لازال مسكٌ وريحانٌ له أرجٌ على صداك بصافي اللون سلْسالِ
[ ٢٣٢ ]
وقال يرثيه أيضًا:
أيتها النفس، أجملي جزعا إن الذي تكرهين قد وقعا
إن الذي جمَّع السماحة وال نجدة والحزم والقوى جُمِعا
المُخلِف المُتلِف المرزَّأُ لم يمتعْ بضعفٍ، ولم يمتْ طبعا
أودى وهل تنفعُ الإشاحةُ من شيءٍ لمن قد يحاول النَّزعا
[ ٢٣٣ ]
وقال قيس بن زهيرة، يرثي الحارث بن ظالم:
ما قصرتْ من حاضنٍ ستر بيتها أبرَّ وأوفى منك حارِ بن ظالمِ
أعزَّ وأحمى عند جارٍ وذمةٍ وأضربَ في كابٍ من النقع قاتمِ
[ ٢٣٤ ]
وقال عمر بن أبي ربيعة:
يا راكبًا نحو المدينة جسرةً أجدًا تلاعب حلقةً وزِماما
اقرأ على أهل البقيع من امرئٍ كمدٍ على أهل البقيع سلاما
كم غيبوا فيه كريمًا ماجدًا شهمًا ومقتبلَ الشباب غلاما
ونفيسةً في أهلها مرجوةً جمعت صباحة صورةٍ وتماما
[ ٢٣٥ ]
وقال إسماعيل بن يسار يرثي أخاه محمد بن يسار:
غيل العزاءُ، وخانني صبري لما نعى الناعي أبا بكرِ
ورأيت ريب الدهر أفردني منه، وأسلم للعدى ظهري
من طيِّب الأثوابِ مقتبلٌ حلو الشمائل ماجدٍ غمرِ
فمضى لوجهته، وأدركه قدرٌ أتيح له من القَدْرِ
[ ٢٣٦ ]
وغبرتُ مالي من تذكره إلا الأسى وحرارة الصدرِ
وجوىً يعاودني، وقلَّ له مني الجوى ومحاسنُ الذِّكرِ
لما هوت أيدي الرجال به في قعر ذات جوانبٍ غَبْرِ
وعلمت أني لن ألاقيه في الناس حتى ملتقى الحشرِ
كادت لفرقتهِ، وما ظَلَمتْ نفسي تموتُ على شفا القبرِ
ولَعَمْرُ من حُبِسَ الهَدِيُّ له بالأخشبينَ صبيحة النَّحْرِ
لو كان نيلُ الخُلدِ يدركهُ بَشَرٌ بطيْبِ الخِيْمِ والنَّجرِ
لَغَبَرْتَ لا تخشى المنونَ، ولا أودى بنفسكَ حادثُ الدهرِ
[ ٢٣٧ ]
وَلَنِعْمَ مأوى المُرْملِينَ، إذا قحطوا وأخلفَ صائبُ القَطْرِ
كم قُلْتُ آونةً، وقد ذرفتْ عيني، فماءُ شؤونها يجري
أنّى وأيُّ فَتَىً يكون لنا شرواكَ عند تفاقمِ الأمرِ
لدفاعِ خصمٍ ذي مشاغبةٍ ولعائلٍ تَرِبٍ أخي فقرِ
ولقد علمت، وإن ضمنت جوىً مما أجنُّ كواهج الجمرِ
ما لامرئٍ دون المنة من نفقٍ، فيحرزه، ولا سترِ
[ ٢٣٨ ]
وقال أبو العطاء السندي:
فاضت دموعي على نصرٍ، وما ظلمت عينٌ تفيضُ على نصر بن سيارِ
يا نصرُ من للقاء الحرب إن لقحتْ يا نصر بعدك أو للضيف والجارِ
الخندفيُّ الذي يحمي حقيقته في كل يومٍ مخوف الشر والعارِ
والقائدُ الخيلُ قبًا في أعنتها بالقوم حتى تلفّض القارَ بالقارِ
من كل أبيضَ كالمصباحِ من مُضرٍ يجلو بسنَّتهِ الظلماء للساري
ماضٍ على الهول مقدامٌ إذا اعترضتْ سمرُ الرماحِ، وولى كلُّ فرَّارِ
إن قال قولًا وفى بالقول موعده إن الكنانيَّ وافٍ غير غدَّارِ
[ ٢٣٩ ]
وقال خفاف بن ندبة يرثي حضير الكتائب، وكان صديقه:
أتاني حديثٌ فكذبتهُ وقيل: خليلكَ في المَرْمَسِ
[ ٢٤٠ ]
فيا عين بكِّي حضير الندى حضير الكتائبَ والمجلسِ
ويومٍ شديد أوارِ الحديدِ تقطَّع منه عُرى الأنفسِ
صليتَ به وعليك الحدي دُ ما بين سلعٍ إلى الأعرَسِ
فأودى بنفسك يوم الوغى ونقَّى ثيابك، لم تدْنُسِ
وقال أبو داؤدٍ الإيادي:
لا أعدُّ الإقتار عُدمًا، ولكن فَقْدُ من قد رُزِئْتُهُ الإعدامُ
[ ٢٤١ ]
من رجالٍ من الأقاربِ بانوا من جذامٍ هم الرؤوسُ الكرامُ
سُلّط الموتُ والمنونُ عليهم فلهم في صدى المقابر هامُ
وكذاكم سبيلُ كل أناسٍ سوف، حقًا، تبليهم الأيامُ
[ ٢٤٢ ]
وقال محمد بن بشير الخارجي يرثي زيد بن الحسن:
نعاهُ لنا الناعي، فظلنا كأننا نرى الأرض فينا أنه حان حينها
وزلَّتْ بنا أقدامنا، وتقلَّبتْ ظهور روابيها بنا وبُطونُها
وآبَ ذوو الألباب منا كأنما يرون شمالًا فارقتها يمينُها
سقى الله سُقيا رحمةٍ تُربَ حفرةٍ مقيمٍ على زيدٍ ثراها وطينها
[ ٢٤٣ ]
وقال أبو أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بن الحسين الخزاعي:
واحربا من فراق قومٍ هم المصابيحُ والحصونُ
والأُسْدُ والمُزْنُ والرواسي والأمنُ والخفضُ والسكونُ
لم تتنكر لنا الليالي حتى توفتهم المنونُ
فكل نارٍ لنا قلوبٌ وكل ماءٍ لنا عيونُ
[ ٢٤٤ ]
وقال العباس بن الأحنف:
سبحان ربِّ العُلا ما كان أغفلني عما رمتني به الأيام والزمنُ!
من لم يذقْ فرقةَ الأحبابِ ثم يرى آثارهم بعدهم لم يدرِ ما الحزنُ؟
وقال آخر:
بالله يا قبرُ! هل زالت محاسنها وهل تغير ذاك المنظر النَضِرُ؟
ما أنت يا قبر، لا روضٌ، ولا فلكٌ فكيف جمِّع فيك الغُصْنُ والقَمَرُ؟
[ ٢٤٥ ]
وقال أبو دهبل الجمحي يرثي ابن الأزرق:
لقد غال هذا اللحد من بطن عُليبٍ فتىً كان من أهل الندى والتكرُّمِ
فتىً كان فيما ناب يومًا هو الفتى ونعم الفتى للطارقِ المتيمِّمِ
أألْحَقُّ أني لا أزال على مِنىً إذا صدر الحُجّاج عن كل موسمِ
سقى الله أرضًا أنت ساكن قبرها سجالَ الغوادي من سحيلٍ ومبرمِ
[ ٢٤٦ ]
وقال آخر:
ما غاض دمعي عند نازلةٍ إلا جعلتك للبكا سببا
فإذا ذكرتك سامحتْكَ به مني الجفونُ، ففاض وانسكبا
إني أُجلُّ ثرىً حللْتَ به من أن أُرى لسواه مُكتئبا
وقال الخثعمي:
فتىً كغرار السيف لاقى منيةً وأيدي المنايا جمةُ الخَلَجانِ
فمات وأبقى من تُراثِ عطائهِ كما أبقتِ الأنواءُ للحيوانِ
[ ٢٤٧ ]