[ ٤٦٥ ]
قال الوليد بن يزيد:
اصْدعْ نجيَّ الهموم بالطربِ وانعمْ على الدهرِ بابنةِ العِنَبِ
واستقبلِ العَيْشَ في غضارتهِ لا تقْفُ منه آثار مُعْتَقبِ
من قهوةٍ زانها تقادمها فهي عجوزٌ تعلو على الحُقُبِ
أشهى إلى الشرب يوم جلوتها من الفتاة الكريمة النسبِ
فقد تجلَّت ورقَّ جوهرها حتى تبدَّت في منظرٍ عجِبِ
فهي بغير المزاج من شررٍ وهي لدى المزْجِ سائلُ الذهبِ
[ ٤٦٧ ]
كأنها في زجاجها قَبَسٌ تذكو ضياءً في عين مرتقبِ
في فتيةٍ من بني أمية أه ل المجد والمأثرات والحسَبِ
ما في الورى مثلهم ولا بهم مثلي ولا منتمٍ لمثل أبي
وقال عبد الرحمن بن سيحان:
بات الوليد يعاطيني مشعشعةً حتى هويتُ صريعًا بين أصحابي
لا أستطيع نهوضًا إن هممتُ به وما أنهنهُ من حسْوٍ وتشرابِ
حتى إذا الصبح لاحت لي جاونبه ولَّيتُ أسحبُ نحو القوم أثوابي
[ ٤٦٨ ]
كأنني من حُمَّيا كأسه جملٌ صحَّت قوائمه من بعد أوصابِ
وقال الأخطل:
ترى الزجاج ولم يُطمثْ يطاف به كأنه من دمِ الأجواف مختضبُ
حتى إذا افتضَّ ماء المزن عذرتها راح الزجاج، وفي ألوانه صَهَبُ
تنزو إذا شجَّها بالماء مازجها نزوَ الجنادبِ في رمضاءَ تلتهبُ
راحوا وهم يحسبون الأرض في فلكٍ إن صًرِّعوا وقت الراحات والركبُ
[ ٤٦٩ ]
وقال أيضًا:
وكأسٍ مثل عين الديك صرفٍ تنسِّي الشاربينَ لها العقولا
إذا شرب الفتى منها ثلاثًا بغير الماء حاول أن يطولا
مشى قرشيةً لا شك فيها وأرخى من مآزره الفضولا
وقال الحسين بن الضحاك:
إذا ما الماء أمكنني وصَفْوُ سلافةِ العنبِ
صببتُ الفضةَ البيضا ءَ قُراضة الذهبِ
[ ٤٧٠ ]
وقال آخر:
أبصرتهُ والكأسُ بين فمٍ منه وبين أناملٍ خمسِ
فكأنها وكأن شاربها قمرٌ يقبِّلُ عارضَ الشمسِ
وقال مالك بن أسماء بن خارجة:
وندمان صدقٍ، قال لي بعد هداةٍ من الليل، قمْ نشرب، فقلت له: مهلا
[ ٤٧١ ]
فقال: أبُخلًا يابن أسماء هاكَها كُميتًا كريح المسك تزدهفُ العقلا
فتابعته فيما أراد، ولم أكنْ بخيلًا على الندمان أو شكسًا وَغْلا
ولكنني جلْدُ القوى أبذُلُ الندى وأشربُ ما أعطى ولا أقْبلُ العَذْلا
ضحوكٌ إذا ما دبَّتِ الكأسُ في الفتى وغيَّره سُكْرٌ، وقد أكثر الجهلا
وقال زهير بن أبي سلمى المزني:
وقد أغدو على شرْبٍ كرامٍ نشاوى واجدينً لما نشاءُ
لهم راحٌ وراووقٌ ومِسْكٌ تُعلُّ به جلودهم وماءُ
[ ٤٧٢ ]
أُمشَّى بين قتلى قد أصيبت دماؤهم، ولم تقطر دماءُ
يجرون البرودَ، وقد تمشَّتْ حُمَيَّا الكأس فيهم والغناءُ
ونهى اعرابي ابنه عن شرب النبيذ، فلم ينتهِ، وقال:
أمن شربةٍ من ماءِ كرمٍ شربتها غضبتَ عليَّ الآن طابتْ لي الخمرُ
سأشربُ فاسخطْ لا رضيت كلاهما حبيبٌ إلى قلبي عقوقُكَ والسُّكْرُ
وقال الأقيشر، واسمه المغيرة:
أقول والكأس في كفِّي أقلبها أخاطبُ الصيد أبناءَ العماليقِ
[ ٤٧٣ ]
إني يذكرني هندًا وجارتها بالطَّفِّ صوت حماماتٍ على نِيقِ
أفنى تلادي وما جمعتُ من نشبٍ قرعُ القواقيزِ أفواهَ الأباريقِ
كأنهنَّ، وأيدي الشربِ معلمةٌ إذا تلألأن في أيدي الغرانيقِ
بناتُ ماءٍ معًا، بيضٌ جآجئها حمرٌ مناقرها، صفر الحماليقِ
أيدي سُقاةٍ تهزُّ الدهر معلمةً كأنما أونها رجعُ المخاريقِ
[ ٤٧٤ ]
تلك اللذاذةُ، ما لم تأتِ فاحشةً أو ترمِ فيها بسهمٍ ساقطِ الفوقِ
عليك كل فتىً سمحٍ خلائقهُ محض العروقِ كريمٍ غير ممذوقِ
ولا تُصاحبْ لئيماص فيه مقرفةٌ ولا تزورنَّ أصحاب الدوانيقِ
لا تشربن أبدًا راحًا مسارقةً إلا مع الغرِّ أبناء البطاريقِ
وقال أيضًا:
ومقعدِ قومٍ قد مشى من شرابنا وأعمى سقيناه ثلاثًا فأبصرا
[ ٤٧٥ ]
شرابًا كريح العنبر الورد ريحه ومسحوقِ هنديٍّ من المسك أذفرا
وقال أبو نواس:
ثقلتْ زجاجاتٌ أتتنا فرَّغًا حتى إذا ملئت بصرفِ الراحِ
خفَّتْ على أيدي السقاة جسومها وكذا الجسوم تخفُّ بالأرواحِ
[ ٤٧٦ ]
وقال أيمن بن خُريم:
وصهباء جرجانيَّةٍ لم يطف بها حنيفٌ، ولم تنغر بها ساعةً قِدْرُ
ولم يشهد القَسُّ المُهينمُ نارها طروقًا، ولا صلَّى على طبخها حَبْرُ
أتاني بها يحيى، وقد نمتُ نومةً وقد غابت الجوزاء، وانحدر النَّسرُ
فقلت: اصطحبها أو لغيري سقِّها فما أنا بعد الشيب، ويحك، والخمرُ
[ ٤٧٧ ]
إذا المرءُ وفَّى الأربعين ولم يكنْ له دون ما يأتي حجابٌ ولا سِتْرُ
فدعْهُ، ولا تنفس عليه الذي أتى ولو مدَّ أسباب الحياة له العمرُ
تم بحمد الله تعالى في قرية " جُبَعْ "، بقلم الحقير المذنب الجاني عباس القرشي النجفي، وقد وافق منه غرة ذي الحجة، سنة (١٢٨٦)، ست وثمانين ومائتين بعد الألف من الهجرة النبوية صلى الله على مهاجرها وآله وأصحابه وسلم.
[ ٤٧٨ ]