طائر قاله ابن سيده، والطيش خفة العقل. قال إمامنا الشافعي رحمه الله تعالى:
ما رأيت أفقه من أشهب لولا طيش فيه. وأشهب المذكور هو ابن عبد العزيز بن داود الفقيه المالكي المصري، ولد في السنة التي ولد فيها الشافعي وهي سنة خمسين ومائة وتوفي بعد الشافعي بثمانية عشر يوما قال ابن عبد الحكم: سمعت أشهب يدعو على الشافعي بالموت فذكر ذلك للشافعي فقال «٤»:
تمنى رجال أن أموت وإن أمت فتلك سبيل لست فيه بأوحد
فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد
قال: فمات الشافعي، فاشترى أشهب من تركته عبدا فاشتريته من تركته بعد ثلاثين يوما.
وفي مصابيح الظلم قال ابن عبد الحكم: لما حملت أم الشافعي به، رأت كأن المشتري خرج من فرجها، حتى انقض بمصر ووقع في كل بلدة منه شظية، فأوله أصحاب الرؤيا أنه يخرج منها عالم
[ ١ / ٤٦ ]
يختص علمه بأهل مصر، ثم يتفرق في سائر البلدان. واتفق العلماء قاطبة على ثقته وورعه وأمانته وزهده، وهو أول من تكلم في أصول الفقه وهو الذي استنبطه، وكان يؤتى بالرطب، فيقول مخاطبا له: ما أطيبك وأحلاك والعلم أطيب منك وأحلى، ولا يناله. واشترى جارية، فلما كان الليل أقبل على الدرس، والجارية تنتظر اجتماعه معها، فلم يلتفت إليها، فصارت إلى النخاس وقالت: حبستموني مع مجنون، فبلغ ذلك الشافعي فقال: المجنون من عرف قدر العلم وضيعه أو توانى فيه حتى فاته. وكان الشافعي جوادا كريما مفضالا، لا يبقي على شيء ولا يدخر شيئا وكان شجاعا، ومناقبة أكثر من أن تحصى. ولد بغزة في سنة خمسين ومائة كما تقدم، وقيل إنها التي توفي فيها أبو حنيفة. وفي تهذيب الأسماء واللغات، قيل توفي سنة إحدى وخمسين وقيل في سنة ثلاث وخمسين. وقال غيره: توفي في اليوم الذي ولد فيه الشافعي لا في السنة. وقيل: ولد الشافعي بعسقلان، وقيل باليمن. قال ابن خلكان: والأصح الأول. وحمل من غزة إلى مكة وهو ابن ست سنين، ووصل إلى مصر سنة تسع وتسعين ومائة وقيل سنة إحدى ومائتين، وأقام بها إلى أن مات سنة أربع ومائتين وقبره بقرافة مصر مشهور وعاش أربعا وخمسين سنة رحمة الله عليه ورضوانه.