وهو السادس فخلع كما سيأتي. قالوا: ثم قام بالأمر بعده أمير المؤمنين الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. وكنيته أبو محمد ولقبه الزكي، وأمه فاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنهما.
بويع له بالخلافة بعد وفاة والده ثم سار إلى المدائن، واستقربها وبينما هو بالمدائن إذ نادى مناد: إن قيسا قد قتل، فانفروا وكان الحسن رضي الله تعالى عنه قد جعله على مقدمة الجيش، وهو قيس بن سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنهما، فلما خرج الحسن رضي الله تعالى عنه، عدا عليه الجراح الأسدي قاتله الله، وهو يسير معه فوجأه بالخنجر في فخذه ليقتله، فقال الحسن رضي الله تعالى عنه: قتلتم أبي بالأمس ووثبتم علي اليوم تريدون قتلي زهدا في العادلين، ورغبة في القاسطين، والله لتعلمن نبأه بعد حين، ثم كتب إلى معاوية رضي الله تعالى عنهما بتسليم الأمر إليه واشترط عليه شروطا، فأجابه معاوية رضي الله تعالى عنه، إلى ما التمسه منه وصير له ما اشترط عليه، فسلم الأمر إلى معاوية وبايع له لخمس بقين من شهر ربيع الأول، وذلك لأنه رأى المصلحة في
[ ١ / ٨٨ ]
جمع الكلمة وترك القتال. وظهرت المعجزة في قوله ﷺ: «إن ابني هذا سيد وسيصلح «١» الله به» .
وفي رواية «ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» . ويقال أنه أخذ منه يعني من معاوية ألف ألف درهم. وقالت فرقة أنه صالحه بأذرح في جمادى الأولى وأخذ منه مائة ألف دينار، ويقال أربعمائة ألف درهم، ويقال إنه شرط عليه أن يمكنه من بيت المال يأخذ منه حاجته، وأن يكون ولي العهد من بعده ففرح معاوية بذلك، وأجاب فخلع الحسن رضي الله تعالى عنه نفسه وسلم الأمر إلى معاوية وصالحه. ودخل هو وإياه الكوفة فسمي عام الجماعة لاجتماع الأمة بعد الفرقة على خليفة واحد. قال الشعبي: شهدت خطبة الحسن رضي الله تعالى عنه حين صالح معاوية، وخلع نفسه من الخلافة، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن أكيس الكيس التقى، وأحمق الحمق الفجور، وإن هذا الأمر الذي اختلفت أنا ومعاوية فيه، إن كان له فهو أحق مني به وإن كان لي فقد تركته له إرادة لإصلاح الأمة وحقن دماء المسلمين، وأنا أدرى لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين.
ثم رجع إلى المدينة، وأقام بها، فعوتب على ذلك فقال رضي الله تعالى عنه: اخترت ثلاثا على ثلاث: الجماعة على الفرقة، وحقن الدماء على سفكها، والعار على النار.
وفي الحديث الصحيح عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه قال: «رأيت رسول الله ﷺ على المنبر والحسن وإلى جنبه، وهو يقبل على الناس مرة زعليه أخرى، ويقول إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين «٢»» .
ويروى عن الحسن رضي الله تعالى عنه أنه قال: إني لأستحيي من ربي ﷿، أن ألقاه ولم أمش إلى بيته، فمشى عشرين مرة على رجليه من المدينة إلى مكة وإن النجائب لتقاد معه.
وخرج رضي الله تعالى عنه من ماله مرتين، وقاسم الله ﷿ ماله ثلاث مرات، حتى إنه يعطي نعلا ويمسك أخرى. قال ابن خلكان: لما مرض الحسن رضي الله تعالى عنه، كتب مروان بن الحكم إلى معاوية بذلك، فكتب إليه معاوية أن أقبل المطي إلي بخبر الحسن، فلما بلغ معاوية موته سمع تكبيرة من الخضراء، فكبر أهل الشام لذلك التكبير، فقالت فاختة بنت قريظة لمعاوية: أقر الله عينك ما الذي كبرت لأجله؟ فقال: مات الحسن، فقالت أعلى موت ابن فاطمة تكبر؟ فقال:
والله ما كبرت شماتة بموته، ولكن استراح قلبي ودخل عليه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال له: يا ابن عباس هل تدري ما حدث في أهل بيتك؟ فقال: لا أدري ما حدث. إلا أني أراك مستبشرا وقد بلغني تكبيرك، فقال: مات الحسن فقال ابن عباس يرحم الله أبا محمد ثلاثا، والله يا معاوية لا تسد حفرته حفرتك، ولا يزيد عمره في عمرك، ولئن كنا قد أصبنا بالحسن، فلقد أصبنا بإمام المتقين وخاتم النبيين، فجبر الله تلك الصدعة، وسكن تلك العبرة، وكان الله الخلف علينا من بعده.
وكان الحسن رضي الله تعالى عنه قد سم، سمته إمرأته جعدة بنت الأشعث، فمكث
[ ١ / ٨٩ ]
شهرين يرفع من تحته في اليوم كذا وكذا مرة طست من دم، وكان رضي الله تعالى عنه يقول:
سقيت السم مرارا ما أصابني فيها ما أصابني في هذه المرة. وكان قد أوصى لأخيه الحسين رضي الله تعالى عنهما. وقال إذا أنا مت فادفني مع جدي رسول الله ﷺ، إن وجدت إلى ذلك سبيلا، وإن منعوك فأدفني ببقيع الغرقد. فلما مات رضي الله تعالى عنه، لبس الحسين ومواليه السلاح وخرجوا ليدفنوه مع جده، فخرج مروان بن الحكم في موالي بني أمية، وهو يومئذ عامل على المدينة، فمنع الحسين رضي الله تعالى عنه من ذلك وكانت وفاته في شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين، وقيل سنة خمسين وصلى عليه سعيد بن العاص، ودفن مع أمه فاطمة رضي الله تعالى عنهما، وقيل دفن بالبقيع في قبر في قبة العباس، ودفن في هذا القبر أيضا علي زين العابدين وابنه محمد الباقر وابن ابنه جعفر بن محمد الصادق فهم أربعة في قبر واحد فأكرم به قبرا. وكانت خلافته ستة أشهر وخمسة أيام وقيل ستة أشهر إلا أياما وهي تكملة ما ذكره رسول الله ﷺ، من مدة الخلافة «ثم يكون ملكا عضوضا، ثم يكون جبروتا وفسادا في الأرض «١»» وكان كما قال رسول الله ﷺ.
ومات الحسن رضي الله تعالى عنه وعمره سبع وأربعون سنة.