ثم قام بعده بالأمر أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه. اشتور أهل الحل والعقد بعد دفن عمر بثلاثة أيام واتفقوا على مبايعته. وهو ابن عم المصطفى ﷺ الأعلى، بويع له بالخلافة في أول يوم من سنة أربع وعشرين، قال أهل التاريخ إنه لم يزل اسمه في الجاهلية والإسلام عثمان ويكنى أبا عمرو وأبا عبد الله، والأول أشهر، وينسب إلى أمية بن عبد شمس، فيقال: الأموي، يجتمع مع رسول الله ﷺ في عبد مناف، ويدعى بذي النورين، قيل لأنه تزوج بابنتي رسول الله ﷺ، رقية وأم كلثوم رضي الله تعالى عنهما، ولم يعلم أحد تزوج بابنتي نبي غيره رضي الله تعالى عنه، وقيل لأنه إذا دخل الجنة برقت له برقتين، وقيل لأنه يختم القرآن في الوتر، والقرآن نور وقيام الليل نور، وقيل غير ذلك.
وهو رضي الله تعالى عنه، من السابقين وصلّى إلى القبلتين وهاجر الهجرتين، وهو أول من هاجر إلى الحبشة فارا بدينه، ومعه زوجته رقية رضي الله تعالى عنهما. وعد من البدريين، ومن أهل بيعة الرضوان، ولم يحضرهما، وكان سبب غيبته عن بدر أن بنت رسول الله ﷺ، كانت تحته وهي مريضة، فأذن له رسول الله ﷺ في الجلوس عندها ليمرضها، وقال له: لك أجر رجل ممن شهد بدرا، وسهمه. وأما غيبته عن بيعة الرضوان، فلو كان أحد أعزّ منه ببطن مكة، لبعثه رسول الله ﷺ مكانه، وأن رسول الله ﷺ، قال بيده اليمنى هذه يد عثمان. وتوفي رسول الله ﷺ
[ ١ / ٨١ ]
وهو عنه راض، وبشره بالجنة ودعا له بالخصوصية، غير مرة فأثرى وكثر ماله، وكانت له شفقة ورأفة، فلما ولي زاد تواضعه وشفقته ورأفته برعيته، وكان يطعم الناس طعام الإمارة ويأكل الخل والزيت، وجهز جيش العسرة بتسعمائة وخمسين بعيرا بأحلاسها وأقتابها «١»، وأتم الألف بخمسين فرسا، وقال قتادة: حمل عثمان رضي الله تعالى عنه على ألف بعير، وسبعين فرسا، وقال الزهري:
حمل على تسعمائة وأربعين بعيرا وستين فرسا.
وعن حذيفة بن اليمان، قال «٢»: «بعث رسول الله ﷺ إلى عثمان رضي الله تعالى عنه في تجهيز جيش العسرة، فبعث إليه عثمان بعشرة آلاف دينار، فصبت بين يديه فجعل ﷺ يقلبها بيده، ويقول غفر الله لك يا عثمان، ما أسررت وما أعلنت، وما هو كائن إلى يوم القيامة» . وفي رواية: «ما يضر عثمان ما فعل بعد اليوم واشترى بئر رومة بخمسة وثلاثين ألفا وسبلها» .
وله رضي الله تعالى عنه من الخيرات وأفعال البر ما يطول ذكره. قال ابن قتيبة وافتتح في أيامه الإسكندرية وسابور وإفريقية، وقبرس وسواحل الروم، واصطخر الأخرى وفارس الأولى وخوزستان، وفارس الأخرى وطبرستان، وكرمان وسجستان، والأساورة وإفريقية، من حصون قبرص وساحل الأردن ومرو. ولما عمرت المدينة وصارت وافرة الأنام وقبة الإسلام، وكثرت فيها الخيرات والأموال وجبى إليها الخراج، من الممالك وبطرت الرعية من كثرة الأموال والخيل، والنعم، وفتحوا أقاليم الدنيا واطمأنوا وتفرغوا، أخذوا ينقمون على خليفتهم عثمان رضي الله تعالى عنه، لأنه كان له أموال عظيمة، وكان له ألف مملوك ولكونه يعطي المال لأقاربه ويوليهم الولايات الجليلة، فتكلموا فيه إلى أن قالوا: هذا لا يصلح للخلافة وهموا بعزله وثاروا لمحاصرته وجرت أمور يطول ذكرها فحاصروه في داره أياما وكانوا أهل جفاء، ورؤوس شر، فوثب عليه ثلاثة فذبحوه في بيته، والمصحف بين يديه، وهو شيخ كبير، وكان ذلك أول وهن وبلاء على هذه الأمة بعد نبيهم ﷺ فإنا لله وإنا إليه راجعون. قتلوه قاتلهم الله، يوم الجمعة الثامن عشر من ذي الحجة الحرام سنة خمس وثلاثين.
ومناقبه رضي الله تعالى عنه كثيرة جدا. شهد له رسول الله ﷺ بالجنة وقال: ألا أستحيي ممن تستحيي منه الملائكة وأخبر ﷺ، بأنه شهيد وأنه يبتلى، وتفرقت الكلمة بعد قتله رضي الله تعالى عنه، وماج الناس واقتتلوا للأخذ بثاره حتى قتل من المسلمين تسعون ألفا، وقال ابن خلكان وغيره: لما بويع عثمان رضي الله تعالى عنه، نفى أباذر الغفاري «٣» رضي الله تعالى عنه إلى الربذة «٤» لأنه كان يزهد الناس في الدنيا ورد الحكم بن أبي العاص «٥» وكان قد نفاه
[ ١ / ٨٢ ]
رسول الله ﷺ إلى الربذة ولم يرده أبو بكر ولا عمر فرده عثمان رضي الله تعالى عنهم. قيل: إنما رده بإذن من النبي ﷺ، قاله غير واحد. ولى مصر عبد الله بن أبي «١» سرح، وأعطى أقاربه الأموال فكان ذلك مما نقم عليه الناس، فلما كانت سنة خمس وثلاثين، قدم المدينة مالك الأشتر «٢» النخعي في مائتي رجل من أهل الكوفة، ومائة وخمسين من أهل البصرة وستمائة من أهل مصر، كلهم مجمعون على خلع عثمان رضي الله تعالى عنه من الخلافة، فلما اجتمعوا في المدينة سير إليهم عثمان رضي الله تعالى عنه المغيرة بن شعبة «٣» وعمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، يدعوهم إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، فردوهما أقبح رد، ولم يسمعوا كلامهما. فبعث إليهم عليا رضي الله تعالى عنه فردهم إلى ذلك، وضمن لهم ما يعدهم به عثمان رضي الله تعالى عنه، وكتبوا على عثمان كتابا بإزاحة عللهم، والسير فيهم بكتاب الله ﷿، وسنة نبيّه ﷺ، وأخذوا عليه عهدا بذلك، وأشهدوا على علي رضي الله تعالى عنه أنه ضمن ذلك، واقترح المصريون على عثمان رضي الله تعالى عنه عزل عبد الله بن أبي سرح، وتولية محمد بن أبي بكر فأجابهم إلى ذلك وولاه وافترق الجمع كل إلى بلده، فلما وصل المصريون إلى إيلة وجدوا رجلا على نجيب لعثمان رضي الله تعالى عنه ومعه كتاب مختوم بخاتم عثمان، مصطنع على لسانه، وعنوانه من عثمان إلى عبد الله بن أبي سرح وفيه إذا قدم محمد بن أبي بكر ومعه فلان وفلان فاقطع أيديهم وأرجلهم وارفعهم على جذوع النخل، فرجع المصريون ورجع البصريون والكوفيون لما بلغهم ذلك وأخبروه الخبر فحلف عثمان رضي الله تعالى عنه أنه ما فعل ذلك، ولا أمر به، فقالوا: هذا أشد عليك يؤخذ خاتمك ونجيب من إبلك وأنت لا تعلم. ما أنت إلا مغلوب على أمرك! ثم سألوه أن يعتزل فأبى، فأجمعوا على حصاره فحاصروه في داره، وكان من أكبر المؤلبين عليه محمد بن أبي بكر. وكان الحصار في سلخ شوال، واشتد الحصار، ومنع من أن يصل إليه الماء قال أبو أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه: كنا مع عثمان وهو محصور في الدار، فقال: «وبم يقتلوني؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول «٤» لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث رجل كفر بعد إسلام، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفسا بغير حق فيقتل بها، فو الله ما أحببت بديني بدلا، منذ هداني الله تعالى، ولا زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا قتلت نفسا بغير حق فبم يقتلوني»؟ رواه الإمام أحمد.
وعن شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه أنه قال «لما اشتد الحصار بعثمان رضي الله تعالى عنه، يوم الدار رأيت عليا رضي الله تعالى عنه خارجا من منزله معتما بعمامة رسول الله ﷺ، متقلدا بسيفه وأمامه ابنه الحسن وعبد الله بن عمر في نفر من المهاجرين والأنصار، رضي الله تعالى
[ ١ / ٨٣ ]
عنهم، فحملوا على الناس وفرقوهم، ثم دخلوا على عثمان رضي الله تعالى عنه، فقال له علي رضي الله تعالى عنه: السلام عليك يا أمير المؤمنين، إن رسول الله ﷺ لم يلحق هذا الأمر حتى ضرب بالمقبل المدبر، وإني والله لا أرى القوم إلا قاتليك فمرنا فلنقاتل، فقال عثمان: أنشد الله رجلا رأى لله ﷿ عليه حقا، وأقرأن لي عليه حقا، أن يهريق بسببي ملء محجمة من دم، أو يهريق دمه في. فأعاد علي عليه القول، فأجابه بمثل ما أجابه، قال فرأيت عليا رضي الله تعالى عنه خارجا من الباب، وهو يقول: اللهم إنك تعلم أنا قد بذلنا المجهود. ثم دخل المسجد فاقتحموا على عثمان رضي الله تعالى عنه الدار، والمصحف بين يديه، فأخذ محمد بن أبي بكر بلحيته، فقال له عثمان رضي الله تعالى عنه: أرسل لحيتي يا بن أخي فو الله لو رأى أبوك مقامك هذا لساءه. فأرسل لحيته وولى، فضربه بتار بن عياض وسودان بن حمران بسيفيهما فنضح الدم على قوله «١» تعالى: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
وجلس عمرو بن الحمق على صدره، وضربه حتى مات. ووطىء عمير بن صابي على بطنه، فكسر له ضلعين من أضلاعه.
وروى الإمام أحمد عن كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه، قال: «ذكر «٢» رسول الله ﷺ فتنة وعظمها وقربها، ثم مر رجل مقنع في ملحفة، فقال: هذا يومئذ على الحق فإذا هو عثمان رضي الله تعالى عنه» . وروى «٣» الترمذي معناه فقال: «هذا يومئذ على الهدى» . وقال إنه حديث حسن صحيح.
وكان لأمير المؤمنين عثمان رضي الله تعالى عنه شيئان ليسا لأبي بكر ولا لعمر رضي الله تعالى عنهما، صبره على نفسه حتى قتل مظلوما، وجمعه الناس على المصحف. قاله ابن مهدي وغيره.
وقال المدائني: قتل رضي الله تعالى عنه يوم الأربعاء بعد العصر، ودفن يوم السبت قبل الظهر. وقيل يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين. وقال المهدوي:
قتل في وسط أيام التشريق وأقام ثلاثة أيام، لم يدفن ولم يصل عليه وقيل صلّى عليه رضي الله تعالى عنه جبير بن مطعم. ودفن رضي الله تعالى عنه ليلا. واختلف في مدة الحصار فقيل: أكثر من عشرين يوما، وقيل تسعة وأربعون يوما، قاله الواقدي، وقال الزبير بن بكار وغيره: ثمانون يوما.
وكانت خلافته رضي الله تعالى عنه اثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يوما، وقتل رضي الله تعالى عنه وهو ابن ثمانين سنة، قاله ابن إسحاق. وقال غيره كانت خلافته إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهرا وأربعة عشر يوما وقتل رضي الله تعالى عنه وعمره ثمان وثمانون سنة. وقيل كانت خلافته اثنتي عشرة سنة وقتل وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وقيل ابن ثلاث وثمانين سنة وقيل تسعين وقيل غير ذلك والله أعلم.