ثم قام بالأمر بعده الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه. بويع له بالخلافة يوم مات سليمان بن عبد الملك، بعهد له منه بذلك، وكان يقال له: إنه أشج «١» بني أمية، وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما فعمر رضي الله تعالى جده من قبل أمه، وهو تابعي جليل، روى عن أنس بن مالك، والسائب بن يزيد رضي الله تعالى عنهما.
وروى عنه جماعة. ومولده رضي الله تعالى عنه، بمصر سنة إحدى وستين. قال الإمام أحمد: ليس أحد من التابعين قوله حجة إلا عمر بن عبد العزيز، وفي طبقات ابن سعد عن عمر بن قيس، أنه قال لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة، سمع صوت لا يدري قائله:
من الآن قد طابت وقر قرارها على عمر المهدي قام عمودها
وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، عفيفا زاهدا ناسكا عابدا مؤمنا تقيا صادقا.
وهو أول من اتخذ دار الضيافة من الخلفاء، وأول من فرض لأبناء السبيل، وأزال ما كانت بنو أمية
[ ١ / ١٠٢ ]
تذكر به عليا على المنابر، وجعل مكان ذلك قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
الآية وقال «١» فيه كثير عزة:
ولّيت ولم تسبب عليا ولم تخف مريبا ولم تقبل مقالة مجرم «٢»
وصدّقت القول الفعال مع الذي أتيت فأمسى راضيا كلّ مسلم»
فما بين شرق الأرض والغرب كلها مناد ينادي من فصيح وأعجم
يقول أمير المؤمنين ظلمتني بأخذك ديناري وأخذك درهمي «٤»
فأربح بها من صفقة لمبايع وأكرم بها من بيعة ثم أكرم «٥»
وكتب إلى عماله أن لا يقيدوا مسجونا بقيد، فإنه يمنع من الصلاة. وكتب إلى عامله بالبصرة عدي بن ارطاة: عليك بأربع ليال من السنة، فإن الله ﵎ يفرغ فيها الرحمة إفراغا وهي أول ليلة من رجب، وليلة النصف من شعبان، وليلتا العيدين. وكتب إلى عماله: إذا دعتكم قدرتكم على الناس إلى ظلمهم، فاذكروا قدرة الله تعالى عليكم، ونفاد ما تأتون إليه وبقاء ما يأتي إليكم، من العذاب بسببهم. وذكر غير واحد عن محمد المرزوي قال: أخبرت أن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، لما دفن سليمان بن عبد الملك، وخرج من قبره سمع للأرض هدة أورجة، فقال: ما هذه؟ فقيل: هذه مراكب الخلافة قربت إليك يا أمير المؤمنين لتركبها! فقال:
ما لي ولها نحّوها عني وقربوا إلي دابتي! فقربت إليه فركبها، فجاء صاحب الشرطة ليسير بين يديه بالحربة، جريا على عادة الخلفاء قبله، فقال له: تنح عني، ما لي ولك إنما أنا رجل من المسلمين، ثم سار مختلطا بين الناس حتى دخل المسجد، فصعد المنبر فاجتمع الناس إليه، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر النبي ﷺ، ثم قال: أيها الناس إني ابتليت بهذا الأمر من غير رأي مني فيه، ولا طلبة ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم غيري.
فصاح المسلمون صيحة واحدة قد اخترناك يا أمير المؤمنين، ورضيناك أميرنا باليمن والبركة. فلما سكتوا، حمد الله تعالى، وأثنى عليه، وصل على النبي ﷺ، ثم قال:
أوصيكم بتقوى الله فإن تقوى الله تعالى خلف من كل شيء، وليس من تقوى الله خلف، واعملوا لآخرتكم، فإنه من عمل لآخرته كفاهه الله أمر دنيه وآخرته، وأصلحوا سرائركم يصلح الله علانيتكم، وأكثروا ذكر الموت، واحسنوا له الإستعداد قبل أن ينزل بكم، فإنه هاذم اللذات، وإني والله لا أعطي أحدا باطلا، ولا أمنع أحدا حقا.
[ ١ / ١٠٣ ]
يا أيها الناس، من أطاع الله، وجبت طاعته، ومن عصى الله فلا طاعة له، أطيعوني ما أطعت الله، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم.
ثم نزل ودخل دار الخلافة، فأمر بالستور فهتكت، وبالبسط فرفعت، وأمر ببيع ذلك، وادخال أثمانه في بيت المسلمين، ثم ذهب يتبوأ مقيلا، فأتاه ابنه عبد الملك فقال: ما تريد أن تصنع يا أبتاه؟ قال: إي بني أقيل: قال: تقيل ولا ترد المظالم، قال: إي بني إني قد سهرت البارحة في أمر عمك سليمان، فإذا صليت الظهر، رددت المظالم. فقال: يا أمير المؤمنين، من أين لك أن تعيش إلى الظهر؟ فقال: أدن مني يا بني، فدنا منه فقبله بين عينيه، وقال: الحمد لله الذي أخرج من ظهري من يعينني على ديني. فخرج ولم يقل، وأمر مناديه أن ينادي: ألا كل من كانت له مظلمة فليرفعها، فتقدم إليه ذمي من أهل حمص فقال: يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله قال: وما ذاك؟
قال: إن العباس «١» بن الوليد اغتصبني أرضي، والعباس جالس، فقال عمر: ما تقول يا عباس؟
قال: إن أمير المؤمنين الوليد أقطعني إياها، وهذا كتابه. فقال عمر: ما تقول يا ذمي؟ قال: يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله تعالى. فقال عمر: كتاب الله أحق أن يتبع من كتاب الوليد، اردد إليه أرضه يا عباس. فردها إليه ثم جعل لا يدع شيئا، مما كان في يد أهل بيته، من المظالم إلا رده مظلمة مظلمة. فلما بلغ الخوارج سيرته، وما رد من المظالم اجتمعوا وقال: ما ينبغي لنا أن نقاتل هذا الرجل، ولما بلغ عمر «٢» بن الوليد رد الضيعة على الذمي، كتب إلى عمر بن عبد العزيز:
إنك قد أزريت على من كان قبلك من الخلفاء، وعبت عليهم، وسرت بغير سيرتهم، بغضا لهم وشينا لمن بعدهم من أولادهم، وقطعت ما أمر الله به أن يوصل، إذ عمدت إلى أموال قريش ومواريثهم، فأدخلتها بيت المال جورا وعدوانا، ولن تترك على هذا الحال والسلام. فلما قرأ كتابه، كتب إليه:
بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر بن عبد العزيز إلى عمر بن الوليد السلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. أما بعد فقد بلغني كتابك، أما أوّل شأنك يا ابن الوليد، فأمك بنانة أمة السكون، كانت تطوف في سوق حمص، وتدخل في حوانيتها، ثم الله أعلم بها. ثم اشتراها ذبيان، من بيت مال المسلمين، فأهداها لأبيك، فحملت بك فبئس المولود. ثم نشأت فكنت جبارا عنيدا، تزعم أني من الظالمين، إذ حرمتك وأهل بيتك، مال الله، الذي فيه حق القرابة والمساكين والأرامل، وأنّ أظلم مني وأترك لعهد الله من استعملك صبيا سفيها على جند المسلمين، تحكم فيهم برأيك، ولم يكن له في ذلك نية إلا حب الوالد لولده، فويل لأبيك ما أكثر خصماءه يوم القيامة. وكيف ينجو أبوك من خصمائه؟ وإن أظلم مني وأترك لعهد الله، من استعمل الحجاج يسفك الدم ويأخذ المال الحرام، وإن أظلم مني وأترك لعهد الله، من استعمل قرة أعرابيا جافيا، على مصر وأذن له في المعازف واللهو والشرب، وإن أظلم مني وأترك لعهد الله، من جعل لغالية البربرية في خمس العرب
[ ١ / ١٠٤ ]
نصيبا فرويدا يا ابن بنانة فلو التقت حلقتا البطان، ورد الفيء إلى أهله لتفرغت لك، ولأهل بيتك فوضعتهم على المحجة البيضاء، فطالما تركتم الحق وأخذتم في الباطل، ومن وراء ذلك ما أرجو أن أكون رأيته من بيع رقبتك، وقسم ثمنك بين اليتامى والمساكين والأرامل، فإن لكل فيك حقا.
والسلام على من اتبع الهدى، ولا ينال سلام الله القوم الظالمين.
وروي أنه وقع في زمانه غلاء عظيم، فقدم عليه وفد من العرب، فاختاروا رجلا منهم لخطابه فتقدم إليه وقال: يا أمير المؤمنين إنا وفدنا إليك من ضرورة عظيمة، وراحتنا في بيت المال، وماله لا يخلو من أن يكون لله أو لعباده أو لك، فإن كان لله فالله غني عنه، وإن كان لعباده فآتهم إياه، وإن كان لك فتصدق به علينا، إن الله يجزي المتصدقين. فتغرغرت عينا عمر رضي الله تعالى عنه بالدموع، وقال: هو كما ذكرت، وأمر بحوائجهم فقضيت فهم الأعرابي بالإنصراف، فقال عمر: أيها الرجل كما أوصلت حوائج عباد الله إليّ، فأوصل حاجتي وأرفع فاقتي إلى الله. فقال الأعرابي: إلهي اصنع بعمر بن عبد العزيز، كصنيعه في عبادك فما استتم كلامه حتى ارتفع غيم عظيم، وأمطرت السماء مطرا كثيرا فجاء في المطر بردة كبيرة، فوقعت على جرة فانكسرت، فخرج منها كاغد مكتوب فيه: هذه براءة من الله العزيز الجبار لعمر بن عبد العزيز من النار.
قال رجاء بن حيوة: كان عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، من أعظم الناس، وأجملهم في مشيته ولبسه، فلما استخلف قومت ثيابه وعمامته، وقميصه وقباؤه، وخفاه ورداؤه، فإذا هن يعدلن إثني عشر درهما.
وذكر ابن عساكر وغيره، أن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، كان قد شدد على أقاربه، وانتزع كثيرا مما في أيديهم، فتبرموا به وسموه، ويروى أنه دعا بخادمه الذي سمه، فقال له: ويحك ما حملك على أن سقيتني السم؟ قال: ألف دينار أعطيتها. قال: هاتها فجاء بها فأمر بطرحها في بيت مال المسلمين، وقال لخادمه: أخرج بحيث لا يراك أحد.
وعن فاطمة بنت عبد الملك، زوج عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، أنها قالت:
والله ما اغتسل عمر من حلم ولا من جنابة منذ ولي هذا الأمر، وكان نهاره في أشغال الناس، ورد المظالم وليله في عبادة ربه تعالى. قال مسلمة بن عبد الملك: دخلت على أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، أعوده في مرضه الذي مات فيه، فإذا عليه قميص وسخ، فقلت لفاطمة بنت عبد الملك: يا فاطمة اغسلي قميص أمير المؤمنين، فقالت نفعل إن شاء الله تعالى، ثم عدت فإذا القميص على حاله، فقلت: يا فاطمة ألم آمرك أن تغسلي قميص أمير المؤمنين؟ فإن الناس يعودونه. فقالت: والله ماله قميص غيره. وكان عمر رضي الله تعالى عنه كثيرا ما يتمثل بهذه الأبيات:
نهارك يا مغرور سهو وغفلة وليلك نوم والردى لك لازم
يغرك ما يفنى وتفرح بالمنى كما غر بالذات في النوم حالم
وشغلك فيما تكره غبة كذلك في الدنيا تعيش البهائم
[ ١ / ١٠٥ ]
واعلم أن مناقب عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، كثيرة جدا. فمن أراد معرفة ذلك فعليه بسيرة العمرين والحلية، وغيرهما. وكان مرضه رضي الله تعالى عنه، بدير سمعان من أرض حمص، ولما احتضر قال: اجلسوني فاجلسوه فقال: إلهي أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت، ولكن لا إله إلا الله. وتوفي رضي الله تعالى عنه، لخمس وقيل لست مضين وقيل لعشر بقين من رجب الفرد سنة إحدى ومائة وهو ابن تسع وثلاثين سنة وأشهر، وقيل وهو ابن أربعين سنة.
وكان رضي الله تعالى عنه، أبيض مليحا جميلا مهيبا، نحيف الجسم حسن اللحية، بجبهته شجة من حافر فرس ضربه وهو صغير وكان إليه المنتهى، في العلم والفضل، والشرف والورع، والتألف ونشر العدل. جدّد الله تعالى به للأمة دينها وسار فيها بسيرة جده لأمه عمر بن الخطاب ﵁. وكانت دولته في طول مدة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وقبره رضي الله تعالى عنه، بدير سمعان ظاهر يزار. قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: الخلفاء الراشدون خمسة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وذكر الحافظ ابن عساكر أنه لما وضع في قبره بدير سمعان هبت ريح شديدة فسقطت منها صحيفة مكتوبة بأحسن خط: بسم الله الرّحمن الرحيم براءة من الله العزيز الجبار لعمر بن عبد العزيز من النار. فأخذوها ووضعوها في أكفانه وكانت خلافته رضي الله تعالى عنه سنتين وخمسة أشهر.