قالوا: ولما خلع الحسن رضي الله تعالى عنه من الخلافة، تم الأمر لمعاوية رضي الله تعالى عنه واستقام له الملك وصفت له الخلافة، وكان قد بويع له بالخلافة يوم التحكيم بايعه أهل الشام واختلف عليه أهل العراق إلى أن صالحه الحسن رضي الله تعالى عنه، فأجمع الناس على بيعته ومولده رضي الله تعالى عنه بالخيف من منى. أسلم قبل أبيه أبي سفيان، وصحب رسول الله ﷺ وكتب له، وكان في عسكر أخيه يزيد بن أبي سفيان. وكان عاملا لعمر رضي الله تعالى عنه استعمله على إمرة دمشق فلما احتضر استخلف أخاه عليها، فأقره عمر رضي الله تعالى عنه على ذلك في سنة عشرين، فلم يزل متوليا على الشام عشرين سنة، وذلك بقية خلافة عمر رضي الله تعالى عنه، وخلافة عثمان رضي الله تعالى عنه، وفي خلافة علي رضي الله تعالى عنه متغلبا عليها إلى أن سلم إليه الحسن رضي الله تعالى عنه الخلافة، فاجتمع له الأمر وبعث نوّابه إلى البلاد، وذلك في سنة إحدى وأربعين، فسمي عام الجماعة لأن الأمة اجتمعت فيه بعد الفرقة، على إمام واحد. وكانت امرأة استشارت النبي ﷺ في أن تتزوج به فقال «٢»: «إنه صعلوك لا مال له» . ثم بعد هذا القول بإحدى عشرة سنة صار نائب دمشق، ثم بعد الأربعين صار ملك الدنيا. وكان مليح الشكل عظيم الهيبة، وافر الحشمة، يلبس الثياب الفاخرة، والعدة الكاملة، ويركب الخيل المسومة، وكان كثير البذل والعطاء، محسنا إلى رعيته كبير الشأن يجتمع مع رسول الله ﷺ في عبد
[ ١ / ٩٠ ]
مناف بن قصي، وينسب إلى أمية بن عبد شمس، فيقال: الأموي. وخرج عليه مرة بن نوفل الأشجعي الحروري وورد الكوفة، وهو أول الخوارج، فكتب معاوية إلى أهل الكوفة ألا لا ذمة لكم عندي حتى تكفوني أمره فقاتلوه وقتلوه. وهو أول من اتخذ المقاصير وأقام الحرسي والحجاب. وأول من مشى بين يديه صاحب الشرطة بالحربة، وأول من تنعم في مأكله وملبسه ومشربه. وكان ﵁ حليما، وله في الحلم أخبار كثيرة، ولما حضرته الوفاة جمع أهله فقال: ألتسم أهلي؟ قلوا بلى فداك الله بنا. فقال: وعليكم حزني ولكم كدي وكسبي، قالوا:
بلى، فداك الله بنا، قال فهذه نفسي قد خرجت من قدمي، فردوها علي إن استطعتم، فبكوا وقالوا ما لنا إلى هذا من سبيل. فرفع صوته بالبكاء، ثم قال: فمن تغره الدنيا بعدي؟ وذكر غير واحد أنه لما ثقل في الضعف وتحدث الناس أنه الموت، قال لأهله: احشوا عيني اثمدا واسبغوا رأسي دهنا ففعلوا، وبرقوا وجهه بالدهن ثم مهدوا له مجلسا وأسندوه، وأذنوا للناس فدخلوا وسلموا عليه قياما، فلما خرجوا من عنده أنشد قائلا:
وتجلدي للشامتين أريهم أني لريب الدهر لا أتضعضع «١»
فسمعه رجل من العلويين فأجابه:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع «٢»
ثم أنه أوصى أن تدق قلامة أظفار رسول الله ﷺ، وتجعل من منافذ وجهه، وأن يكفن بثوب سيدنا رسول الله ﷺ. وتوفي في دمشق في نصف رجب وقيل في مستهل رجب سنة ستين.
وصلى عليه الضحاك الفهري لغيبة ابنه يزيد ببيت المقدس. واخلف في عمره فقيل ثمانون وقيل خمس وسبعون سنة وقيل خمس وثمانون سنة وقيل ثمان وثمانون سنة وقيل تسعون. وكانت خلافتة منذ خلص له الأمر تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر وخمسة أيام. وكان أميرا وخليفة أربعين سنة. منها أربع سنين في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه والله تعالى أعلم.