ثو قام بالأمر بعده إبنه يزيد. بويع له بالخلافة يوم مات أبوه، وذلك أن أباه كان قد جعله ولي العهد من بعده وكان بحمص، فقدم منها وبادر إلى قبر أبيه، ثم دخل دمشق إلى الخضراء، وكانت دار السلطنة فخطب الناس بها وبايعوه بالخلافة. وكتب إلى الأقاليم بذلك فبايعوه، ولم يبايعه الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما ولا عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنه، واختفيا من عامله، الوليد بن عقبة بن أبي سفيان. وأقاما مصرين على الامتناع إلى أن قتل الحسين رضي الله تعالى عنه بكربلاء، وكان الذي باشر قتله الشمر بن ذي الجوشن، وقيل سنان بن أنس النخعي وقيل أن الشمر ضربه على وجهه، وأدركه سنان فطعنه فألقاه عن فرسه، ونزل خولي بن يزيد
[ ١ / ٩١ ]
الأصبحي ليحز رأسه، فارتعدت يداه، فنزل أخوه شبل بن يزيد فاحتز رأسه، ودفعه إلى أخيه خولي وكان أمير الجيش عبيد الله بن زياد ابن أبيه، من قبل يزيد بن معاوية. قالوا: ثم إن عبيد الله بن زياد جهز علي بن الحسين، ومن كان مع الحسين من حرمه، بعد أن اعتمدوا ما اعتمدوه، من سبي الحريم وقتل الزراري مما تقشعر من ذكره الأبدان، وترتعد منه الفرائص إلى البغيض يزيد بن معاوية، وهو يومئذ بدمشق مع الشمر بن ذي الجوشن في جماعة من أصحابه فساروا إلى أن وصلوا إلى دير في الطريق، فنزلوا ليلقوا به فوجدوا مكتوبا على بعض جدرانه:
أترجو أمة قتلت حسينا شفاعة جده يوم الحساب
فسألوا الراهب عن السطر ومن كتبه؟ فقال إنه مكتوب هنا من قبل أن يبعث نبيكم بخمسمائة عام. وقيل إن الجدار انشق فظهر منه كف مكتوب فيه بالدم هذا السطر. ثم ساروا حتى قدموا دمشق، ودخلوا على يزيد بن معاوية، ومعهم رأس الحسين رضي الله تعالى عنه، فرمي به بين يدي يزيد، ثم تكلم شمر بن ذي الجوشن، فقال: يا أمير المؤمنين ورد علينا هذا يعني الحسين في ثمانية عشر رجلا من أهل بيته، وستين رجلا من شيعته، فسرنا إليهم وسألناهم النزول على حكم أميرنا عبيد الله بن زياد أو القتال فاختاروا القتال، فغدونا عليهم عند شروق الشمس وأحطنا بهم من كل جانب، فلما أخذت السيوف مأخذها جعلوا يلوذون لوذان الحمام من الصقور، فما كان إلا مقدار جزر جزور أو نومة قائل، حتى أتينا على آخرهم فهاتيك أجسادهم مجردة، وثيابهم مزملة وخدودهم معفرة، تسفي عليهم الرياح، زوّارهم العقبان ووفودهم الرخم.
فلما سمع يزيد بذلك، دمعت عيناه، وقال: ويحكم قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، لعن الله ابن مرجانة أما والله لو كنت صاحبه لعفوت عنه ثم قال: يرحم الله أبا عبد الله ثم تمثل بقول «١» الشاعر:
يفلقن هاما من رجال أعزة علينا وهم كانوا أعق وأظلما
ثم أمر بالذرية فأدخلوا دار نسائه، وكان يزيد إذا حضر غداؤه، دعا علي بن الحسين وأخاه عمر بن الحسين، فأكلا معه ثم وجه الذرية صحبة علي بن الحسين، إلى المدينة ووجه معه رجلا في ثلاثين فارسا، يسير أمامهم حتى انتهوا إلى المدينة، وكان بين وفاة رسول الله ﷺ، وبين اليوم الذي قتل فيه الحسين رضي الله تعالى عنه خمسون عاما. وقيل: إن الحسين ﵁ لما وصل إلى كربلاء سأل عن اسم المكان؟ فقيل له: كربلاء فقال ذات كرب وبلاء، لقد مر أبي بهذا المكان عند مسيره إلى صفين، وأنا معه، فوقف وسأل عنه فأخبروه بإسمه، فقال: «ههنا محط رحالهم وههنا مهراق «٢» دمائهم» . فسئل عن ذلك فقال نفر من آل محمد ينزلون ههنا، ثم أمر باثقاله فحطت في ذلك المكان. وكان قتله رضي الله تعالى عنه يوم عاشوراء في سنة ستين. ذكره أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه، في الأخبار الطوال. وسيأتي إن شاء الله تعالى، في باب الكاف في
[ ١ / ٩٢ ]
لفظ الكلب، ما ذكره ابن عبد البر في بهجة المجالس وأنس المجالس: أنه قيل لجعفر الصادق:
كم تتأخر الرؤيا؟ فقال خمسين سنة، لأن النبي ﷺ رأى كأن كلبا أبقع ولغ في دمه، فأوله بأن رجلا يقتل الحسين ابن بنته. فكان الشمر بن ذي الجوشن الكلب، قاتل الحسين رضي الله تعالى عنه، وكان أبرص فتأخرت الرؤيا بعده ﷺ خمسين سنة.
وفي هذه السنة أي سنة ستين، دعا ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما، إلى نفسه بالخلافة بمكة وعاب يزيد بشرب الخمر، واللعب بالكلاب، والتهاون بالدين، وأظهر ثلبه وتنقصه، فبايعه أهل تهامة والحجاز، فلما بلغ يزيد ذلك ندب له الحصين بن نمير السكوني، وروح بن زنباع الجذامي، وضم إلى كل واحد جيشا، واستعمل على الجميع مسلم بن عقبة المري، وجعله أمير الأمراء، ولما ودعهم قال: يا مسلم لا نردن أهل الشام عن شيء يريدونه بعدوهم، واجعل طريقك على المدينة فإن حاربوك، فحاربهم فإن ظفرت بهم فأبحها ثلاثا فسار مسلم بن عقبة حتى نزل الحرة، وخرج أهل المدينة فعسكروا بها، وأميرهم عبد الله بن حنظلة الراهب، وهو غسيل الملائكة، فدعاهم مسلم ثلاثا فلم يجيبوه، فقاتلهم فغلب أهل الشام وقتلوا أمير المدينة عبد الله بن حنظلة وسبعمائة من المهاجرين والأنصار، ودخل مسلم المدينة وأباحها ثلاثة أيام وقد جاء في الحديث عنه ﷺ أنه قال: «من أباح حرمي فقد حلّ عليه غضبي» ثم شخص بالجيش إلى مكة وكتب إلى يزيد بما صنع بالمدينة. فلما بلغ مسلم هرشى اعتل ومات، فتولى أمر الجيش الحصين بن نمير السكوني فسار حتى وافى مكة، فتحصن منه ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما في المسجد الحرام، بجميع من كان معه، فنصب الحصين المنجنيق على أبي قبيس، ورمى به الكعبة المعظمة، فبينما هم كذلك إذ ورد الخبر إلى الحصين بموت يزيد بن معاوية، فأرسل إلى ابن الزبير يسأله الموادعة، فأجابه إلى ذلك وفتح الأبواب واختلط العسكران يطوفون بالبيت، فبينما الحصين يطوف ليلة بعد العشاء، إذ استقبله ابن الزبير فأخذ الحصين بيده، وقال له سرا: هل لك في الخروج معي إلى الشام، فأدعو الناس إلى بيعتك؟ فإن أمرهم قد مرج، ولا أرى أحدا أحق بها اليوم منك، ولست أعصى هناك. فاجتذب ابن الزبير يده من يده، وقال وهو يجهر بقوله: دون أن أقتل بكل واحد من أهل الحجاز عشرة من أهل الشام؟ فقال الحصين: لقد كذب الذي يزعم إنك من دهاة العرب، أكلمك سرا فتكلمني علانية، وأدعوك إلى الخلافة وتدعوني إلى الحرب.
ثم انصرف بمن معه إلى الشام وتوفي يزيد بن معاوية في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين وله تسع وثلاثون سنة ودفن بمقبرة باب الصغير. وكانت خلافته ثلاث سنين وتسعة أشهر، وقد وقع للغزالي والكيا الهراسي فيه كلام وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الفاء في لفظ الفهد.