" حنين بن إِسْحَاق المترجم: اتّفق لَهُ هَذِه اللَّفْظَة الوجيزة الشَّرِيفَة البديعة الَّتِي لم أسمع للبلغاء مثلهَا، فِي الْجمع بَين التَّجْنِيس والطباق والترصيع مَعَ حسن الْمَعْنى وجودته وَصِحَّته، وَهِي: قَلِيل الراح صديق الرّوح، وكثره عَدو الْجِسْم. هبة الله بن المنجم: اتّفق لَهُ هَذِه اللَّفْظَة البديعة البليغة الظريفة أَيْضا فِي تَفْرِيق التَّجْنِيس ومفارقة الإعجاز، مَعَ السهولة والعذوبة وَحسن الصَّنْعَة وَطلبت مثلهَا، فعز وأعوز، وَهِي قَوْله: الشَّرَاب على غير الدسم سم وعَلى غير النغم غم. أَبُو الْحسن المنجم: من كَلَامه الَّذِي يقطر مِنْهُ مَاء البلاغة والظرف، قَوْله: إِذا راق الرّبيع، ورق النسيم، وامتدت سَمَاء الند على ارْض الْورْد، وَحَضَرت الراح وَالْأَوْجه الملاح، وتجاوبت الأطيار والأوتار، حفت أَيدي الطَّرب على الْجُيُوب وهتكت أَسْتَار الْقُلُوب. أَبُو نواس: دخل كرما فِي وَقت الحصرم، فَلَمَّا رَآهُ رفع يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ سود وَجهه واقطع حلقه واسقني من دَمه.
[ ٦٠ ]
ابْن عَائِشَة الْقرشِي: قيل لَهُ: إِن فلَانا قد تَابَ من النَّبِيذ، فَقَالَ: قد طلق الدُّنْيَا ثَلَاثًا. مُطِيع بن أياس: إِن فِي النَّبِيذ لِمَعْنى فِي الْجنَّة لن الله تَعَالَى ذكر عَن أَهلهَا إِنَّهُم يَقُولُونَ: " الْحَمد الله الَّذِي أذهب عَنَّا الْحزن " " فاطر: ٤٣ "، والنبيذ يذهب عَنَّا الْحزن. بشار بن برد: قيل لَهُ: أَي مَتَاع الدُّنْيَا خير عنْدك؟ قَالَ: طَعَام بر وشراب مر وَابْنَة عشْرين بكر ﴿وَقيل: قيل ذَلِك لوالبة بن الْحباب فَقَالَ: رغيف أَزْهَر، وطبيخ أصفر، ونبيذ أَحْمَر، وَغُلَام أحور، وكيس أعجر. أَبُو مُحَمَّد السرجي: كَانَ من ظرفاء الْفُقَهَاء والمحدثين بِبَغْدَاد، فَركب يَوْمًا فِي سفينة مَعَ نَصْرَانِيّ، فَلَمَّا بسط سفرته سَأَلَ السرجي مساعدته، فَفعل، وَلما فرغا أحضر شرابه، فَحكى: لَونه عين الديك، وريحه فارة الْمسك - وَأَرَادَ السرجي أَن يجد رخصَة، فَقَالَ: مَا هَذِه؟ وتوهم النَّصْرَانِي لمراده، فَقَالَ: خمر اشْتَرَاهَا غلامي من يَهُودِيّ، فَقَالَ: نَحن أَصْحَاب الحَدِيث، نكذب سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَيزِيد بن هَارُون أفنصدق نَصْرَانِيّا عَن غُلَام يَهُودِيّ﴾ وَالله مَا أشربها إِلَّا لضعف الاسناد، وَمد يَده إِلَى الكاس وشربها. أَبُو عمر القَاضِي: سَأَلَ حَامِد بن الْعَبَّاس فِي أَيَّام وزارته عَليّ بن عِيسَى - وَهُوَ على الدَّوَاوِين - عَن دَوَاء الْخمار، فتلجلج وَقَالَ: لست من رجال هَذِه الْمَسْأَلَة، فَأقبل عَليّ أبي عمر وَقَالَ: أَيهَا القَاضِي أَفْتِنَا فِي دَوَاء الْخمار، فتنحنح وَأصْلح من صَوته وَقَالَ: قَالَ الله ﷿ وَقَوله الْحق: " وَمَا أَتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا " " الْحَشْر: ٧ "، وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ: اسْتَعِينُوا فِي الصناعات بأربابها. وَمن أَرْبَاب هَذِه الصِّنَاعَة فِي الْجَاهِلِيَّة الْأَعْشَى وَهُوَ يَقُول: وكأس شربت على لَذَّة وَأُخْرَى تداويت مِنْهَا بهَا وَفِي الْإِسْلَام أَبُو نواس:
[ ٦١ ]
دع عَنْك لومي فَإِن اللوم إغراء وداوني بِالَّتِي كَانَت هِيَ الدَّاء وَفِي عصرنا من يَقُول: مَا دَوَاء الْخمار غير الْعقار لصريع يدعى صريع الْخمار فَقَالَ عَليّ بن عِيسَى: أنظر إِلَى قَاضِي الْقُضَاة، قد اسْتشْهد بِالْقُرْآنِ وَالْخَبَر وتفصى عَن تبري الثُّقَلَاء. أَبُو الْفَتْح كشاجم: كَانَ يَقُول: لَوْلَا أَن المخمور يعرف قصَّته لقدر وَصيته. أَبُو الْفَتْح المحسن بن إِبْرَاهِيم: ذكر الشَّمْس والصبوح: فَلَمَّا ذَر قرنها وارتفع الْحجاب عَن حاجبها ولمعت فِي أَجْنِحَة الطير وَذَهَبت أَطْرَاف الجدران افتضضنا عذرة الصَّباح لمباكرة الأقداح، فَلم تترجل الشَّمْس حَتَّى ركبنَا غوارب الأفراح. أَبُو عَمْرو العرقوبي السجْزِي: سمعته يَقُول: أُمَّهَات الْعَالم أَربع: المَاء وَالنَّار وَالْأَرْض والهواء، وَقد اخْتصّت الْخمر مِنْهَا بِثَلَاث، فَأخذت لون النَّار وَهُوَ أحسن الألوان، وعذوبة المَاء وَهُوَ أطيب المذاقات، ولطافة الْهَوَاء وَهُوَ أرق الْأَشْيَاء. أَبُو الْحسن بن فَارس: قدم إِلَى صديق لَهُ نَبِيذ التَّمْر، فَقَالَ: مَا شرابك هَذَا؟ فَقَالَ أما ترى ظلمَة الْحَلَال، ثمَّ نظمه بقوله: رأى نبيذا فَقَالَ مهلا تشرب خمرًا وَلَا تبالي فَقلت هَذَا نَبِيذ تمر أما ترى ظلمَة الْحَلَال أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن: قيل لَهُ: مَا تَقول فِي النَّبِيذ المروق الْمُصَفّى المصفق المعسل الْمُعْتق؟ فَجعل يتمطق وَيَقُول: أَخَاف أَن لَا اسْتَقل بشكر الله على النِّعْمَة فِيهِ.