سلامة النصراني الدمشقي
كاتب تاج الملوك أخي الملك الناصر. فيه أدب وذكاء. كتب لي من شعره قوله:
يا حبّذا يومنا، والكأْس ناظمةٌ نظمَ الحَباب عليها شَمْلَ أَحبابِ
ونحن ما بين أَزهارٍ تحفّ بأَنْهارٍ وما بين أَقداح وأَكواب
والماءُ تلعب أَرواحُ النسيم به ما بين ماضٍ وآتٍ، أَيَّ تلعاب
كأَنه زَرَدُ الزَّغْف السوابغ، أو نقش المَبارد، أَو تفريك أَثواب
وقوله:
سَلِ الحبيب الذي هام الفؤاد به هل يذكر العَهد، إِنّ العهد مذكورُ
أَيّام نأخذُها صَهْباءَ صافيةً يُمْسي الحزين لديْها وهو مسرور
يسعى بها غُصن بانٍ في كثيب نقًا له على القوم ترديد وتكرير
إِذا أَتاك بكأْسٍ خِلْتَها قَبَسًا يسعى به في ظلام الليل مَقْرور
يُعْطيكه وهو ياقوتٌ، ويأْخذه إِذا أَشرت إليه، وهو بَلُّورُ
والأَرضُ قد نَسَجتْ أَيدي الربيع لها وشْيًا تردَّتْ به الآكام والقُور
[ ٢ / ٣١٠ ]
كأَنّ منثورها، والعينُ ترمُقه دراهمٌ حين تبدو أَو دنانير
ما شئتَ من منظرٍ في روضها نَضِرٍ كأَنما نَوْرُه من حسنه نُور
تظلُّ أَطيارُها تشدون بها طربًا إِذا تبدَّتْ من الصبح التباشير
من بُلبلٍ كلّما غنّاك جاوَبَه فيها هَزارٌ وقُمْرِيّ وشُحْرور
كأَنما صوت ذا صَنْجٌ، يجاوبه من ذاك نايٌ، وذا بَمٌّ، وذا زِير
وله في مدح تاج الملوك أيضًا في زمن الربيع:
تاجُ الملوك، أَدامَ الله نعمته، أَسْخى البريَّة من عُجْم ومن عَرَبِ
مولىً، أَياديه في أَرض يَحُلُّ بها أَجدى وأَحسن آثارًا من السُّحُبِ
يُفَتِّح النَّورُ فيها من أَنامله فتنجلي منه في أَثوابه القُشُبِ
حتى ترى روضَها يحكي مواهبَه فالبعض من فضّةٍ والبعض من ذهب
وله من قصيدة فيه بعث بها إليه في المعسكر في أيام الربيع:
مولايَ، مجدَ الدين، قد عاودتْ دمشقَ مِنْ بعْدِك أَشجانُها
نَيْرَبُها قد مات شوقًا إِلى المَوْلى وواديها ومَيْدانُها
مالتْ إِليه في بساتينها من شدَّ الأَشواق أَغصانُها
وأَقسمْت من بعده لا صحا من لوعةِ الأَشجان نَشْوانها
وماسَ من أَشواقِه آسُها واهتزّ إِذْ بان له بانُها
وغنَّتِ الأَطيارُ من شَجْوِها واختلفت في الدَّوْح أَلحانها
واصفرّ في الرَّوْضة مَنْثُورها مِنْ شوقِه واخضرّ رَيْحانها
رقرقت الدمعَ عليه كما ترقرقت بالماء غُدرانها
فلا خَلَتْ يا خيرَ هذا الورى بُطْنانها منك وظُهْرانها
تلك هي الجنة، لكنّها مُذْ غِبْتَ عنها غاب رضْوانها
وله فيه وقد وعده بخلعة:
يا من له الشُّكر، بعد الله مُفْتَرَضُ عليّ، ما عِشْتُ في سِرّي وفي علني
إِن كان غيرُك لي مولىً أُؤَمِّلُه وأَرتجيه، فكانت خِلعتي كفني
وله يقتضيه بالخلعة وقد عزم على المسير إلى العسكر المنصور:
مولايَ جُدء لي بوَعْدي من قبل سَيْرِ الرِّكابِ
أَنعِمْ عليَّ بثوبٍ تَرْبَحْ جزيل الثواب
ثوب تكاملَ حُسْنًا كخُلْقِك المستطاب
كأَنّه زمن الوصْل في زمان الشباب
وفوطة مِثل شَعْري رقيقة أَو شرابي
طويلة مثل ليلي لمّا جفا أَحبابي
كأَنها رَمَضان إِذا أَتى في آب
وله فيه:
يا حبَّذا أَبواه إِذ وَلَداه من كرمٍ وخِيرِ
وكذاك قد يُستخرج الدُّرّ النفيس من البحور
والشّمس من أَنوارِها يبدو سَنا القمر المُنير
ما زال مُنذُ فِطامه في عَقْلِ مُكْتَهِلٍ كبيرِ
مولىً حوى فضل الأَكا بر وهو في سنّ الصغير
ولقد رَقى دَرَج الأَوا ئل وهو في الزمن الأخير
وله فيه:
يا مَنْ يَعُمُّ سَماحُه ونوالُه كرمًا كما عَمَّ السَّحابُ المُمْطِرُ
ويفوح ما بَيْنَ الأَنام ثناؤه فكأَنه في كلّ حيٍّ عَنْبَرُ
إِني شقيتُ وفي ظِلالك أَنعُمٌ ولقد ظمئت وفي يمينك أَبْحُر
ولقد ذَلَلتُ وأَنت حِصْنٌ مانعٌ ولقد ضَلَلْت وأَنت بدرٌ نَيِّر
أَغنى نداك الناسَ إِلاّ فاقتي فاللهُ يُغني من يشاء ويُفْقِر
فلئن نظرتَ إِليّ نظرة مُجْمِلٍ فلأَنت أَولى بالجميل وأَجدَر
ومدحني في مصر بهذه القصيدة، وهي في حسن الفريدة، في ذي القعدة من سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة:
أَمُطيلَ عَذْلي في الهوى ومُفَنِّدي هل أنت في غَيِّ الصَبابة مُرْشدي
هيْهاتَ، ما هذا المَلامُ بزاجري فانقُض، أَبَيءتَ اللعن، منه أَو زِد
[ ٢ / ٣١١ ]
أَنت الفِداء ومَنْ يلوم لشادنٍ أَنا في هواه مضلَّلٌ لا أَهتدي
يجلو لعينك غُرَّةً في طُرّةٍ فيُريك أَحسن أَبيضٍ في أسود
يسطو على عُشّاقه من قَدّه وجفونِه، بمُثَقَّفٍ ومُهَنَّد
قمرٌ يظَلُّ الماءُ في وَجَناته والنارُ بين تَرَقْرُقٍ وتَوَقُّد
ومن العجائب أَنّ نارًا خالطت ماءً وأَن ضِرامها لم يَخْمَدِ
وكذاك ماءُ الدَمع إِن أَنْضَجْ به نارَ الصَّبابة والأَسى، تَتَوَقَّد
فصَبابتي لمّا تَخِفَّ، وأَدمُعي لمّا تجِفّ، وزفرتي لم تَبْرُد
كم بِتُّ أَرعى الفَرْقَدَيْن كلاهما شَعفًا بمن يرنو بِعَيْنَيْ فَرْقَد
آليتُ أَرقُدُ في هواه، ومن يكن ذا لوعةٍ وعلاقةٍ لم يَرْقُد
علّ الليالي يكتَسِينَ بشاشةً يومًا فتُنْجِز بعد مَطلٍ موعدي
إِنْ رقّ لي بعد القساوة قلبُه فالماء يقطُر مِنْ صِفاح الجَلْمَد
فأَجِلْ لحاظَك في محاسن وجهه إن تستطع نظرًا إِليه وَرَدِّد
تنظرْ إِلى الأَنوار بين مُمَسَّكٍ ومسبج ومُنَرْجَسٍ ومُوَرَّج
فكأَنها نَوْرُ الربيع إِذا بدا أَوْ حسنُ خَطِّ محمَّدِ بن محمد
هذا عماد الدين والدنيا معًا وملاذُ كلِّ مُؤَمِّلٍ أَو مجتدي
هذا الذي ما أُغْلِقَتْ أَبوابُه من دون مُسْتَجْدٍ ولا مُسْتَنْجِد
هذا الذي أَحْيا العُلومَ وأَهلَها بعد الرَّدى، والعُرْفُ إِحياءُ الرَّدي
وأَبان منها كلَّ نَهْجٍ دارسٍ دَرْسَ الرُّسُوم من الدِّيار الهُمَّد
بيضاء حسنٍ ما دجت إِلاّ بدا فأَضاء مثلَ الكوكب المُتَوَقِّد
لو عاش حينئذٍ فرام تشبُّهًا عبدُ الحميد بخطِّه لم يُحْمَد
يَقِظٌ له القلمان في إنشائِه وحسابه، في مَصْدَرٍ أَو مَوْرِد
إِن حاول الإنشاء يومًا ما، فيا ناهيك من دُرٍّ هناك مُنَضَّد
ويُضَمِّنُ اللفظَ البديع معانيًا أشهى من الماء الفُراتِ إِلى الصَّدى
وكأَنّ خطَّ حِسابه في طِرْسِه شَعرٌ تَنَمْنَمَ في عوارضِ أَغْيَدِ
لو قُلِّدَ الدُّنْيا كفاها وحدَه في الحالتين، ولم يُرِدْ من مُسْعِد
ولقام منتهِضًا بكلّ عظيمةٍ فبعلمه في الفقه كلٌّ مقتدي
فلوَ انّ أسعد عاش بعد وفاته يومًا فساجله به لم يَسْعَد
وإذا انبرى للشعر خِلْتَ قريضَه أَطواقَ دُرٍّ في نحورِ الخُرَّد
شِعْرٌ ترشَّفُه النفوس كأَنّه لفظُ الحبيب مقرِّرًا للمَوْعِد
أو طيبُ وَصْلٍ بعد كُرْهِ قطيعةٍ من ذي انبساط بعد طولِ تَجَعُّد
وإِذا تفاخر بالأرُوم مَعاشِرٌ فله العلاءُ عليهم بالمَحْتِد
مازال يُخْبِر فضلُه بل نيلُه عن حُسْنِ شيمته وطيبِ المولد
جَلَّ الذي أَعطاك يا ابن محمّدٍ في كلّ فضلٍ باهرٍ طولَ اليد
أَقسمتُ بالكرم الذي أُوتيتَه لولاك ما اتّضحتْ سبيلُ السُّؤْدُد
وكتب إلي أيضًا:
أَلا قُلْ لمن ذَمّ الزمان جَهالةً وَعَنّفه فيما جَناه وفَنّدا
دَعِ العجز وانهض غير وانٍ إِلى امرئٍ يكُنْ لك فيما أَنت راجيه مُسْعِدا
فإِنّك لم تبلغ من الدهر طائلًا وتحمَدُه حتى تزورَ مُحَمّدا
[ ٢ / ٣١٢ ]
وإِنّ عماد الدين أضمنعُ مَعْقِلٍ إِذا ما رَماك الدَّهرُ يومًا تَعَمُّدا
وأَسيرُ هذا الناس فضلًا وسُؤْدُدًا وأَعوزُهم نِدًّا وأَكثرهم نَدى
تَفَرَّدَ إِلاّ أَنه الناسُ كُلُّهُم وإِن كان في عَلْيائه قد تفرّدا
مُعِزٌّ مُذِلٌّ مانِح مانعٌ معًا يُرَجَّى ويُخْشى واعِدًا مُتَوَعِّدا
إِذا ما رمى يومًا بإيعاده العِدى أَقام لخوف الانتقام وأَقْعدا
جديرٌ بحلّ الأَمر أَشكل حلُّه برأيٍ به في كل عَشْواءَ يُهْتَدى
له قلمٌ ما هزّه في مُلِمَّةٍ من الدهر إِلاّ هزّ سيفًا مُهَنّدا
إِذا انْسَلَّ من بين الأَنامل خِلْتَهُ يُنَظّمُ في القرطاس دُرًّا مُبَدّدا
إِذا ما رنا يومًا بعين كحيلةٍ رأَيتَ لَدَيْه ناظرَ الرمح أَرْمدا
وإِن يتحرَّكْ يسكُنِ الخطْبُ فادحًا ويبيضُّ وجهُ الرُّشْدِ إن هو سَوَّدا
لأَنت عماد الدين أَحسنُ شيمةً وأَطيبُ هذا الناسِ أَصلًا ومَحْتِدا
فلو جاز يومًا أَن يُخَلَّدَ سيِّدٌ كريم بما أَسدى لكنتَ المُخَلَّدا