ابن بكري الكاتب
من الحريم.
والده مستعمل السّقلاطون لدار الخِلافة. وكان هو كاتبًا في ديوان المجلس سنين، ثم صرفه الوزير.
فيه فضل وأدب. وهو من طبقات الشَّطْرَنْجيين ببغداد.
أنشدني لنفسه - ببغدادَ - سنة اثنتين وخمسين وخمس مئة، بيتين له في سوداءَ، وهما:
يا مَنْ فؤادي فيه مُتيّمٌ ما يزالُ
إنْ كان للّيلِ بدرٌ فأنتِ للصُبحِ خلُ
وأنشدني لنفسه يستعيرُ كتابًا ممّنْ ألزم نفسه ألا يُعير أحدًا كتابًا:
يا مَنْ أنابَ وتابا ألاّ يُعيرَ كتابا
قد رُمْتَ ذاك ولكن محبّةُ الشُكْرِ تابى
وأنشدني أيضًا لنفسه أبياتًا، عمِلها ارتجالًا بحماة حين كان بالشّام، وكان على شاطئ النّهر المعروف بالعاصي:
قعَدْتُ على عاصي حماةَ وقد بكت نواعيرُه والماء يضحكُ فيه
فهاج لقلبي صبوةً لم أصِبْ لها شبيهًا وهل يؤتى لها بشبيهِ
وما زال يهتاجُ الفتى كلّ رنّةٍ إذا ما نوىً شطّت بدارِ أبيهِ
وأنشدني لنفسه في بعض الأكابر، وكان بيده بنفسج:
يا من عُلاه على السّماءِ مُطلّةٌ وبفضله تتحدّثُ الأمصارُ
إن كان يظهَرُ للبنفسج خجلةٌ من طيب نشرِك راح وهْو بَهارُ
وأنشدني لنفسه، وذكر لي أنّها من قصيدة:
أمامكَ أوطارٌ وخلفَك أوطانُ فعزمك ما بين البواعثِ حيْرانُ
إذا شمَلت هزّتْك للشّوقِ صبوةٌ وإن جنَبَتْ هزّتْك للإلْفِ أشجانُ
وأنشدني لنفسه في الاشتياق، سنةَ إحدى وستّين وخمس مئة، قوله:
الشوقُ ألوانٌ وأوفاهُ ما كان الى أهلٍ وجيرانِ
لو قرّب الشّوقُ لإفراطه ناء الى ناءٍ لأدناني
وقوله مما نظمه قديمًا بدمشق:
[ ٦٣ ]
فتى الصوفيّ ما كان امتداحي لمثلك أنّني أرجو ثَوابا
ولكني سخِطْتُ على القوافي فصيّرْتُ المديحَ لها عِقابا
وقوله في مرأة عجوز، ولِعَتْ بدولابْ الغزْل والغزْلِ:
قد ترك الدولابُ من حبّه سِتّ أبي بكرٍ بلا عقلِ
لو كن دولابًا على دِجلةٍ يزرعُ زرعَ الهرْفِ والأفْلِ
ما جاز أن تعشَقَهُ هكذا محبّة الأولادِ والأهلِ
فكيفَ والدولاب من عتقه مكسّرُ الإجلِ والقتلِ
قد سئِمَ الخرّاطُ من مرّه إليه واستغنى عن الغزْلِ
وقوله في الأولاد:
أدعو إلهي أنْ يَقي من فِتْنَتي في فِتيَتي
فلدى الحياةِ وفي المما تِ تقيّتي وبقيّتي
راحوا ثلاثةَ فِتيةٍ سمعي فؤادي مُقلَتي
فهُمُ أصاغِرُ عِدّتي وهمُ أكابرُ عُدّتي
وقوله، مما يُطرّزُ على سستجه:
أنا في كفّ حاملي زينةٌ للأناملِ
أنا في وقفةِ النّوى واشتكاءِ البلابِلِ
إن جرَتْ سُحبُ دمعةٍ لحبيبٍ مُزايِلِ
صُنتَهُ عن وُشاتِه وعُيونِ العواذلِ
وله في تفاحة أُهديت له:
حيّا بتُفّاحةٍ فأحياني مواصِلٌ بعدَ طولِ هِجران
كأنّما ريحُها تنفّسُه ولونُها وردُ خدِّه القاني
وقوله في قوس البُندُق:
أنا في الكفّ هلالٌ وعلى الطّيرِ هلاكُ
حركاتي تترُكُ الطّيْ رَ وما فيهِ حراكُ
وقوله في الشّطرنْج:
أحَبُّ دعاباتِ الرّجالِ الى قلبي دُعابةُ شِطرَنجٍ أغادي بها صحبي
أُسالمُ فيها ثمّ أغدو محاربًا فسلْمٌ بلا سِلمٍ وحربٌ بلا حربِ
وقوله في الشطرنج:
إنّما لعبُك بالشط رنْجِ للنّفسِ رياضهْ
فاهجُرِ الهُجرَ لديهِ لا ترِدْ يومًا حِياضَهْ
وتجنّبْ صاحبَ الجه لِ ومَنْ فيه غضاضَهْ
لا تُجالِسْ غيرَ ندْبٍ زانَهُ العقلُ وراضَهْ
وقوله من قصيدة، في مدح أمير المؤمنين المستنجد بالله، وقد خرج الى الصّيد:
في حفظِ ربِّك غاديًا أو رائحا ولك السّلامةُ دانيًا أو نازحا
أنّى حللت فروضةٌ مخضرّةٌ مما تُفيدُ نوافلًا ومنائحا
لمّا غدوتَ الصّيدَ في ملمومةٍ ملأ الفضاءَ قوانسًا وسوابحا
جرتِ الظِّبا لك للعداة سوانحًا وجرت لأنفسها الظِّباء بوارحا
ما جارحٌ أرسلتَهُ إلا غدا في الصّيدِ إمّا قاتلًا أو جارحا
ماضي القوادم كاللهاذمِ لو بغَى سبْقَ الوَميضِ شأى الوميضَ اللائحا
أو كلّ ممشوق رشيقٍ لا ترى منه الوحوشُ إذا رأته منادحا
يجري فلا يدري بوطأته الثّرى فتخالُه ريحًاعليه رائحا
متوسّعُ الشِدْقيْنِ ضاق بعدْوِه وُسْعُ الفَلاةِ جرى عليها جامحا
أصبحتَ في جِدِّ الحروبِ وهزلِها متوحّدَ الإقدامِ فيه ناجحا
فاسْلَمْ أميرَ المؤمنين لأمّةٍ أحييتَها عدلًا وفضلًا راجحا
وهو مقيم ببغدادَ، يتولّى بعض الأشغال للخليفة.
تمّ الجزء الأول بعون الله ومنّه من خريدة القصر وجريدة العصر للعماد الأصفهاني ﵀ يتلوه، في الجزِء الثاني، إن شاء الله تعالى باب في محاسن أهل العلم والأدب والفقه والشّعر، وأولهم الشيخ أبو محمد بن الخشّاب النحويّ، والحمد لله وحدَه، وصلواته على سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلامه
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه الإعانة