من أهل بغداد، وأصله من الحِلّة السّيفية.
شاعرٌ سائرُ الشّعر، طائر الذّكر، مرهوب الشّبا حديد السِّنان، شديد الهجاء بذي اللسان. إذا اتّضح له المعنى في هجو أحد، لم يبال به أكان محسنًا أم مُسيًّا، عدوًّا أو وليًا. وقلّ من أحسن إليه إلا جازاه بالقبيح، وجاراه بالذمّ الصّريح.
وكان من جملة منعوشي العمّ الشّهيد عزيز الدّين، فإنّه نوّه بذكره، ونبّه على قدره، وجذب بضَبْع فضله، وآواه الى ريع ظلّه، وولّى أشغاله جماعةً من أقاربه وأهله، حتى عُرِفوا وشرُفوا، وأثْرَوا واكتفوا. على أنّه لم ينجُ مع ذلك من قوارصه، وكان يحتمله لفضائله وخصائصه.
[ ٨ ]
ولما نقلني والدي من أصفهان الى بغداد حين نبا - بعد النّكبة - بِنا الوطنُ، وضاق العطَن، ولم نجد الأمن والسّلامة، واليُمن والكَرامة، إلا في ظل الدار العزيزة النبويّة الإمامية المقتفوية، فسكنّا مدينة السلام، واتّخذناها دار المُقام، وذلك في سنة أربع وثلاثين وخمس مئة، وقد بلغت سنّي خمسَ عشرة سنة - وكان هذا ابن أفلح يجتمع بوالدي، ويقصِدُ نحوَهُ، ويبثّه شجْوَه.
وتوفّي بعد ذلك بسنتين أو ثلاث.
وطالعتُ ما جمع من شعره، وهو قليل؛ لأن الخليفة نفّذ وأخذ من بيته أشعاره كلها. وكتبت منه قصيدتين في مدح عمّي، فأثبتُّهما، ولم أُلْغِ منهما شيئًا. إحداهما ما مدحه به وأنشده بأصفهان:
هاتيك دجلةُ رِدْ وهذا النّيلُ ما بعدَ ذينِ لحائمٍ تعليلُ
إن كان برْدُ الماءِ عندَك ناقعًا حرَّ الجَوى لا الأشنبُ المعسول
عجبًا لشأنك تدّعي ظمأً وفي جفْنيْكَ من سيلِ الجُفونِ سُيولُ
وتنحّ من لفْح الهَجيرِ وحرِّه وحشاكَ فيه لوعةٌ وغَليلُ
ما هذه آياتُ من عرَفَ الهوى وشجاه رَقراقُ الحياء أسيلُ
لا تكذبنّ فما بهذا عندنا أهلَ الصّبابةِ يُعرفُ المتبولُ
خلِّ الغرامَ لأهله فهمُ به أولى لهنّكَ في الغرامِ دخيلُ
أنسيتَني يومَ العقيق ونحنُ في واديهِ بين السَّرْحتيْن حُلولُ
والحيُّ يهمِزُ بالرحيل ومُهجتي جزَعًا لمقترب الرّحيلِ تسيلُ
والوجدُ محتدمٌ وبين أضالعي قلبٌ يضِجُّ به الغرامُ عليلُ
وأقلُّ ما لاقيتُ من كُلَف الهوى بعدَ الصّبابةِ لائمٌ وعَذولُ
ألا اقتديتَ بحُوَّلٍ في وجدِه قد عارك الأشجانَ وهْوَ نحيلُ
أظننتَ أنّ العِشقَ سهلٌ بئس ما أوهمتهُ يا أيّها المخبولُ
يا أختَ سعدٍ قد سننتِ شريعةً ما سنّها في الأنبياءِ رسولُ
حلّلتِ سفكَ دمي ولم ينطِقْ به ذِكرٌ وتوْراةٌ ولا إنجيلُ
وقصرتِ أجفاني فما إن تلتقي وأطلتِ ليلي فالعَناءُ طويلُ
وقدحتِ نارًا في الحشا ومنعتِني إطفاءَها بالدّمعِ وهو هَطولُ
سمعًا لأمركِ ما استطعتُ وكلّ ما حمّلتِ من عِبْءِ الهوى محمولُ
قسمًا بعصيان العذول فإنّه قسمٌ على حسن الوفاءِ دليلُ
إنّي عليكِ وإن صدَدْتِ لعاطفٌ ولكِ الغداةَ وإن قطعْتِ وَصولُ
يا صاحبيّ مضى الهوى لسبيله وأتى الصوابُ وقولُه المقبولُ
أبثثكما عُجَري فما ترَيانِه لأخيكما فالرّأيُ منه أفيلُ
طال الثّواءُ على المذلّة قانعًا بالدّون واستولى عليّ خُمولُ
وغدا يزاحمُ منكبي في موقف ال علياءِ وغدٌ أخرقٌ وجهولُ
في كلّ يوم يستفزّ سكينتي روعٌ يمَسُّ الحسَّ منه ذُهولُ
ممّن عهِدتُ إذا ذُكِرتُ فؤادَه من صدره فرَقًا يكادُ يزولُ
ما ذاك إلا أنّه لم يبقَ من هذا الأنام مسوّدٌ بُهْلولُ
يأوي إليه المستجيرُ فيغتدي نعمَ النّصيرُ وبأسُه المأمولُ
قالا: صهٍ هذا ابن حامدٍ الذي ما بعدَه لمؤمِّلٍ تأميلُ
يمّمْه تلقَ اليمّ يزخَرُ طاميًا والليثَ يزأرُ هيبةً ويصولُ
وانزِلْ عليه تُنِخ بكِسْرِ فناءِ منْ ما ذمّ جيرتَهُ العشيَّ نزيلُ
إنّ امرءًا كفَل العزيزُ بنصره وغدا يسالمُ دهرَهُ لَذليلُ
نقص في الأصل
لا الصّبرُ ناصرُهُ إن ضامه كمَدٌ يومَ الرّحيل ولا السّلوانُ مُنجِدُه
فلم أطاع عذولًا ما يسهِّدُه إذا غفا كلُ طرْفٍ ما يسهِّدُهُ
[ ٩ ]
هل حلّ بالعَذْلِ لاحٍ من أخي كمَدٍ ما ظلّ بالحبّ داعي الوجد يعقِدُه
لولا الغُرورُ وما تجْني مطامِعُه لذَمّ طيْفَ الكرى من باتَ يحمَدُه
وكلّ من لا يرى في الأمر مصدَرَهُ قبل الوُرودِ أراهُ الحتْفَ مورِدُه
كحائنٍ ظنّ مولانا العزيز على إمهالهُ مُهمِلًا من بات يرْصُدُه
الصّادق العزمِ لا جبنٌ يريّثُه إن رامَ أمرًا ولا عجزٌ يفنّدُه
في كلّ يومٍ له حمدٌ يجمّعهُ بما توخّاهُ من مالٍ يبدّدُه
جمُّ المواهبِ ما ينفكّ من سرَفٍ لُجَينُه يشتكي منه وعسجَدُه
غمْرُ الرِّداءِ وَهوبٌ ما حوته على ال أيّام من طارفٍ أو تالدٍ يدُه
يعتدّ بالفضلِ للعافي ويشكرُه كأنّ عافيهِ يحبوهُ ويرفِدُهُ
موفّقُ السّعي والتّدبيرُ منجِحُه وثاقبُ الرّأي في الجُلّى مسدّدُه
حسنُ الرّشادِ له فيما يحاولُه من المقاصد هاديه ومُرشدُهُ
فما يَطيشُ له سهمٌ يفوّقُه في كل ما يتحرّاهُ ويقصِدُه
إذا تماثلتِ الأحسابُ فاخرةً أضاء في الحسَبِ الوضّاحِ محتِدُه
يُزْهى بجدّيْنِ أضحى ساميًا بهما فما ترى عينُه من ليس يحسُدُه
يا أحمدُ الحمدُ ما أصبحت تكسِبُه بالفضلِ والفضلُ ما أصبحت توردُه
ليَهْنِ مجدَك نُعمى ظلّ حاسدُها يغيظُه ما رأى منها ويُكمدُه
جاءتك تسحَبُ ذيلَ العزّ من ملِك ما أيّد اللهُ إلا من يؤيّدُه
لم يلقَ غيرَك كُفؤًا يرتضيهِ لما إليك أضحى من التّدبيرِ يُسندُهُ
ألقى إليكَ زِمام الأمرِ معتقدًا أنّ الأمانةَ فيمن طاب مولدُه
فاجعَلْ عِياذَك شكرَ الناسِ تحرزُه وانظرْ لنفسك من ذكرٍ تخلّدُه
وليَهْن جدَّك أعداءٌ ظفِرتَ بهم وقد عراهم من الطّغيانِ أنكدُه
نوَوْا لك المَكرَ غدرًا فاستزلّ لهم عن ذاك أيمنُ تدبيرٍ وأحمدُه
من كلّ أخيبَ خانته مكايدُه فيما نواهُ وأرداهُ تردّدُه
ما أبرموا الرّأيَ في سوء بغوْك به إلا وعاد سحيلًا منك مُحصَدُه
ولا ورى زندُ كيدٍ منهمُ أبدًا إلا وحدُّك بالإقبالِ يُصلِدُه
نقص في الأصل
فإنْ جحَدَتْ أجفانهُ سفكَها دمي فلي شاهدٌ من خدِّه غيرُ مُرقِش
ومال بعِطفَيّ الغرامُ وقد بدا لعينيّ حتى ظنّ أنّيَ مُنتشي
بريّان ما يحويه عقْدُ إزارِه وغَرْثان مِقلاق الوشاح معطّشِ
ولما تلاقينا بقلبي وطرْفِه على حذَرٍ ممّن ينِمُّ ومن يشي
ضعُفتُ وأعطاه الهوى فضلَ قوّةٍ فأوثقني أسرًا ومن يقْوَ يبطِشِ
ومن يتحرّشْ بالرّدى وهْوَ وادعٌ قريرُ الرّزايا يلْقَ غِبّ التحرُّشِ
وكان هذا ابن أفلح فظيع المنظر، كما وصفه سديد الدّولة ابن الأنباري في قوله:
يا فتى أفلح وإن لم يكن قطُّ أفلحا
لكَ وجهٌ مشوّهٌ أسودٌ قُدّ من رَحى
وكان هكذا ذكره قمر الدّولة بن دوّاس:
هذا ابنُ أفلحَ كاتبٌ متفرّدٌ بصِفاتِه
أقلامُه من غيره ودَواتُه من ذاتِه
ومن جملة أشعار ابن أفلح، قوله:
يا من إليه المشتكى في كلّ نائبةٍ تلوحُ
ذا النّاصرُ المخذولُطولَ زمانِه نِضْوٌ طَليحُ
ما إنْ يبِلُّ فيستري حُ ولا يموتُ فيستريحُ
وقوله:
سألتُك التّوقيعَ في قصّتي فاحتطتُ للآجلِ بالعاجلِ
[ ١٠ ]
وخِفتُ أن تُجريَ في قابِلٍ وقّعْ فما تبقى الى قابِلِ
وقوله في أنوشَرْوان الوزير، وكان في غاية التواضع:
إنّ أنوشَرْوان ما فيهِ سوى قيامٍ لمُرجّيهِ
الجودُ كلّ الجودِ في رجله وإن تعدّى فإلى فيهِ
روّجْ لراجيك ولو حبّةً واقعُدْ على العرشِ من التّيهِ
وله في المعين المختصّ الوزير:
إنّ عندي للمُعين يدًا ما حَييتُ الدّهرَ أشكرُها
صانَني عن أن تكونَ له منّة عندي أحبِّرُها
فأنا ما عشتُ أعرِفُها أبدًا من حيثُ أنكِرُها
وله في الوزير أحمدَ بنِ نظام الملك:
قصدْتُ أرومُ لقاءَ الوزير وقد منع الإذنَ بالواحده
وكلٌّ على الباب يبغي الدّخو لَ والبابُ كالصّخرةِ الجامده
ولم أعلمِ العُذْرَ في غلْقِه فكنتُ أعودُ على قاعدَهْ
فصِحتُ محمّدُ ألاّ فتحتَ فقالَ الوزير على المائدهْ
ومن دونِ فتحيَ فتحُ الوجوهِ فعُدَّ الرّجوعَ من الفائده
وله فيه:
شكرتُ بوّابَك إذ ردّني وذمّهُ غيري على ردِّه
لأنّهُ قلّدني منّةً تستوجب الإغراق في حمدِهِ
أعاذني من قُبح ملْقاكَ لي وكبرِك الزّائد في حدِّهِ
فعُذْتُ أن أُضبرِعَ خدّي لمن ماءُ الحَيا قد غاض من خدِّهِ
وله فيه:
وزيرُنا ليسَ له عادةٌ ببذلِ إفضالٍ وإحسانِ
قد جعلَ الكِبْرَ شعارًا له فليس يقْضي حقّ إنسان
لو سلِمَ السّلطانُ من كِبْرِه عليه ما ردّ بإعلانِ
كأنّه لا كان من تيهه مورّثٌ ملكَ سليمانِ
أبوابُه مغلَقةٌ دائبًا من دون وُفّادٍ وضِيفانِ