رأيته شيخًا مسنًا، مطبوعًا، حاضرَ النّادرة.
توفي ببغداد في شهور ثمان وخمسين وخمس مئة.
وله شعر كثير، لم يدوّن، والغالب عليه الهجاء والمجون، وما خلا من ذلك لا يكون له طُلاوة. هجا الأكابر، ولم يغادر أحدًا من أهل زمانه.
سمعته يُنشد بيتًا له في نفي الخَيال الكرى، وهو:
ما زارني طيفُها إلا مُوافقةً على الكرى ثم ينْفيه وينصرفُ
ورأيته كثيرًا يُنشد الوزير ابن هبيرة، ويمدحه، ويجتديه. وقال يومًا: إرحَمْ يتيمًا في سنّي. وكان يتبرّم به الوزير، حتى حدّثني صديقي مجد الدولة أبو غالب بن الحصين قال: أنشد الوزير:
شعريَ قد بطّ جُيوبَ الورى فلو أردتَ المنعَ لم تقدِرِ
وأزهرُ السّمانُ لا ينثني ما دام حيًا عن أبي جعفر
وحكاية الأزهر السمّان مع المنصور، مشهورة، وهي:
[ ٥١ ]
أنّ هذا أزهر السمان رجل من أهل الكوفة، كان يصحب أبا جعفر، ﵁، في زمان بؤسه، قبل الخلافة. فلما فوّضت الخلافة الى المنصور، جاءه أزهر مهنّئًا بذلك، فحجبه. فترصّد له في مجلس حفْل، فسلمَ عليه، فقال له المنصور: ما جاء بك؟ قال: جئت مهنئًا بالأمر، فقال المنصور: أعطوه ألف دينار، وقولوا له: قد قضيت وظيفة الهناء، فلا تعُدْ إليّ. فمضى. وعاد في القابل، فحجبه، فسلّم عليه في مثل ذلك المجلس، فقال: ما الذي جاء بك؟ قال: سمعت أنّك مريض، فجئت عائدًا، فقال: أعطوه ألف دينار وقولوا له: قد قضيت وظيفة العيادة، فلا تعُدْ إليّ، فإني قليل الأمراض. فمضى. وعاد في القابل، فقال له في مثل ذلك المجلس: ما الذي جاء بك؟ قال: كنت سمعت منك دعاءً مستجابًا، فجئت أتعلّمه منك. فقال: يا هذا، إنه غير مستجاب، إني في كل سنة أدعو الله تعالى به أن لا تأتيني، وأنت تأتي! وله القطعة التي يغنّى بها في بغداد، في غاية الحسن والرّونق، الصافي عن القذى والرّنَق:
يا من هجرَتْ ولا تُبالي هل ترجعُ دولة الوصال
ما أطمعُ يا عذاب قلبي أن ينعَم في هواكِ بالي
الطّرفُ كما عهدتِ باكٍ والجسمُ كما تريْن بالِ
ما ضرّكِ أن تعلّليني في الموصل بموعدٍ مُحالِ
أهواكِ وأنت حظُّ غيري يا قاتلتي فما احتيالي
أيامُ عنايَ فيك سودٌ ما أشبههنّ باللّيالي
والعُذّلُ فيك قد نهوْني عن حبّك ما لهم ومالي
يا مُلزمي السلوّ عنها الصّبّ أنا وأنت سالِ
والقولُ بتركها صوابٌ ما أحسنَه لو استوى لي
في طاعتها بلا اختياري قد صحّ بعشقها اختلالي
طلّقتُ تجلّدي ثلاثًا والصبوةُ بعدُ في حبالي
ذا الحكمُ عليّ من قضاهُ من أرخصني لكلِّ غالِ
وقوله في ابن شماليق كَثير:
ابنُ شماليقَ ليس فيه نفعُ صغيرٍ ولا كبيرِ
فكيف أثني عليه يومًا بمنطِقِ الحامدِ الشّكور
واللهُ قد قال فيه قبلي يهجوه لا خيرَ في كَثير
وله في قصيدة يهجو فيها جماعة، منهم بعض الهاشميين، يطعن على نسبه:
يكنى أبا العباس وهْو بصورة حكمت عليه وأُسجلت بمُغمِّرِ
في كفِّ والدِه وفي أقدامِه آثارُ نيلٍ لا يزالُ وعُصفرِ
وإذا رأى البركيلَ يخفقُ خيفةً ذي الهاشميّة أصلُها من خيبرِ
نسَبٌ الى العبّاس ليس نظيرُه في الضّعف غير الباقِلاء الأخضرِ
يُنادى، في بغداد، على الباقِلاء الأخضر، بالعبّاسي.
وله:
رنا عن الفاترِ الكحيل والحتفُ في سُمّه القَتولِ
كم سلّ من مقلتيْه سيفًا تقبيلُه مُنيةُ القتيل
أحورُ حرُّ القلوبِ فيه مولِّدٌ حيرةَ العقولِ
لم يسْلُ فيه فؤادُ صبٍّ هام على خدّه الأسيلِ
وا ويلتي قولُ مستغيثٍ من ظالم واهبٍ بخيلِ
من سُقم جفنيه سُقم جسمي ومن ضنى خصرِه نُحولي
وأنشدتُ له في أنوشروان الوزير، في ذمّ التّواضع:
هذا تواضُعك المشهورُ عن ضعَةٍ فصرتَ من أجله بالكبر تُتّهَمُ
قعدْت عن أمل الرّاجي وقمت له فذا وُثوبٌ على الطُّلاب لا لهُم
وأنشدت له في أبي بكر وعمر ابني السّامري البيّع:
أبو بكر أخو عُمر سباني بسهمَي مُقلتيه وحاجبيْهِ
إذا مشَيا معي أبصرتُ أفقًا أحاطَ به السّنا من جانبيْهِ
يموت الحاسدون إذا رأونا فنخرُج بالنّبيّ وصاحبَيْه
إشارةً الى قول المشيعين للجنائز: النبي وصاحبيه.
ومما أنشد الوزير ابن هبيرة، في آخر عمره، قطعة جيميّة، استحسنتُها، فكتبتها:
أهلًا وسهلًا بمولانا فأوبتُه لكلّ شاك بها من ضُرّه فرَجُ
لا أعدَم اللهُ فيك الخلْقَ نافعَهم يا من به تفخرُ الدُنيا وتبتهجُ
[ ٥٢ ]
ودام جُودُك عون الدّين يغمرُنا يا مَنْ تعيشُ بما تسخو به المهجُ
إصنَع لهمٍّ أخي همٍ تقلقله فصدرُه ضيق من رُعبِه حرِج
ومنها:
مولاي قد قصُرت بها نهضتي كبَرًا فما عليّ بشكوى فاقةً حرَجُ
يا خيرَ من لاحظَ المضطرّ نائلُه وخيرَ ذي كرم في بابه ألِجُ
أنت المؤمّلُ للغمّاء تكشِفُها إذا تخطّفتِ المستصرِخ اللُّجَجُ
يا محسنًا طرَدت آلاؤه كرمًا ما في فؤادي من اللأواء يعتلجُ
طيّبْ بقيّة عمري بالتّعهد لي يا من له طيبُ ذِكر نشرُه أرِجُ
يا من له حجّة بالعزّ قائمة إرحَمْ لك الخيرُ شيخًا ما له حُججُ
فإنّ من جاوزَ العُمريْن قد خرِبتْ بالعجزِ منه أعالي القصرِ والأزَجُ
ففيمَ تخدَعُني الدُنيا بزينتها والحَينُ قد حان والأحبابُ قد درَجوا
والرّزقُ ما دمتُ حيًا أبتغيه كما يرومُه يافعٌ في حرصه لهِجُ
ومنها:
آن الأوانُ وأعمالي التي سلَفت عِقدٌ يجاورُ فيه دُرّهُ السّبَجُ
وذو الجلال إذا ما شاءَ محّصها برحمةٍ منه بالغفران تمتزجُ
إنّ الذّنوب ذُنوبَ العفوِ يغسِلُها فطيمئنّ بها في الحشرِ منزعجُ
وأنت واللهِ في علمٍ وفي عملٍ من يستقيمُ به في العالم العِوَجُ
أولى بمجدِك أن تحنو على يفَنٍ مديحُه بالذي أوليتَ مبتهجُ
فالعدلُ عندك والإحسان سوقُهما قامت على قدَمٍ ما شانَها عرَجُ
وما أحاولُ من نَعمءَ تُسبغُها فثوبُها لي بما أرضاه ينتسجُ
جنابُك الرّحبُ يا أندى الكرام يدًا فيه بصنعك عنّي الضّيقُ ينفرجُ
ومنك آمُلُ بعد الله عارفةً بها يزيّل عنا الشدةَ الفرَجُ
فانظُرْ إليّ بإحسانٍ تحوزُ به حسنَ الثّواب الذي تعلو به الدّرجُ
فليس إلاك مُجدٍ نستجيرُ به من الخطوبِ التي تنكيلُها سمِجُ
فالناس بالناس في الأزمان بعضُهُم للبعض في ظُلَمٍ تغشاهُمُ سُرُج
وله من قصيدة يشكو فيها قسمة الحظّ، من جملتها:
يُعطي البُغا لابنِ السّمي نِ ويحرِمُ الفافا وقَيْلَقْ
ابن السّمين: رجل شيخ، محدّث. والفافا وقيلق: كانا مملوكين لابن الأنباري، موصوفين بالحسن.
وله في أمين الدولة، المعروف بابن التّلميذ:
ليس يُعطي مَن يؤملُه غيرَ طلْقِ الوجهِ والقُبلِ
ولُفيظاتٍ ينمّقُها خُدعةَ الجمّالِ للجمَلِ
وقيامًا ما يُخلّ به ذا يكدّي آخرَ العملِ
وسمعت أن ابن التّلميذ نفّذ إليه ثوبًا أسود في جوابه، وكتب معه:
أحبّك في السّوداء تسحب ذيلَها خطيبًا ولكن لا بذكرِ مثالبي
ونقلت من خطّ ابن الفضل الشاعر قطعة، كتبها الى البُرهان عليّ الغزْنَويّ الواعظ، وكان يذكره ويتعرّض به:
الى متى تجْني وتستعدي يا سيئَ التّدبيرِ والعهدِ
فحاسبِ النّفسَ على ما كلّ ما تأتيه من جورٍ على عمْد
ولا تُغاثثْ بعتابي على إغضاءِ وافٍ صالح الوُدِّ
واترُكْ برأيي دسْتَنا قائمًا واجعلْهُ بالشّطرنْجِ لا النّردِ
ففصُّك المعلولُ في اللّعن لي يحرّم القمرَ بلا بُدّ
وسالفُ الصُحبة لا تنسهُ ولا تثوّرْ بالأذى حِقدي
ولا تجدّدْ بعتابي من ال إوان ما سكّنتَ من وجْدي
دعني أُصادي النّفسَ عن غيظِها منك بشكرِ البِرِّ والرِّفدِ
إنّ الأذى والمنّ قد صيّرا ال لِباس منه خلَق البُردِ
[ ٥٣ ]
وعاد واللهِ عُقوقًا به تأكُلُ يا سيّدنا كِبْدي
وا عجبًا من فطِنٍ كيّسٍ إيمانُه يأوي الى زُهدِ
أبعْدَ عشرين خلت وانقضت بين العراقَين الى نجْدِ
ما غيّرتْ بغدادُ في هذه ال مدّةِ سوءَ الخُلُقِ الجعْدِ
والشّوكُ والثّلجُ على حالةٍ يشوبُ حرّ الوخْزِ بالبردِ
كان أبدًا يحدّث الغزْنويّ عن طريق غَزْنة، والبرد فيها والشوك، فيقول له: ما فارقتَ بعدُ تلك الطريقة.
وأنت تنهى الناس عن غيبةٍ في مثلِها تأمُرُ بالرّدِّ
إما بتخويفٍ من النارِ أو بنوعِ تشويقٍ الى الخُلدِ
وبعدَ ذا تفعلُ بي هكذا زِنْهار من سالوسِك السّرْدِ
وهذه العجمةُ من عندِك اقْ تبستها ما هي من عندي
أنا وأغراضي على تركي ال جدالَ بين العكسِ والطّردِ
إرجِعْ الى الله ودعْني ولا ترْمِ بسهمِ الطّيشِ من بُعْدِ
منْ قطعَ الوصلَ بلا موجبٍ ذاك الذي يصلُحُ للصّدِّ
هبْني كشيءٍ لم يكن أو كمن وسّدَه الحفّارُ في اللّحدِ
وفّقنا اللهُ وإيّاكَ يا مولايَ للخيرِ وللرُّشْدِ
لا تُصلحِ الفاسدَ منّي بما يخرُجُ من خردٍ الى شدِّ
ودَرْدِسَرْ يا نور عيني مكُن لضيّقِ الأنفاسِ بالدّرْدِ
ولا تنغّصْ من دِنانٍ خلت لبختيَ الأسودِ بالدّرْدي
تُريد منّي بعدَ ويلٍ جرى سعيًا الى الخدمة بالقصدِ
هيهاتَ يأجوجُك في باطل باللّحْسِ للمُحْكَمِ من سَدّي
أنت تُداجيني كذا ساخرًا أنا الذي أخنَقُ بالزُبدِ
وخاطري بالقدْح في كل ح رّاق سحيق واريَ الزّندِ
إبليسُ في كل بلاء به اس تغوى بني آدمَ من جندي
أنا الذي أمزِجُ خلّي إذا ما شئتُ للمُمْرَضِ بالشُهْدِ
إيارَجي أخلِطُ أخلاطَه مُغالطًا للخصمِ بالفَنْدِ
طِبٌ عراقيٌ على صورة الت حقيق لا برْخَشةُ الهندِ
عليّ مَن يُقدمُ أن يجتري بصولة المولى على العبدِ
عندي وفاءُ الكلب لكنّه مركّبٌ من قسوةِ الأسْدِ
أغاضبُ الفيلَ على أنني عند الرِّضا أرقُصُ للفردِ
ما لغزالِ السِّرْبِ حظٌ إذا ما عزّه المكروهُ بالفهْدِ
وشفةُ الشّهم قبيحٌ بها ال لَثْمُ لنعلِ الفرَسِ الورْدِ
يا نفْثةَ المصدور مني قِفي دونَ المناواةِ من الحدِّ
فاسلَمْ وسالمْني فهزْلي هو ال سُمّ إذا أعربَ عن جِدِّ
وقد أردف هذه القطعة بنثر، من جملته:
إنّ الله تعالى بذل المغفرة رشوةً وبرطيلًا لعباده من عبادته في جزاء العفو والصّفح، بقوله: (ولْيَعْفوا ولْيَصْفَحوا. ألا تحبّونَ أن يغفِرَ اللهُ لكم؟) .
وإذا وزنَ سيّدنا ديناره في قسطاس الإنصاف، موازنًا له بصَنْجة الاعتراف، درى بما جنى، وبرئت من المعاتبة أنا. لكنه يدغدغ نفسه ويضحَك، وأسامحُه ويمْحَكُ.
وقد توالى من نزَغات الشيطان أسبابٌ زعزعت أركان المودّة، وزلزلت أرضَ الألفة، ورنّقت مشرَبَ المحافظةِ، وجلّلت آفاق المصافاة بالكدورة، وأفسدت نظام الأخوّة حتى أجلت معانيَها، وأخلَت مغانيه، فعاد الالتفاتُ من الجانبين جميعًا الى المحافظة التفاتًا عنها، فتباعدتِ الضّمائرُ بعد تقاربها، وتناءت عقب تصاقبها، وانطبع في كل مرآة صورة الإيحاش، من غير مِراءٍ فيه ولا تحاش.
وحصلْنا على نِفاق أجازي هِ بصبري عليه غصبًا ورغْما
والبصير الذي يُحابي بأن يُص بحَ عن رؤية المحاباة أعمى
فإلى كم تكونُ حربي بلعني كلّما كنت بمالمداراة سِلْما