البندنيجي
الأديب المعروف ب ابن الهمذاني. من شعراء الدولة القائمية والمقتدية.
نقلت من كتاب تكملة الذيل ل ابن الهمذاني من مدائحه في القائم بأمر الله من قصيدة، يهنئه فيها بعوده إلى دار الخلافة بعد ما تم الذي تم من البساسيري، وبعد أمير المؤمنين إلى الحديثة، وعوده في أيام طغرل بك سنة إحدى وخمسين وأربع مئة.
منها:
أقام ثِقافه الإسلام لمّا تأوَّد، إذْ بأمر الله قاما
وعاد العدل، بعد بِلىً، قَشيبًا به، والدِّيِنُ مقتبلًا غلاما.
ولمّا أَنْ طغت عُصَبٌ، وطاشت حلومٌ. . أورثت لهم ضِراما
وقادهم القضاء إلى عُتُّلٍ زَنيِمٍ، قاد للفِتن السَّواما
أتاح الله ركن الدّين لطفًا وتأييدًا، فأخزى من أَلاما
وأردى العبدَ، لا جادت يداه سوى النّيرانِ تضطرمُ اضطراما
وأتعسَ جَدَّه، وَأدال منه، وأقعصه وقد جَدَّ انهزاما
ومنها:
أميرَ المؤمنين رِضى وغَفْرًا لعارضِ نَبْوَةٍ طرَقَت لِماما
فإنّ الله أبلاك امتحانًا كما أبلى النَّبييّن الكراما
صَفِيّ الله آدمُ إذْ عصاه فأهبطه إلى الأرض انتقاما
غوى، ثمّ اجتباه، فتاب هَدْيا عليه، وعاضَهُ نِعمًا جِساما
وإِبراهيمُ لمّا راغَ ضربًا على أصنامهم، فغدت حُطاما
وقال: ابْنُوا عليه، وحرِّقوه وقال لناره: كوني سلاما
وأَيُّوبُ ابتلاه بطول ضُرٍّ وألبسه المذلَّةَ والسَّقاما
فناداه، فأنعمَ مستجيبًا له، وأتمَّ نعمته تماما
ويوسُفُ حين كادَ بنو أبيه له كيدًا، وما اجتنبوا الأَثاما
فملَّكه، وجاء بهم إليه كما جاؤوك طوعًا أو رَغاما
ولَمَّ الله شملَهُمُ جميعًا كذلك لَمَّ شعبكم انتظاما
فأمسى الشَّمل ملتئمًا جميعًا وزادَ ب عُدَّة الدِّين التئاما
وليّ العهد، والملك المُرَجَّى لتقويم الهدى أَنَّى استقاما
فبورك للرَّعيَّة فيه مولىً، ودُمتَ إمامها أبدًا، وداما
لقد قرَّت بأوبته عيونٌ تجافت، منذُ زايَلَ، أن تناما
وأسفرت الخِلافة بعدَ يأس وحالَ قطوبُ دولتِها ابتساما
فلا عَدِمَتْكُما ما لاحَ نجمٌ تَحُوطانِ الشّريعةَ والأَناما
ولا زالت يمينُ الله تُهدي لعزّكما السّعادة والدَّواما
وله من قصيدة، يهنئه بفتح بلاد الروم على يد ألب أرسلان سنة ثلاث وثلاثين وأربع مئة:
عندَك يرجى العفوُ عن مذنبٍ أسلمه للحَتْف عُدوانُهُ
ومن أياديك بحورِ العلى كلُّ مُدِّلٍ عزَّ سلطانُهُ
هذا ابنُ داوودَ الَّذي قد سمت فوقَ نجوم الأُفق تيجانُهُ
باسمك يسطو حين يلقى العدا فتَفْرِسُ الأملاكَ فُرسانُهُ
أرهفتَه سيفًا صقيلًا، به ينقتل الكفرُ وأوثانُهُ
واصطلم الأعداء، واستهدمت دعائم الكفر وأديانُهُ
[ ٨٦ ]
تَبًّا لكلب الرُّوم إذْ غَرَّه تزاحمُ الجيش وصُلبانُهُ
آلى يمينًا أن ينالَ العلى فانعكست بالخِزي أَيمانُهُ
ويلُ أمِّهِ في الأَسر، مستعبِرًا يندَمُ إذْ منَاه شيطانُهُ
لم يُغنِ عنه الجمعُ شيئًا، كما لم يُغنِ ذاك الجمعَ شجعانُهُ
وسوف تلقى مصرُ من بعدها هولًا، يُشيب الطّفلَ لُقيانُهُ
لا بُدَّ للقائم من أن تُرَى منشورةً في الغرب عِقبانُهُ
يملِكها شرقًا وغربًا، على رُغْم العدا، والله مِعوانُهُ
وعُدَّة الدِّين الإِمام الَّذي أهَّله للأمر رَحمانُهُ
خِلافة بالدَّهر مقرونة لا تنقضي ما لاح كيَوانُهُ
فدامَ للأمَّة، يرعاهُمُ موفَّقًا في العدل رُعيانُهُ
وله من قصيدة في تهنئته بإقامة الخطبة ب الحرمين سنة أربع وستين وأربع مئة:
بحبل القائم المهدي اعتصمنا فما نخشى نوائبَه الصِّعابا
براه الله غيثًا للبرايا وغوثًا يَدْرَؤوُن به العذابا
وقد خضعَت لهيبته البوادي وقد مدَّت، لخَشيته، الرِّقابا
ألم تَرَ للمغارب كيف عاذت بمِلَّته، لدعوته انقلابا؟
وأَنَّ منابر الحَرَمَيْنِ أَنَّتْ لخطبة من تملّكها اغتصابا
فلا زالت يمين الله تهدي لدولته السَّعادة والغِلابا
وله يهنئ الإمام المقتدي بالخلافة، ويعزيه عن القائم، سنة سبع وستين وأربع مئة، من قصيدة:
ولما انتهت ب القائم الطُّهْر مُدَّةٌ مقدَّرة، كالشمس حانَ أفولُها
تسربلتَها أندى الخلائف راحةً وأجدرَ مَنْ أفضى إليه وصولُها
وقمتَ بأمر الله، مقتديًا به، فقرَّت عيونٌ، نال منها هُمولُها
لِيَهْنِ نفوسًا، أمَّلَتْك، تيقُّنًا بنيل العلى والفخر فيما تُنيلُها
بجودك يستسقَى من المَحْل، كلَّما أَرَبَّتْ بأَقطار البلاد مُحولُها
فلا يحسَبِ المغرورُ في مِصْرَ أَنَّه ستَعصِمُه منك الفَيافِي وطُولُها
فلو بكتاب رُعْتَهُ، لا كَتيبةٍ، لَخَرَّتْ رواسي مِصْرَ، أو غارَ نِيلُها
وله من قصيدة في بهاء الدولة، منصور، بن دبيس، بن علي، بن مزيد، الأسدي، والد صدقة، يهنئه بإفضاء الإمارة إليه، بعد وفاة والده في شوال سنة أربع وسبعين وأربع مئة، في أيام ملك شاه:
جزى الله سلطانَ الملوك سحائبًا من الرَّوح، تحبوه النّعيمَ، وتُزلِفُ
جزاءً بما أبقت لنا مَكرُماتُه هًمامًا، به تُزْهَى نِزار وخِنْدِفُ
ولولاك، يا منصور، لم يُلْفَ بعدَه مُجيرٌ على خَطْب، ولا مُتَنَصَّفُ
لَئِنْ شرُفت أرض بمَلْك، لقد غدت بك العُرب والدُّنيا معًا تتشرَّفُ
فِدى لك مَن يبغي العلى وَهْوَ باخلٌ ويطلُب غاياتِ المَدى وَهْوَ مُقْرِفُ
إِذا هُزَّ للمعروف، مال بعِطفه إلى اللُؤم طبعٌ في الدَّنايا مُلَفَّفُ
إليك بهاءَ الدَّولة اعتسفتْ بنا أَمانٍ، لغير المجد لا تتعسَّفُ
بقِيت لنا، ما حنَّتِ النِّيبُ، قاهرًا عِداك، وما ضمَّ الحَجِيجَ المُعَرَّفُ
وله في مدح الشيخ الإمام أبي إسحاق الشيرازي ﵀ - قصيدة، منها:
لتفخرِ الشّريعة كيف شاءت ب إِبراهيمَ إذْ يَشفي السِّقاما
أعاد بهديه الإسلامَ غَضًّا وأنشر من معالمه الرِّماما
به اتّضح الهدى والدِّينُ فينا وكان الحقُّ أعوجَ فاستقاما
إِذا نصر الجدال، رأيت منه لسانًا، يفضَح العَضْبَ الحُساما
فأمَا في الدُّروس إِذا تلاها، فموجُ البحر يلتطم الْتِطاما
[ ٨٧ ]
وله من تهنئة للوزير أبي شجاع بالوزارة، سنة ست وسبعين وأربع مئة:
هنيئًا لك المنصِبُ الأرفعُ ولا زِلت بالملك تستمتعُ
وَمَّلأَك الله ما فَوَّضَتْ هُ إليك الخِلافةُ، لا يُنْزَعُ
مقام، يشُقّ على الحاسدينَ، رٍقابُ الملوك له تخضَعُ
وأَعظِمْ به شرفًا باذخًا إلى مستقرّ الهدى يشفَعُ
أتتك الوزارة مشتاقةً إليك، وأنفُ العلى أجدعُ
أبَتْ أن تُقيم على ظالمم على المَكْرُمات، فتستشفعُ
ومنها:
فلولاكها كافلًا إِنّه تقلّدها ماجدٌ أَرْوَعُ
بصَيرٌ بتثقيف أيّامها أمينٌ إِذا خانَ مستودَعُ
وتحسَبُ سَحْبانَ في دَسْته وقُسًّا إذا احتشد المجمع
وبين الجوانح من معشر غَليلٌ، بحَرّ الرَّدى ينقَعُ
وهيهات يروى صَداهم بها وقد عزَّ دونَهم المَكْرَعُ
أناسٌ ربيعُهُمُ مُجدب وأنتم ربيعٌ لهم مُمْرِعُ
وباعُهُمُ في العلى ضيّقٌ وباعُك في المجد مستوسعُ
لَشَتّانَ بينكما في القياس وهل يستوي النَّبْعُ والخِرْوَعُ
وبيتُك من فارس دوحةٌ بِدَرّ المكارم تسترضعُ
مَعالٍ من الله موهوبةٌ وما وهَب الله لا يخلعُ
وكم قال ذو أدب، أمحلت مُناه: متى يُخصب المرتعُ؟
فبّلغه الله آماله بما طبّقت مُزنة تَهْمَعُ
كفَلْتَ الرَّعيَّة من دهرها فلستَ لنائبه تخشَعُ
ويُمناك باليُمن تَغْشَى البلاد أَمانًا، ويا طالَما رُوِّعُوا
وأحيا بك المقتدي أُمّةً يحرّمها كَلأ مُسبَعُ
وما اختار للأمر إلا فتىً إليه قلوب الورى تَنْزِعُ
فلا أعدم الله إحسانَه رعاياه، ما أشرقَ المَطْلَعِ
وله في سيف الدولة، صدقة، بن منصور، بن علي، بن مزيد من قصيدة، يذكرها فيها فعله يوم آمد، في الوقعة بين شرف الدولة، مسلم، بن قريش وفخر الدولة، بن جهير. وكان سيف الدولة حاضرًا، فوقف كرمه على فك الأسرى من بني عقيل، واستنقاذهم، وإغناء فقرائهم، وإعطاء عفاتهم:
إنا نحن وافينا فِناءَ ابنِ مَزْيَد توالت لنا سُحبُ النَّدَى وانسكابُها
فِناءٌ يَفِيْ المعتفونَ إلى الغِنى بنائله، حتّى يرجَّى ثوابُها
يُجير إذا جار الزَّمانُ وريبُه ويُجْدِي إذا الأَنواءُ ضَنَّ سَحابُها
إذا ورد العافون مَغْناه، صادفوا بحور عطاياه يَعُبّ عُبابُها
تكاد مَقاريه، سرورًا وبهجةً بِضيفانه، تسعى إليهم قِبابُها
وتُمسي لهم في جِيد كلّ متوَّج صنائعُ، لم يَخْطِر ببالٍ حسابُها
ويغشى الوغى واليومُ بالنَّقع مُسْدِفٌ وللحرب نارٌ لا يبوخ شِهابُها
كيوم عُقَيْل والرِّماحُ شواجرٌ وبِيضُ الظُّبَى يُرْدي الكُماةَ ضِرابُها
غَداةَ غدت للتُّرك في الحيّ وقعة أباحت حِمى دارٍ عزيزٍ جَنابُها
فأُقسِمُ لولا نخوة مَزْيَدِيَّةٌ لباتت على حكم السِّباء كَعابُها
ولكنّ سيفَ الدّولة ابنّ بهائِها حَمَى عِرضَها والتُّرك تَحْرَقُ نابُها
تناشده الأرحامَ والنَّقْعُ ثائرٌ ولا يحفَظُ الأرحامَ إلاّ لُبابُها
وكم ذاد عنها المَزْيَدِيُّونَ بالقَنا سُيوفَ العدا من حيثُ غَصَّ شرابُها
عشيةَ لاذتْ بالفرار من الظُّبَى وذلّت سباع، طالما عزَّ غابُها
[ ٨٨ ]
وجاست خلالَ المَوْصِل الخيلُ عَنْوَةً وعاثت بأسلاب الأسود ذِئابُها
ولولا عوالي نورِ دولةِ خِنْدِف لمَا انجاب عن تلك الشُّموس ضبَابُها
فلا زال منكم يا بني مَزْيَدٍ لها مُجيرٌ، إليه في الأمور مَآبُها
إذا نابَها خَطْبٌ، فأنتم مَلاذها وإنْ رابَها جَدْب، فأنتم رَبابُها.
وله يمدح الشيخ أبا إسحاق الشيرازي، ﵁، من قصيدة، ويذكر المدرسة النظامية ب بغداد، ويصفها:
وهذا سيّدُ الوزراء، لمّا رآه يَجِلُّ عن نيل المُنِيلِ،
بنى للعلم دارًا، واصطفاه لها، فسمت، وعزّت عن بَدِيلِ
نهنّيه بها، والدّارُ أَولى وأجدرُ أن تُهَنَّأَ بالنَّزِيلِ
مشيّدة، تَتِيهُ على اللَّيالي بأعجبِ منظرٍ حَسَنٍ جميلِ
يكاد يحُكُّ مَنِكْبُها الثُّرَيّا بفَرْعٍ مدهشِ الرّائي طويلِ
ويفخَرُ سيلُ دجلةَ حين أمست له جارًا على كلّ السُّيولِ
يقبّلُ حافَتَيْها الموجُ حبًّا لها، كمقبّلٍ خدَّيْ خليلِ
تولاّها، فأغرب في بناها ذكيُّ القلب ذو رأيٍ أصيلِ
وله في ألب قرا البكجي أمير التركمان، وقد قال له: سوغك نظام الملك خراجك. قال: لأنني مدحته. قال: فامدحني، حتى أفعل معك مثل ذلك. فمدحه بقصيدة، ذكر فيها الوقعة التي كانت بينه وبين خفاجة وكسره لها:
ألب قرا البكجي الفارس البطل ال مُغْني بجود يديهِ كلَّ مرتادِ
الذّائذُ، الضّاربُ الهاماتِ، مخترمًا في الرَّوْع آجالَ أبطالٍ وآسادِ
حامي الذِّمار، عزيزُ الجار، همَّتُه إِمّا لكَبْت عدوٍّ، أو لإِحمادِ
يغشى الحروبَ بنفس غير وانية عن الطِّعان، وقلبٍ غير مُنْآدِ
سهلُ الخليقة، ميمون النَّقيبة، مَرْ هُوبُ العزيمةِ، لا باغٍ، ولا عادِ
سطا، فأشبه في إقدامه ملكًا وربمَّا ساد آباءٌ بأولاد
يا خيرَ مَنْ ساد عزًّا في بني بكج سامٍ إلى خير آباء وأجدادِ
إِنّ الخليفةَ مُذْ أدناك منتصرًا أدناك مستيقنًا منكم بإنجادِ
نِداءَ ذي العرش موسى حين أرسله في آل فِرْعَوْنَ يدعوهم بإرشادِ
أوحى إليهِ: أَنِ اضرِبْ بالعصا، فَهَوَوْا في إثمهم، وأراهم صدقَ ميعادِ
واختارك الله للأَعراب مثلَ عصا موسى لِيَفْلِقَهم ضربًا على الهادي
لمَا عبرت إلى غربيّ دجلةَ في جيش من التُّرك سيرًا غير إِرْوادِ
من خيل سلغرَ، لا زالت كتائبهم في الحرب منصورةً، مرهومةَ الوادي
طارت خَفاجةُ في البَيْداء طائشةً خوفًا، تَقاذَفُ من شِعْب إلى وادِ
فاستقدمت للوَغَى كعب وإخوتها بنو كِلاب بإبراق وإرعادِ
والأشقياء بنو حرب وخِضْرِمة وبُحْتُر ورجال غير أوغاد
حتّى إذا ما التقى الجمعانِ في رَهَج أقبلتَ تَخْلِطُ أعناقًا بأجياد
أغرقتهم في بِحار من دمائِهِمُ كأنَّ أرضَهمُ جاشت بفِرْصادِ
أتيت منهم ربيعًا في ديارهِمُ فالطّيرُ ترتَعُ في خِصْب من الزّادِ
وبات يُثني عليك المادحونَ بما أبليتَ ما بين إِتهام وإِنجادِ
وسار ذكرك في الآفاق منتشرًا ذِكرًا يغنّي به الغِرِّيدُ والشّادي
فاشكر هنيئًا مَرِيئًا ما خُصِصتَ به عند الخليفة من شكر وإرفادِ
وله في أبي سعد، عبد الواحد، بن أحمد، بن الحصين صاحب المخزن في الدولة المقتدية، عند عوده من الحج، من قصيدة، منها:
[ ٨٩ ]
وعلَّلْت قلبًا بارتقاب مبّشِرٍ يبّشِر أَنَّ الرَّكْبَ في البِيد مُعْرِقُ
فلمّا بدا وجهُ ابنِ أحمدَ، كبّرت رجالٌ، إلى لُقيانه تتشوَّقُ
وأُفحمت عن بثّ اشتياقي مسرّةً وشاهدُ حالي عن ضميريَ ينطِقُ
فظَلْتُ أقوتُ النَّفسَ ألفاظَه التّي شَفَتْ كِبدًا، للبَيْن كادت تَمَزَّقُ
وأَلْثِمُ أَخفافَ المَطِيّ التَّي خَدَتْ وأرضًا غدت فيها مَطاياه تُعنقُ
فلا روضُ ذاك الأُنس فيها مصوِّحٌ، ولا بُرْدُه ما حنَّت النِّيبُ مُخْلِقُ
لَئِنْ كنت أوحشتَ العِراقَ، لقد غدا ل مَكَّةَ أُنس في القلوب معشَقُ
ونالت بها منك المُنَى، إذ دخَلْتَها ورُحتَ وواديها بفضلك يَنْطِقُ
وأبدى لك البيت الحرام بشاشةً بها أَرَجٌ، من طِيب نَشْرِك، يعبَقُ
ولَمَّا استلمتَ الرّ؟ ُكنَ، زاد بهاؤه وكاد، بما مسَّتْه يُمناك، يورقُ
ولو نطَقت أعلام مكّةَ لاَنْتَشتْ بما عِلمتْ، تُثني عليك وتصدُقُ
وقضَّيْتَ ما قضَّيتَ في كلّ موقف وحجُّك مبرورٌ، وأنت موفَّق
ودونَ الَّذي تخشى، ولا مَسَّكَ الرَّدى، دعاءٌ، بأعناق السَّماء معلَّقُ
يَبيت وجيِدُ الليلِ منه مُمَسَّكٌ ويُضحي ونَحرُ الصُّبحِ منه مُخَلَّقُ
وأورده السمعاني في كتابه الموسوم ب المذيل، وأثنى عليه، وأسند إليه ما روي له عنه من شعره في نظام الملك:
فلو أَنَّ يحيى كان يحيا، وجعفرًا وفَضْلًا لقالوا: عندك الفضل موجودُ
أسأتَ إليهم حينَ أخملت ذكرهم بفعلٍ لَدَيْه بِيضُ أفعالهم سُودُ
وله فيه:
عَمَّ معروفك غربًا، مثلَما عَمَّ شرقًا، وكذا الشّمس تَعُمّ
بأَيادٍ، ملأت كلّ يد، فانثنى يُثني عليه كلُّ فَمْ
خُلِقت يُمناك يُمنًا للورى والمعالي والعَوالي والقلمْ
وله في المدح:
تواضعَ لمّا أَنْ تغلغل رفعةً وعُظمًا، ومن مجد العظيم التَّواضُعُ
ترى عُصَب الأملاك حولَ سريره وكلٌّ له في نخوة العزِّ خاضعُ