المؤدّب البغدادي. من الشعراء المشهورين، مشهود له بالفضل الوافر، وحدّة الخاطر، واختراع المعاني الأبكار، وافتراع بنات الأفكار. كان أوحد عصره، في نظمه ونثره. سلس اللّفظ، رائق المعنى، سلس الأسلوب، ذو الدُرّ الجَلوب، والبِشر الخَلوب.
توفّي يوم الجمعة، رابع عشر جمادى الآخرة، سنة ستّ وأربعين وخمس مئة.
أنشدني الشيخ أبو المعالي الورّاق، قال: أنشدني أبو عليّ بن الأخوة لنفسه، وقد قصد بعض الرؤساء، فاحتجبه:
شكري لمحتجبٍ عنّي بل سببِ خوفًا من المدحِ شكرُ الروضِ للسّحبِ
أعادني والمحيّا ما أُريقَ له ماءٌ وخلّصني من كلفةِ الكذبِ
وله في غلام نصراني، علي ثوبٌ أحمر:
ومُزنّر فتنت محاسنُ وجهِه إذ زار في ثوب كلون العندمِ
ما زال يجهَد في هلاك حُشاشتي متعمّدًا حتى تسربلَ من دمي
عاتبتُه يومَ الفِراق فقال لي أنا لا أرى رَعْيَ الذِّمامِ لمسلمِ
وله من قصيدة في شرف الدين أبي القاسم عليّ بن طراد الوزير، الزّينبي:
أقولُ لأحبابي وللعيسِ وقفةٌ وللبينِ فيما بيننا نظرٌ شزْرُ
هَبوني لعينٍ مات فيكم رُقادُها فليس له فيها حياةٌ ولا نشْرُ
لقد بلغتْ منّا النّوى ما تُريده وفرّقَ ما بيني وبينَكمُ الدّهرُ
بكيتُ على عصرِ الشباب الذي مضى بكاءَ لَبيدٍ ضمّ أرْبدَهُ القبرُ
فأثمر دمعي بالغرام كأنّما عليه لسِيما دمعه ورقٌ خُضرُ
ومنها:
إذا شرفُ الدّين استثار مدائحي تيقّنتُ أنّ الزّهرَ يُنبتُه القَطرُ
يملّى من الأيامِ والمجدِ والعلى مكارمُه شفْعٌ ومحتدُه وِترُ
وأدنيتَني حتى رفعتَ مكانتي كذاك بناتُ البحرِ موضعها النّحرُ
إذا ما رجا الإنسانُ عمرًا لنفسِه رجوتُ لنفسي أن يطولَ لك العمرُ
ومنها:
نوالُهمُ في عاجلِ الحالِ لي غنىً وحبُهُمُ في آجلِ الأمرِ لي ذُخرُ
إليك ابنَ أعراقِ الثرى من قلائدي فرائدَ لا ينشقّ عن مثلِها البحرُ
قصائدُ تأتيكُم بكلّ غريبةٍ وكلّ مديحٍ دون مسموعِها هُجرُ
دقيقُ المعاني فيكمُ غيرُ ضائع كذا في دقيقِ السّلك ينتظمُ الدُرُّ
تحيّر فكري في القَريض فما درى أشعريَ فيك الوصفُ أم وصفُك البدرُ
وله:
خُذْ من شبابِك نورًا تستضيء به فالشّيبُ إصباحُه في اللهوِ إمساءُ
العمرُ عينان عينٌ منه مبصرة مع الشّبابِ وعينُ الشّيبِ عمياءُ
وربّ ليلٍ مريضٍ كنتَ صحّتَه عزّت أواسيهِ أو عزّتْه أدواءُ
يسيرُ فيه وفي قلبي أذىً وضنىً كأنّني دلَجٌ والسّوءُ إسراءُ
والشّهبُ ثغْرٌ وآفاقُ الظّلامِ فمٌ والقذْفُ لفظٌ وضوءُ الماءِ سحْناءُ
حتّامَ عينُك ما تنفكّ جاريةً ماءً ومُقلتُها بالبرقِ قمْراءُ
تضرّم البرقُ فيها وهي باكيةٌ كأنّها قبَسٌ من حولِه ماءُ
وله:
يا حاملَ السّيفِ الصّقيل مجرّدًا في جَفنِه المعشوقِ لا في جفنِهِ
اللهَ في كلِفِ الفؤادِ كئيبِه والنارُ بين ضُلوعِه من حُزنِه
وسجنتَهُ في ناظريك تعمُّدًا لتُميتَه وحويته في سجنِه
وله:
ولما أسرّتْ بالوَداعِ وقد دنت إليّ ودمعي في ثرى الأرضِ واقعُ
هو الدرّ لما أودعته بلفظِه ال مسامعَ ألقتها لدَيها المدامعُ
[ ٣٦ ]
وله في وصف فرس أغرّ محجّل، وقد أجاد:
لبِس الصُبحَ والدُجُنّةَ بُرْدَيْ نِ فأرخى بُرْدًا وقلّص بُرْدا
هذا البيت أنشدنيهِ غيرُ واحدٍ عنه.
وله:
وإنّ شبابًا للغواني مُسالمًا الى النّفس خيرٌ من مشيبٍ مُصانعِ
تفرّقتِ الألاّفُ والحُبّ واحدٌ كما الأذُن أذنٌ وهْي شتّى المسامعِ
وله:
خليليّ صبغُ الليلِ ليس يحولُ وما للنّجومِ الطّالعاتِ أفولُ
خليليّ قُوما فانظُرا هل لديكما لقلبي الى قلب الصّباحِ رسولُ
لعلّ به مثلَ الذي بي من الهوى فتُخفيه عنّي دِقةٌ ونُحولُ
ولما التقينا بين لُبنان فالنّقا وقد عزّ صبرٌ يا أميْمُ جميلُ
ولاحت أماراتُ الوداعِ وبيننا أحاديثُ لا يشفى بهنّ غليلُ
بكيتُ الى أنْ حنّ نِضْوي صَبابةً ورقّ وَجيفٌ للبُكا وذَميلُ
وقال الهوى للبَين فيه بقيةٌ وقال الغواني إنّه لقَتيلُ
وأنشدني الشيخ أبو المعالي الكتبيّ، قال: أنشدني أبو عليّ بن الأخوة لنفسه:
أنا الحمامة غنّت في فضائلكم فكيفَ أرحلُ عنها وهْيَ بستانُ
أخذه من قول ابن الهبّارية:
المجلسُ التّاجيّ دام جمالُه وجلالُه وكمالُه بستانُ
والعبدُ فيه حمامةٌ تغريدُها فيه المديحُ وطوقُها الإحسانُ
وله:
وشاعر تخدُمُه الأشعارُ له القوافي العونُ والأبكارُ
فُرسانُه قد أنجدوا وغاروا في كلّ غارٍ لهمُ مَغارُ
ومنها في غاية اللطف:
أينَ أُهَيلوكِ الألى يا دارُ يبقى الأسى وتنفَدُ الأوطارُ
وقرأت بخطّ السّمعاني أبي سعد: أنشدني الفرج بن أحمد لنفسه:
ما لي وللدّهر لزّتْني إساءتُه كما تُلزّ الى الجرباءِ جرباءُ
أساوِدٌ من مساويه تُناقشني إن فُهْتُ بيضاء فاهت منه سوداءُ
والحظّ يرفعُني طورًا ويخفضُني كأنّني من قَوافٍ وهْوَ إقواءُ
وبخطّه: أنشدني لنفسه من قصيدة:
نعم هذه الدارُ والأنعُمُ أتُنجدُ يا قلبُ أم تُتهِمُ
وقد يستفيقُ هوىً لا يُفيقُ ويشقى الفتى مثلما ينعَمُ
وقفنا وقد ضرعَتْ للنّوى مدامعُ لو أنّها ترحَمُ
وفوق الرِّكابِ غُلاميّةٌ كما ذُعِر الشّادِن المِرجَمُ
تصابِحُ روضًا كأنّ الحبي رَ والوَشْيَ من حوْكه يُرقَمُ
بكت لؤلؤًا كاد لو أنّه تماسَك في جيدِها يُنظَمُ
وشتان ما بيننا في البكا ودمعُك ماءٌ ودمعي دمُ
فقالَ الهوى لدواعي الغرا مِ إنّ بنا هلَكَ المغرَمُ
من الرّكْبِ تلوي سناتُ الكرى رقابَهمُ كلّما هوّموا
يناجون بالمُقَل الفاترا تِ سماءً مسامعُها الأنجمُ
يقصّون من لفَظاتِ الجفو نِ أحاديثَ لو أنّها تفهمُ
وله من قصيدة:
دمي الذي صار مسكًا في نوافجها فكيفَ تنفِرُ عنه وهْيَ غِزلانُ
ومنها:
روضاتُ حسنِك في عينيّ مونِقةٌ تسقى بماء جفوني وهْيَ صِنْوانُ