من أهل دمشق زين الكتاب أبو الحسن علي بن جعفر بن أسد بن علي المعروف بابن الزغلية، قال: جدي جوهري، وأبي صائغ، فلا جرم، ورثتهما في الصناعة والصياغة، والخط والبلاغة، فأنا فيهما مبالغ. منظوم طروسه كالجواهر، وعقود نقوده كالحلي الفاخر، بل كالنجوم والزواهر. شيخ بهي، رواؤه شهي، وخطه مقلي، للعلم طراز وللنظم حلي، لقلمه حلاوة، ولكلمه طلاوة.
كان يكتب كل سنة لنور الدين مصحفًا، ويصير ببره في صرف الصروف عنه متصرفا، خطه كالروض الأنف، والوشي المفوف، والعذار المقتض عذرة الهوى العذري، والزلال الصافي لعين الحائم عند رؤيته في طلب الري. وقد نيف على السبعين، وتوفي بدمشق في شهر رمضان سنة إحدى وسبعين.
وأنشدني بدمشق لنفسه سنة إحدى وسبعين من قصيدة زعم أنه مدح بها الصالح بن رزيك وأنفذها إليه إلى مصر سنة أربع وخمسين وهي:
أَبُثّكما لو أَن نائبة تَعْرو تُفَرَّج بالشكوى إِذا غُلب الصبرُ
ولكنّ داء الحُبِّ أَعيا دواؤه وما لي إِلى ما لست أَغنى به فقر
خليليّ هل أَلفيتُما أَو أَلِفتُما سوى الوصل يشفي داءَ من شفَّه الهجر
دعا للهوى مَنْ تَلْحَيان، فقد دعا مُجيبًا، وكُفّا العَذْل إِن لم يكن عُذر
ستُبدي شؤوني عن شؤونيَ كُلِّها وهل لامرئٍ نمّت مدامعُه سِرّ
وخالبةٍ بالحُسنِ حاليةٍ به مُنىً صدقُها خَتْلٌ وصُحبتها خَتْر
تَشابه جفناها وجسمي وخصرها وجانس منها لفظَها العِقد والثغر
يهون عليها أضن يَعِزَّ رُضابُها بَرودًا على مَنْ حَشْوُ أَحشائه جَمر
مُنيتُ بما يُوهي الجليدَ وحبّذا لو انقاد لي ذا القلب أَو أَصحبَ الفكر
ومنها في المديح:
ولو شئتُ أَعداني على الدهر إِذْ عدا أَميرُ الجيوش المالك الصالح الغَمْرُ
مليكٌ يَعُمّ الأَرضَ واكفُ كفّهِ ففي كل قُطرٍ من سحائبها قَطر
ومنها:
حوى قصباتِ السَّبْق في المجد والعُلى ومَنْ دونَه مِنْ دونِه المَسْلكُ الوَعْرُ
فيُخفِق عن غاياته كلُّ من سعى ويَخفِقُ في راياته العزّ والنصرُ
تمنَّتْ خراسانٌ سياسةَ عدله وتاهت على أَرض العراق به مِصر
ومنها:
وأَكرم نفسًا أِن يُهَزَّ إِلى ندىً وأَكبر قَدرًا أَن يُرى وبه كِبرُ
يميلُ إِلى الشكر الجميل سيادةً ويأْبى، وَقارًا، أَن يَميل به السُّكر
فلا طربٌ إِلاّ على نغم الظُّبى ولا سُكرَ إِلاّ أَن يُرنِّحه شُكر
ومنها:
أَرى ما وراء الحُجبِ عَيْنًا بها عَمىً وأَسْمَعَ ما في النفس أُذْنًا بها وَقْرُ
إِذا ما دجا ليلٌ من الخَطب مُظلمٌ تَبلَّج من إيراء آرائه فجر
ولا عَيْبَ في أَخلاقه غير أَنها صفتْ فَنَقَتْ ظنَّ الورى أَنها الخمر
ولا تِيهَ فيه غير أن يمينه بها أَنَفٌ من أَن يُقاس بها البحر
فقد غمر العافين ساكنُ يَمِّها فما ظنُّهم إِن هاج آذِيُّها الغَمْر
فَمن في النُّهى قيسٌ وفي الجودِ حاتِمٌ وفي عدله كسرى وفي بأْسه عمر
له قلمٌ يَعْنو له مُبرَمُ القضا وتعجِز عن أَفعاله البيض والسُّمرُ
وساحةُ صدرٍ ضاق عن رُحبها الفضا وراحةُ جودٍ شحَّ عن سَحِّها القَطر
ومنها:
[ ٢ / ٢٨٨ ]
مِنَ القوم إِن أَبدَوْا أَعادوا وإِن عَدَوْا أَبادوا، وإِن أَجْرَوْا إِلى غاية جَرّوا
بُحورٌ إِذا أَجدّوْا، بدور إِذا بدَوْا لُيوث إِذا كرّوا، غُيوث إِذا برّوا
إِذا قيل هذا صائلُ الدّهر أَقدموا وإِن عَرضت إِحدى الدّنايا لهم فرّوا
تطيع المنايا والأَمانيُّ أَمرَهم فإِن حاربوا ساءوا وإِن سالموا سرّوا
ومنها:
أَيا كاشف الغماء إِن جلّ فادحٌ ويا مُسبغ النَّعماء إِن مَسّنا ضُرُّ
حفِظتَ ثُغور المسلمين وصانعتْ صروفَ الرَّدى عنهم صنائعُك الغُرُّ
فلا دعوةٌ إِلاّ وأَنت مُقيمها ولا دولةٌ إِلاّ وأَنت لها ذُخر
ولا مُقتِرٌ إِلاّ وأَنت له غنىً ولا مُعْسِرٌ إِلاّ وأَنت له يُسر
ومنها:
فَهُنِّئتِ الأَيّام منك بمالكٍ به انتصر الإِسلام وانخذل الكفرُ
ومنها:
طوتني خطوبٌ للزمان شديدةٌ وأَنت امرؤٌ في كفّه الطيُّ والنَّشْرُ
أَقمتُ على رَغمي وقلبيَ راحلٌ فجاء إِلى عُلياك يعتذرُ الشِّعر
وأنشدني له في الصالح بن رزيك من قصيدة، في سنة ثلاث وخمسين:
مُناصِح الفكرِ في نَجْواك مُتَّهَمُ وفاخر الشّعر مِنْ لُقياك مُحتشِمُ
ومنها:
يا أَيُّها الملك الأَعلى الذي شهدتْ بفضله الأُمّتان العُرْبُ والعجمُ
أَنت الذي بك يَدري من له أَربٌ قَدْرَ الكلام إِذا لم تُعرَف القِيَمُ
شَمْسٌ، وكلُّ ضياءٍ بعده ظُلَمُ بُرْءٌ، وكلُّ صلاحٍ بعده سَقَمُ
ومنها:
وحلّ في صدر دَسْت الملك منه فتىً يستوقف الطَّرْف، في عِرنينه شَمَمُ
حالٍ بِدرِّ المعالي جِيدُ همّته عالٍ على رأسه من مجده عَلَم
يُرجى نَداه ويُخشى حَدُّ سطوته كالغيث والليث، مِفْضالٌ ومنتقم
ومنها:
وهل يخاف صُروفَ الحادثاتِ فتىً أَضحى بحبل أَبي الغارات يعتصمُ
بمطفئٍ جَمراتِ الرَّوْع وهي لظىً تُذْكى بوقع المواضي فهي تضطرم
بخائِضٍ لججَ الهيجاء يسبحها وموجُها من قلوب الدَارعين دم
بمُشْرقِ الرأْي، والآراءُ مظلمةٌ وثابتِ الجَأْش، والأَبطال تصطدم
ومُبْصِر الأَمر، والأَقدارُ تستره عن أَن يراه البصير الحاذِق الفَهِم
غيثٌ إِذا انهلّ روَى كلَّ ذي ظمأٍ له السّماح سماءٌ والندى دِيَم
ليثٌ مَخالبه بيضٌ مُجَرَّدةٌ بُتْرٌ، وسُمْر العوالي حوله الأَجم
ومنها:
يا مالكًا في مواليه له نَعَمُ تَتْرى وعند مُعاديه له نِقَمُ
ومنها:
فمن يناوئك في هذا الأَنام وفي يمينك الماضيان: السيف والقلمُ
أَمْ مَنْ يباريك في حزمٍ ومأْثَرَةٍ وعندك المُسْعِدان الرأْي والحِكمُ
ومنها:
إِنّي أُجِلُّك أَن أَلقاك مُشتكيًا إِلى عُلاك همومًا كلّها هِمَمُ
أُغالط النفسَ بالتسويف في زمني فعَيْن حاليَ تبكيني وأَبتسم
وكم معافىً تروق العينَ صورتُه وحشْوُ أَحشائه من همِّه أَلَمُ
وإِن قضى لي بتأخير الندى ومضى فمُقتضيك العُلى والجود والكرم
وأنشدني له من قصيدة يهنئ فيها ببرء الملك العادل نور الدين ﵀:
بُرءٌ أَبرَّ على إِرواءِ باكرةً من السّحائب ظمآنَ الثرى جَدِبا
شفى به اللهُ مجدًا قد أَلَمَّ على شَفًا، وأَحْيا حيًَا أَبلَلْتَ فانسكبا
ومنها:
يا أَفصح العَرب العَرْباء قاطبة وإِن غدا لملوك التُّرك مُنتسِبا
ما جال طرفُ الكرى في جفنِ مأْثَرَةٍ حتى تصرّم عنك الداءُ وانجذبا
[ ٢ / ٢٨٩ ]
عفَّتْ عوافيك آثارَ الهموم فما أَبقت لها في فيافي فكرةٍ أَربا
وردَّ دونك، نورَ الدين، قاصرةً أَيدي المُلِمِّ أَيادٍ تُخْجِل السُّحُبا
يا رحمةً عمَت الإِسلام قاطبةً ونعمةً خصّتِ الأَهلين والقُربا
حاشا جمالك أَن يكساه طيفُ ضنىً وثوب عزِّك أَن تُنضاه مُسْتَلَبا
ولا عَرَتْك من الآلامِ حادثةٌ تَضْحي لها عن عيون الناس مُحْتَجِبا
ومنها:
وعش مُنيلَ ذوي ودٍّ، مُبيدَ عدىً ما شئت، مَرْجُوَ آلاءٍ، مَخُوف شَبا
إِن أَمَّ سعدَك طرفُ الحادثات كبا أَوْ رام مجدَك نابُ النائبات نبا
وأنشدني له من قصيدة في نور الدين محمود بن زنكي ﵀ وكان قد أهدى له مصحفًا بخطه:
يا جُنَّةً إِن رماني سهمُ حادثةٍ وجَنَّةً ليَ إِن خُوِّفتُ بالنارِ
وفي القناعة لي عِزٌّ أَصولُ به لكنّ عائلتي يهوَوْن إيساري
إِذا ذكرتُ لهم فضل القناعة لم يسمَعْن وعظي ولم يقبلْن أَعذاري
وليس لي شافع أَرجو النجاة به سوى كتاب عظيمِ المُلك جبّار
لو أَن حظّي كخطّي كنت أَكسِب من دون الورى كلَّ يومٍ أَلف دينار
فليت حظّي كخطّي في ملاحته وليت رزقي كآدابي وأَشعاري
زيادةُ الحِذْق نقصُ الرزق فارْضَ بما تُؤْتى ولا تتكفّر فِعْلَ كفار
وقد طوى الله سرّ الغيب مقتدِرًا عنا لنيفذ فينا حُكمه الجاري
يقوى رجائي وفرطُ اليأْس يَضعِفُه فتنقضي مُدَّتي في غير إِيثاري
ذقتُ النعيم وذُقت البؤس في زمني فما وفى ليَ إِحلائي بإِمراري
واحَسْرتا لتقضّي العمر في لعبٍ أَقضي ولم أَقضِ أَغراضي وأَوطاري
عسى إِلهي، إِذا ما مِتُّ، يغفر لي فإِنه خير مَنّانٍ وغفّار
وأنشدني له في المؤيد ابن العميد بدمشق من قصيدة:
وله من ضوامر الصُّمِّ رُقشٌ جارياتٌ بوعده والوعيدِ
فإِذا نمنم الكتابة في الطِّرْ س أَرانا وشيًا كوشي البرود
وإِذا أَنشأَ الكلام ووشّا هـ شأى فيه فنَّ عبدِ الحميد
وأَبو الفضل ابن العميد مُقِرٌّ ذو اعترافٍ بالفضل لابنِ العميد
وله في القريض غُرُّ مَعانٍ حار فيها الوليد وابنُ الوليد
وأَيادٍ من الصنائع بيضٌ تَسترقُّ الأَحرار رِقّ العبيدِ
عرَف العارفون فضلك بالعلم وقال الجُهّال بالتقليد
وأنشدني له من قصيدة في مدح القاضي كمال الدين ابن الشهرزوري:
بكُتْبك تَنْفَلُّ الكتائب نُكَّصًا مُنَكَّسةً راياتُها لا تُعَقِّبُ
إِذا تُليت خال العدوُّ كلامها كِلامًا، وما عنها فؤادٌ مُحَجَّبُ
وأَقلامُك اللاتي بها تَصْدَع القنا وتقضي على حدِّ السيوف وتقضِب
إِذا ما علت فوق الطُّروس حِسبتها خطيبًا على أَعلى المنابر يخطب
بأَسودِها تبيذُّ كلُّ مُلِمَّةٍ وتخضرُّ منها الأَرض، والعامُ أَشهب
وما طاب في الأَرض العريضة نفحةٌ لِعِرْض امرئٍ إِلاّ ونَشْرُكَ أَطيب
وأنشدني له من قصيدة في كمال الدين ابن الشهرزوري:
أَصلى فؤادَك ذكرُه أَهلَ الغضا لمّا استقلَّتْ عيسُهم جَمْرَ الغضا
وحدا بركبهمُ شُروقًا سائقٌ عَجِلٌ، إِذا وَنَتِ الركائبُ حَرّضا
وظللتَ تَتْبَعُهم وقلبك خافقٌ كالبرق في جُنح الدُّجَنَّةِ أَوْمضا
ودموع عينك قد مَرَتْها زَفْرةٌ مُذْ خَيَّمَتْ رَحَلَ السّرورُ وَقُوِّضا
وبأَيْمُن الأَظعان في اَحْداجهم نَجْلاءُ يَشْهَر لحظُها سيفَ القضا
[ ٢ / ٢٩٠ ]
غرّاءُ تحكيها الغزالة في الدُّجى نُورًا ويحكيها الغزال تَعَرُّضا
ميّالةُ الأَعطاف ناعمة الصِّبا لو لامستْ حجرًا أَصمَّ لَرَوَّضا
فتانةٌ مِلء المجاسد، أَوْدَعَتْ في القلب داءً للمنيَّة عرّضا
نجني الشقيقَ مُذَهَّبًا من خدِّها بلحاظنا، والأُقحوانَ مُفَضَّضا
صَدَّ وشطّ مزارها وتنكَّرت وغدا مُمَرَّ عهودها مُتنَقَّضا
قد كنت جارًا يا هنيدةُ برهةً ما بين كاظمةٍ إِلى ذات الأَضا
لَهْفي على زمنٍ بقُرْبكِ فاتني يا ليتني استقبلت منه ما مضى
واهًا لدهر غالنا بصُروفه وأَعارنا إِحسانه ثم اقتضى
فسقى زمانَ وصالنا مُتراكِمٌ كندى كمال الدين أضعني المرتضى
ومنها:
لو لم يكن لِبنانه شِيَمُ الحيا ما أَزهر القِرطاسُ منه ورَوّضا
ما جاش في صدر المُلَطَّف صدره إَلاّ ظننت الجيشَ قد ملأَ الفضا
ومنها:
قومٌ إِذا عبس الزّمان تهلّلوا بمكارمٍ زَخَرت بحورًا فُيَّضا
شرعوا على دين السماح شريعةً قضتِ المكارمُ أَن تُسَنّ وتُفْرَضا