أبو المظفّر محمد بن محمد بن الحسين بن خزَمِّي الإسكافي. من أهل بغداد، شيخ من باب الأزَج. كان أيامَ الوزير عليّ بن طِراد.
وكان لي صديق من أهل باب الأزَج، يقال له الكافي أبو الفضل، ووعدني أن يمع بيني وبينه، فما اتّفق ذلك. وحمل إليّ بخطّه هذه الأبيات:
مدامعُهُ تُغرِقُ وأنفاسُه تُحرِقُ
وما ذاك أعجوبةٌ كذا كلّ من يعشَقُ
بنفسي شهيّ الدّلا لِ إن مرّ بي يُطرِقُ
فأُغضي له هيبةً وقلبي جوى يخفِقُ
بوجهٍ كشمسِ الضُحى أساريرُه تبْرُقُ
أكادُ لإشراقِه إذا ما بدا أصعَقُ
إلامَ أداري الجوى وأمحَضُ مَن يمذُقُ
وأُشفِقُ من لوعة الص : دود ولا يُشفِقُ
سِهامُ لِحاظِ الحبي بِ في كبِدي تُرشَقُ
وكاتبٌ خطّ العِذا ر في خدّه يمشُقُ
وهذه الأبيات:
[ ٦١ ]
لي حبيبٌ لانَ عِطْفا ليتَه قد لان عَطْفا
إنّ قلبي من هواه في حريقٍ ليس يُطْفا
أشتهي تقبيلَ عيني هـ وصحنِ الخدِّ ألفا
ثمّ ضِعفَ الشّفعِ والوَتْ رِ وضِعفَ الضِّعف ضِعْفا
ثم طالعت مجموعًا، فوجدت له فيه هذه الأبيات المقطّعات، فمنها:
مَن لنَجِيّ الفِكَرِ مَن لحليفِ السّهَرِ
منْ للمَشوقِ المستها مِ الوالِهِ المُستَهتَرِ
من للجفونِ قرّحت بدمعها المنهمرِ
من لفؤادٍ نارُه راميةٌ بالشّرَرِ
واهًا لقلبي من هوىً دهاهُ بعد الكِبَرِ
واها له من خاطرٍ أسلمني للخطرِ
واهًا له من موردٍ سهلٍ عسيرِ المصدِ
أيُظلِمُ القلبُ وقد أشرق صبحُ الشّعَرِ
جارَ عليّ الحبّ وال حُبّ لئيمُ الظّفَرِ
ومن يذُقْ ما ذُقتُه من الغرامِ يعذرِ
سباه ممشوقُ القوا مِ بابليّ النّظَرِ
أهيفُ مهضومُ الحشا كالصّارمِ المذكّر
يَبسِمُ عن مفلّجٍ مرتّلٍ مؤشّرِ
وشفَتَيْن شفّتا كالأرجُوان الأحمرِ
وخاتم الحسن الذي عِيلَ به مُصطَبَري
يا حبّةَ القلبِ المَشو قِ يا سَوادَ البصَرِ
ليَبلُغنّ الحبُ بي ما لم يَسِرْ في خبرِ
حتى يقولَ قائلٌ كان أبو المظفّرِ
ومن أخرى:
لطفُ الخصورِ المُخطَفَهْ والطُرَرُ المُصفّفَهْ
والوجناتُ البضّة ال مُشرِقةُ المترّفَهْ
ولينُ أغصانِ القُدو دِ اللّدْنةِ المُهَفْهَفهْ
أبقت قلوبَ العاشقي نَ صبّةً مختطَفَهْ
فكم مريضٍ مدنَفٍ شِفاؤهُ لثمُ الشّفَهْ
ولا يبالي أن يُع دّ فعلُه من السّفَهْ
قالوا له الهائمُ لا يردعُه من عنّفَهْ
ولا نصيحٌ مُشفِقٌ هدّدَهُ وخوفَهْ
والنّفسُ للإنسان إن أنصفَ غيرُ منصِفَهْ
يحظى بما قدّمه وهمّه ما خلّفَهْ
وإنّما الدُنيا غرو رٌ خدَعٌ مُزَخْرفَهْ
مثلُ حُطامِ الزّرعِ تذْ روهُ رياحٌ مُعصِفَهْ
بعدَ أنيقٍ ناضرٍ أزهارُه مفوّفَهْ
ومن أخرى:
هاج له ذِكرَ الصّبا نسيمُ أنفاسِ الصّبا
وعادهُ عيدُ الجوى فبتَ صبًّا وصِبا
ولم يكن بعدَ النُهى أولَ ذي شيبٍ صبا
لله ريْعانُ الشّبا بِ زائرًا ما أعجبا
أودتُه مآربي إذ لستُ أعصي أرَبا
ومن أخرى:
يا لجآذرِ العِينِ فِتنتي وتَحْييني
ما تزالُ تقتُلُني تارةً وتُحييني
والمُنى تقرّبُني والحِذارُ يُقصيني
والوصالُ ينشُرُني والفراقُ يَطويني
والبِعادُ يُمرِضُني والدنوّ يَشْفيني
يكرهُ النّصيحةَ في غِلظةٍ وفي لينِ
والمحبّ حالتُه حالُ الجانين
والفراقُ أقتلُ من وقعِ ألفِ زُوبِين
والحبيُ أحسنُ من زهرةِ البساتينِ
وله في الزُهد:
أستغفرُ الله الكريمَ الغفّارْ الواسعَ العفوِ الحليمَ السّتّارْ
على هَناتٍ سلَفت وأخطار لم يرتكبْها قطّ أهلُ الأخطار
طوبى لمن عقّبَه باستغفارْ فإنّ من شرِّ الذّنوبِ الإصرارْ
يُضِرّ بالمذنِبِ أيَّ إضرارْ إذ كان يُنسيه العظيمَ الجبّارْ
[ ٦٢ ]
وهم كما قال العزيزُ القَهّارْ فيهم فما أصبرَهُم على النّارْ
سيعلَمون مَنْ له عُقْبى الدّارْ