بن عبد الله بن شعيبان البغدادي الشاعر
كان شاعرًا بليغًا مُجيدًا، حسن الشّعر، رقيقه.
يسكن سوق الثّلاثاء. أعور.
سمعت شيخنا عبد الرّحيم بن الأخوة البغدادي، بأصفهان، يقول: كان له شعر حسن، وكان من مادحي سيف الدّولة صدقة بن منصور.
قال: أنشدني أكثر أشعاره، فما وجدت فيها أحسن من قوله في الخمر:
ومُدامةٍ كدم الذّبيحِ سخا بها للشّرْبِ من لهَواته الإبريقُ
رقّت، فراقَ بها السّرورُ ولم تزلْ نُطَفُ السّرورِ ترقّ حين تروقُ
حتى إذا ضحِكَ الزُجاجُ لقربها منه بكى لفراقها الرّاووقُ
وقوله:
يا جاحدي فضلي وقد نطقت بفضائلي بدَهاتُه عنه
هل أنت إلا البدرُ توضحُه شمسُ الضّحى وكسوفُها منه
وقوله:
ما لي إذا أنا لُمْتُ أُسرةَ مزْيَدٍ والغُرّ من سرَواتهم لم أُعذَرِ
أم ما لقلبي كلّما كلّفتُه صبرًا على فعَلاتِهم لم يصبِرِ
وإذا هممتُ ببسط عذرِهمُ على منعي وهم سُحُبُ النّدى لم أقدِرِ
وقوله في رقّاصة:
رقّاصتي هذه لخفّتها تكادُ تحت الثّيابِ تنسبكُ
خفيفةُ الجسم ما لها كفَلٌ يُثقلُها شحمُه ولا وَرِكُ
كأنّما الأرضُ تحتها كُرةٌ تحمِلُها وهي فوقَها فلَكُ
وقوله في صفراء:
أنت يا لائمي على شعَفِ النّف سِ بحبّ الوليدةِ الصّفراءِ
[ ٤٣ ]
لا تلُمْني على صبابةِ قلبٍ ملكته مولّداتُ الإماءِ
أيما في العيون أحسنُ لونًا صفرةُ الرّاحِ أم بياضُ الماءِ
وقوله:
فتى من نَداهُ الغمْرِ يسترسلُ الحَيا ومن وجهه الميمونِ يطّلعُ البدرُ
وما سلّ سيفَ العزمِ إلا تجعّدت سِباطُ القنا واحمرّتِ الأنصُلُ الخُضرُ
هو البحرُ يحلو في فم الخلقِ طعمُه ويصفو وماءُ البحرِ ذو كدرٍ مُرُّ
وقوله:
أراك إذا عددتَ ذوي التّصافي وجدتَهُم أقلّ من القليل
كماءِ البحرِ تحسِبُه كثيرًا وقلّته تبينُ مع الغليلِ
ذكر صديقنا عمر بن الواسطيّ الصّفّار - ببغداد - سة إحدى وستّين، قال: دخلت على ابن حيدر الشاعر في أيام المسترشد، وأنا صغير، وعنده جماعة يعودونه في مرضه الذي مات فيه، وهو يُنشد، فحفظتُه بعد ذلك من بعض الحاضرين:
خليليّ هذا آخرُ العهدِ منكمُ ومني فهل من موعدٍ نستجدّهُ
لأنّ أخاكم حلّ في دار غُربةٍ يطولُ بها عن هذه الدّارِ عهدُه
فلا تعجَبوا إذْ خفّ للبَينِ رحلُه وقد جدّ في إثر الأحبّةِ جِدّهُ
على أنّ في الدّارينِ تلك وهذه له صاحبٌ يهْوى وإلفٌ يودّهُ
وقد أزمع المسكينُ عنكم ترحُّلًا فهل فيكمُ من صادقٍ يستردّهُ
وأُنشدت له ببغداد:
خفِ الأمرَ وإنْ هان ولا يطْغَ بك الشِّبْعُ
ولا تُصْدِ بك الكل فةُ ما يصقُلُه الطبْعُ
فقد يُخشى من الفأ ر على من عضّهُ السّبْعُ
وله في سيف الدولة:
هواء بغداد أشهى لي ودجلتُها أمرا لغلّةِ صدري منك يا نيلُ
لو لم يكن فيك من دودانَ بحرُ ندىً إنعامُه في بني الآمالِ مبذولُ
تاجٌ ولكن على العلياءِ منعقدٌ سيفٌ ولكن على الأعداءِ مسلولُ
وله من قصيدة في سيف الدولة صدقة، أوّلها:
خُذ بي على قطَنٍ يمينا فعسى أريك به القَطينا
حتّى إذا طلَعت به ال أقمارُ رنّحتِ الغصونا
يُخلِفْن ميعادَ الوفا ءِ لنا ويمطُلْنَ الدّيونا
من كلّ ذاتِ روادفٍ كالرّملِ رجرجةً ولِينا
منْطَقْن بالنّحَفِ الخصو رَ وصُنّ بالتّرفِ البطونا
وأقَمن من تلك العُيو نِ على خواطرِنا عُيونا
ومنها:
يا بانةَ العلَمَين من قرَنٍ كفى بكِ لي قرينا
أأمِنتِ داعيةَ الصّبا بةِ لي وقولَك لي يمينا
وعليّ أيمانٌ مغلّ ظةٌ أُجلُّك أن تَمينا
أنْ لا أعُدّ سوى مَعي نِ الدّمعِ بعدَك لي مُعينا
ومنها:
يا من تسمّح للعوا ذِل بي وكنتُ به ضَنينا
أحسنتُ ظنّي في هوا ك فلِمْ أسأتَ بي الظّنونا
قد كان ما قد كنتُ خِفْ تُ من التّجنّبِ أن يكونا
ورأيتُ فيك قبيحَ ما ظنّ الوُشاةُ بنا يقينا
حتى كأنّك كنتَ لل هِجرانِ للواشي ضَمينا
ولقد دعوتُك قبلَ غد رِك بي على قلبي أمينا
جرّدتَ من حدَق القِيا نِ ظُبًا ذعرْتَ بها القيونا
حدَقًا جعلتَ فتورَ أع يُنِها لأنفسنا فُتونا
وجعلْتَ من تلك الجفو ن على قواضبها جُفونا
أو لم تخفْ سيفًا تخو نَ حدّهُ الزّمنَ الخؤونا
سيفٌ تقُدّ صدورُه قمَمَ الفوارسِ والمُتونا
وأنشدني - ببغداد - مَن نسبه إليه في الخمر:
مرحبًا بالتي بها قُتِل اله مُّ وعاشت مكارمُ الأخلاقِ
وهي في رقّة الصّبابةِ والشّو قِ وفي قسوةِ النّوى والفِراقِ
لستُ أدري أمن خُدودِ الغواني سلبوها أم أدمعِ العُشّاقِ
[ ٤٤ ]