القيسراني العكاوي
ولد بعكا، بلدة على ساحل بحر الروم، سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، ونشأ بقيسارية فنسب إليها، ثم انتقل عنها بعد استيلاء الأفرنج على بلاد الساحل.
صاحب التطبيق والتجنيس، وناظم الدر النفيس، ملك القبول من القلوب والرغبة من النفوس، وأحب اللحاق بابن حيوس. سار شعره، وسافر إلينا ذكره، وغلا في سوق الأدب دره، ونفقت في متجر الرغائب غرائبه، واتسعت في مضمار القريض مذاهبه، وجادت بالبلاغة السحبانية سحائبه.
ذكره مجد العرب العامري وأثنى عليه وعلى ابن منير، وقال إنه أخذ من كل علم طرفا، فنظم من الأبيات الأفراد طرفا. فمن ذلك بيت أنشدنيه، ألم ببيت المعري فيه، الذي شبه كلف البدر بأثر اللطم وهو:
ألست ترى في وجهه أثر اللطم
فأخذه القيسراني وشبهه بأثر الترب، في قوله وقد أحسن في النعة والمعنى، وهو:
وأَهوى الذي يَهوِي له البدرُ ساجدًا أَلست ترى في وجهه أَثر التُّرْبِ
وأنشدني الفقيه علي الخيمي الواسطي بها، سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، قال: أنشدني القيسراني لنفسه بحلب بيتًا من قصيدة استدللت به على معرفته بالمنطق وكلام الأوائل، وقد أعجز وأعجب، وأبدع وأغرب، وهو:
إِذا كانت الأَحداق ضَرْبًا من الظُّبى فلا شكّ أَنّ اللحْظَ ضربٌ من الضَّرْبِ
قوله: ضرب من الضرب، ضرب من الضرب، بل أحلى منه عند أهل الأدب، ونوع من محدثات الطرب، والقاضيات بالعجب، وما أحسن وقوع هذا التجنيس موقعه، ووضع المعنى فيه موضعه، حتى قلت في هذا البيت ما أصنعه.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
وأنشدني له الفقيه ابن الخيمي قطعة مجنسة في لطافة الهواء، مالكة رق الأهواء، خلصت من كلفة التكلف، وصفا مشربها عن قذى التعسف. فالأشعار المتكلفة المصنوعة، قلما يتفق فيها الأبيات المطبوعة، إلا أن يخص الله من يشاء بالخاطر العاطر، والفكر الحاضر، والقريحة الصافية، والآداب الوافرة الوافية، وربما يندر للناظم مقطعات يرزق فيها القبول، كهذه القطعة للقيسراني التي تسلب العقول، وهي:
لا يَغُرَّنَّكَ بالسّيف المَضاءُ فالظُّبا ما نظرت منه الظِّباءُ
حَدَقٌ صِحّتها عِلّتها ربّما كان من الدّاءِ الدّواءُ
مُرْهَفاتُ الحَدّ أَمهاها المها وقضاها للمحبّين القضاءُ
خَلِّ ما بينَ دُماها ودَمي فعلى تلك الدُّمى تجري الدِّماءُ
بَزَّني مَن في يدي ما في يَدي يا لَقَوْمي أَسرتني الأُسَراءُ
في لِقاء البيض والسُّمْر مُنىً دُونها للبيض والسُّمر لِقاءُ
دلوِ أَنفاسي بأَنفاسِ الصَّبا فلتعليل الهوى اعتلَّ الهواءُ
كيف تُشْفى كبدٌ ما برِحَتْ أَبدًا تأْوي إِليها البُرَحاءُ
يا نديميَّ وكأْسي وَجْنَةٌ ضرَّجتها باللِّحاظ الرُّقباء
لا تَظُنّ الوردَ ما يَسْقي الحَيا إِنما الوَردُ الذي يسقي الحياءُ
وأنشدني له أخرى مطبوعة مصنوعة:
أَترى فَوَّق سهمًا من حُسامِ يا لَهُ مِنْ ضاربٍ باللحظ رامِ
لحظات بِتُّ منها طافحًا أَيُّ سُكرٍ دام من أَيِّ مُدامِ
وبأَكناف المُصَلّى جِيرَةٌ لا يُجيرون مُحِبًّا من غَرامِ
شَغَلوا كلَّ فُؤادٍ بهوى وأَمالوا كلَّ سَمْعٍ عن مَلامِ
وأَباتوا كلَّ قَلْبٍ شاردٍ مِنْ هَواهم في عِقال وزِمامِ
ما عليهم لو أَباحوا في الهوى ما عليهم من صِفات المُستَهامِ
مِنْ خصورٍ وَشَّحوها بالضَّنا وعُيونٍ كحلوها بالسِّقامِ
وحكى الفقيه عبد الوهاب الدمشقي ببغداد سنة خمسين وخمسمائة قال: دخل القيسراني سنة أربعين وخمسمائة بلد أنطاكية لحاجة عرضت له فنظم مقطعات، يشبب فيها بأفرنجيات. فمنها قوله في أفرنجية يصفها بزرقة العين:
لقد فَتَنَتْني فرنجيّة نسيمُ العبير بها يَعْبَقُ
ففي ثوبها غُصُن ناعمٌ وفي تاجها قمرٌ مُشْرِقُ
وإِن تك في عينها زُرْقة فإِنّ سِنان القنا أَزرق
ومنها يصف أنطاكية:
واحَرَبا في الثُّغور من بلدٍ يضحك حُسْنًا كأَنه ثَغَرُ
ترى قصورًا كأَنها بِيَعٌ ناطقة في خِلالها الصُّورُ
هالات طاقاتِهن آهلةٌ يَبْسِم في كلّ هالةٍ قمرُ
سَوافرٌ كلّما شَعَرْنَ بنا بَرْقَعهنّ الحَياءُ والخَفَرُ
مِن كلّ وجهٍ كأَنّ صورتَه بدرٌ، ولكنّ ليلَه شَعَرُ
فهو إِذا ما السُلُوّ حاربَهُ كان لتلك الضفائِر الظَفَرُ
فيا عَذولي فيهن، دعْ كَلَفي وانظر إِلى الشمس هل لها طُررُ
وكُنْ مُعيني على ذوي خُدَعٍ إِن سالم القلبُ حارب النظرُ
سِرْتُ وخَلَّفْتُ في ديارهُمُ قلبًا تمنّيت أَنَّهُ بصرُ
ولم أَزل أَغْبَطُ المُقيمَ بها للقرب، حتى غَبِطَت مَن أُسِروا
ومن ذلك في كنيسة السيدة، وهي قبة شاهقة للنصارى بأنطاكية:
متى عُجتَ يا صاح بالسَّيِّدَهُ فَسَلْ عن فؤاديَ في الأَفئِدهْ
وقلبك حذّره عن أَن يصاد فإِنّ بها للهوى مَصْيَدَهْ
وجوهٌ تُباهي قناديلَها ببهجةِ نيرانها الموقدَهْ
ترى كلَّ مُستضعَفٍ خصرُه إِذا ما دعا طرفَه أَنجَدَهْ
[ ٢ / ٢٣٦ ]
وذات روادِف عند القيا م تحسَبها أَنها مُقْعَدَه
وبدر، من الشَّعْر في غاسق يضاحك أَبيضهُ أَسودهْ
قيا ليَ من ذلك الزَّبْرِقا ن إِذا زَرْفَنَ الليلَ أَو جعَّدَهْ
محلّ خَيالٍ إِذا ما رأَيت أَمردَه، قلت: ما أَمردَهْ
به كل نَشوانةٍ لحظُها يطرق بين يَديْ عربَدَهْ
صوارمُ قاطعةٌ في الجفو ن فهي مُجرّدةٌ مُغمدَهْ
فها أَنا مَن في سبيل الغرا م أَورده الحبُّ ما أَوردَهْ
فهل لِدَمٍ فات من طالبٍ وهيهات أَعجز يومٌ غَدَهْ
وكيف يُجازى بقتل النفو س من لم يمدّ إِليها يَدَهْ
ومن ذلك في جارية حسناء اسمها ماريا تغني بالدف، خفيفة الروح في نهاية اللطف، ومن أصواتها التي تغايظ بها النصارى وتستميل بها قلوب المسلمين:
علِقتُ بحبلٍ من حبال مُحمَّدٍ أَمِنتُ به من طارق الحَدَثانِ
فقال فيها بعد البعد عنها:
أَلا يا غزال الثَّغرِ هل أَنت منشدي علقتُ بحبلٍ من حِبال مُحمّدِ
ويا هَلْ لِذاك اليوم في الدّهر ليلةٌ تعودُ ولو عادت عقيمًا بلا غدِ
فأَلقاك فيها هادي الكأْس حاديًا وحسبك من ساع بها ومُغَرِّدِ
أَلا حَبّذا عاري المحاسن عاطلٌ مُحَلّى بأَثواب الملاحة مرتدِ
إِذا ما الأَماني ماطلتني بوَعْدها ذكرتُ له وصلًا على غير موعدِ
وعهدي بماريّا سقى الله عهدها بما عندها من حاجة الهائِم الصَّدي
وفي ذلك الزُنّار تمثالُ فضّةٍ تُنَقِّطُ خدَّيْه العيونُ بعَسْجَدِ
وقد غلب المصباحُ فيه على الدُّجى سنا قميرٍ في جُنح ليلٍ مجعّدِ
وكنت إِذا عِفْتُ الزجاجةَ مَوْردًا سقتْني رُضابًا في إِناءٍ مورَّدِ
فيا ليَ من وجهٍ كقنديل هيكلٍ عليه من الصُّدغين مِحْرابُ مَسجِد
لقد أَسرتني حيث لا أَبتغي الفدا فقلْ في أَسيرٍ لا يُسَرّ بمفتدي
وقد قصد بقصائده، ووفد بفوائده، واسترفد بفرائده، ووصل إلى الموصل، لجتداء الجواد المفضل، منبع الجود، ومقصد الوفود، والبحر المورود، ومعدن الإفضال، وقبلة الإقبال، وكعبة الآمال، وكهف الملهوفين، وموئل المعتفين، وثمال المستضعفين، الذي لم يسمع له بقرن في القرون الماضية، ولم يسمح الزمان له بمثل في العصور الخالية، ذي الآلاء المتلألئة المتوالية، مستعبد الأحرار بإحسانه الغمر، ومطوق الأعناق أطواق البر، الجامع بين كسب الحمد والأجر، الصدر الكبير، الوزير جمال الدين أبي جعفر محمد بن علي بن أبي منصور، فنظم قصائد راغبًا في جميل الجمال، وأم بها فناءه في جملة بني الآمال، ولم يزل يفد إليه ببضائعه، ويستفيد من صنائعه، ويستكثر من مدحه، ويستمطر مزن منحه، فتنجح مقاصده عنده بقصائده فيه. وقد أثبت منها ما عقدت عليه خنصر الاختيار، وثنيت إليه عنان الانتقاد، فذاك أجود ما سمعت من منظومه في الأفاضل، وأذعت من مكتومه في الفضائل. فمن جملته ما أنشدنيه الواعظ الرحبي في مدحته له، وذكر أنه أنشده بالموصل:
ليت القُلوب على نظام واحدِ لِيذوقَ حَرّ الوجد غيرُ الواجدِ
فإِلامَ يَهْوى القلْبُ غيرَ مُساعِفٍ بِهَوىً، ويَلْقى الصبُّ غيرَ مساعِدِ
نِمْتُمْ عن الشّكوى وأَرَّقني الجَوى يا بُعدَ غايةِ ساهرٍ من هاجدِ
أَضللتُ قلبًا ظلّ يَنْشُد لُبّهُ مَنْ لي بِوجدان الفقيد الفاقدِ
ونهت مدامعي الوشاةُ فرابَهُم شاكٍ صبابَتَه بطرفٍ جامدِ
ولو أنهم سمعوا أَلِيَّةَ عَبرتي في الحبّ لاتَّهَمُوا يمين الشاهدِ
أَشكو إِليك فهل عليك غضاضة يا مُمْرِضي صَدًّا لو أنك عائدي
[ ٢ / ٢٣٧ ]
يا مَنْ إِذا نمتُ أَوقع بي الكرى غَضَبًا لِطَيْفِ خياله المتعاهِدِ
أَمّا الرُّقاد فلو يكون بصحةٍ ما كان ناظرك السقيم براقدِ
أَهوى الغصون وإِنما أَضنى الصَّبا شوقُ النسيم إِلى القضيب المائِد
ويَهيجني برق الثغور وإِن سما في ناظريّ خلال غيث ساهدِ
بَكَرتْ على بالي الشّبابِ تلومُهُ عَدّي الملامةَ عن حَنين الفاقدِ
ما زال صَرْفُ الدَّهْرِ يَقْصِر هِمَّتي حتّى صرفتُ إِلى الكرام مَقاصدي
وإِذا الوفود إِلى الملوك تبادرتْ فعلى جمال الدين وفدُ محامدي
فَلْتَعْلَمَنْ ظُلَمُ الحوادث أَنني يمَّمتُ أَزهرَ كالشِّهاب الواقدِ
يُمْضي العزائمَ وهي غيرُ قواطعٍ ما السّيف إِلاّ قوةٌ في الساعدِ
باقٍ على حكِّ الزّمان ونقدهِ ومن الصحيح على امتحان الناقدِ
يلقاكَ في شرف العُلى مُتواضعًا حتى تَرى المقصودَ مثلَ القاصد
وإِذا دنت يمناه من مُسْترفِدٍ لم تَدْرِ أَيُّهما يمينُ الرّافدِ
أُمْنِيَّةٌ للمُعتَفي، وَمَنِيَّةٌ للمعتَدي، وشريعةٌ للواردِ
وَلِعٌ بأَسهُم فكره، فإِذا رمى أَصْمى بها غرض المدى المتباعدِ
يتصرف المتَصرّفون بأَمرِه عن حُكْم أَمرٍ نافذٍ لا نافدِ
لا تحسَبوا أَني انفردتُ بحَمْدِه هيهاتَ، كم لمحمَّدٍ مِنْ حامدِ
يا مُسْتَرِقَ الماجدين بفضلِه والفخرُ كلُّ الفخر رِقّ الماجدِ
أَقلامُكَ القدَرُ المُتاحُ فما جرى إِلاّ جرت بفواقرٍ وفوائدِ
مِنْ كلّ أَرقَشَ مستهِلٍّ، ريقُه أَفواه بيضٍ أَو ثغور أَساودِ
تُزْجي كتائبُه الكتائبَ تلتظي لَهَبًا أَمام مُسالِم لمُعانِدِ
كم مِنْ وَلِيٍّ قَلَّدَتْهُ ولايةً عقد اللِّواءَ لها ثناءُ العاقدِ
حتّى إِذا سَلَك العَدُوُّ سبيلَها فعلى طريق مَكامِنٍ ومكائدِ
تستام أَمثالَ الكلامِ شواردًا فتبيتُ عندك في حِباله صائدِ
تلك البلاغة ما تُمُلِّك عفوُها بِيديْك إِلاّ بَذّ جهدَ الجاهدِ
ولقد لَحَظْتَ الملكَ مَنْهوب الحِمى مِنْ جانبيْه فكنتَ أَوّلَ ذائدِ
ربَّيتَ بَيْت المالِ تربيةَ امرئٍ يحنو عليه بها حُنُوَّ الوالدِ
أَشعرتَ نفسَك مِنْهُ يأْسَ نَزاهةٍ ومنحت هَمَّك منه بأْس مُجاهدِ
فَممالِكُ السّلْطان ساكنةُ الحَشا مِنْ بعدِ ما كانتْ فريسةَ طاردِ
عطفتْ على يدك المساعي رَغْبةً نظرت إلى الدّنيا بعين الزاهدِ
وثنتْ أَعِنَّتها إِليك مناقِبٌ يا طالما كانت نشيدةَ ناشِدِ
مَجْدٌ على عرشِ السِّماكِ وهمَّةٌ ترقى السُّها بجَناح جَدٍّ صاعدِ
وعُلىً يجوز بها المدى حَسَدُ العِدى إِن العُلى مَنصورةٌ بالحاسدِ
يا حبّذا همٌّ إِليك أَصارني وعزيمة تقفو رياضةَ قائدِ
أَنا روضة تُزْهى بكل غريبةٍ أَفرائدي من لم يفرز بفرائدي؟
إِن ساقني طلب الغنى، أَو شاقني حُبُّ العُلى، فلقدْ ورَدْتُ مواردي
ومتى عَددتُ إِلى نَدك وسائلي أَعْدَدْتُ قصدي من أَجلّ مقاصدي
حتى أَعودَ من امتداحك حاليًا وكأَنني قُلِّدتُ بعض قلائدي
ما كانت الآمال تكذِبُ موعدي أَبدًا، وحُسْنُ الظنّ عندك رائدي
ومن جمالياته الفائقة، الرائعة الرائقة:
[ ٢ / ٢٣٨ ]
لِمَنِ القَوام السَّمْهَرِيُّ، سِنانُه ما أَرهفتْ من لحظِها أَجفانُهُ
إِن كان نازَعَك الهوى إنكارُهُ فَمِنَ الذي بعث الهوى عِرفانُهُ
ظَبْيٌ، صوارمُ مُقلتيْه أَسِنّةٌ فبناظريْه ضرابُه وطِعانُهُ
لَهِجٌ بكأس جُفونه، وقَوامُه أَبدًا نزيفُ رحيقها سكْرانُهُ
كَفَلَتْ سُلافةُ خدّه من صُدغِه أَنْ لا يُفارق وَرْدَهات ريْحانُهُ
وبنفسيَ الرَّشأُ المُتَرْجِمُ طَرْفُهُ عن بابل هاروتُها إِنسانُهُ
لا وَصْلَ إِلاّ ما تَجود به النوى من طيفِه، فوِصاله هِجْرانُهُ
حكَّمْتُه فقضى عليّ قضاؤه وهَوى الأَحبّةِ جائرٌ سُلطانُهُ
أَدمى جُفونَ الصَّبِّ صَبُّ دموعهِ سَعةً، وضاق بسرّه كتمانُهُ
ضمِن الفريق فراق أَغصان اللِّوى أَفبَيْنُهُ ضمن الجوى أَمْ بانُهُ
يا فضلُ، ما للفضل هيض جناحهُ فَبَدَتْ زَمانته وضاع زمانُهُ
قَعَد السّماحُ به، وكم من ناهضٍ ضاقت لُبانتُه فضاق لَبانُهُ
ومخلَّفٍ، ما كان يبلغُ شَأْوَهُ لو لم يكن بيد القضاءِ عِنانُهُ
ومروَّعٍ سكنتْ خوافقُ أَمنِهِ لولا جمالُ الدين عزَّ أَمانُهُ
مَنْ نال قاصيةَ المطالب جودُهُ والغيث ما ملأَ الرُّبى هَطَلانُهُ
واستوعبت غُرَرَ الكلام فُنونُه واستوسقت ثمرَ العلى أَفنانُهُ
أَذكى الأَنامِ إِشارةً وعبارةً ما المرءُ إِلاّ قلبُهُ ولسانُهُ
ففروعُه تُنْبيك عن أَعراقه وكفاك مِنْ خَبَر النسيبِ عِيانه
وإِذا أَردتَ مَحَلَّه من مجده فترقّ حيث سماؤه إِيوانُه
شرفٌ، تفيّأَتِ الملوك ظلالَه وعُلىً على هِمّاته بنيانُه
ما أَغمدوا سيفَ ابن ذي يزنٍ به إِلاّ تقاصر عندها غُمْدانه
جَدٌّ تمكَّنَ من ذُؤابة مَنْصِبٍ لو نالها العَيّوق جُنّ جَنانه
فَلِبَيْتِ مال المُلك مِنْ عَزَماته طمّاحُ طَرْفِ كفايةٍ، يقظانُهُ
يغدو عليه ثقيلةً أكمامُه ويروح عنه خفيفةً أَردانه
لا تَجْزَع الأَهواءُ ثاقبَ رأْيه والرأْيُ مملوكٌ عليه مَكانه
مُسْتَظْهِرٌ بوُلاته: فكُفاتُهُمْ نوّابُه، وَثِقاتهم أَعوانه
يعْدوهُمُ تأْنيبهُ، ويَخُصُّهُمْ تهذيبُه، ويَعُمُّهُمْ إِحسانهُ
وإِذا انتضوْا أَقلامهم لِمُلِمَّةٍ أَبصرتَ مَنْ كُتّابُه فرسانُه
ميثاقهُ حَرَمٌ لخائف بأْسِه يُغْنيك عن أَيْمانِهِ إِيمانهُ
وَقَفَ الحسابُ عليهِ رَكْضَ إِصابةٍ لا البرقُ يدركها ولا سَرْعانُه
وثنى الخطابَ إِليهِ فضلُ فصاحةٍ لا قُسّها منهُ ولا سَحْبانهُ
هذا وإِن تكن اتّصالات العُلى تقضي بسعدٍ فالقَران قَرانهُ
أَمحمدُ بنَ عليّ اعتنقَ الأَسى فكري فضاق بفارسٍ مَيْدانهُ
ما بالُ حادي المجد مغبرّ المدى وأخو الهُوَيْنا روضةٌ أَعطانهُ
هَبْني جنيْتُ على نَداكَ جِنايةً تُقضى، فأَين جنونهُ وجَنانهُ
وأَنا الذي لا عَيْبَ فيه لقائلٍ ما لم يقُلْ هذا الزمان زمانهُ
فهلِ المحامِدُ ضامِناتٌ عنك لي مَعْنىً، على هذا البيانِ بيانهُ
وهي القوافي ما تناظرَ بالنَّدى إلاّ وقام بفضلِها برهانهُ
ما كان بيتُ فضيلةٍ في فارسٍ إِلاّ ومِنْ عربيَّتي سَلْمانهُ
[ ٢ / ٢٣٩ ]
ومما أنشده بالرقة، قصيدة مزجت الجزالة بالرقة، يهنيه فيها بفتوح مدينة الرها، وذلك سنة وخمسمائة، وهي:
أَما آن أَن يزهَق الباطِلُ وأَنْ يُنْجِز العِدَةَ الماطلُ
إِلى كم يُغِبُّ ملوكَ الضلا لِ سيفٌ بأَعناقها كافِلُ
فلا تَحْفَلَنَّ بصَوْلِ الذّئاب وقد زأَر الأَسدُ الباسِلُ
كذا ما انثنتْ قطّ صُمُّ الرّما حِ أَو يَتَثَنّى القنا الذابل
هو السيف إِلاّ تكنْ حامِلًا لِبِزَّتِهِ بَزَّك الحامل
وهلْ يمنعُ الدينَ إِلاّ فتىً يصولُ انتقامًا فسيتاصل
أَبا جعفر، أَشرقتْ دولةٌ أَضاء لها بدرُك الكامِل
فإِما نُصِبتَ لرفعِ اسمها فإِنكما الفعلُ والفاعل
بكَ انقادَ جامِحُها المُصْعَبِيُّ وأَخصب جانبُها الماحِلُ
لِيَهْنِك ما أَفرج النصر عنه وما ناله الملكُ العادل
فُتوح الفتوحاتِ، نظم القنا ة أَعلى أَنابيبها العامِلُ
فقلْ للحِقاق الطريقَ الطريقَ فقد دلَف المُقْرَم البازِل
وجاهد في الله حقَّ الجِها د مُحْتَسِبٌ بالعُلى قافِل
بجيشٍ إِذا َمَّ وِرْدَ الثّغور يروّى به الأَسلُ النّاهِلُ
إِذا شمَّرَ البأْس عن ساقه مضى وهو في نَقْعه رافل
فيا نعمةً شَمَلَ الشاكرينَ فضلَكَ إِفْضالُها الشاملُ
تَمَخَّضَ عزمٌ لها مُنْجِبٌ فيا سَعْدَ ما وَضَعَتْ حامِلُ
غداةَ ولا رُمْحَ دونَ الطِّعا نِ إِلاّ وعَقْرَبُه شائلُ
ولا نَصْلَ إِلاّ له بارِقٌ دِماء الطُّلى تحته وابل
وقد قلَّدوا السيْفَ تحصينَهم ولكنّه الناصِر الخاذِلُ
وهل يُمْنَعُ السُّورُ مِنَ طالعٍ يشايعُهُ القدرُ النّازِل
شققتم إِليها بحارَ الحديد مُلْتَطِمًا موْجُهُ الهاطِلُ
وخُضتُمْ غِمارَ الرَّدى بالرَّدى وعن نَفْسِه يدفَعُ القاتل
فإِنْ يكُ فتحُ الرُّها لُجَّةً فساحلُها القُدْسُ والساحل
فهل عَلِمَتْ عِلْمَ تلك الديا ر أَنّ المُقيمَ بها راحل
أَرى القَسَّ يأْمُلُ فَوْتَ الرِّماح ولا بدَّ أَنْ يُضْرَبَ السابل
يُقوّي مقاعِلَه جاهِدًا وهل عاقِلٌ بَعْدَها عاقِل
وكيف بِضبطِ بواقي الجِها ت مَنْ فات حِسْبَتَه الحاصل
بِرأْيِك في الحرب أَمْ لفظك استفادَ إِصابَتُه النابل
وعن حَدِّ عزمِك في المُشْكِلاتِ قضى فَمضى الصّارِم القاصِل
نشرتَ الفضائل بعدَ الخُمولِ أَلاَ رُبّما نَبُه الخاملُ
وحُطْتَ البلاد على نأْيها كأَنك في كُلّها نازِل
أَتَعْفو الممالكُ مِنْ حافِظٍ وصدرُك من حِفْظِها آهل
وَلِمْ لا تُحيطُ بآفاقِها وفي يَدِك الصّامِتً القاتلُ
إِذا ما عَلا الخَمْسَ في حَوْمَةٍ ففارسُ بُهْمَتها راجِلُ
يُفيضُ على الطِّرس سحرَ البيان كأَنَّ بَنانَتُهُ بابِل
متى تُرِكَ الحمدُ والمرْهَفاتِ فأَحْمَدُها القاطِع الواصل
بسابقةِ العِلْم فُتَّ الأَنامَ وهل يُدرِكُ العالمَ الجاهلُ
إِذا خطب الأَكرمون الثّناء فأَكرم أَصهارِك الفاضِلُ
أَعِزَّ الكُفاةِ وتاجَ العراق ومَنْ كَفُّهُ بالنَّدى حافِلُ
تأَمَّلْ مطالِعَ هذا الكلامِ وإِلاّ فكوْكبُهُ آفِلُ
أَرى القومَ تَلْقَحُ آمالُهم وحاليَ مِنْ دُونه حائل
[ ٢ / ٢٤٠ ]
فهل لي على البُعْد من قُرْبَةٍ يُديل بها فَضْلُك الدائل
فإِنّ الغَمام بعيدُ المَنالِ وفي كلّ فَجٍّ له نائلُ
وأَنتَ الزَّمانُ وأَنتَ الأما نُ مِنْ كلّ ما يَفْرَقُ الذّاهِل
وأَنتَ الحُلِيُّ على المَكْرُمات فلا وُصِفَتْ أَنها عاطل
وله في مدح الملك الغازي نور الدين محمود بن زنكي، صاحب الشام سنة أربع وأربعين وخمسمائة، قصيدة استحسنتها في فنها، لسلاستها في نظمها ورويها ووزنها، فكأنها عروس أبرزت من كنها، أو ديمة وطفت من مزنها، أو روضة أنف في حسنها، وهي:
أَبْدى السُلُوَّ خديعة للاّئِمِ وَحَنا الضّلوعَ على فؤادٍ هائِمِ
ورأَى الرّقيبَ يَحُلُّ ترجمةَ الهوى فاستقبلَ الواشي بثغرٍ باسم
ومضى يُناضِل دونَه كتمانه ما الحبّ إِلاّ للمحب الكاتم
من فَضَّ خَتْمَ لسانِه عن سِرِّه ختمت أَناملَه ثنيّةُ نادِم
ومُهَفْهَفٍ لعِبَ الصِّبا بقَوامِه لَعِبَ النُّعامى بالقضيب الناعم
حَرَمَ الوِصالَ وأُرْهِفَتْ أَجفانُهُ فأَتاك ينظر صارمًا مِنْ صارم
وَلَكَمْ جرى طرْفي يعاتِبُ طَرْفَه لو يسمعُ السّاجي حديث السّاجِم
إِني لأرْحَمُ ناظريْه من الضَّنا لو أَنّ مرحومًا يَرِقُّ لِراحم
للهِ موقفُنا وقد ضرَب الدُّجى سِترًا علينا من جُفون النائِم
وفمي يُقَبّلُ خاتِمًا في كفه قُبَلًا تغالط عن فمٍ كالخاتم
كيف السّبيلُ إِلى مَراشِفِ ثَغْره عينُ الرّقيب قذاةُ عيْن الحائِم
نَلْحى الوُشاةَ وإِنّ بين جُفوننا لَمَدامعًا تَسْعى لها بنمائِم
يا أَيُّها المُغْرى بأَخبار الهوى لا تُخْدَعَنّ عنا لخبير العالم
إِسْأَل، فَدَيْتُك، بالصبابة لِمَّتي واسأَلْ بنُورِ الدين صَدْرَ الصارِم
ومُعَطّفاتٍ ترتمي بأَجنَّةٍ ومُثَقَّفاتٍ تهتدي بلَهاذِم
ومُسَوَّمات لست تدري في الوغى بقوائِم يُدْرِكْن أَم بقوادمِ
كلُّ ابن سابقةٍ إِذا ابتدر المَدى فلغير غُرَّتِه يمينُ اللاطم
يرمي بفارسه أَمامَ طريده حتى يُرى المهزومُ خَلْفَ الهازم
يُنْمى إِلى مَلِكٍ إِذا قُسِم النّدى والبأْسُ كان المُكتنى بالقاسم
مُتَسَرْبِلٌ بالحزم ساعةَ تَلْتقي حَلَقُ البِّطان على جواد الحازم
ما بَيْنَ مُنْقَطَع الرِّقاب وسيْفه إِلاّ اتصالُ يمينه بالقائِم
سامَ الشآم ويا لَها مِن صفقةٍ لولاه ما أَعْيَتْ على يد سائم
وَلَشَمَّرَتْ عنها الثّغور وأَصبحت فيها العواصم وهي غيرُ عواصم
تلك التي جَمَحَتْ على مَنْ راضها ودعوْتَ فانقادتْ بغير شكائم
وإِذا سعادتُك احتَبَتْ في دوْلةٍ قام الزّمان لها مَقام الخادم
يا ابن الملوك، وحسبُ أَنصار الهدى ما عندَ رأْيك من ظُبىً وعزائِم
قومٌ إِذا انتضت السيوفَ أَكفُّهم قلتَ الصواعقُ في مُتون غمائِم
من كل منصور البيان بعُجمةٍ وهل الأُسود الغُلْبُ غيرُ أعاجم
أَو مُفْصِحٍ يَقْري الصّوارم في الوَغى أَسخى هناك بنفسه من حاتِم
حصِّنْ بلادك هيْبةً لا رهبةً فالدِّرعُ من عُدَدِ الشجاع الحازم
وارْمِ الأَعادي بالعَوادي إِنها كَفلَتْ بفَلّ قديمهم والقادم
أَهلًا بما حملتْ إليك جيادُهم ما في ظهور الخيلِ غيرُ غنائِم
[ ٢ / ٢٤١ ]
واسأَل فوارسَ حاكموك إِلى القنا في الحرب، كيف رأَوْا لسان الحاكم
تلك العَواملُ أَيّ أَفعال العدى ما سكّنتْ حركاتها بجوازم
هيهاتَ يَطْمَع في محلّك طامعٌ طال البناءُ على يمين الهادم
كلّفتَ همتك العُلُوَّ فحلَّقتْ فكأَنّما هي دعوةٌ في ظالم
قَطَنَتْ بأَوطان النجوم فكمْ لها من ماردٍ قَذَفَت إِليه براجم
أَنشأْتَ في حلب غَمامة رَأْفَةٍ أَمددت دِيمتَها بنَوْءٍ دائِم
أَلحقتَ أَهل الفقر فيها بالغِنى أَمْنُ المؤمَّلِ ثروةٌ للعادِمِ
وأَظنّ أنّ الناس لمّا لم يرَوْا عدلًا كعدلك أَرجفوا بالقائِم
فَتَهَنَّ أَوصاف العُلى منظومةً فالدُّرُّ أَنْفَسُه بكفّ الناظم
جاءتك في حُلَلِ النّباهة حاسِرًا تختال بين فضائل ومكارم
عربية أَنسابُها لو أَنها لحقت أُميّةَ لانْتَمَتْ في دارم
وَتَمَلَّ غُرَّةَ كلِّ فِطْرٍ بعدهُ مُتَسَرْبِلًا أَسنى ثواب الصائم
لا زامل وجهُك في عقود سُعوده بدرَ التَّمام مُقَلّدًا بتمائم
وله قصائد في مدح آبق ملك دمشق وجده ممدوح ابن الخياط. ورأيته ببغداد بعد استيلاء نور الدين محمود بن زنكي على ولايته في الأيام الإمامية المقتفوية سقاها الله صوب الغفران، وحياها بحيا الرضوان، وذكر أنه أنشدها في سنة سبع وأربعين وخمسمائة، أثبت منها هذه القصيدة لاقتصادها في الصنعة والنظم، واعتلاقها لسلاستها بالفهم، وهي:
أَقَدَّكَ الغصنُ أَم الذابلُ ومُقْلتاك الهندُ أَم بابلُ
سِحْران: هذا طاعنٌ ضاربٌ وتلك فيها خَبَلٌ خابل
واكبدي مِنْ فارغٍ لم يزل لي من هَواه شُغُلٌ شاغل
ظبْيٌ متى خاتلته قانصًا رجعت والمُقْتَنص الخاتل
لِمَّتُه أَم أَرقمٌ هائِجٌ ذا سائِف طورًا وذا نابل
يشربُ كأْسًا طلَعتْ في يدٍ كوكبُها في قمرٍ آفل
كأَنه، والجامُ في كفه بدر الدُّجى في شَفَقٍ ناهلُ
غصنُ النَّقا يحمل شمسَ الضحى يا حبّذا المحمول والحاملُ
أَسمرُ كالأسمر من لحظه له سِنان جيدُه العامِلُ
مَلاحةٌ بالبخل مقرونةٌ كلُّ مَليحٍ أَبدًا باخلُ
إِذا نأَى مثَّله في الكَرى هواه فهو القاطع الواصلُ
أَشكو ضنا جسمي إِلى خصره وكيف يشفي الناحلَ الناحلُ
يُنكِرُ ما أَلقاه من صَدِّهِ وأَيُّ فعل ما له فاعل
مَنْ لي على البُعد بميعادِه وإِنْ لواني دَينِيَ الماطِلُ
وكيف لي بالوَصْل منْ طيفه وذو الهوى يُقْنِعه الباطل
أَرى دِماءَ الأُسْد عند الدُّمى أُنْظُرْ مَنِ المقتولُ والقاتل
مِنْ كلّ لاهي القلب من ذاهلٍ به فسلْ أَيُّهما الذاهلُ
يا صاحِ ما أَحلى مَذاقَ الهوى لو كان فيه عاذِلٌ عادِل
ما لِيَ لا أَلحظ عينَ المَها إِلاّ دهاني سِرْبها الخاذل
وما لَه ينْفِر من لِمَّتي كأَنه من أَسدٍ جافِلُ
ما زال يُنْسي نأْيُه هَجْرهُ حتّى لأَنسى عامَه القابل
قضيّة جائِرة ما لها غيرُ مُجير الدين مستاصِل
وكيف أَخشى من لطيف الحشا ظُلْمًا وتاج الدولة الدائل
[ ٢ / ٢٤٢ ]
كثَّرَ حُسّاديَ حتى لقَدْ تنبّه الهاجد والغافل
وكاد يُعْطي في نَداه الصِّبا لو أَنّ شيْبًا بالنّدى ناصل
القائدُ الخيلَ، مغافيرُها يزأَرُ فيها الأَسد الباسلُ
مُشَمِّرٌ للبأس عن ساقه والجيش في عِثْيره رافلُ
ماضٍ فما أَورد صادي القنا إِلاّ تروّى الأَسَلُ النّاهل
يناهز الأَعداء مَنْ عُرْفُهُ غازٍ بأَنفال العُلى قافِل
لم ينجُ مِنْ سطوته عاندٌ ولم يَخِبْ في ظِلِّه آمل
يُزْجي الندى حتّى إِذا ما اعتدى فالدَّمُ من سطوته هاطلُ
ما ساجَلَتْهُ المُزْن إِلاّ انثنى مُسْتحيِيًا مِنْ طَلِّه، الوابلُ
لا يتناهى فَيْضُ معروفِه وأَيُّ بحرٍ ما لَهُ سحلُ
سَما به نابِهُ آبائِه حينَ أَسَفّ النسب الخامل
وامتاز بالعلم على أَهله وهل يساوي العالمَ الجاهل
يا مُحْييَ العدل ويا مُسْرِف البذل فأَنت الجائر العادل
يا أَنصتَ الناسِ إِلى حكمةٍ يقبلها مَنْ سَمْعُه قابِل
عَلا بك الفضلُ ذرى هِمَّةٍ عن غُرَّة الشِّعْرى لها كاهل
لولا سنا فضلك يَجْلو الدُّجى ما عُرِف المفضولُ والفاضل
ولم يغامر جودَك المعتفي ولم يجانب مجدَك العادل
فمن يكن خَصَّ بمعروفه فأَنت مَنْ إِحسانُه شاملُ
بوركتَ من غيثٍ إذا ما همى روَّض منه الأَمَلُ الماحِل
إِنْ هزَّك العزمُ فيا طالما أُرهِف منك الصارمُ القاصِل
سيفٌ متى أَمّ نفوس العِدى صمَّم، والنّصر بها كافل
فكنتَ كالشّمس سمَتْ إِذ سَمتْ ونورُها في أُفقها ماثل
وَأَيْنَ يَنْأَى من قلوب الورى مَن حُبّه في كلِّها نازل
فابْقَ حَيًا يُنْبِت رَوْضَ المنى وأَيْن مِنْ أَفعالك القائل
ودُمْ فما دُمْتَ منارَ الهُدى فللمعالي سَنَنٌ سابل
وأنشدني له بعض أصدقائي من فقهاء الشام، بيتين ألطف من نسيم الصبا، وأطرف من نعيم الصبا، في وصف مغن، وشادن شاد أغن، وهما:
والله لو أَنصف الفتيان أَنفسَهم أَعطَوْك ما ادّخروا منها وما صانوا
ما أَنت حين تُغنّي في مجالسهم إِلاّ نسيمُ الصَّبا والقومُ أَغصانُ
ما أحسن تشبيهه الشادي بالنسيم للطافته، ورقة أنفاسه، وتقتير ألحاظه، وتكسير ألفاظه، وسلاسة خلقه، ورشاقة خلقه، والسامعين بالأغصان التي يرنحها النسيم لتمايلهم وتساكرهم، واهتزازهم لشدوه، وتطربهم لغنائه.
وله في غانية رومية نصرانية:
كم بالكنائِس مِنْ مُبَتَّلَةٍ مثل المَهاةِ يَزينُها الخَفَرُ
مِنْ كلِّ ساجدةٍ لصورتها لو أَنصفت سجدتْ لها الصُوَر
قدّيسَةٌ في حبل عاتقها طولٌ، وفي زُنّارها قِصَر
غَرَسَ الحياءُ بصحن وَجْنَتِها وَرْدًا سقى أَغصانه النَّظرُ
وتكلّمت عنها الجُفون فلوْ حاورتَها لأَجابك الحَوَر
وحَكَتْ مدارِعُها غدائرَها فأَراك ضعفيْ ليلةٍ قمرُ
وأنشدني له الواعظ الرحبي من قصيدة:
في طاعة الحب ما أَنفقتُ من عُمري وفي سبيل الهوي ما شابَ من شَعَري
طال الوُقوف على ضَحْضاحِ نائلكم وغُلَّة الصّدر بين الوِرد والصَّدرِ
كم قد أَماتَ الهوى شوقي وأَنشره عن يأْس منتظِرٍ أضو وعد منتظَر
بمُهْجتي وبصَحْبي كلُّ آنسةٍ تبيت نافرةً منّي ومِنْ نَفَري
أَما ترى سُنَّةَ الأَقمار مُشْرقةً في لِمَّتي، فبياض الليل للقمر
[ ٢ / ٢٤٣ ]
هَبْني أُخلِّصُ جسمي من مُعَذِّبه فمن يخلّص قلبي من يَدَيْ نظري
فيا نسيم الخُزامى هُبَّ لي سَحَرًا لعلَّ نَشْرك مَطْوِيٌّ على خَبَر
واحذر لسان دُموعي أَنْ تَنِمَّ به فإِنَّ سرّيَ من دمعي على خَطَر
وأنشدني له من أخرى:
لله نِسبة أَنفاسي إِلى حُرَقي إِذا النسيم إِلى رَيّا الحِمى انتسبا
أَهكذا لم يكن في الناس ذُو شجَنٍ إِلاّ صَبَا كلّما هبّت عليه صَبَا
أَحبابنا عاد عيدُ الهمّ بعدَكمُ تباعدتْ دارُكم في الحُبّ واقتربا
ما بالُ سَلْوةِ بالي لا تَسُرُّكُمُ حتى كأَنّ لكم في راحتي تعبا
ما خانكم جَلَدي إِلاّ وَفى لكمُ قلبٌ متى سُمْتُه ترك الغرام أَبى
ومن أخرى مجنسة سلسلة، مختلسة، وللعقول مفترسة:
أَما وكأْسٍ تَشِفُّ عن ثَغَرِ يَبْسِمُ عُجْبًا بوَرْدَتَيْ خَفَرِ
يحميهما صارمٌ مضاربهُ مِنْ كَحَلٍ والفِرَنْدُ مِنْ حَوَرِ
لقد عصيتُ المَلام في رشإٍ مَلَّكَه القلبَ طاعةُ البصر
تُنافِسُ الخيزُرانَ قامَتُهُ لينًا ولونًا في اللّمس والنظر
دِقّةُ كَشْحٍ، وبَرْدُ مُرْتَشَفٍ فوا غرامي بالخَصْر والخَصَرِ
وذي سهام تُصْمي بغير يدٍ على قِسِيٍّ ترمي بلا وَتَرِ
وكيف تُخْطى القلوبَ مُرهَفةٌ تُراش بين القضاءِ والقَدَرِ
نوافذٌ تُنْهِر الفُتوقَ دمًا ولا تَرى للجراح مِن أَثرِ
يا مُسْهِري واصِلًا ومُجْتَنِبًا والصبُّ ما بين ليلتيْ سَهَر
إِذْ لا ترى العين فرقَ بينِهما إِلاّ بطُول السُّهادِ والقِصر
لا عَذَلٌ فيك بات لي سَمَرًا يا حبَّذا العذْلُ فيك من سَمَر
ومن أخرى:
أَما لو كان لحظُك نصلَ غِمْدي لَبِتُّ وثأْرُ صَرْفِ الدهر عندي
ولو كان ابتسامُك حدَّ عزمي فللتُ نوائبَ الأَيّام وحدي
إِذًا لَلَقيتُ عادِيةَ اللّيالي على ثقةٍ وجُنْدُ هواك جُنْدي
ولكن أَنت والأَيّامُ جَيْشٌ على مُتخاذِل الأَنصار فَرْد
عَذيري مِنْ هوَى ونوَى رمى بي عِنادُهما على وَجْدٍ ووَخْدِ
وأَغْيَدَ بات مُتّشِحًا بثغرٍ على نَحْرٍ ومُبْتَسِمًا بِعقْد
أَصُدُّ عَذولَه ويصُدُّ عني فما أَنفكُّ من غَمَراتِ صَدّ
وأَشكو ما لقيتُ إِلى سَقامٍ بِعَيْنيْه فلا يُعدي ويُعدي
متى أَرجو مُسالَمة اللّيالي وهذا مَوْقِفي من أَهل ودّي
ولو أَني أُلاقي ما أُلاقي بمَجْد الدين صُلْتُ بأَيِّ مَجْدِ
ووجدت في كتاب لمح الملح لأبي المعالي الكتبي هذه الأبيات منسوبة إلى القيسراني من قصيدة في التجنيس:
نافرته البيضاء في البيضاء وانفصال الشباب فصْلَ القضاءِ
حاكمَتْه إِلى مُعاتبِة الشَّيْب لِتَستمطرَ الحَيا بالحَياءِ
فاستهلّتْ لِبَيْنِها سحبُ عيْنيْهِ، ويومُ النَّوى من الأَنواءِ
يا شبابًا لَبِسْتُه ضافيَ الظلُّ، وتبلى مَلابس الأَفياءِ
كان بَرْدُ الدُّجى نسيمًا وتهويمًا فأَذكته نفْحَةٌ من ذُكاءِ
ومنها في المدح:
مَنْ لهُ طاعةُ الصّوارِمِ في الحر ب ولَيُّ الأَعناقِ تحت اللّواءِ
مِنْ مَساعٍ إِذا استغاث به الآ مِلُ لَبّى نَداه قبل النِّداءِ
وكأَنَّ القَباء منكَ لما ضَمَّ مِنَ الطُّهْر مَسْجِدٌ بقُباءِ
وكنت أحب أن تحصل لي قصيدته البائية التي أوردت بيتيها في صدر ذكره إلى أن طالعت المذيل للسمعاني، عند ذكره للقيسراني، وفيه: أنشدني محمد بن نصر العكاوي بنواحي حلب لنفسه:
[ ٢ / ٢٤٤ ]
سقى اللهُ بالزَّوْراءِ من جانب الغَرْب مَهًا وَرَدَتْ عين الحياةِ من القلبِ
عفائفُ إِلاّ عن مُعاقَرَةِ الهوى ضعائف إِلاّ في مُغالبة الصَبّ
عقائلُ تخشاها عُقيلُ بنُ عامرٍ كواعبُ لا تُعْطي الذِّمام على كَعْب
إِذا جاذَبَتْهنَّ البوادي مَزِيّةً من الحسن شَبَّهْن البراقع بالنَّقْب
تظلَّمْتُ من أَجفانهن إِلى النَّوى سفاهًا وهل يُعدي البِعاد على القُرب
ولما دنا التوْديعُ قلتُ لصاحبي حنانَيْك، سِرْ بي عن مُلاحظة السِّرب
إِذا كانت الأَحداقُ نوعًا من الظُّبى فلا شكّ أَن اللحظ ضَرْبٌ من الضَّرْبِ
هَبُوني تعشَّقْتُ الفِراق ضَلالةً فأَصبحت في شِعبٍ وقلبيَ في شِعبِ
فما لي إِذا ناديتُ يا صبرُ مُنْجِدًا خُذِلتُ، وَلَبَّى إِن دعا حُرقةً لُبّي
تقضّى زماني بَيْنَ بَيْنٍ وهِجْرَةٍ فحتّامَ لا يصحو فؤاديَ مِنْ حُبِّ
وأَهوى الذي يهوي له البدرُ ساجدًا أَلستَ ترى في وجهه أَثر الترب
وأَعجبُ ما في خَمْر عَينيْه أَنها تُضاعف سُكْري كلما قلّلتْ شُرْبي
إِذا لم يكن في الحُبّ عندي زيادةٌ تُرجّى فما فضل الزيارة عن غَبّ
وما زال عُوّادي يقولون من بهِ وأَكتُمهم، حتى سأَلتهمُ من بي
فصِرتُ إِذا ما هزّني الشوق نحوهم أَحلت عَذولي في الغرام على صَحْبي
وقرأت في تاريخ السمعاني: أنشدنا أبو عبد الله القيسراني لنفسه بدير الحافر، منزل بين حلب وبالس:
رنا وكأَنّ البابليّ المصفَقا ترقرق في جفنيْه صِرْفًا مُعَتَّقا
وردّ يدًا عن ذي حَباب مُرَنَّق وحيّا به مِنْ وَجنتيْه مُرَوَّقا
وبات، وشمسُ الكأْس في غسق الدجى تقابل منه البدرَ في بانة النَّقا
ولي عبرات تستهلُّ صَبابةً عليه إِذا برق الغمام تأَلّقا
أَلفت الهوى حتى حلت لي صروفهُ وربّ نعيم كان جالبَه شقا
أَلذّ بما أَشكوه من أَلم الجَوى وأَفْرَق إِنْ قلبي من الوجد أَفرقا
وأَذهل حتى أَحسب الصَدَّ والنوى بمُعْتَرَك الذكرى وِصالًا ومُلْتقى
فها أَنا ذو حالين: أَمّا تلدّدي فحيٌّ، وأَمّا سَلوتي فلكَ البقا
ولما وصلت إلى الشام والتسبت بالتخدمة النورية، وجدت موفق الدين خالدًا ولد القيسراني صدر مناصبها، وبدر مراتبها، ونجم كواكبها، بل شمس مواكبها. وجمعت بيني وبينه الصحبة، وضمتني إليه الرتبة، وتمهدت المحبة، وكان مستوفي المملكة وأنا منشيها تارة ثم مشرفها. ثم لما سيره نور الدين إلى مصر، قمت بعده بجميع الأمر، وكان نور الدين رفعه واصطنعه، وبلغ منه مبلغًا من الأمر كأنه أشركه في الملك معه، ولقد كان لبيقًا بذلك، حقيقًا به، وما زلنا سفرًا وحضرًا نتناشد ونتذاكر، ونتجاذب أطراف الحديث ونتحاور، ولعله قد أتى في الإنشاد على معظم شعر والده مذاكرة، وكنت أشاطره زماني في التصافي مشاطرة، وإنه قد بلغ إلى حد خدمه ممدوحو والده وقصدوه، ورجوه واجتدوه، وكأنه أنف من مدح والده لهم، وكره لنفسه كيف قصدهم وأملهم.
ثم نظرت في ديوان القيسراني فألحقت بما سبق، وما وصل إلي من هذا النسق، وجلوت بزهر سوائره الأفق، وحليت بما راق ورق الورق. فمن ذلك قوله:
عن خاطري نبأ الخيالِ الخاطرِ فأعجب لزورةِ واصلٍ من هاجرِ
لم يعْدُ أَنْ جعل الرُّقاد وسيلةً فأَتى الجوانحَ من سَواد النّاظر
ومنها:
ولقد علمتُ على تباريح الجوى أَنّ السُّلُوَّ خرابُ قلبٍ عامر
وإِذا استقلّ عن الفؤاد قطينهُ لم يبق منه سوى محلٍ داثر
وله من قصيدة:
[ ٢ / ٢٤٥ ]
دعوا للحُمَيّا ما استباحتْه من عَقْلي فإِني رأَيت الحظّ في حيّز الجهل
ومنها:
وما زالت الأَيام يجري نظامُها على العكس حتى أُدْرِكَ الجِدُّ بالهزل
وهل في فؤادي فَضلةٌ تَسَعُ الهوى وما العِشق إِلاّ شُغْل قلبٍ بلا شغل
إِذا أَنت لم يصحبك إِلاّ مُهذَّبٌ فخِلُّكَ من أَمسى وحيدًا بلا خِلِّ
فَدَعْ لذوي الأَموال ما اغتبطوا به وَصُنْ ثمراتِ الفضل بُخْلًا على الفضل
فإِنّ الفتى من غادرتْه خلالُه فريدًا وإِنْ أَضحى من الناس في حَفْل
وله من قصيدة:
أَرضى اليسيرَ، وما رِضاكَ يَسيرُ أَنا في الهوى غِرٌّ، وأَنت غريرُ
ولو اقتصرت على حُشاشة مُغْرمٍ وافاك من مأْسورك الميسور
ما أَذعنتْ لك في فؤادي طاعةٌ إِلاّ وأَنتَ على القلوب أَمير
ضمنتْ ثناياك العذابُ مَخافتي فهل الثّغور الضاحكات ثُغور
وله من أخرى:
خذوا حديث غرامي عن ضَنا بدني أَغنى لسانُ الهوى عن دمعيَ اللَّسِنِ
وخبّرونيَ عن قلبي ومالِكِه فربّما أَشكل المعنى على الفَطِن
ومنها:
هذا الذي سلب العشّاقَ نومَهم أَما ترى عينَه ملأَى من الوَسَن
أَمسى غرامي بذاك القدّ يوهمني أَنّ اعتلال الصَّبا شوقٌ إِلى الغُصُن
ومنها في المدح:
أَرى الوفودَ رباعَ الجودِ عامرةً من بعد ما وقفوا منها على دِمَنِ
ومنها:
قومٌ إِذا ناظروا عن سَرْح جارهُمُ تكلّمتْ أَلسنُ الخطيّة اللُّدُنِ
وله من قصيدة في مدح وزير أولها:
لو كان سِرُّك للوُشاة مُعَرَّضا لم أُغْض من دمعي على جمر الغَضا
ومنها:
وإِذا سقى فمُه الرحيقُ مُقَبَّلا حيّا بتُفّاح الخُدود مُعَضَّضا
ما اسودّ في يوم الصُّدود فإِنهُ يلقاك في ليل التواصل أَبيضا
هذا وكم جاريت في طَلَق الصِّبا سَلِسَ القياد وكان صعبًا، ريّضا
عاقرتُ مُبْهَمَ عَتْبه حتى بدت غُرر الرضاءِ على خلال أَبي الرضا
هو جلال الدين أبو الرضا بن صدقة وزير المسترشد:
لو لم يكن لِبَنانه شِيَمُ الحيا ما أزهر القرطاس منه وروّضا
ما جاش في صدر المُلَطَّف صدرُه إِلاّ ظننت الجيش قد ملأَ الفضا
وله من قصيدة:
ما هذه الحَدَقُ الفواتنْ إِلاّ سهامٌ في كنائنْ
ومنها:
وأَغنّ غنَى مُحْسِنًا فعجبت من شادٍ وشادنْ
ما غرَّدتْ حركاتُه إِلاّ تراقصتِ السّواكنْ
يا مودِعًا قلبي هوا هـ توقّ دمعي فهو خائنْ
ومنها:
وحللتَ قلبًا خافقًا يا ساكنًا في غير ساكن
أَترى لمن أَوْليتَه حربَ العواذل أَن يُهادن
إِنْ خاف قلبي في هوا ك فأَمرُ جاه الحبّ واهن
وإِن استجار فإِنّ جا رك يا ضياء الدين آمن
وله من قصيدة في سديد الدولة ابن الأنباري:
مع الركب أَنباءُ الحِمى لو يُعيدُها لهيّج مفتونًا بها يستعيدها
خليليّ، هل لي في الرفاق رسالة يذكرني العهدَ القديم جديدُها
ومنها:
تَهُبّ صَباكم ليس بين هُبوبها وبين رُكودِ النفس إِلاّ رُكودُها
ومنها في المدح:
ويسري هواكم في البُروق، وإِنما وَقود الحشا إِمّا استطار وقودها
لِيَهْنِكَ مأثور الوغى عن خلافةٍ بك اخضرّ واديها وأَوْرقَ عودُها
وأَنّى تخافُ الضيم دولةُ هاشم وآراؤك الأَنجاد فيها جنودها
وكيف يغيب النصر عنكم بوقعةٍ ملائكةُ الله الكرامُ شُهودها
إِذا فتنةٌ للحرب أُسعِر نارها فإِنّ ضِرام المُرْهَفات خمودُها
ومنها:
[ ٢ / ٢٤٦ ]
بدأتَ بإِحسانٍ فَجُدْ بتمامه فمثلك مُبدي مِنّةٍ ومُعيدها
وله من أخرى مطلعها:
يَشيمُ هواكم مُقلتي فتَصُوب ويرمي نَواكم مُهجتي فتُصيبُ
ومنها:
تلقَّوْا تحياتي إِليكم عن الصَّبا إِذا حان من ذاك النسيم هبوب
ومنها:
وليلةَ بِتْنا والمهاري حواسِرٌ يُزَرُّ عليها للظلام جُيوبُ
فبِتْنَ يُبارين الكواكبَ في الدُّجى لهنّ طُلوعٌ بالفلا وغروب
نَواصِل من صِبْغ الظلام كما بدا لِعينكَ من تحت الخِضاب مَشيب
خوافق في صدر الفضاء كأنها وقد وَجَبَتْ منها القلوب، قلوب
سوانح في بحريْ سَرابٍ وسُدْفةٍ لهنّ اعتلاءٌ بالضحى ورسوب
فليت ابن أُمّي، والكواكبُ جُنَّحٌ يرى أَنني فوق النجيب نجيب
وأَني صرفتُ الهمّ عني بهمّةٍ تفرّى دُجىً عن صُبحها وكروب
وأَن سديد الدولة ابنَ سديدها جلا ناظري منه أَغرُّ مَهيب
نسيب المعالي، يطرب القومَ مدحه كأَنّ الثناء المَحْض فيه نسيب
له خُلُقٌ تُبدي الصَّبا منه غيرةً يكاد إِذا هبت عليه يذوب
وثغرٌ إِلى جَهْم المطالب ضاحكٌ وصدرٌ على ضيق الزمان رحيب
وله من قصيدة في تهنئة عز الدولة ابن منقذ بالسلامة من جرح ناله:
كلُّ دعوى شجاعةٍ لم تؤيّدْ بِكلامِ الكِلامِ دعوى مُحالُ
لا يَرُعْك الصِّقال في السيف حتى يَنطِق الفَلّ شاهدًا للصِّقال
لو تكون السهام تُحسِنُ قصدًا عرّجتْ عن مقاصد الآمال
غادر البأْسُ في جبينك منه أَثرًا لاح في جبين الهلال
لا يجلّي دُجى الحوادث إِلا غُررُ الحرب في وجوه الرّجال
في مقاديمها تُصاب المقاديمُ وتُرمى الأَكفال في الأَكفال
وله من أخرى:
لها من الرَّشإِ الوَسْنان عَيْناهُ وبي من الوَجْد أَقْصاه وأَدْناهُ
ومنها:
بِنفسيَ القمر المحجوب طلعتُهُ عنّي وإِن كان يَهواني وأَهواه
إِذا عزمتُ على السُّلوان خادعني بثغره فثنتْ عنّي ثناياه
وَليّ هواهُ على قلبي فَعذّبه وحكَّم الحبَّ في جسمي فأَضناه
وله من أخرى في الأمير أبي سلامة مرشد بن منقذ:
إِذا ما تأَملْت القَوام المُهَفْهَفا تأَمّلت سيْفًا بين جَفنيْه مُرْهَفا
بُليتُ بقاسي القلب، لا عَطْفَ عنده أَما شِيمةٌ للغصن أَن يتعطَّفا
وذِي صلفٍ يُغْريه بالتّيه صَمْتُهُ إِذا سُمْته ردَّ السلامِ تَكَلَّفا
وَطَرْفٍ تجلّى عن سَقامي سَقامُه فهلاّ شفا مَنْ بات منه على شَفا
أُحِبُّ اقتضاء الوَصْل من كلِّ هاجرٍ وإِنْ مَطَلَ الدينَ الغريمُ وسَوّفا
وأَقْنعُ من وعد الحبيب بخُلْفِهِ ومِنْ كَلَفي أَن أَسأَلَ الوعد مُخْلِفا
وما زلتُ موقوفَ الغرامِ على هوىً يُجدّد لي من عهد ظَمْياء ما عَفا
أَخا كَلَفٍ لا يرهَب الليل زائرًا إِذا ضلّ نهجَ الحيّ عنه تعسّفا
ومنها:
أُودّعُ لُبّي ذاهلَ القلب مُغْرَمًا وأُودِع قلبي فاتر الطّرْف أَهْيفا
تَقَضّى الصِّبا إِلاّ تذكُّرَ ما مضى وإِلاّ سؤالًا عن زمانٍ تَسَلَّفا
وإِلاّ شبابًا فلَّلَ الشيبُ حَدَّهُ إِذا ما هفا نحو التّصابي تَلَهَّفا
وعاد عليَّ الدهرُ فيما سخا به فنغّص ما أَعطى وكدَّر ما صَفا
ومنها في المخلص:
على أَنني خلّفتُ خَلْفي نوائبًا كفانيَ مجدُ الدين منهنّ ما كفى
وله من قصيدة:
يا أَهل بابل أَنتمْ أَصْلُ بلبالي رُدّوا فؤادي على جُثْمانيَ البالي
[ ٢ / ٢٤٧ ]
لا، واعتناقِ هواكم بعد فُرْقتكم ما كان صَرْفُ النَّوى منكم على بالي
وإِنّما اعترضتْ بيني وبينَكم نوائبٌ أَرْخصتْ من دمعيَ الغالي
لولا مكانُ هواكم من مُحافظتي لما صرفتُ إِليكم وجه آمالي
سَلوْتُ عن غيركم لمّا عَلِقْتُ بكم وَجْدًا، أَلا فاعجبوا للعاشق السالي
يا صاحِ إِنّ دموعي حرب زاجرها فامنَح هواملَها تركي وإِهمالي
وانظر إِلى عبراتي بَعْدَ بُعْدِهمُ إِن أَنت لم ترَ حالي عند تَرْحالي
لو كنتَ شاهدَنا والبينُ يجمعُنا على وداعٍ بنيران الهوى صال
رأَيتَ حبّةَ قلبي كيف يسلُبها حدٌّ لها، ليس بالخالي من الخال
وقد علاني فُتورٌ عند رؤيتها مُقَسَّمٌ بين عَيْنَيْها وأَوصالي
أَقول للصاحب الهادي ملامتَه ضَلالةُ القلبِ في أَكناف دي ذال
دعْني أَفُضُّ شُؤوني في معالمها فالدَّمعُ دمعيَ والأطلال أَطلالي
وله من أخرى:
أَما عند هذا القَوام الرُّدَيْني سجيّةُ عَطْف تقاضاه دضيْني
وأَحسبُ ما طال هذا المِطا ل إِلاّ ليلحق حَيْنًا بحَيْنِ
ومن عَجَبٍ أَنني أَشتكي قساوةَ غُصنٍ من البان لَيْنِ
رماني بسهميْن من ناظريْن عن مَتْنِ قوسيْن من حاجبينِ
وإِنْ أَنكرت مقلتاه دمي فسائلْ به حُمرةَ الوَجْنتيْنِ
وَلِمْ لا تُناكرُني عينُه وقد علمت كيف إِقرار عيْني
وماليَ خصمٌ سوى ناظري فهل حاكم بين عَيْني وبيْني
ومنها في المدح:
أَصَبْتَ عِدىً فملأتَ القلوب وصُبْتَ يدًا فملأْت اليديْن
كأَنّك لستَ ترى راحةً سوى حَثْوِ مالِك بالرّاحَتيْن
فداؤك باكٍ على ماله بكاءَ اليتيم على الوالديْن
وله:
خفضي الصوتَ يا حَمامَة مقْرى هاج شوقي دعاؤك المرفوعُ
إِنّما تستثير رِقّةٌ شكوا كِ دموعي والوجدُ حيثُ الدموع
طَرَّبتْ عند إِلفها، وشَجاني فَقْدُ إِلْفي فأَيّنا المفجوع
وله: لا تناظرُ جاهلًا أَسندك الدهرُ إليه
إِنما تُهْدي له علمًا يُعادِيكَ عليه
وله من قصيدة يصف إبريق المدام:
ترى الإِبريقَ يحملُه أَخوهُ كِلا الظَّبْيَيْن يَلْثِمُهُ ارتِشافا
يَظَلُّ كمُطرِقٍ في القوم يبكي دمًا أَو ناكسٍ يشكو الرُّعافا
ومنها:
يكفِّ مُهفهَف الكَشْحَيْن يُنْمى إِلى الغُصْنِ اعتدالًا وانعطافا
يُدير الكأْس من يده دِهاقًا ويَسْقي الرّاحَ من فمه سُلافا
ويُهدي الوردَ لا مِنْ وَجنتيْه فَيَأْبى أَخذَه إِلاّ قِطافا
ومنها في وصف المغني:
ومُسْمِعُنا الأَغنُّ إِذا تَغَنّى خلعت على مَحبَّته العَفافا
يُضاعِفُ من سرور القلب حتى يكاد يشُقّ للطرب الشَّغافا
وله يصف الغدير وقد تدرج ماؤه بالنسيم:
أَوَ ما ترى طرب الغدير إِلى النسيم إِذا تحرّكْ
بل لو رأَيت الماء يلعب في جوانبه لَسَرَّكْ
وإِذا الصَّبا هبّتْ عليه أَتاك في ثوبٍ مُفَرَّكْ
وله من قصيدة:
بما بعطفيك من تيهٍ ومن صَفَفِ مَنْ دَلّ ذلك يا هذا على تلفي
ناشدْتُكَ الله في نفسٍ غَدَتْ فِرَقًا بين الجَوى والأَسى والبَثِّ والأَسفِ
ومهجةٍ رفع التكليفَ خالقُها عنها لشدّة ما تلقى من الكَلَف
أَستشعرُ اليأس في لا، ثمّ يُطمِعُني إِشارةٌ في اعتناق اللامِ والأَلِفِ
إِنْ أَنت روَّيْتَ من أَلفاظه أُذُنًا علمتَ كيفَ مَقَرُّ الدُّرِّ في الصَّدَفِ
[ ٢ / ٢٤٨ ]
وإِن نظرتَ إِلى القِرطاس في يده رأَيتَ كيف نباتُ الرُّوْضِ في الصُّحُف
وله من قصيدة:
أَوْطَنَ القلبَ من هواكم فريقُ ما لِصَرْفِ النَّوى عليه طريقُ
كلّما امتدّ بيننا أَمَدُ البيْن تَدانى هواكُمُ المَوْموقُ
طولُ عهدي بكم يضاعِفُ وَجْدي وكذا يفعلُ الشّرابُ العتيق
حَجَبَ الدّمعُ مقلتي، فعداها أَن ترى ما يروقُها ما تُريقُ
وأَرى البُعْدَ في الصَّبابة كالقُرْ بِ فقلبي على الزّمان مَشُوقُ
ولآلي دُموعِ عيني طوافٍ فلماذا غَوّصُهُنّ غريق
لا يُرَعْ في يد الفِراق زَمانٌ مرَّ لي مِنْ وِصالِكم مَسْروق
حيثُ غُصنُ الشبابِ غضٌّ وَرِيقُ وتَحايا المُدام عَضٌّ وَرِيقُ
وغَرامي لا يَستدِلُّ به الطيْفُ ولا تهتدي إِليه البُروق
والليالي مثلُ الغواني إِذا أَسفرن لم تدر أَيُّها المعشوق
في زمانٍ تضاعَفَتْ لعميدِ المُلك في ظلّه عليَّ الحقوق
ومنها:
لو شهِدْتُم صَبابتي لعلمتُمْ أَنّ قلبي بحبّكم مَعْذوقُ
أَو وقفتم على غُلُوّيَ فيكم قام لي عندكم بذلك سوق
رابني بَعْدَكم زماني فلا الأَيامُ بيضٌ ولا الربيعُ أَنيقُ
ورأَيتُ الرَّحيقَ يجلُبُ همّي أَفحالت عن السُّرور الرحيق
أَسلمتْني إِلى الأَسى، فهي في الكأْ سِ رَحيقٌ، وفي فؤادي حريق
وبَلَوْتُ الورى قياسًا إِليكم فاستمرت على قياسي فُروق
وتصفَّحْتُ بَعْدَكم شِيَمَ النّا سِ وفيها الصَّريحُ والمَمْذُوق
ومنها:
يَعِدُ الدّهر باللّقاء فيُسْليني ويَرْوي أَخبارَكم فَيَشُوق
سانحاتٍ يكاد يتّهم السمعَ عليها قلبٌ عليكم شَفيقُ
ويُعاطينيَ الغرام أَفاويق هواكم فما أَكاد أُفيق
غير أَني أَهيم شوْقًا إِذا هَبَّ نسيمٌ بنَشْركم مَفْتوق
قد ملكتُمْ قلبي وسرَّحتُمُ جسمي فواهًا أَنا الأَسيرُ الطليق
وله من قصيدة:
مَنْ مُنْصفي من حُبِّ ظالمْ والحبُّ فيه الخصمُ حاكمْ
ما كنتُ أَدري ما الهوى حتى بُليتُ بغير راحم
قاسي الفؤادِ يبيتُ في رَغَدِ الكَرى وأَبيتُ هائم
ومن العجائب أَن يرى مُتَيَقِّظًا في أَسْر نائم
يا صارمي أَوَ ما كفى ما في جُفونك من صوارم
لامُوا عليك وليس لي سمعٌ يعنّ على اللوائم
لومَ الحسُود على مُظا هرة العميد أَبي الغنائم
وله:
يا معشَرَ الفتيان ما عندَكُمْ في حائمٍ ذيدَ عن الوِرْدِ
آلى على الخمرة لا ذاقها ما عاش إِلاّ زمن الوَرْدِ
وقد مضى الوَرْدُ فهل رخصةٌ في أن يكون الوَردُ من خدِّ
وله:
مَنْ رآني قبَّلْتُ عينَ رسولي ظنّ أَنّ الرسولَ جاء بسُولي
إِنّ عَيْنًا تأَمَّلَتْ ذلك الوجْه أَحَقُّ العُيونِ بالتّقبيل
وله في غلام يهودي صيرفي:
في بني الأَسباط ظبيٌ مالكٌ رِقّ الأسودِ
يأْسِر الناس بقدٍّ وبخدٍّ وبجيدِ
تُنْبِتُ الأَبصار في وجنته وَرْد الخُدودِ
مَلِق الوعد متى طالبه اللَّحظُ بجودِ
كفلت زهرةُ عينيه بأثمار الوعود
صيرفيٌّ في غرامي في صُروف ونقود
أَنا في الدين حنيفيٌّ وفي الحبّ يهودي
وله من قصيدة في مجير الدين آبق وكان صاحب دمشق:
كلّما غَصَّ هواكم من جفوني سكنَ اللَّوْمُ اغترارًا لسكوني
ووراءَ الصَّدر مني لَوْعةٌ شانَها رَكْضُ دموعي في شؤوني
يا لَدَمْعٍ حار في أَجفانه أَنْ يُسمّى بوفِيٍّ أَو خؤون
فلئن دلّ على وَجْدي بكم فلَقد حامى عن السّر المصون
[ ٢ / ٢٤٩ ]
فتأَمَّلْ عَجَبًا من ناظرٍ خائنٍ يُخبر عن قلبٍ أَمين
في سبيل الحبّ مني مُهجةٌ قُتِلتْ بين خدود وعيون
يَئِستُ أَنْ تُفْتدى أَفئِدةٌ أُسِرَت بين فتور وفتون
وقلوبٌ مَلَكَتْهنّ المَها فاتكاتٍ بالنُّهى، مُلْك اليمين
جيرة ما زال قتلى دِينُها واعتصامي بمجير الدين ديني
وله من قصيدة في الشيب:
يا هندُ مَنْ لأخي غرامٍ، ما جرى بَرْقُ الثّغور لطرفه إِلاّ جرى
أَبكته شَيْبتُه وهل من عارضٍ شِمْتُ البوارقَ فيه إِلاّ أَمطرا
لا تنكري وَضَحًا لَبِسْتُ قتيرَه رَكْضُ الزمان أَثار العِثْيَرا
وله من قصيدة فيم جير الدين أيضًا:
أَتراك عن وَتْرٍ وعن وَتَرِ ترمي القلوبَ بأَسهم النظرِ
كيف السبيلُ إِلى طِلاب دمي والثأْر عند معاقل الحَوَر
هي وَقعة الحَدَق المِراض فمِن جُرحٍ جبارٍ أَو دمٍ هَدِر
تمضي العزائِم حيث لا وَزَر وَتُفَلُّ دون معاقِد الأُزَُر
يا صاحِ راجعْ نظرةً أَممًا فقدِ اتّهمت على المها بصري
بكَرتْ تطاعننا لواحظُها فتنوب أَعيننا عن الثُّغَرِ
وتُرِي مباسمها معاصمها مَجْلُوَّةً في لؤلؤ الثَّغَرِ
لا لائم العشّاق إِنَّهمُ لَيَرَوْن ذنبك غيرَ مُغتفَر
أَوما علمتَ بأَنها صور جادتْ بأَنفسها على الصُّور
ومُدامة كالنار مطفِئها غرضٌ لها ترميه بالشَّرر
يجري الحَباب على جاجتها والتّبرُ خيْرُ مراكبِ الدُّرَر
كالجمر تلفح كف حاملها فتظنُّه منها على خطر
والكأْس والساقي إِذا اقترنا فانظر إلى المرّيخ والقمر
عَذَلا على طربي بجائرةٍ لولا مجير الدين لم تَجُر
وله في مدح مجير الدين من قصيدة:
أَرى الصوارم في الأَلحاظ تُمْتَشَق متى استحالت سُيوفًا هذه الحَدَقُ
واويلتا من عيون قلّما رمقتْ إِلاّ انثنت عن قتيلٍ ما به رمق
يا صاح دعني وما أنكرتَ من ولهي بان الفريقُ فقلبي بعدهم فرق
أما ترى أَيَّ ليثٍ صاده رشأٌ وأَيَّ خِرْقٍ دهاه شادنٌ خَرِق
في معركٍ لذوات الدَّلِّ لو شرِقت بحرِّه أَنفُسُ العُشّاق ما عشقوا
من كلّ شمسٍ لها من خِدْرها فلَكٌ وبدرِ تِمٍّ له من فرعه غَسَق
ومن كثيب تجلّى فوقه قمرٌ على قضيبٍ له من حُلَةٍ ورَق
وغادةٍ في وشاحٍ يشتكي عطشًا إلى حُجُول بها من رِيِّها شَرَقُ
تبسَّمتْ والنَّوى تبدي الجوى عجبًا من لوعة تحتها الأحشاء تحترق
وأَنكرت لؤلؤ الأَجفان حين طفا منها على لُجَّةٍ غوّاصها غَرِقُ
ومنها:
يا منْ لصبٍّ شجاه ليلُ صَبْوَته لمّا تبسّم هذا الأَبيضُ اليَقَقُ
متى نهته النُّهى حنّت عَلاقته إِن الكريم بأَيام الصِّبى عَلِقُ
صاحبتُ عمريَ مسرورًا ومكتئبًا كذلك العيش فيه الصَّفو والرنَقُ
وعِشتُ أَفتح أَبوابًا وأُغْلِقها حتى سمتْ بي عُلًا ما دونها غَلَق
فسِرتُ مُغْتبِق الإدلاج مُعْتنِقًا ذرى عزائمَ من تعريسها العَنَق
لا أَرهب الليل حتى شاب مَفْرِقهُ وهل يخاف الدُّجى من شمسه أَبق
وله فيه من قصيدة هي آخر ما أنشده في شعبان سنة ثمان وأربعين:
بين فتور المُقلتيْن والكَحَلْ هوىً له من كلّ قلبٍ ما انتحلْ
تَوَقَّ من فتكتها لواحظًا أَمَا ترى تلك الظُّبا كيف تُسَلْ
[ ٢ / ٢٥٠ ]
يا ويحها نواطِرًا سواحِرًا ما عُقِل العقلُ بها إِلاّ اختبلْ
لو لم تكن بابلُ في أَجفانها لما بَرَتْ أَسهمَها من المُقَلْ
يا راميًا مسمومةً نصالُهُ عَيناك للقارَةِ، قُلْ لي، أم ثُعَل
وعاذلٍ خوّفني من لحظها إِليك عني، سبق السيفُ العَذَل
ذك على سَفْك دمي محبّبٌ أَنا القتيل مُغْرَمٌ بمن قتل
لاحظت منه وجنتيْن، ما جرى ماءُ الصِّبا بجمرها إِلاّ اشتعل
آه على ظمآنها ضَمانة لو كفل الخصر لِوَجْدي بالكَفَل
ومنها:
يا صاح حَلِّلْ من أَناشيط الأَسى إِذا حللت بين هاتيك الحِلَلْ
سلْ عن رُقادي بالغضا أَين مضى وعن فؤادي بعدها ماذا فعل
وإِن رأَتْ عيناك ربعًا خاليًا فاسق حَيا طَلِّهما ذاك الطَّللْ
وَعَدِّ عن مَحاجرٍ بحاجرٍ نظرتُها أَقربُ عهدٍ بأَجلْ
واجْتَنِ أَثمار الهوى فباللَّوى غصنُ نقًا يَحملُ نُقّاحَ الخجل
وإِنْ يغب عنك اهتزازُ قدّه فسل به أَترابه من الأَسَل
كلُّ حَلالٍ عنده مُحَرّمٌ فليت شعري عن دمي كيف استحل
إِيّاك أن تحمِل قتلي ظالمًا فما لخصمي بقبيلي من قِبَل
ترى وَليّ الثأْر إِن أَراده فهل مُجيرٌ من مُجير الدين هل
وله في غلام صيرفي:
ظَبْيٌ بسوق الصَّرْف، من أَجله مَهَرْت في الصَّرف وفي النقد
ما كنتُ في صَيْدي له طامعًا لو لم يكن إِبليس من جندي
يقول، والدينار في كفه: مَنْ عنده؟ قُلتُ له: عندي
وكلّمتني عينُه بالرِّضا وانقد الوعد على الوعد
وقوله في غلام التحى:
يا عارضًا نفسَه، وعارِضُه يضرِب دون الوِصال بالحُجُبِ
أَنْبتَّ منه لسُلوَتي سببًا يا هاجري قبل ذا بلا سببِ
فالْقَ به قطعَ كلّ ذي صلة هذا كُسُوفٌ بِعُقْدَةِ الذَّنب
وله في العذار:
وقالوا لاح عارضُه وما وَلّتْ وِلايتُهُ
فقلت عِذارُ مَنْ أَهوى أَمارتُه إِمارتُه
وله:
إِلاّ يكنْ قد هَوِيتُه بشرًا فإِنّه فتنةٌ على البشرِ
واحَرَبا من بياض وَجْنته تراكضتْ فيه ظُلْمَةُ الشَّعَرِ
حين تبدّى سَوادُ عارضه كما تبدّى الكسوفُ بالقمر
وله من قصيدة في الأمير مؤيد الدولة:
أَين مضاءُ الصّارمِ الباتِر من لحظاتِ الفاتن الفاتِر
وأَين ما يُؤْثَر عن بابلٍ مِنْ فعلِ هذا الناظر الساحر
ظبْيٌ إِذا لوّح منه الهوى بواصلٍ صرّح عن هاجر
يوهمني في قوله باطنًا والحُكْم محمولٌ على الظاهر
نام وأَغرى الوجدَ بي فانظُروا ما أَولعَ النائمَ بالسّاهرِ
ثم اغتدى يقنِصُني نافرًا يا عَجَبًا لِلْقانص النّافر
عاتبتُه في عَبْرتي زاجرًا خوفًا على الأَسرار زاجر
فاعتذرَتْ عيني إِلى عينِه معذرَة الوافي إِلى الغادر
أَضنى الهوى قلبي ليطوي به مسافةَ البيْنِ على ضامر
وطار فانقضّ عليه الجوى بكاسِر الجفن على كاسر
وقهوةٍ تحسب كاساتِها كواكبًا في فلك دائِر
رَعَتْ بها لَيْلَ الهوى فانجلى عن شمس هذا الزّمن الناضر
وأَبعَدَ الأَخْطارَ تقريبُها مؤيَّدَ الدُّوْلةِ من خاطري
وله في سرج:
حملتُ الجِياد فأَكرمْتَني ورحتُ وقد حملتني الجياد
[ ٢ / ٢٥١ ]
فَلِمْ لا أَتيه على العالمين وفَوقي جَوادٌ وتحتي جَواد
وله أيضًا من قصيدة في مؤيد الدولة:
كيف قلتُمْ ما عندَ عينيْه ثارُ وبخدَّيْه من دمي آثارُ
لو شهدتم إِعْراضَه وخُضوعي لم يكنْ في قضيّتي إِنكار
يا لَقومي وكيف تُنْكر قتلي لَحَظاتٌ جُحودُها إِقرار
إِن تطلّبتُمُ من الطرْف والوجْنة عُذري ففيهما أَعذار
أضو سأَلتُمْ أَيُّ البديعيْن أَذْكى جُلَّ ناري فذلك الجُلَّنار
ما أَراني ليلي بغير نهارٍ غيرُ ليلٍ يلوح فيه نهارُ
زاد إِراقُ وجهه بين صُدغيْه وفي الليل تُشْرق الأَقمار
لا تسلْني عن الهوى فهو في الأَجفان ماءٌ وفي الجوانح نار
ويظنّ العذولُ أَنّ مشيبي ضاحكٌ عنه لِمَّةٌ وعِذار
لم أَشِب غير أَنّ نار فؤادي أُلهبت فاعتلى الدُّخان شرارُ
وله من قصيدة:
فمٌ وثَغْرٌ وشَنَبْ كأْسٌ وخمرٌ وحَبَبْ
واحَربَاه مِنْ شادنٍ لم يُرْضه مني الحَرَب
مُوَلَّد ليس له إِلاّ إِلى الحسن نَسَب
يَضْحك من مُسَدّسا ت النحل فيهنّ الضَرَب
ما إِن حماني ثغرَه إِلاّ سباني ونَهَب
ولا مشى تهاديًا إِلا مشى القلبُ خَبَبْ
هل سببٌ إِلى الرِّضا يا عاتبًا بلا سبب
تُنْكِرني قتلي وفي يَديك من قتلي سَبَب
ما ليَ أَبكي قاتلي يا لَلرجال لِلْعجب
كأَنّ عينيّ إِذا دمي على دمعي انسكب
يدا أَمين الدين تهمي باللُّجَيْن والذَّهَب
وله من قصيدة:
يا غريرًا غَرّ الفؤادَ المُدَلَّة يا عزيزًا به عَرَفتُ المَذّلَّهْ
بأَبي ذلك المَلاك وإِن أَصبح من قَتلتي على غير مِلَه
كلّما ناظَرَ العواذلُ فيه رُحْتُ من دَلِّه قويَّ الأَدِلَّه
أَيّها الشادنُ المحرِّمُ وَصْلي كيف أَغفلتَ مُقْلَةً مُسْتَحِلَّه
وإِذا كان لحظها سببَ السُّقْم فلِمْ قيل إِنها مُعْتَلَّه
ومن الوجد في العَلاقة أَني لا أَمَلّ الصُّدود حتى تَمَلَّه
حَدِّثوه بعلَّتي وسَقامي فعسى أَن يَرِقَّ لي ولَعَلَّه
آه مِمَّنْ إِذا رفعتُ إِليه من غرامي أَدقَّه وأضجَلَّه
ردَّ رُزْمامَجَ الشَّكاةِ وقد وقَّع لي فيه: صحَّ والحمدُ لله
نظرًا عادلًا كأَنّ عماد الدّين من لفظه عليه أَمَلَّه
أَلمعيًّا هواه عندي على البُعْد مُوَلّىً على فؤادي المُوَلَّه
ذا يدٍ ذائِدًا بها نُوَبَ الدَّهْر فكم ردّها بأَبرح غُلَّه
وله من قصيدة:
يذود الظُّبى عنهنّ والحَدَقُ الصِّيدُ أَمُرْهَفَةٌ بيضٌ ومُرْهَفةٌ سُودُ
وعلى أَنّ أَوْحاهُنّ فتكًا صوارمٌ صياقلُها أَجفانها والمَراويد
فلا جسمَ إِلاّ بالبواتر مُقْصَدٌ ولا قلبَ إِلاّ بالنواظر مقصود
وما البارقاتُ الراعدات عواصف بهمّيَ لولا المُبْرِقاتُ الرَّعاديد
وليس الهوى ما صدّني عنه غَيْرَةٌ ولا ما لواني عنه لَوْمٌ وتَفْنيد
ولكنه الشّكوى إِلى من أُحبّهُ وإِن حال صدٌّ دونَها وصناديد
هلِ الرَّوْضُ من تلك المحاسن مُجْتَنىً أَمِ الحَوْضُ من ذاك المُقَبَّل مَوْرود
وهلْ ظِلُّ ريعان الشبيبة عائدٌ عليّ ولُقيان الأَحِبّة مَرْدود
وِدادٌ بأَكناف الوفاء مُمَنَّعٌ وعهدٌ بأَنواءِ الصَّبابة معهود
ومنها:
وإِني لخوّوارُ الشكيمة في الهوى وإِنْ بات في خدَّيَّ للدَّمع أُخدود
تَنَكَبُّ خوفًا من دمي البيضُ والقَنا وتُلْوى به في لِيِّهِنّ المواعيدُ
[ ٢ / ٢٥٢ ]
ويَنْزِل لي عن ثارها النَّفَرُ العِدى وتقتادني في دَلِّها البقرُ الغِيد
ويقطع فيَّ الطَّرْفُ، والطرفُ فاترٌ فقلْ في مَضاءِ السيفِ والسيفُ مَغْمود
وله من قصيدة مطلعها في الشيب:
أَمّا الشبابُ فطَيْفٌ زارني ومضى لمّا تَبَلَّج صُبْحُ الشَّيْب مُعْترِضا
ما كان أَبيضَ وجهَ الوَصلِ حين دجا وما أَشدَّ ظلامَ الهجرِ حين أَضا
وما وجدتُ الصِّبا في طُول صُحبتِه إِلاّ كما لَبِس الجفنُ الكَرى ونَضَا
فالآن صَرَّحَ شَيْبُ الرأس عن عَذَلٍ محضٍ، ولم يَزْوِ عنك النُّصْحَ مَنْ مَحَضا
فإِن تَبِتْ سُحُبُ الأَجفان هاميةً فَعَنْ سَنا بارقٍ في عارِضٍ وَمَضا
ومنها:
ومن عجائبِ وَجْدي أَنه عرضٌ لم يُبْقِ منّيَ جسمًا يحمِلُ العَرَضا
ولم يدع ليَ مَوْتُ السرِّ من جسديد عِرْقًا إِذا جسّه آسي الهوى نَبَضا
فإِن يكن دَلَّ إِعراض الدَّلال على غير المَلالِ فسُخْطي في هواك رضا
وله من قصيدة:
إِنّ الأُلى جمعتْهُمْ والنَّوى دارُ جارُوا فهل أَنت لي من ظلمهم جارُ
ساروا على أَنهم قربًا كبعدهم فما أُبالي أَقام الحيُّ أَم سارُوا
عندي على الوجد فيهم كلُّ لائمةٍ وعندهم للهوى العُذرِيِّ أَعذارُ
ففي الصُّدور صَباباتٌ وَمَوْجِدَةٌ وفي الخُدور لُباناتٌ وأَوطار
قد أَنكر الناس من دمعي ومن حُرَقي هوىً تهادَن فيه الماءُ والنار
إِلامَ اُعلن أَسراري وأَكتمُها وآيةُ الشوق إِعلان وإِسرار
دَيْنٌ، على عبراتي أَنْ تُقِرَّ به وإِنما غايةُ الإنكار إِقرار
وله من قصيدة في ختان:
وَنَجْلٍ تدرك الأَبصارُ منه سنا قمرٍ بتاج المجد حالِ
حَبَتْه سُنّةُ الإِسلام طُهرًا تكفَّل غَيْرَةَ الماءِ الزُّلال
فيا لكَ من دمٍ يجري سُرورًا وكَلْمٍ نقْصُه سِمَةُ الكمال
وذي أَلم يلذّ به وجرحٍ يكون قصاصهُ جَذَلَ الرجال
وأَيّ جناية تَرْضى المَساعي بها، ويُثاب جانيها بمال
وله من قصيدة:
لو أَن قاضي الهوى عليَّ وَلِي ما جار في الحكم مَنْ عَليَّ وَلي
وكان ما في الدَّلال من قِبَلِ الحُسْن بما في الغرام من قِبَلي
حسبي وحسبُ الجوى أُغالبه فيا عذولي ما لي وللعَذَل
كيف يُداوى الفؤادُ من سَقمٍ تاريخُه كان وَقْعَةَ المُقَل
لا تَسْقِيَنّي صريحَ لائِمةٍ فَصِحَّتي في سُلافة القُبَل
بي من بني الترك شادِن غَنِجٌ يصيد لحظ الغزال بالغزل
أَغْيَدُ يلقاك طرفُه ثَمِلًا وليس فيه سَماحةُ الثَّمِل
مُبتسِمٌ والعيونُ باكية وفارغٌ والقلوب في شُغُل
لاحظني كالقضيب معتدلًا وصدّ والصبرُ غيرُ معتدل
وأَصبحتْ في الوَرى مَحَبَّتُهُ كأَنها دَوْلةٌ من الدُّوَلِ
مَلاحةٌ دانت القلوبُ بها طَوْعًا كما دانت العُلى لعلي
وله من قصيدة:
ما استأْنفَ القلبُ من أَشواقه أَرَبا إِلاّ استفزَّتْه آياتُ الهوى طَرَبا
لله نِسبةُ أَنفاسي إِلى حُرَقي إِذا النسيم إِلي رَيّا الحِمى انتسبا
أهكذا لم يكن في الناس ذو شَجَن إِلاّ صَبا كلّما هبَّتْ عليه صَبا
ما أَعجبَ الحبَّ، يُدْعى بأْسُه غَزَلًا جَهْلًا به، ويُسَمَّى جِدُّه لَعِبا
ويْحَ الحَمام أَما تجتاز بارقةٌ إِلاّ بكا في مغاني الدار وانتحبا
[ ٢ / ٢٥٣ ]
كأَنه واجدٌ وَجْدي بجيرتها فكلّما خطرت في قلبه وَجَبا
فموضعُ السِرّ مني يستضيء سَنًا ومنبع الماءِ منه يَلْتظي لَهَبا
ومنها:
أَحبابَنا، عاد عيدُ الهمّ بعدَكُمُ تباعدتْ دارُكم في الحبّ واقتربا
ما بال سَلوةِ بالي لا تسرُّكُمُ حتّى كأَنّ لكم في راحتي تعبا
ما خانكم جَلَدي إِلاّ وفى لكُمُ قلبٌ متى سُمْتُه ترك الغرام أَبى
عَلاقَةٌ غلبتْ صبري فلا عَجبٌ إِن الصّبابة خصمٌ طالما غلبا
وله من قصيدة يهنئ فيها أتابك الكبير عماد الدين زنكي بن آق سنقر ﵀ سنة تسع وثلاثين وخمسمائة بفتح الرها. أولها:
هو السّيفُ لا يُغنيكَ إِلاّ جِلادُهُ وهل طوّق الأَملاكَ إِلاّ نِجادُهُ
ومنها:
فيا ظفرًا عمَّ البلادَ صَلاحُه بمن كان قد عمّ البلادَ فسادُه
غَداةَ كأَنّ الهامَ في كلِّ قَوْنَسٍ كمائمُ نبتٍ بالسُّيوف حَصَادُهُ
فما مُطْلَقٌ إِلاّ وَشُدَّ وَثاقهُ ولا مُوثَقٌ إِلا وحُلّ صِفاده
ولا مِنْبَرٌ إِلاّ ترنّح عودُه ولا مُصْحَفٌ إِلاّ أنارَ مِدادُه
إِلى أَين يا أَسرى الضَّلالةِ بعدها لقد ذَلّ علويكم وعزّ رشادُه
رويدَكُمُ لا مانعٌ من مُظَفَّرٍ يعانِدُ أَسبابَ القضاءِ عِنادُه
فَقُلْ لملوك الكُفر تُسْلِم بعدها ممالكَها إِنّ البلاد بلادُه
كذا عن طريق الصّبح أَيّتها الدُّجى فيا طالما غالَ الظّلامَ امتدادُه
فلو دَرَجُ الأَفلاك عنه تحصّنت لأَمْستْ صِعادًا فوقَهنّ صِعادُه
ومن كان أَملاك السموات جُنده فأَيّةُ أَرضٍ لم تطأها جيادُه
ومنها:
سمعت قِبلةُ الإِسلام فخرًا بطَوْله ولم يك يسمو الدين لولا عمادُه
وله وقد اجتاز بعزاز في عهد الفرنج بها، خذلهم الله، وأنشدنيها ولده موفق الدين خالد:
أَين عِزّي من رَوْحتي بعَزازِ وجَوازي على الظِّباء الجَوازي
واليعافيرُ ساحبات المغافير علينا كالرَّبْرَب المُجْتاز
بعيونٍ كالمُرْهَفات المواضي وقدودٍ مثل القنا الهزّاز
ونحورٍ تقلّدت بثغورٍ ريقُها ذَوْبُ سكَّر الأَهواز
ووجوهٍ لها نُبُوَّةُ حُسْنٍ غير أَن الإعجاز في الأعجاز
كل خَمْصانةٍ ثَنَتْ طرف الزُّنّار من سُرَّةٍ على هوَّاز
ذات خَصْرٍ يكاد يخفى على الفا رس منه مواقعُ المِهْماز
لاحظتني فانقضَّ منها على قلبيَ طرْفٌ له قَوادِمُ باز
وسبتْني لها ذوائبُ شَعرٍ عقدتها تاجًا على ابرواز
مَنْ مُعيني على بنات بني الأصفر غزوًا فإِنني اليومَ غاز
وله:
إِذا ما خدمتَ كبار الملوك فأَولُّ ما تخدُمِ الحاشيه
فكن جاري الماء يسقي الرياض فأوَّلُ ما تشرب الساقيه
وله في العذار:
يا مُطْلِعًا بصُدود في لِمَّتي ما غاب تحت عِذاره من خدّه
لك عارضٌ أَلقى عليَّ بياضَه وأَغار من شعري على مُسْوَدِّه
وأَظنُّ خدَّك مُذْ تخوَّف نَهْبَه ضَرَب السّياج على حديقةِ وَرده
وله من قصيدة يهنئ نور الدين ﵀ باستقرار أمر دمشق وأسر جوسلين وفتح عزاز وقورص والقلاع ويذكر قتل الإبرنس صاحب أنطاكية:
لِيَهْنِ دمشقًا أَن كُرسيّ مُلْكِها حُبي منك صَدْرًا ضاق عن هَمِّه الصَّدْرُ
وأَنك، نورَ الدين، مُذْ زُرتَ أَرضها سمتْ بك حتى انحطّ نَسرها النسر
هي الثَّغْر أَمسى بالكراديس عابسًا وأَصبح عن باب الفراديس يَفْتَرّ
فإِمّا وقفت الخيل ناقعة الصَّدى على بردى من فوقها الوَرَق النَّصْر
[ ٢ / ٢٥٤ ]
فمن بعد ما أَوردتها حَوْمةَ الوغى وأَصدرتها، والبيض من عَلَقٍ حُمْر
وجلّلتها نقعًا أَضاع شِياتِها فلا شُهْبُها شهب ولا شُقْرها شقر
علا النهرُ لما كاثَرَ القصب القنا مكاثرةً في كل نَحْرٍ لها نَحْرُ
وقد شرِقتْ أَجْرافه بدم العِدى إِلى أَن جرى العاصي وضحضاحه غَمر
صدعْتَهمُ صَدْعَ الزُّجاجة لا يدٌ لجابرها، ما كلُّ كسرٍ له جَبْر
فلا ينتحل من بعدها الفخرَ دائلٌ فمن بارز الإِبرنز كان له الفخر
ومَنْ بزّ أَنطاكية مِنْ مليكها أَطاعته أَلحاظُ المُؤلّلَةِ الخُزْر
أَتى رأسه ركضًا وغودر شِلْوُهُ وليس سوى عافي النسور له قبر
كما أَهدتِ الأَقدارُ للقمص أَسْرَهُ وأَسْعَدُ قِرنٍ من حواه لك الأَسْر
فأَلْقتْ بأَيديها إِليك حصونُه ولو لم تُجِبْ طوعًا لجاء بها القَسْر
وأَمستْ عَزاز كاسمها بك عِزَّةً تشُقّ على النَّسريْن لو أَنها الوَكْر
فسِرْ تملإِ الدُّنيا ضياءً وبَهْجةً فبالأُفُق الداجي إِلى ذا السَّنا فَقْر
كأَني بهذا العزم لا فُلّ حَدُّه وأَقصاه بالأَقصى وقد قُضِيَ الأَمر
وقد أَصبح البيت المقدَّسُ طاهرًا وليس سوى جاري الدماء له طُهْر
وإِن تتيمَّمْ ساحِل البحر مالكًا فلا عجبٌ أَن يملِك الساحلَ البحر
سللتَ سيوفًا أَثكلت كلَّ بلدة بصاحبها حتى تخوفك البدر
ومنها:
إِذا سار نور الدين في عَزَماته فقُولا لِلَيْلِ الإِفك قد طلَع الفجر
هُمامٌ متى هَزَّت مواضي سيوفه لها ذكرًا، زُفّت له قَلْعةٌ بِكْر
ومنها:
خلعتَ على الأَيّام من حُلَلِ العُلى ملابِس من أَعلامها الحمد والشكرُ
فلا تفتخر مصرٌ علينا بنيلها فيمناكَ نيلٌ كلُّ مِصْرٍ به مِصْرُ
وله من قصيدة في مجير الدين آبق:
بسيفك المُنْتَضى من الكَحَلِ ووَرْدِك المُجْتنى من الحجلِ
وكأسك المُشْتَها مُقَبَّلُها أَنت لأَجلي خلقت أَمْ أَجَلي
أَهوى لذِكراك كلًّ عاذلة حسْبك حبًّا محبّةُ العَذَل
لولاك لم أَستلذّ لائمةً فليت مَنْ لامني عليَّ وَلِي
كي لا يكون المَلام منه على مُعتدِل القدّ غير معتدِل
مُبتهجٌ والنّفوس ذاهلةٌ وآِمنٌ والقلوب في وَجَل
لو بان جسمي لِخصره لَشكا ذاك إِلى ذا ظُلامةَ الكَفَل
وله:
وحمائمٍ ناحتْ على فَنَنِ فبعثن لي حزنًا إِلى حَزَنِ
ناحتْ ونُحتُ، وفي البكا فرج فظللت أُسعدها وتسعدني
شتَّى الهوى، والشوقُ يجمعنا كلٌّ بكى منّا على شجن
وله:
قل لمن أَطلع شمس الكأْس من أُفْق اليمينِ
إِحبس الكأْس فقد عِفتُ سُلاف الزَّرَجونِ
واسقني من خمر أَلحا ظك كأْسًا من فتونِ
أَنا لا أَشربها إِلا بكاسات الجُفونِ
لا تلمني، أَين سُكْرُ الخمر من سُكْر العيونِ
وله في العذار، وقد أعجب فيه وأغرب:
يا مُسْكري وجدًا بكأْس جفونه قل لي: أَتلك لواحظٌ أَم قَرْقَفُ
بادر جمالك بالجميل فربّما ذَوَتْ الملاحةُ أَو أَبلَّ المُدْنَفِ
بواسبق عذارك باعتذارك قبل أَن يأْتي بعزل هواك منه مُلَطَّفُ
تشبيه العذار بالملطّف، في هذا المعرض، من نسيم الروض ألطف.