من باب العامّة ببغداد.
له نظم رائق، وشعر فائق. وهو بالموصل. توفّي سنة تسع وستين.
حكى أبو المعالي بن سلمان الذّهبي: أنّه كان صحبه لما قصد أمير قلعة فنَك، وبات ليلتين لم يدخل. فلما عاد الأمير من الصّيد، دخلها، وأنشده من قصيدة:
يا ناصرَ الدّين سمعًا من فتى علِقَتْ يداهُ منك بحبلٍ غيرِ مُنبَتِك
لئن غدوتَ لصيدِ الوحشِ في عُدَدٍ من النّيازكِ والبتّارةِ البُتُكِ
لَصِدْتُ منك بلُقياك السّماحةَ وال إقدامَ والمجدَ في ثِنيَتيْ حِبا ملِك
وعُدّني مدَحٌ تُلهيك عن غُررٍ لو ناجتِ الشمسَ لانحطّت من الفلَكِ
أقِلْ وليّك قولَ الكاشحين له يا ويحَه عادَ بالحِرمان من فنَكِ
ولا تكِلهُ الى عذرٍ تنمّقُه إذ ما عليه بترك العُذرِ من درَكِ
فحسبُه ليلتا سوء غدا بهما نزيلُ مُلكك يا مولاي كالملكِ
وأنشدني أبو المعالي الذّهبي، قال: أنشدني لنفس، يستهدي شرابًا:
مولايَ قد زارني غلامٌ ينظُرُ من مُقلتَيْ غزالِ
يَميسُ كالغصن جاذَبْتُه في دَوْحِه نسمةُ الشّمالِ
[ ٥٩ ]
مزّق بالهجرِ ثوبَ عُمْري وعادَ يرفوهُ بالوِصالِ
وهْوَ جليسي في صحنِ دارٍ من كلّ ما يشتهيه خالِ
وقد تحيّلتُ في طعامٍ يُغني أكيلًا عن الخِلال
والير في دارِه قُدورٌ فوق الأثافي بين المقالي
قد أحكمت طبخَها طُهاةٌ وصُفِّقَ الخمرُ بالزّلالِ
فانعَمْ بها قهوةً حرامًا لزاهدِ الدّين في الحلالِ
قال الشّاتاني: وكتب إليّ من قصيدة:
الى حسنٍ نحتثّها لُغّبًا حسْرَى حواملَ من حُرِّ المديحِ له وِقْرا
ومنها:
تجاوزتَ عن جُرمِ انبساطيَ مرةً وعدتَ فعاوِدْ بالنّدى مرةً أرى
ولما سافر الى الموصل، مدح - بديار ربيعةَ وديار بكر - أكابرها، وأشاع أشعاره، وأقام شائرها. وكان له خاطر لأبكار القوافي خاطب غير خاطئ، لكنّما أخمَصُه لذُرا أشرافِها واطئ.
ومن شعره، قوله:
قامت تهزّ قوامَه يومَ النّقا فتساقطَتْ خجلًا غصونُ البانِ
وبكت فجاوبَها البكا من مُقلتي فتمثّل الإنسانُ في إنساني
ومنها:
وأحبّكم وأحبّ حبي فيكمُ وأُجِلّ قدرَكمُ على إنساني
وإذا نظرتكمُ بعينِ خيانةٍ قام الغرامُ بشافعٍ عُريانِ
إنْ لم يخلّصني الوصالُ بجاهه سأموتُ تحت عقوبةِ الهِجْرانِ
أصبحتَ تُخرجُني بغير جنايةٍ من دارِ إعزازٍ لدارِ هوانِ
كدم الفِصادِ يُراقُ أرذلَ موضعٍ أبدًا ويخرجُ من أعزِّ مكانِ
قد نسب هذه الأبيات إليه من أنشدَنيها، وكنت أظنّها لغيره.
وله من قصيدة:
زارَ وجُنحُ الظلامِ مسدول طيفٌ له في الدُجى تخاييلُ
والليلُ زِنجيُّ ليلِه حدَثٌ عليه من شُهْبه أكاليلُ
والبدرُ وسْطَ السّماءِ معترضٌ قد أشرقَ العرْضُ منه والطّول
ومنها:
أينَ تسيرونَ بالرِّكاب فقد ملّ السُرَى حاملٌ ومحمولُ