أبو فراس علي بن محمد بن غالب العامري
شاعر مبرّز محقّق، وله خاطر معجِزُ مُفلق. هو الدّاهية الدّهيا، وأعجوبة الدنيا، وله العزّة القَعساء والغُرة الزهراء، والرتبة الشّمّاء.
يصبّ الشعر في قالب السحر، ويباهي الفضلاء بالنّظم والنّثر، ويصوغه في أسلوب غري، ويمّهده في قانون عجي.
[ ٢٥ ]
له اليد البيضاء في استخراج جواهر الأفكار من بحار الخواطر، والقدم الرّاسخة في اختراع معانٍ هي على فلَك الفضل بمنزلة النّجوم الزّواهر. كلماته متوافقة المعنى واللفظ، مستوفية من الحسن أكمل الحظّ.
بدرٌ طالع من ديار بكر، وبحر طامٍ على كل بحر. إن جال في مِضمار القريض، وجرى في ميدانه الطّويل العريض، أفحم أبا الطيّب وأبا تمّام، وردّ عقودهم واهية النِّظام. ينسج على مِنوال أبي فراس، ويكنى بأبي فراس. قال في حقّه بعض شعراء أصفهان من قطعة:
فأشعارُ الأمير أبي فراسٍ كأشعارِ الأمير أبي فراسِ
هو في الطبع والمنشأ شاميّ، وفي النّظم والنشيد تِهاميّ، ومولده عراقيّ.
قدم في شهور سنة سبع وثلاثين وخمس مئة أصفهان، وكان مقيمًا بها الى سنة ثمان وأربعين، وانثالت التّلامذة عليه، ومالت أعناق المستفيدين إليه، ومدح بقصائده الصّدور، وشرح بفوائده الصّدور. ضاع بها عَرْفُه، ولكن ضاع فيها عُرفُه؛ فإنّه غير مجدود بفضله، وكذا الزمان غدّار بمثله، والحُرّ فيه مضيّع، والكريم مودَّع.
لقيته يومًا بالجامع، في بعض المجامع، ضيّقَ الصّدر، متوزّعَ الفكر، مُطرقًا رأسه، مصعّدًا أنفاسه. فسألته عن حاله، فأنشدني ما ذكر أنّه من مقاله:
هجَرتُ للعُدم كلّ خِدْنٍ وصرتُ للإنقباض خِدنا
فلا أعزّي ولا أُعَزّى ولا أهنّي ولا أهنّى
وكان أملى ديوان على الأخ الهمام، الأجلّ الإمام، فخر الدّين نجيب الإسلام، محمد بن مسعود القسّام، الذي هو باكورة العصر، في النّظم والنّثر. فكتبَه، وجمعه، ورتّبه. وقصائده التي أنشأها بالشام أجزل وأحسن مما أنشأه بالعراق. وقِدْمًا قيل: اللَها تفتَه اللَّها، والبِقاع تغيّر الطباع.
وديوانه ضخم الحجم. لكنّي اخترت منه قصائد، وإن كان الكل فرائد.
ولما وصلت الى الشام، لقيته بالموصل، وقد غيّر زِيّه، وهو يلبس الأتراك، جليس الأملاك، قريبًا من صاحبها بعيدًا من مذهب النّسّاك.
وآخر عهدي به سنة سبعين.
فمن شاميّاته: قال يمدح الأمير حسام الدين، تاج الدولة، قطب الملوك، أبا سعيد تمرتاش بن إيل غازي بن أرْتَق؛ ويذكر ظفره بالفرنج بعد عوده من الشّام، وأنشدها إياه بماردين في شوّال سنة أربع وثلاثين وخمس مئة:
أطاعك فيما ساءَ حاسدَك الدهرُ ووالاك ما عادى مُعاديك العمرُ
ولا استعرتْ إلا بحملاتك الوغى ولا سار إلا تحت راياتِك النّصرُ
فأنت الذي أرضى عن الدهر قربَه وجمّلتِ الأيامَ أيامُه الغُرُّ
كرُمتَ فمنْ كعبُ السّماحِ وحاتمٌ وصُلتَ فمن زيدُ الفوارس أو عمْرو
ملوكُ البرايا أنجمٌ أنتَ شمسُها إذا الشمسُ ذرّت غابتِ الأنجمُ الزُهرُ
هو من قول النابغة:
وإنّك شمسٌ والملوكُ كواكبٌ إذا طلعَتْ لم يبْدُ منهنّ كوكبُ
حويت حسامَ الدين كلّ فضيلةٍ سِواك لها طيٌّ وأنت لها نشرُ
فما ينتهي إلا الى كفّك الندى ولا يعزي إلا الى بيتك الفخرُ
سُطًا كلّما تابعتَها جزِعَ الرّدى ونُعمى متى فرّقتَها جُمِع الشكرُ
ونفسٌ كأنْ من طبعها خُلِقَ السّخا وبأسٌ كأنْ من حرِّه طُبِع الجمرُ
الأبيات الأربعة حقّها أن تكتب بذوب التّبر، على صفحة الدهر، وترقم بسويداء الفؤاد على سواد الحدَق، وترتاح لها النفوس ارتياحَ الرّياض للدّيمة الغدَق.
مناقبُ لا الغوثُ الذي شمخَتْ به على العُرْب طيٌ يدّعيها ولا النّضْرُ
أنالك ما أعيا سواك من العلى بهنّ الطِّعانُ الشّزْرُ والنّائل الغمْرُ
ومُقرَبةٌ شُقرٌ وماذيةُ خُضرُ وهنديةٌ حُمرٌ وخطيّةٌ سُمرُ
نُصولٌ إذا استمطرتَها ذرّتِ الطُلا وخيلٌ إذا استحضرتَها أطلم الفجرُ
معوّدةٌ ألا تجوسَ عمارةً فترجَلَ إلا وهي من سكنِها قفْرُ
هزمْتَ بها جيشَ العدوّ مجاهدًا فعزّ بك الإسلامُ وامتهن الكفرُ
[ ٢٦ ]
وروّيتَ بيضَ الهندِ من مُهَجاتهم فهنّ قَوانٍ من دمائِهمُ حُمْرُ
وهذه أيضًا في الغاية القُصوى والدّرجة العلي.
بقيّة من نجّاه من سجنِك الفِدا وأعتقه من سيف والدِك الأسرُ
تركت بأطراف اللُّقانِ جسومَهم تذُمّ من الأرماح ما يحمَدُ النّسرُ
ما أحسن ذكرَ الذمّ والحمد في هذا البيت!
وما عُدت مُذ عامين ثانٍ وأولٍ وما عاد عنهم من مَهابتك الذُعرُ
فإنْ غرَبَ النّجمُ الذي انقرضوا به فقد كشف الظّلماءَ من نجمه بدرُ
كان والد ممدوحه يلقّب بالنّجم. وقد سلك هذا الطريق قبلَه من قال:
فإن يكُ سيّارُ بنُ مُكرمٍ انقضى فإنّك ماءُ الوردِ إنْ ذهبَ الوردُ
رضعتم لُبان العزِّ يا آل أرْتَقٍ فلا دَرَّ إلا حيثُ كنتم لها دَرُّ
عُلىً شاد منها ما بنته جدودُكم قِراعُكُم من دونها الخيلُ والكرُّ
سحائبُ جذْبٍ لا يغبُّ لها حيًا مُحاربُ حربٍ من جواشنها الصبرُ
قوله: من جواشها الصبر، يكاد يُذهب الألباب، ويعيد سماعه الى الشيخ الفاني عهدَ الشّباب!
مضوا لم يَضِفْ خبْلُ الغرامِ نفوسَهم ولم يخترقْ أخْراتَ أسماعِهم هُجْرُ
أي: لم يصر لهم ضيفًا.
ولم يذخَروا غير الصّوارم والثّنا كذا وأبي العلياء فليكنِ الذُخرُ
فإن يذهبوا مثلَ الغمائم مُثْنيًا عليها بما أهدت له البدوُ والحضرُ
فقد لمّ أشتاتَ المكارمِ بعدَهم أغرُّ كريمُ الأصلِ فتكتُه بِكرُ
جوادٌ يخافُ المالُ سَورةَ جُودِه إذا رنّحته الأريحيّةُ لا الخمرُ
تملّكتَ يا قطبَ الملوكِ محامدي ورِقّي ولولا الطّوْلُ لم يُملَكِ الحُرُّ
وهبتَ العلى والمجدَ فيما وهبتَه فما العسجد القاني وما النّشَبُ الدّثرُ
هذه مدائح، لم تدرك شأوَها القرائح.
عطاءٌ لو انّ القَطرَ كاثرَ بعضَه لأصبح قُلًا عندَ أيسرِه القطْرُ
تعذّرَ إلا حين عُذْتُ بك الغنى وأقصر إلا عندَ مدحي لك الشّعرُ
أبى قدرُه أن يسترِقّ قِيادَهُ ويملكَهُ إلا مليكٌ له قدرُ
وقد زارَ منه البدرَ بدرٌ محجّبٌ وجاورَ منه البحرَ حين طما بحرُ
مديحٌ هو السّحرُ الذي فُتقَتْ به عقولُ الورى من قبلُ أو دونَه السِّحرُ
لقد أصاب شاكلة الصّدق، ونطق بالحقّ.
وإني لأرجو أن يفخمَ أمره من النّاس من أمسى له النّهيُ والأمرُ
فما لفقير ذيدَ عن نيله غنىً ولا لكَسيرٍ حاد عن ظلّه جبْرُ
وقال يمدحه، ويصف بعض حروبه؛ وعرض فيه بما جرى لجدّه أرْتَق مع مسلم بن قريش وقومه بني بَدران، وأنشده بمَيّافارقين من رجب سنة سبع وعشرين وخمس مئة:
سلْ بالكثيبِ سوانحَ الغِزلانِ أهي الموائسُ أم غصونُ البانِ
واحفَظْ من الألحاظِ لُبَّك إنّها شغلُ الخَليِّ ولوعةُ اللهفانِ
تلك السيوفُ البيضُ تُسْمى أعينًا للبيض والأجفان كالأجفانِ
لقد وفّى التّشبيه حقّه لفظًا ومعنى.
منْ جازئات ظِباءِ وجْرَةَ من لها فتكاتُ ليثِ الغابِ من خَفّانِ
سعديّةٌ لولا هواها لم يشُقْ قلبي برامةَ منبِتُ السّعدانِ
يدنو المزارُ ودون حُمرِ قِبابِها لحظُ الرّقيبِ وهبّةُ الغَيْرانِ
ما للأقاربِ من ذويك تباعدوا حنقًا كأنهمُ ذوو شنآن
عُربٌ أضاعوا فيك ذِمّةَ جارِهم والعُرْبُ تحفظُ ذمّةَ الجيران
هذا من أحسن ما وقع للشّعراء في ردّ الأعجاز على الصّدور.
فُنفِيتُ من عدنانَ إن جازيتُهم إلا بخُزْرِ أسنّةِ المُرّان
[ ٢٧ ]
متقدمًا لجِبًا يحلّقُ فوقَه مستبشرًا لجِبٌ من العِقبان
خُذْ بالشهامة لا الكرامة أهلَها تردَعْ عِداك بها عن العُدوانِ
فالحزمُ أن تضَعَ العقابَ إذا فشا سرُّ المظالمِ موضعَ الغُفرانِ
فاق الشعراء في إيراد هذا المعنى في هذا المعرِض، مع أنّه سبق إليه الأستاذ الشّهيد مؤيّد الدّين أبو إسماعيل ﵀ حيث يقول:
وما الجهلُ في كلّ الأمور مذمَّمٌ وما الحلمُ في كلّ المواطنِ محبوبُ
مع أنّه سبق إليه المتنبي:
ووضعُ النّدى في موضع السيف بالعُلى مُضرٌّ كوضع السيف في موضع النّدى
وهو أيضًا أخذه من قول القائل:
وبعضُ الحلمِ عندَ الجه لِ للذّلّةِ إذعانُ
وفي الشرّ نجاةٌ حي نَ لا يُنجيك إحسانُ
من سؤدَدِ الرّجلِ الكريمِ وفضلِه ما يستمرّ عليه من نقصانِ
يعني: من نقصان حالٍ ومال، وهي من فِقَر الحِكم.
لا يوكِسُ السيفَ الصّقيلَ غِرارُه شعْثُ القِراب إذا مضى الحدّان
هذا مأخوذ من قول إمامنا الشافعيّ المطّلبيّ، ﵁:
وما ضرّ نصلَ السيف إخلاقُ غِمدِه إذا كان عضْبًا حيثُ أنفذتَهُ برى
ما أجهلَ المتوعّدي ومُهنّدي والنّهدَ من صحبي ومن أخداني
بين الهِجانِ وبين فتكي عزمةٌ تُدني الى نادي أغرَّ هِجانِ
الهِجان: جمع هجين، ولد الأمَة. والهِجان: الكريم.
حيثُ النّدى عذبُ الموارد رائقٌ للوارد المتهافتِ الظمآنِ
والحُجْبُ تُرفَعُ عن أسرّة ماجدٍ كالنّصْلِ لم يكهَمْ له غَرْبانِ
عن غُرّةِ التّاج الذي تعنو له غُرُّ الأماجدِ من ذوي التّيجانِ
عن خيرِ من يردي به متمطّرٌ في يوم مكرُمةٍ ويومِ طِعانِ
ملك متى هبطَتْ عروقُ أرومةٍ بمُمَلّكٍ بسقَتْ به العِرقانِ
عافت قِرى الكومِ الأواركِ نفسُه وقَرى الضّيوفَ خزائنَ العِقيان
وتحرّقت أسيافُهُ إذ فارقت أغمادَهنّ مفارِقَ الأقرانِ
وتشكّتِ الأرماحُ إذ غشيَ الوغى مما يدقّقهنّ في الأبدانِ
كم موقفٍ لك لو أراد توقّفًا فيه الرّدى زلّتْ به القدَمانِ
هذه اللّمعة الغرّاء، التي دونَها الجوزاء، لو كشفت وجهَها في أفق السماء، كسف منه القمران، واستنار به الثّقَلان.
طأطأتَ فيه الكفرَ بعدَ بُذوخِه ورفعتَ فيه دعائمَ الإيمانِ
ولو رام شاعر توقفًا في هذا الموقف، زلّت به القدمان.
جمعَتْ عليك به الفِرِنْجُ جموعَها وتفرّقتْ لمّا التقى الجَمعان
ظنّوك ما لاقَوْا فأبطل ظنّهمْ طعنٌ أحقّ مظنّةَ السِّرحانِ
بذوابلٍ أبدت أسنتُهُنّ ما أخفت قلوبُهمُ من الأضغانِ
كأنّه فارس الميدان، ومبارز الشُجعان.
ومُدَرّبينَ على القتال كأنّما شربوهُ وِلدانًا مع الألبانِ
من كلِّ مشبوحِ الذّراع يهُزّهُ قرْعُ العوالي هِزّةَ النّشوانِ
نظروا الى البيضِ الخِفاف كأنّها بأكفّكم مشبوبةُ النّيرانِ
والخيلُ قد عادت وِرادًا شُهبُها مما لبِسنَ من النّجيعِ القاني
يسبَحْن طورًا في الدِّماء وتارةً يركُضْنَ فوق جماجمِ الشّجعانِ
هذه الأبيات كأنّها بيوت للكواكب. المعاني في كلّ بيتِ نظم، بيتُ نجم، وفي ضمن كل عبارة إشارة لطيفة، وتحت كلّ كلمة فِقرة شريفة، أو درّة يتيمة، ما لها قيمة، أو كأنّها خزائن دفائن الضّمائر، وسفائن زواخر السّرائر.
في مأزقٍ ضنْكِ المجال كأنّه مغْنى المبخَّلِ أو فؤادُ العاني
هذا المعنى مغْنى الحسنات، وقلب معاني الأبيات.
ستر السّماءَ عجاجُه فسماؤه نقْعٌ وأنجمُهُ من الخُرصان
[ ٢٨ ]
فالصبحُ مما سُلّ فيه واحدٌ والليل مما ثار فيه اثنانِ
والدهُ أخوفُ من به من فارس صبَّ الحِمام به على الفُرسان
إحسانُه للمجتدي وجنابُه للملتجي وذِمامُه للجاني
ناهيك يا قُطبَ الملوكِ من امرئ قطبَ النّهى بتنمّرِ الشّيْحانِ
تركت به الأعرابُ للتُرْكِ العُلى وتعلّلت بعُلالة السُقْبانِ
تخشى بوادرَهُ إذا ادّكرتْ له ما تمّ من دُكْر على بدران
أيامَ خفّضَ جدُّهُ من جدِّهم ما كان معتليًا على كيوانِ
أجرى دماءَهُمُ فسال بآمِدٍ منها ومن أمواهها مَدّانِ
تَهْمي على أعدائه وعُفاته بثوابه وعقابه سَجْلانِ
فسَحابُ ذاك بنانُه وسحابُ ذا تسديدُ كلِّ حنيّةٍ مِرْنان
أغليتَ كاسِدةَ المحامدِ فاغتدت بعدَ الكسادِ غواليَ الأثمان
ورفعتَ قدري عن ذويك مبجِّلًا حتى تمنّوا منك مثلَ مكاني
فاكفُفْ أياديَ لم أطِقْ شكرًا لها هل فيّ غيرُ إطاقة الإنسانِ
أسرفتَ في الإحسان حتى ما أرى إحسانَك الضّافي من الإحسان
هذا - لعَمري - مع مبالغته في المدح، أشبه بسلوك طريق القدح. وليس من الإنصاف، نسبة الممدوح الى الإسراف، وهو ذمٌّ في الحقيقة. قال الله تعالى في ذمّ فرعون: (إنّه كان عاليًا من المُسرِفين) .
وقوله: ما أرى إحسنك من الإحسان، وإن كان في أقصى غاية الحُسن، لكنّه معزيّ الى نوع من الهُجَن؛ فإنّه تصريح بكفران النّعم، الذي لا يليق بالكرم. وهو إنّما شرع مشرع المتنبي حيث قال:
حتى يقول الناس ماذا عاقلًا ويقولَ بيتُ المل ماذا مسلما
لكنّ أبا الطّيب أضافه الى قصور في الناس، وهذا أضافه الى نفسه.
وأرى غرامي يقتضي فُرقةً هي والرّدى من قبحها سِيّان
فإن استفدتُ الربحَ عندَك بُرهةً فالربحُ قد يدعو الى الخُسران
ليَطُلْ مدى يومي القصير فما غدًا إلا ردىً ألقاهُ أو يلقاني
أنأى وشخصُك في فؤادي شاهدٌ بالغيب حين يَغيبُ عن إنساني
يشير الى قول القائل:
إن كنتَ لستَ معي فالذّكرُ منك معي قلبي يراك وإن غُيّبتَ عن بصري
وتكادُ من حُبّيك كلّ جوارحي عند ادّكارِك أن تكون لساني
هذه القصيدة فريدة، رصّعت بها الكتاب، وخَريدة، أتحفت بمحاسنها الألباب، ولم أتجنّب مما أوردته منها الصواب، وراعبت حقّ الفضل، بالإطراء والعذْل، تحقيقًا لقضيّة العدل.
وهذه قصيدة أخرى، حقّها أن تحرّر بذوب اللُجين، على قرن الفرقدَين. مدح بها الأمير عز الدين، عماد الدولة، شرف الملوك، أبا العساكر، سلطان بن عليّ بن مُقلَّد بن مُنقِذ الكنانيّ؛ وأنشدها بشَيزَر سنة أربع وعشرين وخمس مئة:
لمعتْ وأسرارُ الدُجى لم تُنشَرِ نارٌ كحاشية الرّداء الأحمرِ
هذا مطلع، كأنّه للفجر مُطلِع.
وللأبيوردي - ﵀ - مطلع قصيدة، وافق هذا في الوزن والرّويّ واللفظ، وسأكتبها في موضعها إن شاء الله:
لمعت كناصية الحِصان الأشقر نارٌ بمعتلِجِ الكثيبِ الأعفرِ
تخبو وتوقدها ولائدُ عامرٍ بالمندليّ على القنا المتكسّرِ
ولست أدري أيهما أحسن وأجود.
رجعنا الى قصيدة العامريّ:
فعلمت أنّ وراءَه من عامرٍ غيْرانَ يفرَح بالنّزيلِ المُقتِرِ
يا أخت موقِدِها وما من مَوقِدٍ فوقَ الثّنيّةِ والكثيبِ الأعفرِ
لسواي عندي من سوامِكُم قِرىً وقِراي قُبلة ناظرٍ أو مَحجِرِ
وللأبيورديّ من تلك القصيدة، نسج على منواله:
يا أختَ مقتحِمِ الأسنّة في الوغى لولا مراقبةُ العِدى لم تهجري
هل تأمُرين بزورةٍ من دونِها حدَقٌ تشقّ دُجى الظلامِ الأخضرِ
وللعامريّ منها:
[ ٢٩ ]
فارعَيْ رعاك الله مُسعفةً به ضيفًا متى ما يُرْعَ يومًا يشكُرِ
وافى يؤمّكِ راكبًا جُنْحَ الدُجى متقلّدًا ضوءَ الصباحِ المُسفِرِ
أحسن الصنعة حيث شبّه أدهمَهُ بالدجى، وصارمَه بالصّباح، وإنْ طبعه في قالب الأبيوردي بقوله:
فلكم هززتُ إليك أعطافَ الدُجى وركبتُ هاديةَ الصباحِ المسفِرِ
والفضل للمتقدّم.
ومنها للعامريّ:
فالحُسن للحسناء نوءٌ مُقلعٌ لا تُحمَدُ الأنواءُ ما لم تُمطِرِ
أنا ذو علمْتِ بلاغةً ونباهةً بين الأنامِ فخرتُ أو لم أفخَرِ
لا تُعرَفُ الفحشاءُ في بيتي ولا تدنو الدّنايا من جلالة عُنصُري
صارمتُ إذ صارمتُ ألأمَ معشرٍ ووصلتُ حينَ وصلتُ أكرمَ معشرِ
ناسٌ إذا الدّاعي دعا لمُلمّة لبّاه منهم كلّ أغلب مُخدِر
غضبانُ نصّل بالسّماكِ قناتَه عزًا وأنعلَ طِرفَه بالمشتري
فلتعلمِ الأمراءُ أنّي بعدَها جارٌ لمولانا الأميرِ الأكبرِ
للمنقِذيّ أبي العساكرِ والذي هو وحدَه من نفسه في عسكرِ
من ذاتُه من جوهرٍ ويمينُه من كوثرٍ ونسيمُه من عنبرِ
من لا يَني يستصغر النُعمى إذا أعطاكَها عفوًا وإن لم تصغُرِ
من لا تراه العينُ إلا خائضًا في عِثْيَرٍ أو صادرًا عن عِثيَرِ
بأسٌ لمستعر الضِّرامِ وهمّةٌ علياءُ أنست همّة الإسكندرِ
ويدٌ لها في كل أرضٍ منةٌ إثْرَ الحيا في كلّ عامٍ أغبرِ
أما الزمانُ فقد عنت أملاكُه طُرًّا لمَلْكٍ لا يُضامُ بشيزَرِ
غَمْرُ الرِّدا جزْلُ العَطا غدِقُ النّدى ضافي التُقى، صافي العلى والمفخرِ
قد خفّتِ الدنيا عليه لعُظمه حتى لكادَ يُقلّها بالخِنصَرِ
وأراه صائبُ رأيِه في يومه ما كان في غدهِ الذي لم يقدرِ
وأنشدني مجد العرب لنفسه:
حمِدتُ رجالًا قبل معرفتي بهم فلمّا تعارفنا ندِمتُ على الحمدِ
إبائي الذي لم يُبقِ لي الدهرُ غيرَه أبى لي مُقامي بينهم ضائعَ المجدِ
إذا قلتُ دانت لي سما كلِّ قائلٍ وإن صُلْتُ هانت صولةُ الأسد الورْدِ
وإلا فجانبت العلاءَ ونكّبتْ جَنابَ عميدِ الملكِ خيلي على عمدِ
وأنشدني لنفسه:
صبرنا على أشياءَ منكم مُمضّةٍ وما كلّ أبّاء مَضيمِ بصابرِ
وكم قد حلُمنا قادرينَ عليكُمُ وما قدْرُ حِلمٍ لا يكونُ لقادِر
وله في عمَر المَلاّ بالموصل:
لا تُنكِرَنّ عليّ يا شمسَ الهدى أني مررتُ عليك غيرَ مُسلِّمِ
فالشمسُ لا تخفى ولكنْ ضوؤها مُخْفٍ له عن ناظر المتوسّمِ
وأنشدني لنفسه بأصبهان رُباعية:
مالي ولمن أطاع عذْلي مالي القلبُ لمن يلومُ فيه لا لي
لم يخطُر لي سلوّكم في بالِ من أقبح ما قيل محبّ سالي
وأنشدني لنفسه من قصيدة:
إن لم تمَلّ فقد ملِلْتُ من النّدى ومظنّةُ العجبِ النّدى المملولُ
وقوله، وقد احتجب عنه بعض أكابرها:
لا تحتجبْ عن قاصِديك فدون ما يرجون من جدْواك ألفُ حجابِ
وعلى محيّاك الشّتيم جهامةٌ تغنيك عن بابٍ وعن بوّابِ
وقوله:
وفاتنِ الخلْقِ ساحرِ الخُلُقِ منتطق حيثُ حلّ بالحدَقِ
خفتُ ضَلالًا في ليل طُرّته فنابَ لي وجهُه عن الفلَقِ
بات ضجيعي وبتّ معتنقًا لطيفَ كشْحٍ شهيّ مُعتنَقِ
وقد خفِيا عن الرّقيب فما نمّ بنا غيرُ نشرِه العَبِقِ
وقوله:
[ ٣٠ ]
وأزهرَ مثلِ البدرِ قد طاف موهِنًا عليّ بمثل الشمسِ من قرقَف الخمر
فوالله ما أدري وقد علّني بها أمن طرْفه أم من مُدامته سُكري
وقوله من قصيدة:
شاهرٌ سيفين مشتبِهٌ منهما ساجٍ ومصقولُ
فسلوه يُنبِ أيُّهما دمُه في الحيّ مطلولُ
لحظُه أم ما تقلّدهُ فكِلا العضْبَينِ مسلولُ
ومنها:
يا رفيقيّ الطِّلاءَ ففي ليلِ منْ نادمتُما طولُ
وقوله من أخرى:
ما كذا يامن ألِفتُهُمُ تهجُرُ الأحبابُ من ألِفوا
شدّ ما أغرى الملامُ بكم رفَقَ اللّوّامُ أو عنُفوا
كلّما لجّوا لججْتُ هوىً إنْ نمى عذْلٌ نمى شغَفُ
وبجسمي مَنْ كلِفتُ به والهوى عُنوانُه الكلَفُ
رشأ إنْ أنكرتْ يدُه ما جنى فالعينُ تعترفُ
غُصُنٌ أوفى به قمرٌ ضُمنَتْهُ روضةٌ أنُفُ
إن يعِبْ قومٌ به هيَفًا فالذي أهوى هو الهيَفُ
أو يكنْ في الحبّ منقصةٌ فهْيَ في حكمِ العلى شرفُ
وقوله في شكوى الزّمان وفراق الخلاّن:
في كلِّ يومٍ لي نحي بٌ قد علا في إثْرِ حِبِّ
حتى كأن الهمّ لم يُخلَق لقلب غير قلبي
يا دهرُ هل ألقاك مش هورَ السلاحِ لغيرِ حربي
أم هل يكرّرُ صرْفُك ال مذمومُ شربًا غير شربي
أقصيتَ أحبابي وهِضْ تَ قوادمي وفللْتَ غرْبي
حسْبي وما تُجدي على خضِلِ المدامعِ قولُ حسْبي
يكفيك خطبٌ واحدٌ إنْ كنتَ تقنَعُ لي بخطْبِ
وقوله:
سلمْتَ مما التقى السّليمُ يا جنّةَ دونَها الجحيمُ
سلبْتَ نومي وأيّ نومٍ يعرِفُ من صحبُه النّجومُ
أنت بقلبي وأنت أدرى بما به تصنَعُ الهمومُ
فاعطِفْ وكن سيّدي رحيمًا لعاشقٍ ما له رحيمُ
أطعتَ فيه العَذولَ غدرًا ولم يُطِع فيك منْ يلومُ
فكلّ دمعٍ له نجيعٌ وكل جفْنٍ به كُلومُ
ولم يكن مُسْقَمًا ولكن أسقمه طرْفُك السقيمُ
وقوله في محبوب خائن، وحمل نفسه على السّلوّ عنه:
لما رأيتُ الغدرَ فيك سجيّةً ولمحْتُ منك أمارةَ الخوّانِ
ألزمتُ نفسي بالسّلوّ حميّة فسلَتْ وكانت صعبةَ السّلوانِ
والحُرّ يبعثُه على حُبّ الرّدى في الحبّ بعضُ مواقفِ الخِذلان
وقوله في الحثّ على التغرّب. ولما جمع شعره، حذفها من ديوانه:
ولا تجزَعْ لفُرقة من تُصابي ولو ردّتك أرديةُ السَّقامِ
فلولا الافتراقُ لما أصابت مَراميَها مُقَرطِسَةُ السِّهامِ
يَزيدُ الماء طيبًا وهْو جارٍ ويفسُدُ غيرَ جارٍ في الجِمامِ
وقد سار الهلالُ فصار بدرًا وكم أجلى مَحاقٌ عن تمامِ
وقوله في المعنى مما أثبته في ديوانه، وقد سار:
فارِقْ تجِدْ عوضًا ممن تفارقُه في الأرض وانصَبْ تُلاقِ الرّفْهَ في النّصَبِ
فالأُسدُ لولا فِراقُ الخِيسِ ما فرَسَتْ والسّهمُ لولا فراقُ القوسِ لم يُصِبِ
وقوله:
تُسهّلُ عندي كلّ صعبٍ أريغُهُ عزائمُ لا تمضي السّيوفُ كما تمضي
ويحسَبُني فوق السماءِ جلالةً عدوّي وضدّي إن مشيتُ على الأرضِ
وقوله:
ما استحسنَ الناس من أُكرومةٍ سلفتْ إلا رأوها على استحسانها فيكا
ولا تحلّوا بمعنى يُستحبُّ لهم إلا وكان مُعارًا من معانيكا
وقوله:
يا حاكمًا ما مسلمٌ واحدٌ يسلَمُ من أحكامِه الجائرهْ
إحتَلْت للدُنيا فحصّلتها والرأيُ أن تحتالَ للآخرهْ
وقوله في دار الكتب التي بناها النّطنَزيّ بأصفهان، ونقضه مرارًا وأعادها:
[ ٣١ ]
دارُ كتبٍ بغيرِ كتبٍ ومالٌ من ترابٍ أنفقتَه في تُرابِ
أنت في عامرٍ بزعمك منها واللها كلَّ ساعةٍ في خرابِ
وقوله:
تركتُكِ للمُغضينَ فيك على القذى وأشفقتُ من لومِ اللوائم فيكِ
فإنّي وإنْ قلّبتُ قلبي على لظًى لأرفَعُ نفسي عن هوىً بشريكِ
وقوله:
وصفوكِ عندي بالنِّفارِ وما درَوْا أنّ النِّفارَ سجيّةٌ للرّيمِ
ورأوا مَشابِه منه فيك فقابلوا عِزَّ الخِلافِ بذِلّةِ التّسليم
وقوله:
إذا سُمتُما في سلوةٍ لم أُطعكما وإن سُمْتُما في الصبرِ كنتُ مطيعا
ومن أملي أنْ يسترقّكُما الهوى فننجو جميعًا أو نُصاب جميعا
وقوله:
تهنّ بالمولود واسعَدْ به يا أكرمَ الناسِ على الناسِ
ولو قبِلْتَ القصدَ من قاصدٍ جئتُ أهنّيك على الرّاسِ
وقوله:
تكلّفتَ إعطاءَنا مرةً فقلنا حبانا ولم يبخَلِ
وعُدْنا نُحاولُ منك الحقي رَ فعُدْتَ الى يومكَ الأوّلِ
وقوله يذمّ مدينة جَيّ:
على جَيَّ العَفاء لقد لقينا بها أشياء كنّا نجتويها
سكنّاها فكان الموتُ خيرًا قُصارى حظّنا من ساكنيها
وكانت من بضائِعنا اللآلي ولكنْ لم نجِدْ من يشتريها
وهل فيها لإنسانٍ مقامٌ وأنتَ من الكِرام بها وفيها
وقوله:
يقدّمُ الدهرُ لا المساعي كلّ صغيرٍ على كبير
ولو علا الناسُ بالمزايا لم يعلُ خلقٌ على الأمير
وقوله:
طال وجْدي حتى ألِفْتُ بك الوجْ دَ وسُقمي حتّى ألفت السّقاما
وتجافى الملامَ قومٌ ومن حب ي لذكراك قد حبَيتُ الملاما
أشبهَ البدرُ منك وجهًا وحاكى ال غصنُ لمّا انثنيت منك قَواما
واستدمت الخلافَ ردًا على منْ قال إنّ الرُضابَ يحكي المُداما
وقوله، وكتب بها الى الفقيه الموفّق محمد بن الحسن يشكره ويستعين به في أمر عند قاضي أصفهان:
خلاصاتُ المساعي للسُعاةِ وللمُعطينَ حظُّ الأُعطياتِ
وفي الإخوان خوّانٌ ووافٍ ولكنْ أنت من أوفى الثِّقاتِ
فقد أضحى لك اسمُ أبيك معنى أفاد وما المعاني كالسِّماتِ
وبعد الموت لا يُجدي متابٌ ولكنْ نفعُهُ قبلَ المماتِ
تملّكْ رِقّ أدعيتي وصرّحْ بأثنيتي على ملك القُضاة
وخلِّ أبا المكارمِ والعطايا فلم يُخلَقْ لغير المكرُماتِ
سحابٌ عمّ وابلُه البرايا وليس ينالُني بلُّ اللهاةِ
وبدرٌ تُشرِقُ الآفاقُ منه ولكنّي به في داجيات
على جَيّ العَفاء فإنّ جَيًّا عفت فيها رسوم المأثُراتِ
تلاعبنا بناتُ الدهرِ فيها ومن عاداتنا وأدُ البناتِ
ويكفينا من الذّمّ اقتصارٌ على ما قالاه كافي الكُفاةِ
التي سبق ذكرها، وقال تكتب على هذا الوجه:
أثّر في وجهك النّعيمُ وطاب من طيبِك النسيمُ
وهوّن اللومَ فيك حسنٌ يلومُ في الحبّ منْ يلومُ
يا رحمة وهْو لي عذابٌ وجنّة وهْو لي جحيمُ
طرْفُك فيما أرى وجسمي كِلهما فاترٌ سقيمُ
وقوله:
كلِفْتُ به وقلت بياضُ وجهٍ فقيل أسأتَ فاكلَفْ بالنهارِ
فلما حفّ بالإصباحِ ليلٌ وعُذرٌ قام عُذري بالعِذار
وقوله:
أربى على سائر الرّجالِ تِربُ المعالي أبو المعالي
مهذّبُ النفسِ والسّجايا محسّدُ الفضلِ والكمالِ
يبدو لنا كلّما تبدّى منه سَنا البدرِ لا الهلال
وكلما حاور النّدامى قبلَ كرى تُنثَرُ اللآلي
[ ٣٢ ]
عمّركَ اللهُ إنّ عمري منك فما للورى ومالي
يُذيلُ مالًا يصون عِرضًا ليس مَدى الدهرِ بالمُذالِ
وقوله:
مزجَتْ لنا الدنيا مُنىً بمَنون وسَطتْ فأخفت شدّةً في لينِ
فليرْفَعِ اليقِظُ المهذّبُ نفسَه عن رقدةِ المتغافلِ المغبونِ
وليغنَمِ الإمكانَ ندْبٌ عالمٌ أفضت إليه بسرّها المكنونِ
استروحَ المكروبُ مما شفّه من كرْبه بتأوهٍ وأنينِ
وأبى الفتى المصدورُ إلا نفثةً ما إنْ يَعيها غيرُ صدرِ الدّين
يقظانُ يسحبُ في ميادين العُلَى أذيالَ صبٍّ بالنّدى مفتونِ
وأغرّ تنتسبُ الزّكانةُ والحِجا منه الى ماضي الجَنان رَكينِ
يا سيّد العلماء إنْ عُدّوا ويا أوْلاهُمُ بالحمدِ والتأبينِ
قد خصّ جارَك جور عبدِك دهره بعدَ الغِنى وخصاصة بديونِ
بخِلَ الغَمامُ وجُدْتَ فاستغنى الورى عن جَوْدِ ساريةٍ بجودِ يمين
فلتحْمَدَنّ على جميل صنيعةٍ دهرًا سخا بك وهْو جِدُّ ضَنينِ
ثم فرّق الدهر بيننا، وطالبتُ الأقدارَ بلقائه، فأبيْنَهُ. وعاد الى الموصل، ولقيته بها في سنة ستّ وستين. وآخرُ عهدي به فيها سنة سبعين وخمسِ مئةٍ.