ابن العكبري
من موليد الأتراك بدمشق وأمرائها المعروفين. لقيته بدمشق، وهو ذو فضائل مقرظة، وشمائل حلوة وفظنة متيقظة. شاب من جملة الأمراء شجاع مقدم مقدام متظرف، من الأدب متطرف. خان أمله، وحان أجله، وفل الشبا الطرير من شبابه الطري، وجرى القدر بأفول كوكبه الدري، وكبوة جواده الجري، وذلك في سنة ثمان أو تسع وخمسمائة، وأخلفت وعود رجائه، وذوى عود بهائه.
وجدت رسالة له بخطه ذكر فيها ما يتضمن معاشرة الإخوان، وتعب الزمان، والحث على اغتنام الفرص، ووصف الصيد والقنص، وشرب المدام، وتقلب الأيام. ونقحناها وصححناها، وحذفنا منها وأصلحناها، وكللناها ورصعناها، وأوردنا منها ما وقع الاختيار عليه نظمًا ونثرًا، وأحيينا له بإيرادها ذكرًا. وهي: للصبا أطال الله بقاء مولاي الأخ الكامل الفاضل، روح جسد الإخاء وقلبه، وحلى معصم الصفاء وقلبه، ومدار فلك الوفاء وقطبه، وختام رحيق الحياء وقطبه، ويتيمة جيد الفضل وعقده، وفريدة حبل الطول وعقده، ويمين شخص البراعة وشماله، وجنوب مهب الشجاعة وشماله، وإنسان عين الزمان، والملاذ به من الحدثان.
أَخ لي على جَوْر الزمان وعَدْله وعوني على استهضامه واشتماله
إِذا غالني خَطْبٌ وقاني بنفسه وإِن نالني جَدْبٌ كفاني بماله
فتىً جعل المعروف من دون عِرْضه ولم يقتنع عنه بزُرْقِ نِصاله
أَباد أَعاديه بغَرْبِ حُسامه وجاد لِعافيه بسَيْب نَواله
[ ٢ / ٢٩٨ ]
كريمٌ فما الغيثُ الهَتون إِذا همى يُباريه باسْتهلاله وانْهماله
وكما الرِّزق إِلاّ من طَلاقةِ وَجهه وما الموتُ إِلاّ لمحةٌ من جَلاله
وما البحر إِلاّ قطرةٌ من مَعينه ولا البدر إِلاّ دُرّةٌ من كماله
وما العلمُ إِلاّ لفظةٌ من مقاله ولا الفضلُ إِلا خَلّةٌ من خِلاله
وما الأَرض إِلاّ حيث مَوْطِئ نَعْلِه ولا النّاس إِلاّ من ذَوِيه وآله
فلا زال مَعْمورَ الجَناب مُسَلَّمًا ولا زالت الأَقدارُ طَوْعَ مقاله
رب الفصاحة ومنشيها، ومعيد السماحة ومبديها، أخي المكارم وخدينها، رأس المفاخر وعرينها مسلمًا من أوقات الزمن، معصومًا من إحنات المحن، ذا صبوة يؤذن باجتلاب السرور معينها، ويذعن لانتصاب الحبور معينها، ويحدو إلى اغتنام العمر حاديها، ويشدو بغرام الدهر شاديها. إذ هو دهر تدل أفعاله على غدره، وتنبئ أقواله عن مكره، يسترد ما وهب، ويعيد ما نهب ويفرق ما ألب، ويحمق من أدب.
نَكِدٌ يُشتِّتُ ما التأَمْ وَيَلُمُّ شَعْبًا مُنْثَلِمْ
ويُكَدِّر الصافي ويمْزُجه لِوارده بِدَم
ويُغِضُّ إِن هَنّا وليْس يفي وإِن أَعطى الذِّمم
ذو النَّقْص مَرزوقٌ لديْه وذو الفضائل قد حُرِمْ
فالحازمُ اليقِظُ الذي بعُهوده ما يَعْتَصِم
ويفوز بالعيش اللذيذ وللمسرَّة يَغتنم
من قبل أَن يُمْسي ويُصبحَ في حساب ذوي الرِّمَم
وينالَ قِسْم تُراثِه عَصَباتُه وذوو الرَّحِم
فاللبيب من انتهز فرصة، قبل أن تصير غصة، وبذل في نيل آرائه جهده وحرصه، وأنفق فاضل شبابه قبل أن يعاين فيه نقصه، قبل أن يصير ما كنزه لنفسه، وما أحرزه عن نابه وضرسه، بعد حلوله في رمسه، مأكلة لزوج عرسه. أيقظنا الله وإياك عن سنة الغفلة، ووفقنا لاستخدام المهلة، وأعاننا على دنيا لا يدوم نعيمها، ولا يبرأ سقيمها، ولا تندمل كلومها، ولا يسلم سليمها، غرارة تضل مبتغيها، مكارة تخيب روادها ومنتجعيها:
دارُ سوءٍ فما تقيم على حا لٍ ولا تستقيم في الأَفعالِ
طبعها اللُّؤْم والخِلابة والحِقد ونقضُ العُهود والأَحوال
وانتزاعُ الغِنى بنازلة الفقر وحُلْوِ النَّعما بمُرّ الزوال
فالأَريب اللبيب يستنفد الدنيا وأَعراضَها ببذل النوال
فليس للمقيم بها مقام، ولا للمنتقم من صرفها انتقام، إلا بمداومة الصهباء، في الإِصباح والإمساء، لصرف الهم عن قلبه بصرف الراح، وجعل قدحه الكبير من الأٌداح، ومباكرة دنه وخماره، ومراوحة عوده ومزماره.
ولقد استنفدت كل المجهود، في بلوغ المقصود، فرأيت تحصيل الجار، قبل الدار، والرفيق، قبل الطريق، إذ لا سبيل إلى جمع المسرة إلا بالمصافي من الإخوان، ولا إلى دفع المضرة إلا بالكافي من الأعوان، وفتح الله لي بسادة أمراء، وقادة كبراء، يجزون عن الإساءة بالإحسان، ويقابلون الذنب بالغفران، إن قطعوا وصلوا، وإن خزن عنهم بذلوا، وإن فوضلوا فضلوا، وإن نوضلوا نضلوا، وإن فوخروا فخروا، وإن جني عليهم اعتذروا.
عِصابةٌ من سَراة الناس مُنْجِبَةٌ صِيدٌ، غطارفة، ليسوا بأَغمارِ
غُرٌّ ميامينُ، وصّالون قاطِعَهم شُمْس العَداوةِ، أَخّاذون بالثار
هُم، إِذا المَحْلُ وافى، سُحْبُ أَمطارِ وإِن رَحا الحرب دارتْ، أُسدُ أَخْدار
المُنْعمون فلا مَنٌّ يُنَكِّدُه والمانعون حِمى الأَعراض والجار
والطاعنون وساقُ الحرب قائمةٌ والمُطعمون على عُسْرٍ وإِيسار
يُغْضُون عَمَّن أَتى ذنبًا بِحِلْمِهمُ ولا يُجازون عن عُرْفٍ بإِنكار
مَناظرٌ حَسُنتْ والفعلُ يَشْفَعُها منهم فنالوا بهذا طيب أخبار
تراضعوا دَرَّة الإِنصاف بينهمُ فما يجول لهم جَوْرٌ بأَفكار
تَجَلْببوا بِجَلابيب المكارم والآداب لكنهم عارون مِنْ عار
من تَلْقَ منهم تَقُلْ لاقيتُ سيِّدَهم مثلُ النجوم التي يسري بها الساري
[ ٢ / ٢٩٩ ]
آراؤهم سديدة، وأنباؤهم رشيدة، وأقوالهم مفيدة، وأفعالهم حميدة، وطرائقهم مستقيمة، وخلائقهم كريمة، يجودون إن ضنت الغيوم، ويكتمون السر إذا أذاعه النموم، وينيرون إذا جن الظلام، ويجيرون إذا جارت الأيام، ويغدقون إذا غبر العام. فَصِرْتُ من عَقدهم، وانتظمتُ في عِقدهم، فرأَيت كلاَّ منهم قد حاول من هذا الأَمر ما حاولت، وتناول في تحصيله أَكثر مما تناولت، وأجمعت آراؤهم على ما رأيت، ووافقت رواياتهم ما رويت.
فلما اتفقت الشهوات، وزالت الشبهات، شرعنا في استدامة المدام، وأتبعنا الليالي فيها والأيام، لا نفيق من صبوح وغبوق، ولا نسأم من خلاعة وفسوق، ما بين نغم أوتار ودلف راووق، مستوطنين منزلًا للخلوة، وارتشاف القهوة. فاقتضى ما بيننا من اقتراح الألفة والتألف، واطراح الكلفة والتكلف، أن قسمنا الأيام والليالي بيننا أقسامًا، فكل يعد في نوبته للاجتماع طعامًا ومدامًا، ويعرف يومه وليلته، ويستعمل قدرته، ويستنفد طاقته في إظهار الأفانين العجيبة. ويجمع بين آلات الطرب والطيبة، وساعاتنا بالسرور تمضي، وأوقاتنا بالحبور تنقضي.
ولم نزل على ذلك المنهاج، متمازجين بأعدل المزاج، حتى انتهت النوبة إلى سيد كريم من الجمع، ألف حلو العطاء وما عرف مر المنع، فنادى مناديه في نادينا، يجمع حاضرنا وبادينا: إلي، قدموا الحضور إلى المنزل الرحب، وثقوا بالأهل والرحب. فأجبنا المنادي، وحللنا النادي، وولجنا دارًا قد دار على المكارم سورها، وأجد بالجد العامر معمورها.
فلما اطمأن بنا المكان، وساعد الزمان والإمكان، جاء غلام حسن القوام، عذب الكلام، كأنه بدر التمام، ومصباح الظلام، إذا رنا فالربيب ينظر من عينيه، والقضيب يهتز من عطفيه.
ما في الوجود له شَكْلٌ يُماثِلُهُ من البرية لا أُنْثى ولا ذَكَرُ
تحيَّر الحُسْنُ في تكوين صُورتِه وأَظلم النيّران: الشمسُ والقمرُ
إِذا تبدّى فبدرٌ طالعٌ حَسَنٌ وإِن تثنَّى فغصنٌ ناعمٌ نَضِر
قد كمل حسنه وخلقه، وحسن زيه وخلقه، فقال بلسان عذب، وكلام كاللؤلؤ الرطب: عرفتم أيها السادة، ما جرت به العادة، وأكل الطعام، قبل شرب المدام، فاعزموا إذا دعيتم، ولا تأبوا إذا استدعيتم. فنهضنا ملبين نداه، مجيبين دعا، فسار أمامنا، واتخذناه إمامنا، إلى طعام تكل عن وصفه الألسن، ويشتمل على ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، فاعتمدنا مذهب الإيثار، وأكلنا حسب الاختيار، ورفعنا فاضل الخوان إلى الحاشية والغلمان، ثم استحضرنا الطسوت والأباريق، والغسول المتخذ من ماء الورد والمسك السحيق، فغسلنا الأيدي والأفواه، واستعملنا الطيب والأفواه. فلم نلبث حتى أقبل غلام أحسن من الأول وصفًا، وأكمل رشاقة وظرفًا.
مُهَفْهَفٌ جَلَّ حُسنًا أَن تُكَيِّفَه في الخَلْقِ دِقَّةُ أَفهامٍ وأَفكارِ
حاز الجمال فكلُّ الخَلْق يَمْنَحُه مَحَبَّةً بين إِعلان وإِسرار
في وجهه آيةٌ للحُسن باهرةٌ جَلَّتْ فَذَلَّ لديْها كلُّ جَبّار
تمازَجَ المِسْكُ والكَافور واتفقا بِوَجْنَتَيْه ولاذ الماءُ بالنّار
قد تحلى بالجمال، وتردى بالكمال، سكران من خمرتي صبًا ودلال، يتمايل كأنه غصن عبثت بعطفيه ريحًا صبًا وشمال، وفي يمينه ثلاثية ذات شعاع ونور، وفي يمينه كأس من بلور.
حَمْراء في كأْسها السَّرَّاءُ تَطَّرِدُ فما تَحِلّ بها الضَّرّاءُ والكَمَدُ
كأَنَّها جذوةٌ قد ضمها بَرَدُ إِذا صببتَ عليها الماءَ تتقدُ
يسعى بها شادِنٌ أَلمى أَغَنُّ كحيل الطَّرْفِ نمّ به التَّوْريد والغَيَد
فقال بلسان فصيح، وكلام عذب صريح، ولفظ مليح، ومعنى رجيح: السلام عليكم يا مسرة نفوس الأوطان، وقرة عيون الإخوان. فقلنا: وعليك السلام يا بدعة الزمان، ومجمع الحسن والإحسان، ويا مفحم قس وسحبان، فقال: اعلموا أحلكم الله دار الأمن والأمان، وأمتع ببقائكم الإخوة والندمان، أني رسول إليكم من جامع اللذات والأفراح، ومحلها في الكاسات والأقداح، بنت الكروم المنقذة من الهموم، المفرحة على الخصوص والعموم.
[ ٢ / ٣٠٠ ]
راح لا يلوذ النصب بساحتها، ولا يكدر التعب صفو راحتها، ولا يحل الحزن بدارها، ولا يطفئ الماء ضوء نارها. بكر ما أيمت، ومرة حلت لما حرمت، كلما عتقت زادت جدة، وإذا كسرت بالمزج ازداد حدة، قد قصر عن وصفها الواصفون، وحار في إدراك نعتها العارفون. وأنا أقول بلسانها، والذي في يدي عنوانها، وها هي الآن قد برزت من خدرها، وتجلت بحبابها لا بدرها، وقد أنالتكم رضاع درها، وأعفتكم من وزن جذرها، وكفي تدعوكم إلى نفسها، وتمنحكم ثمار غرسها، وتبيحكم حمى مسها وتنبيكم أن هذه ليلة عرسها، فهلموا، وألموا.
وتقدم فسرنا خلفه، واجتنبنا خلفه، وهو ينحرف إلينا كالظبي الغرير، ويتعطف لدينا كالغصن النضير، ويشرق علينا كالبدر المنير. فأدخلنا مجلسًا صغر عندنا ما رأيناه، وأنسانا كل ما رويناه.
مجلِسٌ حُفّ بالسَّنا والسَّناءِ بايَعَتْنا فيه يدُ السرّاءِ
في زمانٍ صفا وراق ورقّ الجوُّ لما وافى نسيمُ الهواء
وكسا رَبْعَه الربيعُ وحلاّ هُ بلون الصفراء والحمراء
ضاع عَرْفُ الصَّهْباء والوقت والنَّدْ مان فيه وطيبُ نَشْر الكِباء
فبلغنا كلَّ المُنى والأماني وغَنينا عن الغِنى بالغِناء
وشُغِلْنا عن القَنا بالقَناني والتَهَيْنا عن الظُّبى بالظِباء
وانْعَكفنا على ارتشاف دم العنقود ضَرْبًا عن قصد سفك الدِّماء
بين إِخوان نَجْدةٍ وأُولى بأْ سٍ وفضلٍ ويقظةٍ وحِباء
وسخاءٍ وحكمةٍ ووقارٍ ووفاءٍ وفطنةٍ وحياء
وجمالٍ وحُسْن خَلْقٍ ولطفٍ وكمالٍ ونَخْوةٍ وذَكاء
قد أطلعت بدر الكمال سماؤه، وأبرزت نجوم الإقبال أفناؤه، وحف بالنور والنور، والورد والمنثور، ونضد بالزهر والريحان، بين الحور والولدان، بكؤوس مدام كالأرجوان، بين اتفاق أوتار، واختلاف ألحان. وهم يسكرون بكاستهم قبل كاساتهم، وبسوالفهم لا بسلافاتهم، فناول كل واحد رطلًا، ولم يترك أحدًا منا عطلًا، وقال:
باكِرْ كُؤوسك يا نديمي وذَر الوُقوفَ على الرُّسومِ
واشرب هنيئًا واسقِني كأْسًا تُريح من الهُموم
بِكرًا مُعَتَّقَةً وِلا دَتُها من الدَّهر القديمِ
من قبل مَهْبِط آدمٍ والكونُ في دار النعيم
حمراء يُشرِق نورها في ظُلْمة الليل البهيم
وتَخال نَظْمَ حَبابها في كأْسها زُهرَ النُّجومِ
من كفّ أَحورَ يَنْثني كالغصن من مَرِّ النسيم
رشأٌ مَلاحته تُحَيِّرُ كلَّ ذي لُبٍّ سليم
أَحوى أَحمٌ عليه جلْباب النَّضارة والنّعيم
في مجلسٍ مُسْتَنْزَهٍ ما بين كاعبةٍ ورِيم
ونحن ما بين قيام وقعود، واشتمام رائحة ند وعود، واستماع ناي وعود، إلى أن أخذت الراح منا بعض حقها، وصرنا في قبضتها وتحت رقها، وتقضى أكثر النهار، ولاح علينا دلائل الفرار، وهدأت منا النزوة، وبان فينا الفتور والنبوة، ومالت الرؤوس طيبًا وطربًا، وارتاحت النفوس عجبًا وعجبًا، فحينئذ قر لنا القرار، واطمأنت بنا الدار، فتذاكرنا الأخبار، وتناشدنا الأشعار، فقام فينا سيد القوم خطيبًا، وأوسعنا لومًا وتثريبًا، وعنفنا بالوعظ، وأغلظ في اللفظ، وقال: يا غافلين عن الزمن الأنيق، والعيش الرقيق، أما تستمتعون ما سمحت به يد الزمان البخيل، وتستلذون المقام قبل الرحيل. ثم تناول رطلًا كبيرًا، وأطرق يسيرًا، ونظر إليه شزرًا، وأطال روية وفكرًا، فتطاولت إليه الأعناق، ورمقت نحوه الأحداق، فقال:
أُنطر إِلى الماء فيه النّار تلْتهبُ كأَنه فِضّةٌ قد شابها ذَهبُ
واستغنم العيش واشربها مُعَتَّقةً وانهب زمانك واللَّذاتُ تُنْتَهَب
من كفّ أَحورَ في أَجفانه مَرَض به قلوبُ ذوي الألباب تُسْتَلَب
أَحمّ أَحوى رَخيم الدلّ مُنْفرد في حسنه، وإِليه الحسن يَنتسب
[ ٢ / ٣٠١ ]
للخمر من ذاته وصفٌ يشرِّفها ما لا يجود به من مائه العنبُ
من خدِّه لونُها القاني، وسكرتُها من ريقه، ولها من ثغره حَبَبُ
ونادى بلسان قد أطلقته النشوة، واعتقلته القهوة: يا إخوتي اشتغلوا بالعقار عن إنشاد الأشعار، وبسماع الأوتار، عن اتباع الأوتار، وبالإصغاء إلى الألحان، عن البكاء على من نفد عمره وحان، وتأملوا بدورًا يحملون شموسًا، ويجلون لديكم عروسًا، ويديرون لديكم خندريًا، ويغادرون رسم العقل بها دريسًا، ويحيون بقتلها مزجًا مهجًا ونفوسًا، إن أقبلوا فالبدور متجلية، وإن انثنوا فالغصون مائلة مستوية. وانظروا شعورًا زينها التجعيد، وخدودًا طرزها التوريد، وعيونًا صحتها السقام، ويقظتها المنام، ونظرتها الحمام، ولحافظها السهام، وأصداغًا مبلبلة، وقدودًا معتدلة، وأفواهًا ضمنت مسكًا وكافورًا ودرًا ومدامًا، وشفاهًا ضمنت شفاء وطيبًا ومدامًا، وخصورًا توشحت بالنحول، وأردافًا استغنت بالعرض عن الطول، فتلقينا قوله بالقبول، واشتملنا على ارتضاع در الشمول، وعدلنا إلى مشاهدة الشهود العدول، إلى أن بعث الليل رسوله، وأرخى علينا ذيوله، وزحف بعساكره، وخيم بدساكره، فنورنا ظلمه بغرر الجمع، وطعنا بهمه بأسنة الشمع. ولم نزل كذلك إلى أن هب النسيم، وسكر النديم، ورق من الليل الأديم، وامتد الضياء ولاح، وغرد الطائر وتاح، وانفرقت طرة الظلام عن جبين الصباح، ونادى المؤذن: حي على الفلاح، ونحن ما بين قتيل من كاسه، صريع من نعاسه، ساه عن جلاسه، لاه بوسواسه، همود جمود خمود، لا نسمع لنا ركزًا، ولا يكلم بعضنا بعضًا إلا رمزًا.
غيَّبَتْنا شواهدُ الصَّهْباءِ وتلاها سَماعُ طيبِ الغِناء
فبقينا صَرْعى سماعٍ وسُكْرٍ واعترانا خَطْبًا بَقًا وفَناء
مَنْ رآنا رأَى مناظر أَموا تٍ وفينا مَخابر الأَحياء
قد كملت أدوات الفرحة، وعزمنا على الصبحة، إذ طرقنا مخبر، وبما شاهده لنا مبشر. فسألناه عن قصته وما رواه، وحقيقة ما عاينه ورواه، فقال: العجائب لا تورد على وهلة، والغرائب تفتقر في وصفها إلى مهلة، والعجول ما يحمد فعله، والرائد لا يكذب أهله. رأيت صيدًا لا يصيده إلا الصناديد، ولا يناله إلا الصيد، في مكان لا أصفه إلا بالحصر عن صفته، ولا أعرفه إلا بالجهل عن معرفته. فأصغينا نحوه، ونحونا صغوه، وملنا عن الاصطباح إلى اللاصطياد، وأمرنا بإصلاح الزاد. فحين سفرت الشمس وحسرت نقابها، ورفعت عنها يد النهار حجابها، أسرجت الخيول، وأجريت كأنها السيول، واستصحبنا كل جارحة وجارح، وركبنا كل سابحة وسابح.
فمن أدهم اجتاب برد الليل واتخذ الصباح غرة، وأحمر لبس قميص سهيل يملأ القلب مسرة، يسبقان في الشوط هبوب الرياح، ويطيران لوقوع السوط بغير جناح، ومن أشقر كلون المريخ أديمه، قد تم خلقه وكرم خيمه، وأبلق امتزج الليل فيه بالنهار، مأمون العثار، ميمون الآثار، لا يعرفان الوجى، وما ركبهما إلا من نجا. ومن أشهب موشي الإهاب، كأنه مشيب من باقي شباب، وأصفر كالشمس حين توارت بالحجاب، وكلون الحبين عند معاينة الأحباب، يفوتان البرق في لمعانه، ويفوقان الطائر في يطرانه. ومن كميت كالكميت لونًا وصفاء، وورد كالورد احمرارًا وبهاء، ومن حصان كحصن، أو برق في مزن، ومن حجر ذات حجر، كأنها سحرة مسفرة عن فجر، ومن خضراء كستها خضرة الفلك أبهى وشاح، وأعارتها الريح سرعة بغير جماح، نادرة العينين، قليلة لحم الفخذين، واسعة المنخرين. ومن بيضاء قدت من فلق الصباح، وحكت ترائب الصباح.
جيادٌ تفوتُ الطَّرْفَ سَبْقًا وسُرعةً عِتاقٌ عِرابٌ من مَعَدٍّ وعدنانِ
يُنالُ عليها كلُّ صعبٍ مَرامُه ويغدو لها النائي، إِذا استُحضِرت، دانِ
تَمُتُّ بأَنسابٍ كرامٍ، نجارُها نِجارٌ قديمٌ من جِياد سليمان
ويمنعها من أَن تطير عَرامةً إِذا قُرِعَت بالسّوط، فَضلات أَرسان
[ ٢ / ٣٠٢ ]
طول الدلائل، مشرقات الكواهل، دقيقات السوالف، لينات المعاطف، جَثْلات السَّبائب، قويّات المَناكِب، عظيمات الهياكل، قُبُّ الأَياطِل، تحثّ بنا المسير إلى حيث نصير، فكلما ننتهي إلى غدير، أن نمر بنمير، وقفنا عليه، وشربنا دورًا لديه، وإذا حللنا بمرج أقمنا فيه، ونهلنا القهوة في أرجائه ونواحيه. فما توسط نهارنا، إلا وقد انكسر بالخمر خمارنا، ونشأت نشوة النفوس، وتلاشت الدوخة من الرؤوس. وما حاولنا النزول، حتى قاربت الشمس الأفول، فوصلنا إلى الموضع الذي أعرب عنه، ولم نر أطيب منه، فألقينا به العصا، وما ألفينا من عصا، ونزلنا عن المراكب، إلى المراتب، وآثرنا مفارقة الجنائب، واخترنا مقارفة الحبائب، وقد أجهدنا اللغوب، واضطهدنا الركوب. فنلنا من الطعام، وملنا إلى المنام، في روضة أريضة، طويلة عريضة.
أَقامت السُّحبُ فيها غيرَ وانيةٍ تَسْقي ثَراها بهطّالٍ من المَطَرِ
مُخَيِّماتٍ عليها مُسْيَ ثالثةٍ لكنها قُوِّضَتْ محمودةَ الأثر
أَدارها الفَلَكُ الدوّار مُحْتفِلًا بها فزيَّنَها بالأَنْجُم الزُّهُر
زهت أزهارها، وبهر بهارها، وأنار نوارها، مهتزة أعطافها، معتزة أطرافها، صافية نطافها، ضافية أريافها، نضرة أكنافها، عطرة أردافها، قد سلت عليها يد الأفق، سيفًا من البرق، وصوت هنالك الرعد، فوفى له من السحاب الوعد، وحلت السماء أفواه عزاليها، فجادت عليها بكل ما فيها، فاهتزت الأرض وربت، وأخذت زخرفها وازينت، وأنبتت من كل زوج بهيج، وتنسمت بكل نشر أريج، من شقيق كالعقيق، في بهج الرحيق، ووهج الحريق، وأقاح كالثغور، ومنثور كالدر المنثور، وورد كالخدود، وبانات كالقدود، ونفل وحوذان، وشقائق نعمان، وخزامى وأقحوان، ما بين أبيض بقق، وأحمر قان، ضاحك من بكاء الغيوم، مفاخر بناجمات زهره زهر النجوم، دال على وحدانية الحي القيوم، إذا حاول الثناء على الحيا منعه الخجل والحياء، وحصره الحصر والإعياء، فشدا بذكر رائحته، مدحًا لغاديته ورائحته. وهذه في تقريظه وتحميده. قد أحدقت بها أشجار مختلفات الأجناس، مثقفات الأغراس، قد تساوين في الطول والطلل، وتسامين عن المثل والمثل، تسقى بماء واحد ويفضل بعضها على بعض في الأكل.
دَوْحٌ زكا فعليه من أَوراقه كِلَلٌ ومن أَزهارها إِكليلُ
تُصْبي الوَرى منه بدائعُ مَنْظرٍ بَهِجٍ يَرُدُّ الطَّرْف وهو كليل
تَخِذَتْه أَصنافُ الطيور مواطِنًا فَلهنّ فيه تنقُّلٌ ومَقِيل
وتجاورٌ وتَزاورٌ وتذاكرٌ وتَحاوُرٌ وتَشاوُرٌ وهَدِيل
شَدْوٌ وتسبيحٌ وبَثُّ صَبابةٍ وتسجُّعٌ وترنُّمٌ وعَويل
[ ٢ / ٣٠٣ ]
كلما هب عليهن الهواء أمالهن كالشارب الثمل، وأدنى بعضهن إلى بعض للضم والقبل، وعطف على كل قضيب قضيبا، كما اعتنق محب حبيبا. والورق قد أخفين بأوراقهن بديع ألوانهن، وهتكن أستارهن بفنون ألحانهن في أفنانهن، ينحن ويبحن، ويغنين ويغردن، ويصدحن تارة ويسبحن، ويعجمن طورًا ويفصحن، كأنهن قينات حجبتهن ستور، أو قينات ضمتهن خدور، يتزاورن بلا رسل، ويتواصلن عن غير ملل، قد أمن المغيب، واطرحن الكاشح والرقيب، وسكن أطيب منزل، ووردن أعذب منهل. وهنالك نهر، كأن حصاه الدر والجوهر، وتراه المسك الأذفر، وماءه من نهر الكوثر، المدخر ليوم المحشر، مغدودق المشارع، سهل الشرائع. فبتنا بها ليلتنا، ونلنا أمنيتنا. فلما تبلد وجه الصباح، نادى منادي الراح: حي على الاصطباح. فقلنا ما قصدنا إلا الصيد، ولا كرامة ولا كيد. ونهضنا إلى خيولنا فركبناها، وإلى آلات القنص فاشتملناها، وإلى الجوارح فجردناها، وإلى المناهل فوردناها. فرأينا صيدًا تحار لكثرته الأفكار، وتقصر عن إدراكه الأبصار. فمن أرانب وغزلان، وحبارج وكروان، وحجل ودراج، وطير مما قد هاج، وهي في عدد الرمل والنجوم. فجعل كل صنف من الجوارح جزء مقسوم، فأفردنا الكلاب للأرانب والفهود للظباء، والبزاة للحجل، والشواهين لطير الماء. وسرنا صفًا، كأننا نحاول زحفًا. والظباء في مرابضها نائمات، وعما يراد بها غافلات، في بلهنية من العيش ودعة، وخصب في المرعى وسعة، قد أمنت البوائق، ونسيت العوائق. والأرانب في مجاثمها لبود، تحسبها أيقاظًا وهي رقود. والحجل قد فارق ثبجه، وضيع مدخله ومخرجه، منتصبًا على الإكام، لا يفتر عن الكلام، كأنه وامق مستهام، أو طافح خبلته مدام، في غفلة من فتكات القدر، وأمنة من آفات الغير. والدراج قد أخذ في الصياح، لما أحس تبسم الصباح، والبوزجات تجاوبه بالنباح، كأنما الدراج يدعوها إليه، أو كأن الكلاب تطلب ثأرًا لديه. وطير الماء في ذلك النهر العجاج، المتلاطم الأمواج، قد شرع في الازداوج، يطرب مع إلفه ويمرح، ويختال عجبًا به ويسبح، قد اتخذ الماء معقلًا يحميه، ولا يعلم أن حتفه فيه.
فما كان إلا عن قليل، ولا سرنا إلا جزءًا من ميل، حتى نفرت الظباء من مرابضها وكنسبها، مستبدلة منا وحشة بعد أنسها. فمن غزالة تزجي خشفها، وتتشوف حذرًا عليه وتقلب طرفها، وتود لو تحفظه وتقيه، وبروحها من البلاد تفديه. ومن فحل قد طار روقاه، واشتد أزره وقواه، وقد تقدم على السرب، كأنه طالب للحرب، غير محتفل بنا يمشي الهوينا ويرعى، ويلتفت تارة إلينا ويسعى، قد اعتمد على السبق في الإباق، وأمن من وشك الطلب واللحاق. ومن ظبيات يرتعن ويلعبن، ويجئن ويذهبن، غافلات عما يراد بهن، غير حافلات بما أتى إليهن.
فعمدنا إلى الفهود، وهن خلف الرجال قيام وقعود، فما منها فهد إلا وقد سمي باسم، ووسم بوسم، فاستدعينا طريفًا، وكان خفيفًا ذفيفًا، إذا عدا سبق وميض البرق المتألق، وإذا نزا كان كالسيل المتدفق.
كأَنّ الريح حين يلوحُ سِرْبٌ أَعارتْه مُعاجَلَة الهُبوبِ
يُغير فيجعل النائي قريبًا ويسلُب مهجة الظبي الرّبيب
تُلاحِظ منه حين يَجُول جسمًا تدرّع حاليًا حَبَّ القلوب
وجاء الفهاد بفهد نبيل، عريض طويل، صغير الراس، قوي الأساس، يقظ الحواس، صعب المراس، شرس الأخلاق، أهرت الأشداق، قد لبس حلة الأرقم، واقتبس خلة الضيغم، فأخذ جله وبرقعه، ولوهدة من الأرض أودعه، فانساب انسياب الصل مسرعا، وجد لما وجحد إلى مراده مشرعا، وهو يتستر استتار المريب، ويتبع الجري بالتقريب، وكلما حان من السرب التفات، وقف حتى يظن أنه نبات. فلم يزل على كلتا حالتيه، حتى دنا منه وشد عليه، ودخل في جمعه ففرقه، وعمد إلى شمله فمزقه، فطلب كل طريق النجاة، رغبة في الحياة، فما شاف، إلى الأخشاف، ولم يكن إلا أسرع من أن يرد الناظر طرفا، حتى جعل إهاب الفحل ظرفا. فجاء الفهاد إليه، ونزل عليه، وذبح ما صاده، وناوله فؤاده، وقال: ما تقولون في الشبعة، والعمل بمقتضى الصنعة، فقد أحسن الطريف، وصدر منه الفعل الظريف، ولم يبق عليه للذم مكان، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان. فقلنا: الرأي ما تراه، فدونك وإياه.
[ ٢ / ٣٠٤ ]
ثم أحضر الفهاد فهدة وحشية، تخال ظهرها حشية، قريبة عهد بالبرية، قد جرعت الوحوش كؤوس المنية، طويلة الرقبة والظهر والفخذين، عريضة الأذنين والصدر قصيرة الساعدين، وجهها عبوس، مستوحشة لا أنوس، قد حل في براثنها البوس، فطريدتها من الحياة يؤوس.
وَجْهٌ كأَنّ البدر حالة تِمّهِ أَهدى له تدويره وكمالَهُ
وَجَناته مَنْموشةٌ فكأَنما أَلقى عليها كلُّ خدٍّ خالَه
فاعترضتنا شاةٌ وطَلاها وهيَ بعينها تُراعيه، ومن أَطيب النبات تُرْعيه، فاستترنا منها، وتخفَّيْنا عنها، وقلنا للفهّاد: امض وانفرد، واقض واقتصد، فهذا مكان قصير النبات، قليل الشجرات، لا يتهيأ فيه النزول، ولا يمكن للفهد فيه الدخول، فنحن ندور عليها ونردها إليك، ولا شك أنها تطمع فيك وتحمل عليك. فلما عاينتنا وقفت، ولأغنها استوقفت، وهاج بها القلق، وبان عليها الفرق، فتشاغلنا عنها حتى قر قرارها، وسكن نفارها، وخمدت نارها، وتوارى أوارها، وانعكفت على مرعاها، ظنًا أنه يخفى مرآها، ليتم ما قدر في الأزل، وتستوفي ما بقي لها من الرزق والأجل. ثم عدنا فيه راغبين، وللفتك بها راغنين، فقمصت مليا، وخلصت نجيا، وطلبت مخرجا، فلم تجد معرجا، فقصدت الجانب الخالي نحو الفهاد، وهو لها ولخشفها بالمرصاد، فلما تمكن من الإرسال، أخذ برقع الفهدة بلا استعجال، وأرسلها فشدت، وقويت واشتدت، فأشفقت الغزالة على خشفها، فرضيت دونه بحتفها، إذ كان غير عارفٍ بالهرب، ولا قادر على التعب. ونظرت مداها، فقصرت خطاها، وتثاقلت في عدوها، وتكاسلت عن نزوها، لتطمع الفهدة في صيدها، وتحظى بسلامة وليدها، ولم تعلم بماذا الدهر دهاها، وبأي فادحة رماها، وبأي لافحة أصلاها، وبأي دمنة طل دم طلاها، فاستقامت الفهدة على العنز، فلم ينجها سرعة العدو والجمز، فتلتها للجبين، وأخذت منها بالوتين، وشغلتها بحينها عن الحنين، وانفرد الخشف كالحزين، يتفلت، ويتلفت، ويتأسف، ويتخوف، فأدركتنا عليه الشفقة، وملكتنا له الرقة، وعزمنا أن نخلي سبيلها، ولا نفرد عنها سليلها، فتراكضنا إليها، وترامينا عليها، فوجدنا الفهاد قد ذكاها، وأباح الفهدة حماها، فقلنا فات ما ذبح، وفاز من ربح. ثم قال: ما ترون في الاقتصار على هذا الطلق، والاقتناع بما اتفق، فالفهود معكم كثيرة، ومدة نهار الصيد قصيرة، وإصلاح الجارح أصلح، والإحسان إليه أربح، فما تركتم فيه وجدتموه، وما شرهتم عليه حرمتموه. فقلنا: افعل ما بدا لك، ودع جدك وجدالك.
ثم قدم الفهاد فهدًا ربيبًا، عاقلًا أديبًا، كامل الأنس، كأنه من الإنس، قد هذبت التربية أخلاقه، وأذهبت شقاقه، وحلى الإصلاح مذاقه، فهو ولاج خراج، مهتاج كأنه محتاج، دخال إذا أدخل، نزال إن أنزل، مرواح إن أرسل.
يَشُدّ على الطّريدة ثم يَهوي فليس ترى به إِلاّ التماحا
فيُرديها مُعاجَلَةً كأَنْ قد تضمّن كفُّه القَدَرَ المُتاحا
له خُلقُ اللّيوث فكلّ وقت يزيد على بَسالتها جِماحا
وخَلْقٌ تنظر الأَبصار منه كأَنّ عليه من حَدَقٍ وِشاحا
[ ٢ / ٣٠٥ ]
الريح حاسرة في مجراه، والظباء حائرة في مرجاه، قد نقي بياضه، وحلك سواده، وأمن إعراضه، فملك قياده، فأخذنا معنا، والتأمنا واجتمعنا، وجئنا إلى أرض سبخة لا حشيش بها ولا مدر، ولا شيح ولا حجر، وبها قطيع قد نيف على العشرين، ولم يبلغ الثلاثين، فلما قربنا من السرب، طبنا أنفسًا بالخصب، ووثقنا بالكسب، وهو في الهرب، ونحن في الطلب، نخشى أن يفوتنا، ونحرم منه قوتنا، فأجمعنا على أن نطرحه وندور عليه، ونرده إليه. فتركنا الفهد من تحت الهواء، ومضينا في طلب الظباء، وهو قد لم بعضه في بعض، كي يخال قطعة من الأرض، وقورنا حتى جئناها من أمامها، كأننا نسوقها بزمامها، فانقلبت على أعقابها، ملتفة بأصحابها، ملتفتة إلى طلابها، ونحن نقودها إلى حتفها، ونذودها عن إلفها، فحين ضيقنا عليها الحلقة والخناق، اعتمدت على الإباق، وأمنت اللحاق، فرماها صرف القدر على الفهد، ووفى له فيها بالعهد، فقام عليها مستطيلًا مغيرا، فخلناه من سرعته برقًا مستطيرا، فأفرد منها عنزًا حائلا، رعت العشب حولًا كاملا، فنظرنا وإذا بالعجاج قد ثار، ودم الأدماء قد فار، فأسرعت بنا إليه الجياد، وقد سبقنا عليه الفهاد، وهو يرقص فرحًا، ويرتجز مرحا؛ ويقول: ما في الحق مرية، وليس بعد عبادان قرية، ولا بد أن نكتفي بالحصة من خلاله وحلاله، ونكفيه الغصة في خطاه وملاله، فالشقي من طمع، والسعيد من قنع، والرزق مقسوم، والحريص محروم، والتلويح يغني عن التصريح، وهل جزاء الجميل غير الجميل، وما على المحسنين من سبيل. فقلنا إليك فوضنا أمره، ومنك نطلب نفعه وضره.
فلما قضينا من الفهود الوطر، أفضينا إلى المرج ويممنا النهر، وجعلنا طريقنا مظنة الأرنب، وتقاسمنا لصيدها جياد الأكلب.
شَمَرْدَلاتٌ واسِعاتُ الآماقْ سُودُ الزلاليم وَشُهْلُ الأَحْداقْ
غُلْبٌ مَهاريت طِوالُ الأَعناقْ قُبٌّ سَواطٍ شَرسات الأَخلاقْ
يلثُمن تُرْبَ الأَرض لَثْمَ المُشْتاق كأَنهن يستَمِحْن الأَرزاق
للوحش من سُلْطانهن إِفراق لا عاصمٌ منها له ولا واق
ولا مجيرٌ لا ولا شافٍ راق
فجر كل واحد منا كلبا، وتفرقنا كأننا نحاول نهبا، فطفقت الأرانب نافرات، والكلاب لهن كاسرات، فحصلنا منهن على الفرج والنزه، ونكبنا عنهن وتركنا إلحاح الشره.
واستحضرنا البزاة والشواهين، وعرضناهن علينا أجمعين.
فاستدعى النقيب بالكلاب، فجيء بباز أصفر نقي، شاطر ذكي، طويل عريض، أزرى بلونه على البيض، نادر الأحداق، طويل الساق، قصير الجناح، يسبق في الطيران عاصف الرياح، صحيح سمين، قوي أمين، لا يرجع عن كل ما يرسل عليه، ويسبق حمامه إليه.
شَهْمٌ غدا يَزينه اصفرارُهُ محمودةٌ في صَيْده آثارُهُ
طائرُه لم يُنْجِه فِرارُه ولم يُوَقِّ نفسَه فرارُه
ولم يردّ فتكه حِذارُه كأَنّما سفكُ الدِّما شِعارُه
أَو حلَّ في مِنْسره شِفارُه
ثم استدعى بالفاره، فأتي بباز أحمر، أسود المنسر، رحب المنخر، مليح المنظر، أزرق الحجر، أسود القفا، أحدب الظهر، شديد القوى حديد البطش والقهر.
فاق البُزاةَ بلَوْنِه المتمرّجِ وعلا بحمرته على الإصبهرجِ
ذو مِنْسرٍ رَحْبِ المَناخِرِ أَسودٍ شمطاءُ هامته كرأس الزُّمَّج
وكأَنّ زُرْقَة عينه في ماقها سَبَجٌ أَداروه على فَيْروزج
سَلَبَ العُقاب سَوادَه فتراه من كلّ الجاورح حاليًا بنَموذج
غطراف عريض الصدر قوي الأكتاف، من أحسن الأنواع والأصناف، يحسن النزول، ولا يعرف عما يرسل إليه النكول.
ثم استدعى بالفاتك، فجاءوا بالباز الأسود الحالك، قد ادرع بحلة الغراب، وارفتع عن خلقة العقاب، زمجي الراس، قوي الأساس.
جَوْنٌ تُلاحِظ منه منظرًا حسنًا له تَصيرُ البُزاة البيض كالرَّخَمِ
يَنال حامِلُه من حَمْله تعبًا يَفِرّ منه إِلى الإِعراض والسَّأَم
كأَنّ ما بين هاديه ونَيْفَقه تَلَهُّبُ النّار في دِقٍ من الفَحَم
[ ٢ / ٣٠٦ ]
مقرنص حيل، في كل خصاله مكمل، لا يستنكف من صيد السمانى والحجل، ولا يضعف عن الكركي والحرجل.
ثم استدى بالجسرة فحضر زرق أبيض لطيف، رشيق ظريف، كبير الراس، سهل المراس، قد حير عقول الناس، أحمر العينين، قصير الجناحين، غليظ الساقي، حسن الكف، مدور ملتف.
مُوَضَّنٌ، كبياض الثّلج ما سمحت بمثل صورته كلُّ الأَعاصيرِ
كأَنّ حُمْرَة عينيه وهامته سُلافةٌ فَضِلتْ في كأْس بَلُّور
فانظر إِلى نُقَطٍ في جُؤْجؤٍ لطُفَتْ كأَرجل النَّمل في تِمْثال كافور
مقرنص بيت، قد سلم من لعل وليت، تصير الطيور له كسيرة، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة.
ثم استدعى بالشهاب فأقبل بشاهين بيضاء كافورية، من كل عيب برية، مدنرة الصدر مدرهمة القفا، شيمتها ترك الغدر والأخذ بالوفا.
بيضاء كافوريّة اللون ما تنجو سباع الطير من كَيْدها
إِن أُطْلِقَتْ فالطيرُ من خوفها حاصلةٌ بالرّغم في قيْدها
وكلُّ ما يعلوه ريشٌ ففي قبضتها كرْهًا ومن صَيْدها
فكلية الدوران، بريقية الطيران.
ثم استدعى بالصاعقة فرأوا شاهين حمراء كالدينار، شديدة الاحمرار، طويلة الجناحين، قصيرة الساقين.
بحريّة أَرْبَتْ على العُقْبانِ جَلَّتْ عن الأَشكال والأَقرانِ
تَرْقى فما تُدْرَك بالعِيان الطائرُ القاصي لها كالدَّاني
تنقضّ كالنّجم على الشيطان
عريضة بعد الأكتاف والصدر، غير متعرضة للخلاف والغدر.
ثم استعدى بالمنجنيق فحضرت شاهين صفراء محية، نادرة بحرية، كثيرة النشاط، كبيرة الأقراط، طرية الأرياش، فرية الاستيحاش.
بُحَيْرِيةٌ مُحِّيَّةُ اللّوْن طُرِّزَتْ بأَفعالها المُسْتحسناتِ نُعوتُها
إذا أُرسِلتْ رامت عُلُوًّا كأَنما أُعدّ لها في منتهى الجوّ قوتُها
فإِنْ نحن أَقلعنا الطيور تحدَّرت كصاعقةٍ حِرصًا عليها تُميتها
صيدها الخفاف والثقال، وعثرة طائرها ما تقال.
ثم استدعى بالحطام فعبر بكرك أسود بحري، حسن سري، مردد ملتف، واسع الصدر قوي الكف.
مُشْرَئِبٌ ماضي البراثن ساطٍ مُستحيلٌ للطَّيْر منه النَّجاءُ
مُسْتَحِلٌّ سفك الدماء فما يسكن يومًا حتى تُراق الدِّماء
كم وكم لاذ بالهواءِ عِتاقُ الطّير منه فلم يَصُنْها الهواءُ
وكذاك استجار بالماء طير الماء خوفًا فما أجار الماء
مشمر عن ساق، كأنه متنمر لإباق، يثب إلى فوق، كأن به إلى السماء داعي شوق.
فلما استكملنا العدد، واستتممنا العدد، أخذ كل واحد منا بسباقة بازه وشاهينه، وسرنا على التؤدة والهينة، والسواعد والأنامل، لهن قواعد وحوامل، وحذرنا السهو والتغافل، وتحريق اليد والتراسل، وكل من طار بين يديه طائر أرسل عليه، والباقون ينظرون إليه، والبوزجات على الخيل قيام وقعود، كأنهن فهود.
فمِنْ أَبيضٍ ساطس أَقبَّ شَمَرْدَلٍ يفوق بياضَ الأُقْحُوان المُنَضَّدِ
ومن أَبلقٍ يلقى العيونَ بحُلَّتَيْ بياضٍ نقيٍّ واحمرارٍ مُوَرَّد
إِذا طائرٌ رام النَّجاة تبادرا إليه كسهمَيْ قوسِ رامٍ مُسَدّد
فإِن غاب شمّا التُرْبَ قصًّا كأَنما استعانا عليه بالدّليل المُجَوِّد
فهي تنظر طائرًا تبيره، أو كامنًا في نبجة تثيره، فطار بين يدي صاحب الزرق حجلة، وارتفعت إلى السماء فأرسله، فلزم لها وجه التراب ينظر إليها بإحدى عينيه شزرا، ويخفي نفسه عنها نكرًا، فلما بعدت همت بالنزول، وأرخت رجليها، فنزا طالعًا إليها، فلقفها ونزل، وحسن فيما فعل، وسارع صاحبه إليه، وذبح في رجليه، ولم يقم حتى أشبعه، وبالشقة رفعه، وقال: ما كل من وعد وفى بالوعد، وليس في كل واد بنو سعد.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
ثم طار عن يسار صاحب الباز الأصفر فحل دراج وعلا، ولحق بأعنان السماء فأرسله عليه فتواطى واعتنق الكلا، يجر فاضل سباقيه، ولا يفتر من النظر إليه، فعاين الدراج مدرجا، ورأى نبجا، وعزم على النزول به، طمعًا في حمايته وتأشبه، وشآه الباز محلقا، وتلقفه متعلقا، فقال صاحبه قد حصل، فقرط من كفه ونزل، وولج النبج، وأقسم أن لا يخرج، وانغمس الباز معه في العوسج، انغماس القرم المحوج، فدنا منه صاحبه وقرب، وأقام يده له فركب، فصرنا بأجمعنا نطلبه، وألقينا الكلاب لعلها تجذبه، وهن ينشقنه، كأنهن يشتقنه، ينبحن ويشخرن، ويبصبصن بأذنابهن ويكشرن، وقد قاسين محنا، كأن له عندهن إحنا، فعجبنا من كيده، وعجنا عن صيده، والكلاب تشم رائحته ولا ترى له جرما، كأنما أتى إليها جرما، تجد الفتك به غنما، والترك له غرما، فوقفنا حوالي النبجة، ونظرنا من خلال العوسجة، فإذا هو فيها كامن، وبها واثق آمن، فوكزناه بمنسأة فطار، وعجل الفرار. فأرسل الباز في كتفه، فأذاقه مر حتفه، ونزل عليه، وذبح في رجليه، وأطعمه ما اشتهى، وخلص منه الباقي لما اكتفى، وتمثل بقول من نطق بالحكمة، ما كل بيضاء شحمة.
وانحرفنا فأقلع من ورائنا ديك حجل، كمذعور وجل، يجد في الطيران، مرتفعًا إلى كيوان. فنام الغطريف له ففتح يده عليه وأرسله، فخرج مبريًا إليه وواصله فحصله، فأعجبنا ما رأيناه، وعوذناه بالله وفديناه، فمضى صاحبه وذبح في كفه، وأشبعه إلى أنفه، وقال: ليس الخبر كالعيان، ماء ولا كصداء ومرعى ولا كالسعدان.
وسرنا فرأينا من بعد أشباحا، فقربنا إليها ارتياحا، فألفينا كراكي، كأنهن بخاتي، واقفات على غدير الماء، متعلقات على المرعى، فرمقننا بأحداقهن، وتطاولن بأعناقهن، ولما رآهن صاحب الباز الأسود ستره، وما أظهره. فقام الباز على دابرتيه إليهن، وحملق عينيه عليهن، فقال: أرى بازي تقاضاهن، لما ضاهاهن فما ترون في الإرسال، وعلى نتكل في جميع الأحوال. فقلنا: بازك قادر، وأنت به خابر، فأرسله إن قوي العزم، وأسرع فهو الحزم، فأنزل يده له فسقط عنها كالورقة، يفتح جناحيه ويقلقهما كالبوتقة، وأطلق فرسه، خلفه ليحرسه. فأقلعن، وعن الأرض ارتفعن، فحصل بينهن، وقصد حينهن، وسلب أكبرهن وأصلبهن، فصار صاحبه إليه، وجعل رجله على رجليه، وفتح فكيه، وذبح في كفيه وكتف جناحيه، وناوله رأسه وأشبعه عليه، وهو يقول: زاحم بعود أو دع، إذا قالت حذام فصدقوها، إن الجبان حتفه من فوقه.
وانتهينا إلى مظنة طير الماء فوجدنا نقيعًا كبيرا، وطيرًا كثيرا، فتقدم الذي على يده الشهاب وصفر لها، وخلى سبيلها، فدارت أضيق حلقة، وأخذت أوفى طبقة، ولحقت بالحبك، ولاحقت قبة الفلك، فأقلعنا إليها الديازج مع الملاعق، فانقلبت أسرع من نزول الصواعق، فزجت ديزجا وعلقت ملعقا، فجاء وشق لها جنبه، وأطعمها قلبه، وقال: الخير لا يؤخر، والمحسن بالإحسان إليه أجدر، فقلنا له: رأيك صائب، ومخالفك خائب.
ومشينا قليلا، فألفينا فيضًا عريضًا طويلا، وعاينا طيرًا مهولا، فأرسل الصاعقة عن يده فأسرعت في الدوران، وارتفعت في الطيران، كأن لها في السماء أربا، أو كأن بينها وبين الملائكة نسبا. فطيرنا لها الذكور والإناث، واعتمدنا في إطارتها الاستحثاث، فانقلبت أسرع من الكوكب المنقض، والشؤبوب المرفض، فصادت أنثى، فعاد فحلها إليها حثا، ليخلصها منها، ويذود دونها عنها، وجاء إليها ضربًا بالجناحين، فلم يعلم أنه جان جنى الحين، فعلق الشاهين برجله رأسه، وجرعه من الحتف كأسه، فأسرع صاحبه النزول، وذبحهما وهو يقول: على مثل ليلى يقتل المرء نفسه، ما كل غانية هند، فتى ولا كمالك، لكل مقام مقال، ولكل مقال رجال، ولكل رجال فعال، ولكل فعال مآل، وما بعد الهدى إلا الضلال.
وسقنا فرأينا نهرا، ووجدنا عنده إوزا، فأطلق المنجنيق، فارتفعت إلى العيوق، فأقلعنا لها الإوز، وقلنا: من عز بز. فانقلبت كالبرق الخاطف، بدوي الرعد القاصف، وهبوب الريح العاصف، وقصدت سمتهن، وصارت من إشفاق الغرق تحتهن، وحملت عزة، واحتملت إوزة. فقال صاحبها: كل الصيد في جوف الفرا، والحق ما فيه مرا، وفي اللجاج حرمان، والزيادة ما لها نقصان. وفداها وعوذها، وأشبعها وأخذها.
[ ٢ / ٣٠٨ ]
ثم أتينا إلى ساقية فرأينا فرافير فرفعنا الحطام عليهن فارتفع، ودار وما وسع، يحفظ رؤوسنا، ويطيب نفوسنا، إلى أن غاب عن الأبصار، وتوارى عن النظار، فأشفقنا من أفوله، وشككنا في نزوله، فطيرنا له الفرافير وكانت عشرا، فنزل كأن له عندهن وترا، فصاد واحدًا فأخذناه وخلصناه، ثم عدنا وأرسلناه، فأعاد من دورانه أحسن مما أبدى، ثم انقلب إلى الطيور ولآخر أردى. ولم يزل كذلك يصيد ونرفعه، ويحسن وما نشبعه، حتى أتى على الجميع، وأبدع في الصنيع، فعند ذلك وفيناه طعمه، ووفرنا قسمه.
ثم عدنا إلى المضارب، لقضاء المآرب، فوجدنا من تخلف من الأصحاب، قد أعد يابس الأحطاب، فأضرمت النيران، وقدم الخوان، وحضر عليه الإخوان، وشرعنا في تناول ما أعده الطاهي وهياه، وحضرنا ما قنصناه فاشتويناه، ثم شرعنا الخيام، وأقعدنا القيام، وأحضرت الراح وآلاتها، ودارت بالأقداح سقاتها، فاجتلينا شموس العقار، من أيدي الأقمار، وحركت الأوتار، وجاوبتها الأطيار، وعلت الأصوات، وحلت الأوقات، والقمر طالع، والماء للنسيم دارع، والغدير لمقابلة النجوم له كأنه سماء، ونحن إلى ما في أيدي السقاة ظماء، نستجلي محياها، ونستحلي حمياها.
نستغنم العمرَ والأَقدارُ غافلةٌ عنّا، وغَرْبُ شَبا الأَيام مكفوفُ
ونقطع الدَّهر ف أَمنٍ وفي دَعةٍ وَصْلًا، وطَرْفُ صُروف الدهر مَطْروف
وأَطيبُ العيش ما جاد الزمان به مُسَلَّما، ليس تعروه الأَراجيفُ
فما الحياة ولو طالت بدائمةٍ فلا يَغُرَّكَ تعليل وتسويف
وما برحنا كذلك إلى أن غرب القمر، ودنا السحر، وكره السهر، فأخذنا من النوم نصيبا، وضاجع كل محب حبيبا، فلام طوى الليل سرادقه، ونشر الصبح بيارقه، انتبهنا من الرقاد، وانتهبنا آلات الاصطياد، وفزنا في اليوم على الأمس بالازدياد.
ولم نزل عشرة أيام، في صيد وشرب مدام، حتى مللنا ما كنا فيه، وعزمنا على ما ينافيه، فملنا عن الحركة إلى السكون، وانتقلنا من الصحاري إلى الوكون، وقلنا: إلى متى سفك الدما، والفتك بالدمى، وحتمام نفرق بين الألاف، ونفوق سهم البين إلى الأحلاف، فهل وثقنا بالأقدار، ونسينا تقلب الليل والنهار، وهل أمنا أن نصاب بما أصبنا به، وننتاب بظفر الزمان ونابه، فرجعنا نطلب منازل، خوالي منالمكاره حوالي بالمكارم أواهل، فلما دنونا من العمران، ووجدنا رائحة الأوطان، قال بعض الإخوان: ما ترون في النزول بالبستان؟ فامتثلنا أمره، والتثمنا صدره، والتزلمنا حكمه، وارتسمنا رسمه، ودخلنا إلى بستان، كأخلاق الجان، معمور بالروح والريحان، تتشاجر الورق في اوراق أشجارها، وتنفث في عقد سحرها نفحات أسحارها، وتتجاوب البلابل ببلابل أشجانها، وتتناوب العنادب بفنون ألحانها في أفنانها.
فمن فائزٍ بالوَصْل لم يذق النَّوى يُناغي جِهارًا إلفَه وينوحُ
وراقٍ ذُرى غُصنٍ رطيب فدأَبه ينادي إِلى محبوبه ويصيح
وذاتِ قرينٍ لم تفارقه لحظةً فمِنْ شَعفٍ تغدو به وتروح
ومِنْ فاقدٍ إِلفًا يَهيم صبابةً إِليه ويُبدي حُزنَه وينوح
وانتهينا منه إلى قصر قصرت عن نعته الهمم، وصغرت عنده إرم، شاهق البناء، رائق الفناء، فائق الأرجاء، فاستدللنا بالظاهر على الباطن، ويحسن المسكون على إحسان الساكن، فيه بركة قد حركت راؤها، وفي وسطها فوارة قد ارتفع إلى السماء ماؤها، كأنها رمح قد طعن به في نحر السحاب، فجاد عليها بواكف الرباب، قد أديرت بأكواب وأباريق، مملوءة من سلسبيل ورحيق، فاستوينا في الإيوان، وتناولنا ما حضر من الألوان، وارتحنا إلى الراح، واستهدينا كيمياء الأفراح.
فأقبل شادن رخيم الدلال، عديم المثال، منتشي الطرف، متثني العطف، فصيح اللهجة، مليح البهجة، خفيف الخصر نحيفه، ثقيل الردف كثيفه، ساجي اللحظ، شاجي اللفظ، متأود القد، متورد الخد، قد أطلع البدر من أزراره، وأودع الدعص في إزاره.
رَشَأٌ يتيه بحُسنِه وجَمالِهِ فاق البدور بِتِمِّه وكمالِهِ
أَزْرى بكل مُوَحَّدٍ في حُسْنه حتى ببهجة شمسه وهلاله
[ ٢ / ٣٠٩ ]
يسقي الشَّمول بلحظه وبلفظه ورُضابه ويَمينه وشِماله
فالسُّكر من لحظاته وفُتورها لا ما يعاطي الشَّرْب من جِريالِه
حيّا فأَحيانا بوَردة خدِّه وشدا فأَطربنا بسحر مقاله
ريا من ماء نضارة ونعيم، وفي يده كأس مزاجها من تسنيم، فأسكرنا النظر إليه، قبل تناول ما في يديه، وحيانا بنرجس عينيه، وحبانا بورد خديه، فعقرنا الألباب بالعقار، وخلعنا العذار في حب العذار، وقضينا الأوطار بالأوتار، وتوفرنا على معاطاة الشراب، ومناغاة الأحباب، وما توقرنا عن الرضا برشف الرضاب، والاقتضاء بكشف الحجاب.
وما زلنا على تلك الحال، حتى استهلت من رجب غرة الهلال، فخالفنا الهوى، وحالفنا التقى، وانتجعنا صوب الصواب، وادرعنا ثوب الثواب، واستدركنا فارط الزلل، وخفنا حابط العمل، ومنينا من تلك الرفقة بالفرقة، ودقعنا من تلك الصحبة إلى الغربة، وتفرقنا في البلاد، وتشتتنا في الأغوار والأنجاد.
وهذه سيرة الأيام في الأنام، وفعالها بالخاص والعام، لذتها كالأحلام، ويقظتها كالمنام، جعلنا الله من الفائزين بالخلود في دار السلام.
قد كتبت هذه الرسالة على ما بها، ورددت غلطها إلى صوابها.
ومن شعره في غير الرسالة قوله في حبيب حرم وداعه، نقلته من خطه:
وكنتُ إِذا ذِكْرُ التفرُّق راعني أُطمِّن قلبي منكم بوَداعِ
فحالتْ أُمورٌ دون نفسي وسُؤلها فقنَّعْتها من ذكركم بسماع
وقوله يذم صاحبًا له:
وصاحبٍ لا أَعاد الدهرُ صُحْبته صَحِبْتُه، وأَراه شَرَّ من صُحِبا
لا يستقيم على حالٍ فأَعرفَه ولا يفوه بخيرٍ، جَدّ أَو لعِبا
إِن زرتُه قاضيًا حقَّ الإخاء له غاب احتجابًا وإِن أَهملتُهُ عَتِبا
وإِن تنصَّلتُ مما قال مُعتذِرًا أَبى القَبُول، وإِن عاتبتُه غضبا