الطبيب موفق الدين، أبو طاهر، أحمد، بن محمد، بن البرخشي. فيلسوف العصر في الحكمة والطب. أوحد الزمان بديعه، قد برعت في العلم صناعته وبهر في الكرم صنيعه. كريم الشمائل، ظريف المخايل، متلطف في تطببه، متطرف لكل علم، عارف بكل فن. عزيز النفس عزوفها، لا يخالط إلا الأكابر، ولا يألف إلا الصدور. محله في صدور الصدور، وموضعه في قلوب ذوي الإقبال بالقبول. وهو مع ذاك مأوى الضعفاء، وملجأ الملهوفين. يبر من ماله وجاهه بما يمكنه، ويحسن إلى قاصديه بإفادة ما يملكه وما يحسنه. محبوب إلى كل قلب، محبوٌّ بكل حسنى.
ومن فضائله أنه تندر له أبيات حكمية، هي في ثوب علمه بمنزلة الطراز المذهب.
أنشدني له ب واسط، ليلة الخميس حادي عشر شهر ربيع الآخر سنة ستين وخمس مئة، وكنا مجتمعين نتذاكر طرف الأشعار، ونتجاذب أطراف المعاني المستحسنة، في غلام ناوله خلالًا:
وناوَلَني مِن كفّه شبهَ خَصْرِه ومثلَ محبٍّ ذابَ من طول هجرِهِ
[ ١٣٨ ]
وقال: خِلالي، قلتُ: كُلٌّ حميدةٌ، سِوى قتلِ صَبٍّ حارَ فيك بأمرِهِ
وأنشدني فيمن حج من واسط، وكان ظالمًا:
لمّا حَجَجْتَ، استبشرتْ واسِطٌ وفولسايا وفتى مَزْيَدِ
ذكر أنه ابن سمكة، وفولسايا في إقطاعه، وابن مزيد رئيسها.
وانتقل الوَيْلُ إلى مكّة ورُكنِها والحجرِ الأسودِ
وأنشدني لنفسه في مكاتبة بعض الناس بعضهم ب العالم:
لمّا انمحت سُنَنُ المكارمِ والعلى وغدا الأَنامُ بوجهِ جهلٍ قاتمِ
ورَضُوا بأسماء، ولا معنى لها مثل الصَّديق، تكاتبوا ب العالِمِ
أخوه: هذا، معروف بالشعر، مجتدٍ به.