العلوي الحسيني الضرير
شاب ظريف، حسن الصوت.
كان ينادم الأكابر بإنشاد الأشعار المطربة الغزلة، كأشعار مهيار والرضي ومن يجري مجراهما، ثم ابتدأ يعمل شعرًا، ويتكلف الصنعة فيه بالتجنيس والتطبيق. وكثر ذلك منه حتى غلب عليه النظم، ومهر فيه، وتمهر في نظمه، وحسنت ألفاظه وراقت.
فمما أنشدني من شعره، ما نظمه في عند ورودي واسط في عمل الوزير، سنة أربع وخمسين وخمس مئة:
قدمتَ يا مَنْ رقاه في العلى قدمُ وقدمة شادَها التّأييدُ والقِدَمُ
يا مَعدِنَ الحسنِ والإحسانِ، يا ملكًا يَعُمُّ منه الورى الإكرامُ والكرمُ
يا عاقرَ البُدْنِ والأبدانِ، دامَ لك الْ إِنعام في الدَّهر، يا مَنْ قولُه نَعَمُ
محمّد أنت محمودُ السَّجِيَّةِ، إِذْ نفت همومَ الورى عن عزمك الهِمَمُ
وأنت في عالَم الدُّنيا، بفضلك وال عِلمِ الغَزيرِ وإدراكِ العلى، عَلَمُ
هذا العزيز الَّذي ذَلَّت لِعزَّته ال عِدا، وعزَّ المُوالي فَهْوَ محترمُ
يا مُعرِبَ اللفظِ، يا مَنْ في الورى شَهِدت بفضله وعُلاه العُرْب والعجمُ
ومَنْ يقلّم أظفارَ الزَّمانِ، إذا أبدت له منه حُسنَ السِّيرة الشِّيَمُ
كم خُلَّةٍ منه سَدَّت خَلَّةً بنَدىً ومِنّةٍ من كُلوم طيَّها كَلِمُ
لا يملِكُ الذَّمُّ منه العِرضَ من أحد يومًا، ويملِكُه الميثاقُ والذِّمَمُ
حرمانُ راجيهِ جُرمٌ عندَه، ولِمَنْ يلجا إلى ظلّه من رَبْعه حَرَمُ
في الجود، سار أَمامَ النّاس عن أَمَم إلى مَدىً عجَزَت عن شَأْوه الأُمَمُ
قدِمتَ كالأمن بعدَ الخوفِ، أو كنُزو لِ الغيثِ، من بعدِ ما ضَنَّتْ به الدِّيَمُ
لا زِلتَ تبقى قَريرًا في بُلَهْنِيَةٍ لخادم سَبقَت منه لك الخِدَمُ
ومما أنشدنيه أيضًا لنفسه، وقصدني ب الهمامية، في صفر سنة ستين وخمس مئة:
عَلامَ جَنَّبْتَ من السَّفْحِ العَلَمْوزُلْتَ بي سَلِمْتَ عن وادي سَلَمْ؟
[ ١٤٠ ]
وهذه الكُثبانُ من رمل الحِمى أَمامَ عينيك، تلوحُ عن أَمَمْ
أما ترى القلبَ، وقد قام لِقُرْبِ الدّارِ من غرامه على قَدَمْ؟
يا حادِيَ الأَظعانِ، رِفقًا، لا تُطِلْ سيرًا، أَقِلَّ الحَثَّ، واحبِسِ النَّعَمْ
ففي الخِيامِ مُدْنَفٌ، تحسَبُهٌ من النُّحول بعضَ أَطنابِ الخِيَمْ
هذا، أخذه من قول صردر:
وكم ناحلٍ بين تلك الخِيا مِ، تحسَبُهُ بعضَ أطنابِها
أصبح بينَ مُغرِقٍ ومُحرِقٍ: دمعٍ، ونارٍ في الفؤاد تضطرمْ
كم جحَدَ السَّلْوَى فما أغنى، وكم كتَمها، والدَّمعُ يُبدي ما كتَمْ
فلم يُجِبْ قولي، كأنَّ قلبَه صُمُّ الصَّفا، أو حشوَ أُذنيه صَمَمْ
وراحَ يشدو، لا أُقِيلت عثرةٌ لِعيسِه، ولا سُقِي صَوْبَ الدِّيَمْ
أقسمت بالجمع على جَمْع ومَنْ أقامَ في ذاك المَقام واستلَمْ
ومَنْ صفا على الصَّفا وب مِنَى نالَ المُنَى، والمُحْرِمِينَ والحَرَمْ
إِنّيَ، مُذْ فارقت سُكّانَ الحِمى، فارقَ عينيَّ الكَرى ولم أَنَمْ
وإِنَّ قلبي، مُذْ نأى خُلاّنُه عن الحِمى، بينَ ضُلوعي لم يُقِمْ
يا قلبُ، دَعْ عنك الهوى، وارجِعْ إلى حُسن التُّقَى، والبَسْ حميداتِ الشِّيَمْ
فهذه الدُّنيا متى دانت نَبَتْ، وغيرُ فعلِ الخير يُورثُ النَّدَمْ
كم غادرت بغدوها شَبِيبةً أَنيقةً، فبدَّلَتْها بالهَرَمْ
وصرفت بصَرْفها عن ذي قُوَى صِحَّتَهُ، وعَوَّضتها بالسَّقَمْ
ومن مديحها:
واللهِ، ما نالَ العلى غيرُ امْرِئٍ أضحى وأمسى بالعَلاء ملتهم
حَبْرٌ، فصيحٌ، لَسِنٌ، مُفَوَّهٌ أَحكامُه تنطِقُ فينا بالحِكَمْ
سِيرتُه والوجهُ منه، كشَفا عن الورى الظُّلْمَ العَمِيمَ والظُّلَمْ
في وجهه بدرٌ، وفي بَنانه بحرٌ من الجود، وفي الأنف شَمَمْ
قد فاق قُسًّا في البيان، وشَأَى في البأس عَمْرًا، والنَّدَى بَذَّ هَرِمْ
يا صاحبَ الإِنعامِ، بل يا عاقرَ الْ أَنعامِ، يا ساحبَ أَذيال النِّعَمْ
يا ابنَ العزيزِ، دُمت في العزِّ، فقد فاقت يداك بالنَّدَى صَوْبَ الدِّيَمْ
وسمعت، بعد سفري إلى الشام، أنه لحق بالخبير العلام، وضمت عليه أضلاع الرجام.