الوراق الكتبي الحظيري
من الحظيرة مجاورة ل عكبرا.
أبو المعالي ذو المعاني، التي هي راحة المعنى العاني؛ وراق، لفظه رق وراق، وكسا غصنه الأوراق، وهلال معناه الإشراق.
ذو فنون، غضة الأفنان، وعيونٍ، تقر بها عيون الأعيان، ورهونٍ، يستبد بها عند الرهان.
ضاع عرفه، وما ضاع عرفه، وسبق في إنشاء طرفه طرفه، وبخس حظه الزمان فجرعه صرفه صرفه. فهو بيع الكتب على يده متعيش، وعلى القناعة عن غيره منكمش، وعلى الأنس بالعلم بما سواه مستوحش.
ذكيُّ، ذكاء ذكائه تطلع على نشر له في الأدب ذكي. ألمعي، يذيق كل فصيح ببلاغته ألم عي. حظيري، ينال الصادي من حظيرة دره حظ ري. كتبيٌّ، يعرف الكتب وما فيها، والمصنفات ومصنفيها، والمؤلفات ومؤلفيها.
له التصانيف الحسنة، التي اتفقت على إطرائها الألسنة، وثنت إليها من الفضلاء عنانها الأثنية المستعذبة المستحسنة.
نشر نثره وشي بوشيه، ونجم نظمه نجم في سماء وعيه، ونقاش الصين سرق من سرقه، وصناع صنعاء مطلقة بانقطاعها في طلقه.
المسك في الطيب دون ذكره، والعنبر معرب عن بره.
وجوده ب العراق بين الطغام، وجود الذهب في معدن الرغام.
جامع الكتاب النفيس، الموسوم ب لمح الملح في التجنيس، ومؤلف كتاب الإعجاز، في الأحاجي والألغاز، وقائل القول المستجاد، والشعر المستفاد.
نظمه بديع صنيع، وخاطره في إبداعه وإيداعه كل معنى حسن جريٌّ سريع، وشعار شعره المجانسة والمطابقة، والمبالغة في إعطاء معانه حقه والمحاققة. فشعره مصرع مرصع، معلم بالعلم ملمع. برده مسهم مفوف وسهمه مفوق، وعوده رطيب مورق وشرابه مروق، وبحره فياض، ودرعه فضفاض، وضرغامه للفضل فارس، وفرسه على طرف الفصاحة فارس، سمعت بشائر سيره الحجاز وفارس.
سوق الأدب قائمة بمكانه في سوق الكتب، وإذا حاورته لا تسمع منه غير النكت والنخب. قلبه قليب المعنى، ونحره بحره، وصدره مصدره، وسحره سحره، وخاطره غيثه الماطر، وليثه القاهر، وجنانه من الجنان، فإنه معدن الغر الحسان، ولسانه كالسنان، والعضب اليمان، وخطه كنقش الممزج حلو، وكالممزوج المصرف صفو، ومن كل عيب خلو.
رائق الكلام رائعه، وشائع في البلاد ما يطرز به وشائعه. عجيب الفن غريبه، غض الفنن رطيبه.
مقطعاته أكثر من قصائده، فإنه يقع له معنى فينظمه بيتًا أو بيتين في فرائده.
وقد ألف كل مؤلف طريف، وأودعه كل كلام لطيف، ولا يكون اعتناؤه - أكثر زمانه - إلا بالجمع والتأليف، وتصريف القول في التصنيف.
ولم يزل مجمع الفضل دكانه، ومنبع الفضل مكنه. وكنت أحضر عنده، وأقدح زنده، وأستنشق بانه ورنده، وهو ينشدني ما ينشيه، ويسرح خاطري فيما يوشيه.
أنشدني لنفسه في وصف العذار، مقطعاتٍ أرق من الاعتذار، غاص على ابتكار معانيها بالافتكار.
فمنها، قوله من الأبيات العذاريات:
مُدَّ على ماء الشّباب، الَّذي بخده، جَسْرٌ من الشَّعْرِ
صار طريقًا لي إلى سَلْوَتي وكنت فيه موثَقَ الأَسْرِ
وقوله أيضًا:
[ ٦٩ ]
إن لم يَنَمْ لك وهْوَ أَمْ رَدُ، نامَ وهْوَ مُعَذِّرُ
فالنّومُ يعسُر في النَّها ر، وفي الدُّجَى يتيَسَّرُ
قوله، وقد شبه العذار باللجام:
ومُعَذِّرٍ: في خدّه وردٌ، وفي فمه مُدامُ
ما لانَ لي حتَّى تَغَشّ ي صبحَ عارِضهِ الظَّلامُ
والمُهْرُ، يجمَحُ تحتَ را كِبه، ويعطِفُه اللِجامُ
وقوله:
أحدقت ظلمة العِذار بخَّديْ هِ، فزادتْ في حبّه زَفَراتي
قلتُ: ماءُ الحياة في فمه الآ نَ، فطاب الدُّخولُ في الظُّلُمات
وقوله:
قالوا: الْتَحى، فاصْبُ إلى غيره قلت لهم: لست إِذَنْ أسلو
لو لم يكن من عسلٍ ريقُه، ما دَبَّ في عارضه النّمْلُ
وقوله في المعنى:
قلتُ، وقد أبصرته مقبِلًا وقد بدا الشَّعر على الخدِّ:
صعودُ ذا النَّملِ على خدّه يشهَدُ أنَّ الرِّيق من شُهْدِ
وقوله:
ومُهَفْهَفٍ، شبَّهْتُه شمس الضُّحى في حسن بهجتها وبُعد مكانِها
قد زاده نقش العِذار محبّةً نقشُ الفُصوص يَزيد في أثمانِها
وقوله أيضًا في الخال والعِذار:
شفَّني من سيّدي حَسَنٍ خالُ خدّ، زاد في أَلمي
خِلته، إذْ خُطَّ عارضُه، نقطةً من عثرة القلمِ
وقوله في مُخْتّطٍ:
يا آمري بالصَّبر عن رَشَأٍ قلبي يَحِنّ إلى مَآرِبِهِ
دعني، فصادُ الصَّبرٍ قد قُسمت ما بينَ حاجبه وشارِبِهِ
وأنشدني لنفسه أيضًا مقطعات، في معانٍ شتى.
فمنها، قوله في غلام تحت فمه شامة صغيرة:
قل لمن عاب شامة لحبيبي دُونَ فيه: دَعِ الملامةَ فيهِ
إنّما الشّامة التَّي عِبتَ فيه فَصُّ فَيْرُوزَج لخاتم فيهِ
وله في غلام أشقر الشعر:
وأشقر الشَّعرِ، من لطافته يجرَحُ لَحْظُ العيونِ خدَّيّه
فإن بدا مَنْ يشُكّ فيه، فلي شاهدُ عدلٍ من لون صُدْغَيْهِ
وقوله فيه:
وأشقر الشَّعر، بِتُّ من كَلَفي به على النّار في محبَّتهِ
كأنّ صُدْغّيْهِ في احمرارهما قد صُبِغا من مُدام وَجْنَتِهِ
وقوله فيه:
ما اشْقَرَّ شعرُ حبيبي، إِنّ وَجْنَتَهُ سقته من خمرها صبغًا، ولا خجِلا
وإِنّما لَفحت خدَّيْه من كبِدي نارٌ، ودبَّت إلى صُدْغَيْه فاشتعلا
وقوله في غلام أعرج:
قالوا: حبيبُك أعرج، فأجبتُهم: حاشاه أن تسطو العيون عليه
ما آدَ من عَرَج به. لكنّما قَدَماه لم تنهَضْ برادِفَتَيْهِ
وقوله في ثقيل الكفل:
يقولون: ما فيه شيء يُحَبُ ويعشق،، إلاّ علوّ الكَفَلْ
فقلت: و. . . . يُحِبُّ البكا ءَ، للزُّهد في كهف ذاك الجبلْ
وقوله في المعنى هزلًا:
ليس عيبًا محبَّتي رَشَأَ راجحَ الكَفَلْ
أنا دَأْبي أحِبُّ آ كُلُ من أَلْيَةِ الحَمَلْ
ولِزُهْدي أرى عبا دةَ ربّي على الجَبَلْ
فدعوني من العِتا ب، وكُفُّوا عن العَذَلْ
وقوله في ثقيل الكفل أيضًا:
وَيْلي على ذي كَفَل راجح رأيتُه في رَحْبَة المسجدِ
قد وضَع الكَفَّ على كَشْحه وسمعُه مصغٍ إلى المُنشدِ
خافَ من الرِّدف على خَصْره فقد غدا يُمْسِكه باليدِ
وقوله في غلام به جدري:
طاف بِحبِّي ألمٌ فزاد فيه حَذَري
وصبَّ ماء الحسن في حُلَّة خدّ القمر
فلاحَ فيه حبَبَ فقيل: هذا جُدَرِي
وقوله فيه:
ما عابه التَّجديرُ لمّا غدا في خدّه بعضًا على بعضِ
وإِنّما غضض تُفّاحَه فلاحَ فيه أثر العضِّ
له في غلام ساعٍ:
[ ٧٠ ]
وساعٍ سريع.. إذا ما عدا، لِقلبي سبى، ولِدمعي سَفَكْ
يسابق في الجَرْي ريح الشَّمالِ ويَزْرِي على دَوَران الفَلَكْ
له في غلام مغنٍ، بارد الغناء، مليح الوجه:
وشادِنٍ، طال غرامي به، كالبدر أو أبهى من البدرِ
غناؤه أبرد من ريقه، وريُقه أبرد من شعري
إذا تغنّى لي، ونارُ الهوى تُحرقني، يثلجُ في صدري
قوله في قبيح الوجه، مليح الغناء:
مستهجَنُ الشَّخص، له صنعةٌ وَفَّتْه أقصى حظّه منّا
كأنَّه شِعريَ في طبعه ليس يحليه سوى المعنى
وقوله أيضًا:
يا غزالًا. . منع الأَجْ فانَ أَنْ تطعَمَ غُمْضا
أنا أرضي فيك أَنْ يُص بحَ خدّي لك أرضى
وقوله في الطيف:
طَيْفُ خَيال هاجري، أَلَمَّ بي، وما وَقَفْ
وافقني على الكرى، ثُمَّ نفاه وانصرفْ
وقوله:
بدرُ تِمامٍ، وغصن بانِ اجتمعا منه في مكانِ
يا موقدَ النّار في فؤادي سوادُ قلبي من الدُّخَان
دعني أُمَتِّعْ لِحاظَ عيني من ورد خدَّيْك بالعِيانِ
وقوله:
وغزالٍ مُخْطَفِ الخَصْ رِ، له رِدفٌ ثقيلُ
فاز من كان له من هُ إلى الوصل سبيلُ
بينَ قلبي وَتَجِنِّي هِ إِذَنْ شرحٌ طويلُ
وقوله:
بنفسي مَنْ غدا يَعْجِ زُ عن إِدراكه الفهمُ
غزال، كادَ للرِّقَّ ة أَنْ يجرَحَه الوهمُ
وقوله:
ومستحسَنٍ، أصبحتَ أهذي بذكره وأمسيت في شغل من الوجد شاغل
وعارضني من سحر عينيه جِنَّةٌ فقَّيدني من صُدْغه بسلاسلِ
وقوله:
وبيضاءَ، مصقولةِ العارضَيْنِ تَصيد بسهم اللّحاظ القلوبا
بدت قمرًا، ورنت جُؤْذَرًا، ومالت قضيبًا، وولَّت كَثِيبا
وقوله في مخضوبة الكف:
وذات كفٍّ، قد خضَّرته، تَسبِق في الوهم كلَّ نَعْتِ
كأنّه في البياض علمي قد اختبا في سوادَ بَخْتي
وقوله:
يا من تغافل عنّي وشفَّني بالتَّجَنِّي
إِن كنتُ أعجِز عن بَ ثِّ بعض لوعة حُزني،
فاسمَعْ حديثي من الدَّمْ ع، فَهْوَ أفصح منّي
وقوله:
يا غزالًا، فاترَ النَّظَرِ يا شبيهَ الشَّمس والقمر
كيف يَخْفَى ما أُكتِّمه، وزفيري صاحبُ الخبرِ؟
وقوله:
يقول: لي حين وافى: قد نِلْتَ ما ترتجيهِ
فما لقلبك قد جا ءَ خفقة تعتريهِ؟
فقلتُ: وصلك عُرسٌ، والقلب يرقُص فيه
وقوله:
إذا ما تذكّرتُ مَنْ حسنُهُ يَكِلّ لسانيَ عن نعتهِ
تناول قِرطاس خدّي البُكا وطالعَ بالحال في وقتهِ
وقوله:
تركتك، فامْضِ إلى مَنْ تُحِبُّ ففعُلك برَّدَ حَرَّ الجَوى
وقَبَّحَك الغدرُ في ناظري وغُودر عُودُ الهوى قد ذَوَى
فصِرت أراك بعين السُّلُوُ وكنت أراك بعين الهوى
وقوله:
لست أذُمّ الفراق دهري، كيف وقد نِلْت منه سُولي؟
قبَّلْته في الوَداع ألفًا وقد عزَمنا على الرَّحيلِ
وقوله:
وقالوا: قد بكيتَ دمًا ودمعًا، وقد أولاك بعدَ العُسر يُسرا
فقلت: لفرحتي برضاه عنّي نثرت عليه ياقوتًا ودُرّا
وقوله:
قيل لي: قد صار مبتذَلًا مَنْ حماه الصَّوْنُ في صِغَرِهْ
كُفَّ عنه النّاسَ. قلتُ لهم قولَ مَنْ يُجرى على أثرِهْ:
لا أذودُ الطَّيْرَ عن شجرٍ قد بَلَوْتُ المُرَّ من ثَمَرِهْ
وقوله:
واهًا على طيب ليَالٍ، مضت بالوصل، حتَّى فطِن الهجرُ
[ ٧١ ]
ما كان أحلى العيشَ في ظلّها كأنّما كانت هي العمرُ
وقوله، وهو مما يكتب على المراوح:
بَدا يروِّح جسمي لمّا رأى ما أُلاقي
وما ينفّس كربي إلاّ نسيمُ التَّلاقي
وقوله:
كُفَّ، يا عاذلي، فعَذلُك يُغري زادَ وَجْدي، وقَلَّ في الحّب صبري
أنا أهوى سُعدى وتُنحل جسمي، وأُحِّب الدُّنيا وتَقْرِض عمري
وأنشدني لنفسه أبياتًا في الشيب، منها قوله:
بدا الشَّيب في فَوْدِي، فأقصَرَ باطلي وأيقنت قطعًا بالمصير إلى قبري
أتطمَعُ في تسويد صُحْفي يدُ الصِّبا، وقد بيَّضَت كفّ النُّهَى حُسْبَةَ العمرِ؟
وقوله:
صبح مشيبي بدا، وفارقني ليلُ شبابي، فصِحت: واقَلَقِي
وصِرت أبكي دمًا عليه، ولا بُدَّ لصبح المشيب من شَفَقِ
وقوله:
بِأَبِي مودِّعةً لوصلي، إذْ بدافي عارضي بعدَ الشَّباب قَتِيرُ
كالطَّيْف، يطرُقُ في الظّلام إذا دجا وله إذا لاح الصَّباح نُفورُ
ومما أنشدني له في أغراض مختلفة، قوله:
نَقَصُوهَ حظَّهُ حسدًا لكمال في خلائقه
وعلوُّ النَّجم، أورثه صِغرًَا في عين رامقهِ
وقوله:
لا غَرْوَ إِن أَثرى الجهولُ على نقص، وأَعدم كلُّ ذي فهمِ
إِنَّ اليدَ اليُسرى، وتفضُلُها ال يُمْنَى، تفوز بمُعْلَم الكُمِّ
وقوله:
أرى ذا النَّدَى والطَّوْل يغتاله الرَّدَى ويبقى الَّذي ما فيه طَوْلٌ ولا مَنُّ
كما الورد. . يبدو في الغصون وينقضي سريعًا، ويبقى الشَّوْك ما بَقِيَ الغصنُ
وقوله:
كن ناقصًا تُثْرِ، فإِنّ الغِنَى يُحْرَمُهُ الكاملُ في فهمهِ
فالبدرُ يحوي من نجوم الدُّجَى في النّقص ما يعدَمُ في تِمّهِ
وقوله:
يقولون: لا فقرٌ يدوم ولا غنى، ولا كُربة إلا سيتبعها كشفُ
ولست أرى كَربي وفَقري بمنقضٍ كأنّي على هذين وحدَهُما وقفُ
وقوله:
لا تَحْقِرِنَّ وَضِعًا يُزري بصدرٍ شريفِ
فرُبَّما خُفِض اسمٌ عالٍ بحرفٍ ضعيفِ
وقوله، يخاطب بعض الصدور، وقد استخدم غلامًا عيب به:
لمّا أضفتَ إليك نجل مسرّة حاربتَ مجدك بالحُنُوّ عليهِ
وبه انخفضت، وكان قدرُك عاليًا، فِعْلَ المضاف بما أُضِيف إليهِ
وقوله:
تعلّمن منه العلم، ثمَّ اطرَّحته وأوليته بعدَ الوِصال له هَجْرا
وهل يقتني الأَصدافَ في النّاس حازم إذا هو من أجوافها أخَذ الدُّرّا؟
وقوله، يمدح الوزير عون الدين:
بدأ الوزير بجوده متفضّلًا فنطقت فيه بأحسن الآدابِ
والرَّوض ليس بضاحك عن ثَغْره إلا إذا روّاه صَوْبُ سَحابِ
وقوله، يقيم عذرًا لمن بخل عليه بجائزة شعره:
لم يحبِسِ المولى الأجلّ نَوالَهُ بُخْلًا عليَّ، ولم أكن بالسّاخطِ
لكنّني أنشدت شعرًا باردًا والبردُ يَقْبِض كلَّ كفٍّ باسطِ
وقوله:
أَصِخْ لنظمي، ففيه معنىً بلا شبيه ولا نظيرِ
وقد بدا في ركيك لفظي كعالم فاضل فقيرِ
وقوله، وقد طلب من بعض الرؤساء كاغدًا، فأعطاه نصف ما سأله، ووعده بالباقي:
أعطيتني نصف الَّذي أملَّتْهُ من كاغَد، ووعَدتني بِسواهُ
ورجَعتَ تأخُذه إليك تقاضيًا منّي، وذاك الوعد لست أراه
كالشّهر: يُعطي البدر من تَمامه، ويعودُ يأخُذ منه ما أعطاه
وقوله فيه:
مدَحت الأجَلَّ، وأمّلت في هـ إِنفاذَ دَسْت من الكاغَدِ
فنفَّذ لي النِّصفَ ممّا طلَبْ تُ بعدَ تردُّديَ الزّائد
فأفنيته في اقتضائي له، ومرَّ مديحي على البارد
وقوله:
[ ٧٢ ]
سَمَحت ببعض الَّذي أرتجي وألقيت حبلي على غاربي
وإتمامُ نافلةِ المكرُما ت، بعدَ الشُّروع، من الواجب
وقوله في ناعورة:
رُبَّ ناعورةٍ. . كأَنَّ حبيبًا فارقَتْه، فقد غدت تحكيني
أبدًا هكذا تدور وتبكي بدموع تجري، وفَرْطِ حنينِ
وقوله في اللغز:
وأهيف القَدّ، نحيف الشَّوَى معتدل، لم يَحْوِ معناه وَصْفْ
وهْوَ، إذا أنت تأمّلته بفكرة، اسم وفعل وحَرْفْ
أراد به الألف، فهو اسم إذا أعرب، وفعل إذا بني، وحرف بذاته.
وقوله في قبور أهل البيت، ﵈:
إِنّ ب الطَّفّ والغَرِيّ وسامَرّ اوطُوسٍ ويَثْرِبٍ والحَرِيمِ
لقبورًا لآل أحمدَ، لا زا لَ مُواليهِمُ بدار النَّعيمِ
ومما أنشدني له في الهجاء والذم، قوله:
ما كان بخلك بالنَّوال مؤثّرًا فيكون هجوي فيك باستحقاق
لكنّني أبصرت عِرضك أسودًا متميزِّقًا، فقَدَحْتُ في حُرّاق
وقوله:
منَع احتقار محمّد عن نفسهذَمِيّهِ، وهْوَ كما علِمْت خبيثُ
والليثُ: يُنشب مِخْلَبي في جلده ظُفُرًا، ويُفلت من يدي البُرغوثُ
وقوله:
قال: ألم تعلَمْ بلؤمي؟ فلِمْ كسوتَ عِرضي حُلَلَ المدحِ؟
قلت: أُرَبِّيك لسيف الهِجا كما يُرَبَّى الكَبْشُ للذَّبْحِ
وقوله:
ومُذْ صَحَّ لي جوده بالهِجا تَبَّيْنتُ أَنَّ مديحي هَوَسْ
كذا الفّصُّ: ما بانَ لي خطُّه، ولا حسنُ معناه، حتّى انعكَسْ
وقوله:
هجوتك، إِذْ قطَعت البِرَّ عنّي وكنت أحوك فيك المدح حَوْكا
كذاك الأرضُ: تزرَعُها فتزكو، وتقطَعُ زرعها فتجيء شوكا
وقوله:
بغربيّ بغدادٍ صديقٌ مذمَّمٌ كرامتُه للأصدقاء التَّمَلُّقُ
تبسَّمَ لي من بعدِ غِلٍّ كأنّه ذُبالةُ مصباح تُضيء وتُحرِقُ
وقوله:
نصر علينا زاد في تِيِههِ وهجوُنا ينقُصُ عن مجدهِ
والظُّفْرُ إِنْ أسرف في طوله يُرَدّ بالقصّ إلى حدّهِ
وقوله:
فلا تحتقرْ نصرَ الذَّميمَ، فإِنّه يَزيِد لفَرْط الثِّقْل منه على الوصفِ
فرُمّانةُ القَبّانِ، يُحْقَرُ قدرُها، وتُخرِج عندَ الوزنِ أكثر من أَلْفِ
وقوله:
كم تَدَّعي كرمَ الجدو دِ، وأنت تَحْرِمُ مَنْ شكَرْ؟
وعلى فساد الأصل مِنْ كَ، يَدُلُّني عدمُ الثَّمَرْ
وأنشدني لنفسه أيضًا في الهزل:
قال قليبي، وقد حَظِيت بمن شَقٍِيتُ في حبّها مَدى العُمُرِ:
قد اسكنتَنِي لَظَى. فقلت: كما عبدتَها دونَ خالق البشرِ
وصُمْتَ عن غيرها، وكنتَ تقو مُ الليلَ في حبّها إلى السَّحَرِ
فاصبِرْ على قُبح ما جنيتَ، فلم تَظْلِمْك إذْ خلَّدَتْك في سَقَرِ
وأنشدني لنفسه:
ترَحَّلْتُ عن أرض الحَظِيرة، هاربًا من العشق، حتّى كادت النَّفْس تَزْهَقُ
وأفلستُ، حتّى إنّ جِلْفًا مُغَفَّلًا خلا بالّذي أهواه: يَزني ويفسُقُ
فلا أنا في بغدادَ روّيتُ غُلَّةً، ولا ثَمَّ واصلتُ الَّذي أتعشّقُ
وأنشدني لنفسه في بعض عمال السواد أبياتًا، أعطى فيها صنعة التجنيس حقها، وهي:
وما اسْودَّ فَوْدُك حتى نزلتَ من المقتفي في سواد الفؤادِ
ورَدَّك ناظرَه في السَّوا دِ، إذْ كنتَ ناظره في السَّوادِ
ولمّا أراد اختبار الرِّجا لِ، أَلْفَى مرادك فوقَ المراد
وأعارني ما جمعه ثانيًا من أشعاره ورسائله، وسح سحائب خاطره ووابله، فنظمت لكتابي هذا في سخابه، منخب ما سخابه؛ وختمته بعد ذلك بقصدتين نظمهما في الإمام المستنجد بالله يوسف، بن المقتفي لأمر الله.
[ ٧٣ ]
فأما منظوماته: قال أبو المعالي، سعد، بن علي، بن قاسم، الحظيري في صاحب المخزن زعيم الدين، أبي الفضل، يحيى، بن جعفر يمدحه ويهنئه بالحج:
لقد برَّ حَجٌّ وحَجَّ بَرُّ وضَمَّ بحرَ العِراقِ بَرُّ
عاد الزَّعيمُ الكريم يَطْوِي أرضًا، لها من تُقاه نَشْرُ
صدر، نفى العجزَ عنه قلبٌ ثَبْتٌ، له همَّة وصبرُ
إذا حبا واحتبى بنادٍ، تقول: بحر طَما، وبدرُ
غَوْثٌ لمستصرِخ، وغيث إِن لم يكن في السّماء قَطْرُ
يا مَنْ ضُروبُ الورى غُثاءٌ، وخُلقُه للجميع بحرُ
أنت الّذي ديِنُه لَباب يبقَى، ودُنياه منه قشرُ
قد طُلْتَ فَرعًا، وطِبْتَ عَرْفًا وأصلُ علياك مستقرُّ
فاقْنَ لِما لا يَبيِدُ ممّا يَبيِدً ذُخرًا، فالخيرُ ذُخْرُ
إِن قلت شعرًا، ففيه شَرْع والفكرُ في المستحيل كفرُ
لكِن سَجاياك لُحْنَ غُرًّا حقيقةً، لا كما تغُرُّ
فصاغها منطقي عُقودًا فوقَ جُيوب العلى تُزَرُّ
تُضْحي لنَحْر الوليّ حَليًْا وَهْيَ لنَحْر العدوّ نَحْرُ
كأنّما الشَّخص منك فَصّ من المعالي عليه سطرُ
والشِّعر كالسَّمْع منه، يُقْرَا بالسَّمْع، والطّبع فيه شكرُ
ولست فيما أحوك إلا حاكٍ، فمالي عليه أجرُ
هذا. على أنَّ لي زمانًا ما دارَ لي في القَريض فكرُ
لأنَّه يستبيحُ منّي حِمىً، له في العَفاف سترُ
وتسترقّ الأطّماع منّي حُرًّا، ولا يُسْتَرَقُّ حُرُّ
فاستوجب الشُّكر. رُبَّ بَرٍّ على جميع الورى مُبِرُّ
قلَّدني منه اِبتداءً فاقتادني، والكريمُ غِرُّ
وزففّت دُونَه القوافي وشَفَّ وزن، وضاق بحرُ
لكنْ خلَعْتُ العِذار حبًّا وكان لي في القصور عذرُ
وكتب إلى ولد أخيه في صدر مكاتبة، وقد عاد إلى بلده، عند غرق بغداد في ربيع الأول سنة أربع وخمسين وخمس مئة:
أصابت العينُ مثلَ عيني فصابتِ العينُ مثلَ عينِ
مَنْ يرتشي في خلاص عيني. من أسر دمعي خلاص عيني.
بَلَّ رِداء البكاء وِردي وفي الحشا للرَّدَى رُدَيْني
زَمَّ زمانٌ نِياقَ بَيْن فَرَّقَ ما بينَه وبيني
وصالَ فِرْعَوْنُ صَرْفِ دهر والصّبرُ عوني، ففَرَّ عوني
لانَ لنا غيلةً، ووافَى من الرَّزايا بكلّ لونِ
ودانَ، فالعيش فيه دانٍ، ثمَّ انثنى طالبًا بدَيْنِ
أدالَني اللهُ من زمانٍ جانٍ، جَهامِ الغَمام، جَوْنِ
وكتب إليه أيضًا:
ظهرت، يا بَيْنُ، في الكَميِنِ وكنت من قبلُ في الكُمونِ
سار الذَّي سرَّ بالتَّداني ولم يكن ذاك في الظُّنونِ
حالَ التَّقالي دونَ التَّلاقي فالقوم في مصرع الحُسَيْنِ
كنّا من الدَّهر في أمانٍ نرى الأَماني على اليقينِ
فبشَّرَ الماء حين وافَى قرائن الوصل من قَرينِ
طَرا، ولكن طغى مَعِينٌ ولا مُعِينٌ على مَعِينِ
يا وَلَدي البَرُّ أيُّ بحر مَدَّ فألقاك جوفَ نُونِ
واهًا لأِيّامِنا الخَوالي منك، الحَوالي بك العُيُونِ
زالت، فهدّت قُوىً، وأجرتْ منّا عُيونًا من العُيُونِ
وقال على لسان بعض أصدقائه، يهنئ صاحبًا للخليفة، جعله أميرًا:
سماءُ الفضل مُفْهَقةُ النَّشاصِ وأرضُ العدل مشرِقة العِراص
[ ٧٤ ]
بدولة سيّدِ الثَّقَلْينِ طُرًّا إِمامِ العصر، مُدركِ كلِّ قاصِ
أتته خِلافة الدُّنيا انقيادًا مسلِّمةً له، لا عن تعاص
وقد طلَعت خصائصُه، وكانت تطالع قبلَ ذلك من خَصاصِ
وصار خليفةَ لله فينا، وأنت به شديد الاختصاصِ
فأعطاك الإِمارةَ مستحقًا مَزيدَ القدر منه بلا انتقاصِ
وبأسُك يا أخا الفضل المُرَجَّى يُعيد الملكَ ممتنع الصَّياصي
وقد مُلِّكت قاصيةَ الأَماني ولاتَ لها المَدى حينَ المناصِ
فتى الفِتيان هذا اليومَ كنّا نرجِّي، فاصْغِ سمعًا لاقتصاصي
أرى الأيامَ تأخُذ في انتقاصي مشرِّدةً، فهل لك في اقتناصي؟
لَعَلَّ فضائلي تبدو لِراء وعَلَّ الحظَّ يُسعِد بالخلاصِ
وفضلي لم يزل يَجْني خُمولي عليه، وقد رجوتك للقِصاصِ
فنّوِهْ بي، وخُذْ مدحي رخيصًا وليس على سواك من الرِّخاصِ
وأما القصيدتان، فإحداهما أنشأها وقد بويع المستنجد بالله يوم الأحد ثاني ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمس مئة، واتفق ذلك اليوم ثالث عشر آذار عند الاعتدال الربيعي. ولما تولى، أخذ القاضي ابن المرخم وجماعة من أصحاب أبيه، اتهمهم بخيانة، وتولى عقد البيعة له أستاذ الدار أبو الفرج بن رئيس الرؤساء، فذكر الحال:
بيعةٌ: شَدُّ عَقْدِها لا يُحَلُّ، وانقيادٌ لغيرها لا يَحِلُّ
سفَرت شمسُها، وقد أسفر الصُّبْ حُ، فَحلَّ الضِيّاء حيثُ تَحِلُّ
لم يَفِلْ رأيُ فَأْلِها، ولقد جا ءَ بعَضْب ماضي الشَّبا لا يُفَلُّ
جاء تاريخها لخمس وخمسي ن وخمس من المِئِينَ يدلُّ
إِنّه عَقْدُ بيعة، كُلَّما دا رَ عليه الزّمانُ لا يَضْمَحِلُّ
عدّد ليس ضربه فيه إِنْ كُرِّ رَ مما يُحيله أو يَحُلُّ
أَحَدِيّ الأيّام، وَهْوَ دليل أنّه أوحد الأنام الأجَلُّ
ثانيَ الشَّهر من ربيع، وفي أَوَّ ل فصل الرَّبيع، فالفصلُ فصلُ
وربيع فَأْلٌ بأنّ ربيعًا دهره كلُّه، وأَنْ ليس مَحْلُ
واعتدالُ الرَّبيعِ مبدأُ عدلٍ يقصُرُ الليل عندَه ويَقِلُّ
ويطول النَّهار، والطُّولُ طَوْل من يديه، ما فيه مَطْلٌ مُطِلُّ
ليس في هذه الخِلافة من بع دُ خلافٌ يُخشى، ولا كان قبلُ
ولقد صحّح التَّفاؤلُ فيها وغدا الحكم وَهْوَ حزم وفصل
فَرَج، جاء من أبيه، فَجلَّى جَلَلاَ، دِقُّه على المُلك جِلُّ
خَبَّ فيه خَبٌّ، فخاب رجاء، وخبا جمرُ كيدِه وَهْوَ جَزْلُ
للإمام المستنجد المَلِكِ العا دل، والكالِئِ الّذي لا يَكِلُّ
همّةٌ: تستقلُّ ما حوتِ الدَّنْ يا، وبالدِّين والعلى تستقلُّ
ذا إمامٌ، بالعدل قام، فما يح كُمُ إلا بالعدل، والفضلُ فضلُ
فالمُوالي لأمره، والمُوَلِّي عنه: يُقْلَى هذا، وذاك يقلُّ
قام بالأمر، ثمَّ قوَّم قومًا لن يُقالُوا ذنبًا، وإنْ هُمْ قَلُّوا
قرن العقل بينهم، وقضى فص لًا بأنْ لا فضلٌ قرانٌ وعقلُ
حِفظ الآلُ الآل إلا لَعِين آل ألا يعِزَّ منه الإِلُّ
كان شرًّا قضاؤه وعدولًا فاقتضى أن يهان شرعٌ وعدلُ
كم غليلٍ على غُلول بكَفَّيْ هِ، شفَاهُ فَكٌّ لها أو غَلُّ
هاشِمي، هاشم الأَكارم يُحْسِي ك بسَجْل من النَّوالَيْنِ، سَجْلُ
[ ٧٥ ]
صُنت شعري، إذٍْ صدقه مستحيلٌ وحرامُ انتحالِه مُسْتَحَلُّ
ثمّ أفصحت عن عُقود لآَلٍ يتحلّى فيها إِمام يُجَلُّ
ملِك، راح بالجمال مُحَلّىً وله في ذَرا الجلال محلُّ
ملك، يُسْتهالُ فَرْطُ سُطاه وحِباهُ إذا احتبى يَستهلُّ
يا إِمامَ الزَّمان مثلُك مَنْ قا مَ بحقّ التَّقوى، ومالَكَ مِثلُ
فاحفَظِ الله في الرَّعيّة، يحفَظْ ك، فإنَّ السُّلطان في الأرض ظِلُّ
واخْشَ فيما أَزَلَّه من زَوال وتيقَّنْ أَنَّ المُزيِلَ المُزِلُّ
وامرُؤٌ حلَّ قلبَهُ الغِلُّ، فاجعَلْ قلبَهُ الغُلَّ؛ إِنّه لك حِلُّ
لم تَمِلْ حينَ قُمتَ بالحقّ فيها فتَمَلَّ النُّعمى التّي لا تُمَلُّ
والقصيدة الثانية: ما قالها أيضًا فيه، ويذكر حال خلعٍ أفاضها على أصحابه، وأخذه ل ابن المرخم، ويذكر بعض من توقف من الملوك عن البيعة:
عُلى هكذا، لا زال جَدُّك عاليا ولا ينتهي حتَّى ينال التَّناهيا
وما المرءُ إِلا في الدَّناءة سائم إِذا لم يكن في مُرْتَقَى المجد ساميا
يرى باديَ الدُّنيا أخو اللُبّ بائدًا ويعرِف غاياتِ الأمور مَباديا
فيُصبح منه الطَّبع للشّرع دائنًا ويلمَحُ منه العقلُ ما غاب دانيا
ركِبت مَطا الدُّنيا. فإنْ كنتَ رائضًا نجوتَ، وإلا كنت بالأرض راضيا
وما هيّ إلا منزل لمسافر فَقِلْ ساعةً فيه، وفارِقْه قاليا
وما يقنعنّ النّفسَ سائر ما حوت فإن قنَعَت ببعضه كان كافيا
وما العمرُ إِلا ساعةٌ ثمّ تنقضي فطُوبى لمن أضحى إلى الخير ساعيا
وما الحُرُّ إلا مَنْ إذا حاز فانيًا نفى غَيَّه عنه، وحاول باقيا
ومَنْ لم يكن عن سُنَّة الشَّرع حائدًا وسار بتوحيد المُهَيْمِنِ حاديا،
فقد فاز من جنّات مَحْياه راقيًا وجاز إلى جنّات أُخراه راقيا
وأنت، أميرَ المؤمنين، امرُؤٌ سمت به الهِمّة القُصوى، ولم يكُ وانيا
طَمَحْت إلى الدُّنيا. فلمّا ملكتَها، سمَوْتَ إلى الأُخرى، فأصبحت حاويا
ملأت الورى عدلًا، فعدَّلت مائلًا وفرَّقت مالًا، واسْتَمَلْتَ مماليا
غدوت بحكم العدل في النّاس قاضيًا ورُحت به حقَّ الخِلافة قاضيا
بعدلِك ألبست النّهارَ نهاره وقلَّدت أجيادَ الليالي لآَلِيا
فأصبح وجه الدَّهر بالزَّهْر حاليًا ويا طالما قد كان من ذاك خاليا
فإنْ كنت بالمعروف أصبحت هائمًا فإنَّ نَداك بالحَيا ظلَّ هاميا
وسَيْبُك مورود، ترى الكلَّ حائمًا عليه، وما نلقى لمغزاه حاميا
إذا ما طما سيلُ المظالم سائلًا، ترقَيت عن مَهْواه، بالعدل ساميا
وإِمّا رأيت الخَطب قد جَدَّ هائلًا غدوت به من الشَّجاعة لاهيا
وأيّ عدوّ غادرَ الدَّهرَ غادرًا، عدوتَ له، مُدّارِئًا، لا مُدارِيا
طرأت على الدُّنيا بأيمنِ طائر وطرَّيْت بالِيها، فبوركت طاريا
وما زِلت نحوَ الشَّرع باللطف داعيًا تروِّع بالإِبعاد من عادَ عاديا
وها قد أرى أَنْ ليس في الأرض جائر وليس عليه سيلُ أمرِك جاريا
ولم تعف إِذْ عفّيت مَنْ كان ظالِمًا فأصبح نبت العدل في الأرض عافيا
وثَبَّتَّ في دَسْت الوزارة أهله وزيرًا لأحوال الرَّعايا مراعيا
إذا الملْك أشفى من سَقامٍ صحيحه فإنَّ لديه من تلافٍ تلافيا
[ ٧٦ ]
خصائصُه لم تلق ملقى خَصاصة بِوادي بَوادِيها، فلم تَعْدُ واديا
أبوك الّذي أحيا، ليُحيي من العلى مَواتًا، فألفاه وزيرًا مُواتيا
على ملك الدُّنيا وَقَفْت مطامِعي وفي مدحه أمسيتُ أقفو القوافيا
أَعُوم بِحارَ الشّعر، للدُّرّ صائدًا شواردَه، فَأنثني عنه صاديا
وأعجز عن آيات معناه تاليًا ولو أَنّني أَغدو ل سَحْبانَ تاليا
على أَنّني قد كنت حرّمن مدّةً مَواردَه، حتّى قرأت فَتاويا
بعدل إِمام، يقصُر الوصفُ دونَه، ويرخُص غاليه وإن كان غاليا
فإن شملتني من عطاياه نعمةٌ، تروّح لي بالًا، وتُنعش باليا
أبانَ ضياءُ الشُّكر لي عن مديحه مَعانيَ، تَبني لي لديه المَعاليا
وقد تمنَحُ الشَّمس الهَباء خَوافيًا فيرقَى، وتبدي منه ما كان خافيا
ومستنجدًا بالله ظلَّ إِمامُنا فما ضَلَّ، بل أضحى إلى الحقّ هاديا
عظيم المزايا، يبتني المجد عاليًا كريم السَّجايا، يشتري الحمد غاليا
له عزمةٌ، كالهُنْدُوانيّ ماضيًا ورأيٌ، إلى رِيّ الهدى ليس ظاميا
إمام هدى زاكٍ. فمن جاء جانبًا لغير ثمارِ حبّه، جارَ جانيا
ومَن جاءه يومًا على الملك صائلًا غدا في غَداة الهُلْك للنّار صاليا
لقد قام بالحقّ الذي كان قاعدًا وأورى زِنادًا للهدى متواريا
وردَّ مُعار المال، حتّى لقد غدت خزائنه من العواري عواريا
فصار وليًّا للقلوب محبّةً وكان على أجسادها قبلُ واليا
وأولى مواليه ملابس عزّة وكان لِما يولي الموالي مواليا
سَرَوْا مَلْبَسَ الحُزنِ الّذي كان شاملًا وسُرُّوا، وأضحوا يُظهرون التَّهانيا
أرى خِلَعًا، جاءت على إِثْر بيعة لخير إِمام يجعَلُ الرَّوْعَ باديا
لِيَهْنَ مواليه عطاءً أَزَلَّهُ، أزال به حسّادهم والأعاديا
وكم مائنٍ في العَقد، أشبه مانيًا فما نال منه من أمان أمانيا
عدا عاديًا في الشَّرع، للشَّرّ واعيًا وفي كل ما لن يُرضيَ الله غاويا
يَبيت لِما يهوَى على النّاس قاضيًا ويُصبح في الدُّنيا عن الدّين قاصيا
فلمّا انجلت تلك الغيَابة، وانجلت مَخاريقُه، أضحى عن الأرض جاليا
ولم يُلْفِ لمّا أَنْ رأيناه حانيًا عليه امْرَءًا من سائر الناس حانيا
وكم سُنَّةٍ كانت على الملك سُبَّةً وقد كان، لولاها، من العار عاريا
وكم شائرٍ شُهْدَ الممالك غِيلَةً شَرى شَريْها، وضَلَّ إِذْ ظَلَّ شاريا
ولم يَكُ للخيرات في الملك باغيًا ولكنْ عدا في باغِ دنياه باغيا
وعمّا قليلٍ يُصبح الأمر واهيًا عليه، ويُمسي طَوْدُ علياه هاويا
ويجعله خُلف الخِلافة عِبرةً لمن قد حكاه في المَساوي مُساويا
وتغدو ملوك الأرض طوعَ خليفة شَفاها شِفاهًا حين قال مُناديا:
ألا كلُّ ما لا يقتضي الشّرع فعله فليس به أَمري مدى الدَّهر ماضيا.
فأصبح هذا القول في النّاس فاشيًا وراح لأَدواء الرَّعِيَّة شافيا
فلا زال هذا الملك في النّاس دائمًا ونَحرُ الّذي يَشْناهُ بالسّيف داميا
وأثبت من رسائله ما استملحته لما استلمحته، ولقطت من درر لفظه وما لفظه وخزنت من در مزنه إذ لحظته.
فمنها، من خطبة له في هذا المجموع، وهي:
[ ٧٧ ]
كنت، أيها الحبر البحر، والوالد البر، حين اقتدحت سقط زندي لشائم بروقه، وافتتحت سفط زبدي لشام سحيقه، استحسنته مذهبًا، واستخشنته مركبًا، وسألتني إتحافك برويته، وإسعافك بروايته، فانصببت في قالب غرضك، وأصبت قلب غرضك.
ومن أخرى، جوابًا عن كتاب: وصل كتاب فلان، أطال الله فروع دوحة مآثره، وأطاب ينبوع فسحة سرائره، ووارى نار نفسه، وأورى نور قدسه، وأحيا قلبه بورد الذكر، وحيا لبه بورد الفكر؛ وقرأت فصوله، وفهمت محصوله، من أبكار معانٍ زفت إلى غير كفو، وبرود وشيٍ أفيضت على جسد نضو.
ولقد أذاقني بحلو خطابه، مر عتابه، وقد انشرح صدري، لشرح عذري، فتلقه مجملًا، تكن بقبوله مجملًا.
إني مذ صرف بوجهي نحو الحقيقة، وقصد بي قصد الطريقة، فحدقت لقراءة سورةٍ تشهدها، وحققت استقراء صورةٍ تحمدها، ونار المجاهدة بعد في تصفي سبائك خلاصي، حتى أرى مسالك خلاصي بإخلاصي. ولقد كابدت من أول قرين، عدة سنين، ما بيض سود ذوائبي، وغيض مورد ذنائبي، حتى أذن في طلاقه، فأذن بانطلاقه. هي بخط من يضن بخطه، ويظن به صحة ضبطه.
ومن أخرى إلى زاهد: كتابي إلى فلان، مد الله في مدد عمره، وأمده بمدد نصره، وأيد عزمه، وسدد سهمه، ورزقه عن الدنيا سلوةً، وبالمولى خلوةً، وصفى من شبه الشبه خلاص اعتقاده، وأضفى على شخص مجاهدته دلاص استعداده، ب محمد خلاصة الوجود، وخالصة المعبود.
فلانٌ قصدني مسلمًا، ولما استودع من التحية مسلمًا، وعرفني كونه بالقلعة متزهدًا، وللقلعة متزودًا، وبمطلب الاعتزال قائلًا، ولمذهب الاعتزال قاليًا. كنت ذكرت له تجردي للحق، وتفردي عن الخلق، حتى أدركت من علمه ما في طاقة البشر، وأطمعني الشوق في الذوق والنظر، متى ارتفع عن النظراء والأشباه، واقتنع بالنضار لا الأشباه، زهد في الأعراض الذاهبة، ورغب في الأغراض الواجبة.
فاعتزل - يا أخي - كل مشغلة، فعزلة المرء عزٌّ له، والخلطة مذلة، والمخلط مدله، والشواغل عن المقصود، للشوى غلٌّ وقيود. ولا يرد ذلك الحمى، إلا من احتمى، وماتت دواعى نزاعه، وعوادى طباعه، وطمع في جوار سلطانه، وطعم من ثمار جنانه.
وإن أردت البقا، فعليك بالتقى، فسر مع اسكندر الدين، واسكن دار الطين.
رأيت الثقيل - لكثافته - يهرب هويًا، والخفيف - للطافته - يطلب رقيًا. وليس من استبقى أطمار الحرمة، واستسقى أمطار الرحمة، وخنست شياطين جوارحه، الكائدة استسلامًا، وحبست سلاطين جوارحه، الصائدة أثامًا - كم كرع في حياض المنى صاديًا، ورتع في رياض الهوى متماديًا، واستبهمت جواد مذهبه، وانحسمت مواد مواهبه. فليس الوصول بهلك الأولاد، بل بفك الأقياد، ولا بترك ثراء الأموال، بل بسفك الآمال، ولا بإتلاف المرء جسده، بل ب تلافيه، فليس من أخرب مسجده، كمن تلافيه.
فكم من يأسو الكليم، بقصة موسى الكليم، ويبرئ الهيم، بحديث إبراهيم. فإن موسى سار بأهله، وسر بفعله: غدا بنفسه مستقلًا، وراح لشخصه مستقلًا. ولما جمع رطب الطرب، رجع إلى النسب والنشب. هاجرهم لشانه، وما جاهرهم بلسانه، وقصد العود، ووعد العود، وجنى رطب الشجر، وجنى طلب النظر، واعترف بضعفه عن كنه الأمر، واغترف بكفه من وجه البحر، ولم يودع في وطاب، من ماء شرعه إلا وطاب.
وإبراهيم - ﵇، أمر بذبح ولده في المنام. فلما حقق عزمه، وفوق سهمه، قيل له: غير مرامك، وعبر منامك. فهذا البلاء، وإلا فذا لذا فداء. وأنزل كبشًا، ملئ كبسًا، فجمع الهم، وفرق اللحم.
كم لهذا المعنى من أمثال، وعلى طريقه من أميال. والحق لا يشتبه، فانتبه أنت به، واشتر قطع الجواهر الرابحة سومًا، بقطع الهواجر اللافحة صومًا، واجعل قيام قلائل الليالي، قيم قلائد اللآلي.
فمن فعل ذلك، وسلك هذه المسالك، فقد رأب شعبه، ورب شعبه، وشفع في القيامة لمن شفع وتره، ورفع بالكرامة من رفع وتره.
إن العمر ذاهب نافق، وذهب نافق، وغنيمة تغل وتستغل، وغنيمة تستقل وتستحل. فخذ لنفسك منه أودع، واحفظ الوديعة لمن أودع.
ومن أخرى إلى صديق ب واسط: وصل
كتابٌ راقَ ألفاظًا ومعنىً وساقَ إليَّ إِحسانًا وحُسْنا
فكان عرائسَ الأفكار تُجْلَى وكان غرائسَ الأفكار تُجْنَى
[ ٧٨ ]
استرجع الحسن العازب، وأطلع الأمن الغارب، ورفع من المجد ما هوى، ورقع من الجد ما وهى. لم أكن لأهدي حشف النخل، وحثالة النحل، إلى هجر الفضل العريق، ومغنى المعنى الدقيق.
ومن أخرى إلى صديق ب واسط: وصل كتاب فلان، أطال الله مديد بقائه، وأدام مشيد علائه، وأمن مخافة لأوائه، وقمع كافة أعدائه - ففضضته عن مثل لطائم العطر ذكاءً، ونظائم الدر استجلاءً، وريق النحل استحلاءً، وريق الوبل صفاءً، فأطلع من البهجة ما غرب، واسترجع من المهجة ما عزب. ومنذ انحدر به سفينه، وترحل عنه قطينه، ما قام لنا نادٍ إلا بذكره، ولا حام منا صادٍ إلا على بحره.
ومن أخرى إلى ولد أخيه: أوجب لبنات الصدر رقصًا، ولثبات الصبر نقصًا وللسكون تفلتًا، وللعيون تلفتًا، إلى من سلب النزوع عنه النزاع إليه، وأوجب الحنين نحو التحنن عليه. فإن كان صنوي مصدر نسبه جسمًا، وصفوي بورد أدبه علمًا، فأنا أحق بمصاقبته جوارًا، وأرق في مصاحبته حوارًا. وعمر الله أندية الأدب، بصائب قوله، وغمر أودية الأرب، بصوب طوله، ووفقه لفعل ما يجب، وأرانا فيه ما نحب، ما مكنته من النهوض عن أرضي، ولا سمح كلي بفراق بعضي. وقد كاتبته بكلمات ينزر عددها، ويغزر مددها، لتشير إلى العلم صنائع شوقه، وتثير من الجهل بضائع سوقه، وتعزف عما أسفر ليل الأسفار، إلى قراءة صبح الإسفار، ويقايس به نفائس ثمار الأدب، وخسائس أحجار الذهب.
ومن أخرى إليه: وصل كتاب فلان، فكان لصبري منهجًا، ولصدري مبهجًا، وللسعود مجددًا، وللجدود مسعدًا، وللنفوس من شكال الوحشة مخلصًا، وللنفيس من إشكال العجمة ملخصًا. وكنت أرتقب عوده المقترب، فحالت المقادير، دون التقادير، وجاء المكتوب، بغير المحسوب، وأرجو أن تأتي العاقبة بالعافية، فتغنى به الأطلال العافية. ولولا اشتهار جنوح الأمر، وانتشار جناح العذر، لقلت: قطعه الفضول عن الفضل، ومنعه العدول عن العذل، واقتنع ببياض بلح النخيل، عن رياض ملح الخليل، ومكابرة الأجباس، عن مكاثرة الأجناس، وأنا أخفض له الجناح، وأرفع عنه الجناح. فإذا شرب من العلم فوق طوقه، وشب عمره عن طوقه، واتسق در سخابه، وفهق در سحابه، وأعادته محبة التربة، ومحنة الغربة، إلى منبت غرسه، ومبيت عرسه، أرخى عزالي مزاده، وأرجى بلاوه بلاده.
انتقش من شوك العجز في قدم تقدمك، وانتعش بالعلم قبل أن يحال بين لوحك وقلمك. ولم أجرك بسوط السوق، في شوط الشوق، لكوني ممن يعتقد خمود عزمك، لكن ليغدو إذكائي لضرمك، مقاومًا، لريح من يروح لك لائمًا، فيقوم المنشط، حذاء المثبط.
ومن أخرى إليه:
كتابي، وعندي وحشةٌ لك فادِحَهْ ونارُ اشتياق في فؤاديَ قادحَهْ
فنُحْتُ على ضَنّ بقربك في النَّوى فها أَدمعي بعد ارتحالك سافِحَهْ
ورائحة البِرّ الّذي فيك والتُّقَى غدت بك عنّي، فلتكن بك رائِحَهْ
لتعبَقَ بالعلم الذَّي اشتقت عَرْفَه وتفْغِم مَنْ وافاك يطلُب رائِحَهْ
فبلّغك الله الذَّي أنت أهُله ولا بَرِحَتْ منك الفضائل رابِحَهْ
كتابي، والأشواق إليه دائمة، والآماق عليه دامية، والهموم على الجوانح جوانح، والجوارح فيها جوارح، فبر الله رداء الردى عن منكبي برده إلي، وأفاض من قربه سابغ برده علي، شكرت الباريء دقت حكمته، وجلت قدرته، على ما أنعم به عليه من سابغ ثياب السلامة، وسائغ شراب الكرامة.
ومن أخرى إليه: كتاب فلان، أحيا الله موات أرضه بجاري ماء علمه، وضوأ ظلمات بلاده بساري ضياء نجمه، وكسر بجلاده سوق سوق البدعة القائمة، وجبر بجداله عظم عظمة الشرعة السالمة، فهدى أبكار معانٍ سنية الألطاف، وأهدى ثمار بيان حسنة القطاف، بألفاظ تنقع الغليل، وتنفع العليل، ويهيج بهيج منثورها، بلابل بلابل مسحورها؛ ونشر من مطاوي التلف موتى أشواق، وقدح ولكن في حراق، فأعاده الله واضح الأسرة، وأعاد به نازح المسرة. كم نصيب مرفوض، من نصاب مفروض، ألعين إليه ممتدة، وعن سواه مرتدة، لا زال موفق العزم، مفوق السهم.
ومن أخرى إلى الحكيم المغربي: وصل كتاب فلان، أطال الله فرع عود عمره، وأطاب عرف عود ذكره، وحلى جيد الزمان بفرائد فوائده، وحلأ تهذيبه الإنسان عن مصايد مكايده، ما استخرجت أسفار، وخرجت أسفار.
[ ٧٩ ]
وجدته أحلى من اللقاء بعد البين، والنجاء من يد الحين. وكأن أنواء بنانه حاكت وشي الربيع، وأنوار بيانه حاكت الروض الصنيع. والاستيحاش لبعد حضرته، أذوى عودي بعد خضرته. ولولا ارتقاب العين، اقتراب البين، لأخفقت وعود الجلد، وخفقت بنود الكمد، سيما وكتبه التي تسقي عللًا، وتشفي عللًا، يوردها إرسالًا، فترد علينا أرسالًا. لكن أحال القلب عن حاله، وأماله عن آماله، قوله إن النزوع يحارب النزاع، والقنوع يجاذب القناع. أو ما يعلم - أعاد الله به شمل الأنس جميعًا، وأزال بلقائه وحشة الحس سريعًا - أن الذي مرى أخلافه، واستمرأ خلافه، وأذهب ذهبه ونقاره، واستعذب صخبه ونقاره، وقد طعم بعد حلو العيش أمره، وبرم بما أبرم حبله وأمره، وعلم أنه أغاض مذنبًا، وأغاظ مذنبًا؟ والزمان يثقف المتأود، ويثاقف المؤيد. وهبه جنى وما أجنى، وبرى وما أبرا، وأكفأ وما أكفا، وأشفى وما شفى، وحلى وما حلا، وعفى وما عفا، وسلى وما سلا، ومل وما ملا، واشتف حتى اشتفى، وكف حتى انكفا.. أليس لأجله هاجرت إلى البلاد، وهاجرت مثل بغداد، مجمع سرورك، وموضع سريرك، ومطلع نجمك، وموقع سهمك، ودائرة نقطتك، وبيت شرفك، وليت أسفك، التي هي الروضة والحديقة، والدنيا على الحقيقة؟ سيما وقد ارتفع بها صوتك، واتسع صيتك، وعرفك الأماثل، واعترف بفضلك المماثل، وقد كاد جناحك يريش، ومعاشك يعيش. لكنك هربت من صرف الأيام، وطلبت صرف المدام. وهيهات لك وجه الخلاص، وأنى ولات حين مناص؟ والسماء ألجأتك إلى الصريفة، والحمى أحوجتك إلى القطيفة، وقد صحت الأدواء، وصحت السماء. وبغداد عقد أنت واسطته، وعقدٌ أنت رابطته، ومفرق فضلك تاجه، ومشرق مثلك سراجه، والعيش ها هنا أرغد، والعود إلينا أحمد. ومن أنت قائلٌ بفضله، وقائلٌ في ظله فعلمٌ معروف، وله علم ومعروف، وسيكفيك ويكفيك، ويجزل لك ولا يجزيك.
ومن أخرى إلى والد هذا المويد، يستعطفه له: كتابي إلى فلان، أطال الله له طول البقاء، وأدام عليه ديم النعماء، وجعل مراده وفق المراد، واستسعاده بطاعته فوق الاستسعاد، وأفلته من حبس الحس، ولفته إلى قدس النفس، وأراه ما واراه من وجوده، وأورى له ما وراه من عدله وجوده، عن أشواق تحالفت علي فما تخالفت، وأتواق أضعفت القوى حين تضاعفت، إلى الاستئناس بروائه الروي البهجة، والاقتباس من رأيه الوري الحجة، والتروح بنسيم شمائله، والتلمح لكريم شمائله. فلو سلكت سبيل وصفها لضللت في سهوب الإسهاب، ولو أقمت عماد ذكرها لأطلت أطناب الإطناب.
ولقد امتد إليه سبب نكيري، واحتد عليه لهب ضميري، كيف سمح بنتيجة عمره، وسبب بقاء ذكره، وقطع غصنه وقد أثمر، ومنع مزنه وقد أمطر، حين أشرق كوكبه الدري، واتسق عقده الدري، من الذي استرق قلبك واسترقه، وعرف منبعك فاستحقه؟ نعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الرجوع بعد الطلوع.
فبدار بدار، إلى القمر حين الإبدار. فالتلافي بالتلاقي غرةٌ تقتبل، وغرةٌ تهتبل. والعبارة تضيق عن البث، ضيق المصدور عن النفث. وما أظنك تقف على هذه النبذة فتقف، أو تقرأ هذه الأحرف فتنحرف.
ومن أخرى: وصل كتاب الأخ، أطاب الله شراب الدعاء في سحرة تهجده، وأطار غراب الرياء عن شجرة تعبده، وجعل سهام عزائمه صائبة الرمي، وغمام مكارمه صائبة الأتي، وأسرح طرف طرفه في حلبات أزهار العرفان، وأسرج قنديل إيمانه في قبلة قلبه بأنوار الإيقان، وجمع بيننا في مستقر رحمته، ب محمد وعترته.
ولولا أن القلوب تتلافى بعد المزار بقرب التذكار، وتتلاقى بعد البعد في سرار الأسرار، لما استقر بي بلد غربة، وما استفزني شوق الصحبة. واستيحاش العين لشخصه المبهج اللقاء، يضرم نار الشوق المزعج في الأحشاء. والمسؤول إتحافي بمكاتباته الحالية الطلى، وعقار مخاطباته الحلوة الطلا.
ومن أخرى: وطأ الله أكناف ممالك المجد، وأوطأه أكتاف مسالك الحمد، وربط أسباب بقائه بامتداد الدهر، ونقط كتاب ثنائه بمداد الشكر.
أكون لما يعرض من خدمه، كأحد خدمه. فإن شرح لي سوانح أغراضه، وصرح لي عن لوائح إيماضه، سلكت سبيل التحصيل، وتركت مضل التأميل، واجتهدت بقدر الوسع والإمكان، واعتمدت على مساعدة الزمان.
ومن أخرى إلى ولد أخيه:
[ ٨٠ ]
كتابي إلى فلان، أبان الله نقشة نفسه بكل معلوم، وأبان عن عين عقله كل موهوم، وشحا لسوغ أعماله فم القبول ومحا من لوح خياله رقم المعلول، وقد مسني من خبل الشوق إليه مس، وغشيني للبس ثوب الوحشة لبس، مستصرخًا بالتداني من خطب الفراق ومستروحًا إلى الأماني من كرب الأشواق، لا أجد نشرًا من طي الأسف، ولا نشرةً من طيف اللهف. لكن أترجى بعد سيره مسار كتاب منه صادر، يتضمن سائر أخبار السائر، لا تعلل بورود وروده، وأعل من ورد موروده، فيبل غليلي، ويبل عليلي.
وكنت بقربه برهةً من الدهر، في نزهة من الزهر، حتى غار القدر فأغار، ونكث من الحبل ما أغار، ونقد علي المغير المنجد، وبكى علي الغائر المنجد. وليس بناجٍ من علقته ضوابثه، وطرقته حوادثه، وعين التجربة تستشف كدره في الصفاء، وتستشرف إلى عذره حين الوفاء. والآن، فسبيله السكون حتى تركد أكداره، والخمول حتى يخمد شراره، حارسًا لطرة دينه من الانحراف، حافظًا لقطرة علمه من الجفاف.
ومن أخرى إليه: وصل كتاب الوالد، حرس الله واديه، وأخرس أعاديه، وجعل نبراس ذكره عالي المنار، وأساس قدره راسي القرار، وآيات محامده متلوة السور، وغايات مقاصده مجلوة الصور، بعد أن كان عقاب العقاب يطير إليه جناحه، وارتقاب الكتاب يطور به جناحه، فأصبح سفور صبحه، سفير صلحه، وراح نسيم راحه، ما حي عظيم اجتراحه، وأبدى من العذر فائح مسكة سحيقه، وأدنى من الصبر نازح مسكة سحيقه.
وقد كان لظلالي متفيأً، ولأطلالي متبوئًا، مستقبلًا مصلى الأتقياء، ومستقبلًا مصلي العلماء، راقيًا لواعج الإرادة، وراقيًا معارج السعادة. أذكى مقادح إشعاله، لتبدو ذكاء ذكائه، ووالى مصالح أشغاله، ليعلو لواء لألائه. لكن، صل للقدر حسامٌ صل صله، وعقد للحذر حزامٌ جل حله، ونكث مفتول قطيع سيره، فبعث مقتول فظيع سيره، ليشتد بالمنع همه، ويستد في القطع عزمه. شعر: " وحب شيئًا إلى الإنسان ما منعا ". فلا تيأس من قرب عوده، وإن يبس رطيب عوده. فالدهر يجيء ويمر، والعيش يحلو ويمر، وحبل كل مرء ينكث ويمر. ووصيتي إليه إذكاء دراري علمه متى انطفت، وإرساء جواري عزمه وإن طفت، حتى تسكت هواتف القضاء، وتسكن عواصف الابتلاء، ويطيب جو الزمان، ويصوب نوء الإمكان، ويعود موسى عزمه، إلى ثدي أمه. فإذا قوي عظمه، وروي كرمه، أصبح نبي قومه، إلى ثدي أمه. فإذا قوي عظمه، وروي كرمه، أصبح نبي قومه، وأيقظ كلًا من نومه، وأمسى إلى الإيمان بالغيب داعيًا، ولغنم شعيب الغيب راعيًا. فاعرف هذه الأمور، وتفهم منطق الطيور.
ومن أخرى إليه: كتابي إلى فلان، والشوق قد استحوذ على الجلد، واستنفد قوى الجلد، طبع الله في شمع سمعه، نقوش فصوص صنعه، ورفع عن قليب قلبه حجاب تراب طبعه، وناجاه بأسرار كنه ملكوته الصادعة النور، وأراه أسرار وجه ملكه الساطعة الظهور.
ووصلني كتابه فكان لنور الأحداق، كنور الحداق، وفي ناظر العين، كناضر العين، وشفى قلبًا أشفى على التلف تلافيه، ورقى سليمًا للهف بما تلافيه، من طيب أخباره السارة الأوصاف، الدارة الأخلاف، واحتبائه بثوب العافية والعفاف، وارتوائه من سلاف أكرم الأسلاف. فإن لقح ناجم طلعه انعقد أرطابًا، وإن وضح طالع نجمه اتقد شهابًا.
ومن أخرى إلى بعض العارفين: كتابي إلى معين الدين، ومعين طريق السالكين، وعلامة دهره، وعلامة سعادة أهل عصره، جعله الله لقلبه واجدًا، وعلى نفسه واجدًا، أشرح فيه ما أطوي من مصافاته وإيثاره، وأنشر من صفاته وآثاره، لإجرائنا جواد الإرادة، في جواد السعادة، واهتبالنا غرة دهره الهجود، واقتبالنا غرة فجر الوجود، وهو الأمر تدر أخلافه، ويدرأ خلافه، وإن كان قبلي في قبلة السبق مصليًا، وكنت على أثره مصليًا، وأصبح علم علمه في الناس منشورًا، وأمسى علم علمي مزورًا عنه لا مزورًا، والله المرشد إلى صوب الصواب، والمسعد بثوب الثواب، لأصد عن صدى الحق صدأه، ولأحد عن بلوغ أمله فيه ملأه، والسلام.
ومن أخرى تعزية:
[ ٨١ ]
عوضه الله على عظيم مصابه، عميم ثوابه. إن لكل أجل كتابًا، ولكل عمل ثوابًا، والإنسان رهن أيامٍ تطرقه نوائبها، وهدف أحكامٍ ترشقه صوائبها، وتزعجه عن استقراره، وتنهجه سبيل قراره، ليستعد لتزود معاده، ويستجد مركبًا من أعواده، وهو كطير حبس في قفص بدنه، وبوعد عن وطنه، ونثر له حسنات تقواه، وأرسل من خشبات تقواه، ليرفع طائرًا، أو يرجع إلى معاده آخرًا. فإن أسف على جنة هواه مثل حائرًا، أو أخلد إلى أرض دنياه عدل جائرًا، وصائد الشيطان قد نثر أنواع حبوب الأطماع ليوثقه بحبله، وستر أشراك ضروب الإشراك ليوبقه بختله. فإن تم صيده، فهو صيده. وإن تذكر قصده، وتبصر رشده، ونزع عن غوايته، ونزع إلى هدايته، استبصر بغروره، واستنصر بنوره، واستقل ما حوى فيه، واستقل بخوافيه، ومالك رقه لشدة رأفته، وفرط مخافته، أرسل مذكرات النوائب، ومنفرات المصائب، يناديه بلسان الحال، لا ببيان المقال: ما يتهيأ لك ها هنا عش، ولا يتهنأ لك عيش، فعد إلى وطنك الوطي، وسيدك الحفي. وإياك أن يكون حاصل حوصلتك، حب حب عاجلتك، فيثقلك عن النهوض، وينقلك إلى الحضيض. وهذه أمثال لأمثالنا ضربت، واللبيب من تنبه واعتبر، وسلك سبيل من عبر، وتزود التقوى، واستعد للمثوى. فالدنيا قنطرة للجائز، ومقطرة للعاجز، ومركب للعاقل، وملعب للغافل.
وحين وصلني خبر فقيدتك المتردية بالخفر، المتردية في الحفر، أقض مضجعي، وفض مدمعي. ولولا أني في عقابيل نوائب آلمت حين ألمت، وارتهنت ذمة الصبر وما أذمت، لكنت أنا الوافد إليك، والوارد عوض كتابي عليك.
ومن أخرى: كتابي إلى فلان، أدام الله في معارج السيادة ارتقاءه، وأدام في معارج السعادة بقاءه، عن سلامةٍ حالية الجيد، جالبة المزيد، متهدلة الأغصان، معتدلة الزمان، لما نتداوله من تلاوة ذكره، ونتناوله من حلاوة شكره، ولما لاح لواء ولائه، وفاح نشر الثناء من أثنائه، فعم الداني والقاصي، وعم الدين والعاصي.
ومن أخرى: وصل كتاب فلان، أطال الله له البقاء، طول يده بالعطاء، وأدام له القدرة، وبه القدوة، وإليه انصراف الآمال، وعليه اعتكاف الإقبال، ما أشرق طرس بذكره، ونطق جرس بشكره، وجلا منىً، وحلا جنىً. وفضضته عن لآليء در، ولألاء بدر، وسلاف خمر، وائتلاف شذر. له في كل فصلٍ بديع، فصل ربيع، يفوح قداحه، ويلوح مصباحه، وتجول قداحه، وتجود أقداحه. زاهر البهار، باهر الأزهار. قد اشتمل سواد الخط فيه، على بياض الحظ لمعتفيه، فروى دائم عهوده، ديم العهاد، وأروى حائم موروده، العذب البراد، وأبقى موارده عذابًا، وألفى معانده عذابًا، ما سمج وصف شحيح، وسجم كف سحيح.
ووصل البر الذي أولاه ووالاه، والإنعام الذي ابتدأه وثناه، فتلقيته بيد الفائز بقمره، العاجز عن شكره. وكنت أعتقده دينًا مقترضًا، حتى جرى سيله فطم على القري، وخرج على مقابلته بالذكر القري، وإنما الوهاد إذا رضعت أخلاف الجود، بعد إخلاف الجود، ورصعت بلآلئ القطر منها أقطار الجيد، تفتقت أزهارها عن الأكمام، وأشرقت أقمارها من الظلام، فاستفرغت طاقات الدهر، طاقات الشكر، وكان ظهور أثر الندى، حقيقة شكر الندى.
ومن أخرى: وصل كتاب فلان، وقفه الله على منهاج ثوابه، ووفقه لاستخراج كتابه، فكان كالزهر، أضحكه بكاء الغمام، أو الدر، أمسكه بقاء النظام، أو الذهب ذهب غشه صفاءً، فأعرب عن النسب انتماءً، أو سواد الحرق، على الفضة الحرق. لا، بل بنفسج غض، على الجيد الغض، فسرق اللحظ من الخط الحظ، وسبق إلى القلب موشي اللفظ، لأنه طلع قمريًا، وسجع قمريًا، فأذهب حرًا، وجلب حرًا.
إن الدنيا عاريةٌ في نظر البصير، عارية في يد الخبير. فما لاق فيها لاقٍ لها، وما راق لديها إلا راقٍ عليها. ومن كان فيها على أوفاز، علا أو فاز.
ومن أخرى: وصل كتاب فلان، ملأه الله تعالى بملاءة عمره، وأملاه في إضاءة فجره، ودرأ عنه شر ما ذرأ، وأبر بقدره على من برأ، فراق ما حاكه من الحبر، في البصر والسمع، وأراق ما حكاه من الخبر، مصون الدمع.
ومن أخرى:
[ ٨٢ ]
وصل كتاب سيدنا، أرغد الله عيش الأسرة والخدم، بنضرة أيامه، وأنجد جيش العسرة والعدم، بنضرة إنعامه، ما فرع شجرة خلافٍ شعبًا، وأوقع شجار خلاف شغبًا. ولما أخذ الوداد برمته، وجبذ الفؤاد بأزمته، رحل ولم يرحل مثاله، واستقل وقل أمثاله، وسكن وما سكن خاطري من القلق، وهدأ وما أهدأ الإشفاق من الحرق.
ومن أخرى إلى ابن أخيه، يحثه على الدخول بزوجته: ما دجا حبر، وداجى حبر، وأمح منهج ظلام، وانمحى نهج ظلام.
ومنها: وصار كمين الوجد مكينًا، وحنين الغرام جنونًا، ووشيك العذر مستبعدًا، والقلب بين الجوانح إليك جانح، وجوارحه لملتمسك جوارح. فاسترسل قلمه في لقمه، ورقم وصف قرمه، وحاكى ما حاك في الخلد، وكنى عما نكأ في الجلد.
ووصل كتابك الشريف الموضع، اللطيف الموقع، فانتطق بشارة بشارةٍ، ونطق بإفصاح إشارة، فسروت قناعه فأقنعني بالمسرة، وقرأت عنوانه فملأ العين قرة، وأزال بلطف نقشه ونفسه، من الطرف وحشة حسه. ولما طرأ عاد الشوق طريًا، ومرى شأن الدمع فوجده مريًا. وكان كالماء الفرات، أو كلم ابن الفرات، وقمت له إجلالًا، وقلت ارتجالًا:
وفى إِليَّ وفاءا منك الكتاب وَفاءا
فشفّ قلبيَ، حتّى أشفى، وكان الشِّفاءا
يا غائبًا كان يروي صَدَى العُيون رُواءا
لَقىً تركتَ اصطباري يرومُ منك لِقاءا
" وأعذبت عنك - لا عذب قليبك - لا أعذب قلبك "، فقلت: يتبع راية آرائه، ويقع في هوة أهوائه، ورأي الفطرة فطير وخيم، وحجر الشريعة حجرٌ لكل طبعٍ وخيم. فمن مري خلفها غذوا، وأمر خلفها عدوا.
وكنت حين طلبت سر هذا الأمر، وركبت ظهر هذا البحر، جعلت الإيمان أميني، والقرآن قريني، والشريعة ذريعتي، والسنة جنتي، مستمرًا على أمرها، ومستمرئًا جنى مرها، حتى انفتحت لي مغالقها، واتضحت لعيني طرائقها، وأحدقت بي حدائقها.
والفقه غرس ربما حنظل شجره، ودرس ربما درس أثره. والسنة ألجأتك إلى خبط الميس، والأئمة خيرٌ من قيس.
ولنشرح لك حقيقة الخلاف، في المسألة الدائرة بين الأطراف: فإن الشافعي، شافي عي، بل أحمد، الذي أنت له أحمد: التفت عن الدنيا ساليًا، ونظر نظرًا عاليًا، ومن سلا سلم، ومن علا علم، فقال: المقصود من هذا الوجود، الاشتغال بعبادة المعبود، والإقبال على النكاح يشغل، فالتخلي للعبادة أفضل. وذاك حين تسكن نوازع الشهوة، وتمكن منافع الخلوة. وأما النعمان فأنعم النظر، وأحكم المرر، ونظر محيطًا، وأفتى محتاطًا.
ومن تخلى لنوافل الشرع، نوى فل الجمع. ومن أذهب الفرض للنافلة، ووهب الأرض للناقلة، فقد عند، وما عبد. يسكن من الطبع ما يرى مائرًا، ويمكن من الشرع ما طرأ ماطرًا. ومتى أرى ظل الهوى، أضل إراءة الهدى. ويرق لمن ملك رقه، ويوفي كل ذي حق حقه، فيضرب في نوافل العبادة بسهم، ويضرب عن وجه غرض النكاح بسهم، ويكون له في كل مشروع، بالقلب شعورٌ وبالقالب شروع، ويدق كل باب، ويذوق كل لباب، اتباعًا لقول الرب الواحد: " يا بني. لا تدخلوا من بابٍ واحدٍ ". وآداب الأنبياء، دأب الأولياء، وأقوالهم، أقوى لهم.
النفوس إذا التحف صاحبها بأخلاق من أخلاق، أو فاق في أفعال على غير وفاق، أو رفض من الشرع ما رفض، وعرض بما هو له غرض، أو سرق طبعه ذميم الأخلاق، ممن ليس له خلاق، وأخلاق السوء من القرناء، أعدى من الثؤباء، وليس بين الأعداء، شيء من الإعداء؛ فشفاؤك إشفاؤها، وجلاؤك جلاؤها. فعاد الحكيم إلى النفس، واتخذ من الطب ومنهاجا وقانونا، وقال: الحكمة في سمك الماء، كهي في سمك السماء، والنفس كالشخص، في الصحة والنقص.
فاجعل العقل إمامًا، وقدمه أمامًا، وفوض إليه التأمير، والسكنى في التامور.
من ند عن الكمال ندم، ومن عد من الجهال عدم. فأخلد بخلدك إلى الخلد، واستعد لورود هذا العد.
وإن عدت إلى عادية عادتك، واعتددت بغادية غادتك، وإن اتسع لك المجال، وامتنع منك المحال، تخلصت زبدتك عن المخض، وخلصت إلى الحق المحض، وأطفت بملكٍ لا يبلى.
فإن أعادك إلى حبسك فلحكمته، وإن أرادك لنفع جنسك فلرحمته. وخذها طويلةً غير قصيرة، ومشورةً كالشهد مشورة، وعليك السلام، وأفضل التحية والإكرام.
وتوفي أبو المعالي الكتبي ب بغداد في سنة ثمان وستين وخمس مئة.