الحسن بن أحمد بن حكينا
من الحريم الطّاهريّ.
ظريف الشّعر، مطبوعه. لم يجُدِ الزمان بمثله في رقّة لفظه وسلاسته. وقد أجمع أهل بغداد على أنّه لم يرزَق أحد من الشعراء لطافةَ طبعه.
وله الأبيات النّادرة، المذهبة، التي من حقّها أن تكتب بماء الذّهب.
أنشدني له بعض الأكابر ببغداد في عمي العزيز، ﵀، من قصيدة، هذا البيت، وهو:
فميلوا بنا نحو العِراقِ ركابَكُمْ لنكتالَ من مال العزيزِ بصاعِهِ
وطلبت هذه القصيدة، لأكتبها، فلم أجدها.
وأنشدني بعض الفضلاء ببغداد لابن حِكّينا:
قد كنتُ في أرغدِ ما عيشةٍ بمعزِلٍ عن كلّ بَلْبالِ
تيّمني خالٌ على خدِّه الويلُ للخالي من الخالِ
وله، وأظنّه في أنوشَروانَ الوزير:
ومُظهِر وُدّهُ لقاصده يكُفّ عنه الأطماعَ بالياسِ
يقومُ للنّاس مُكرِمًا فإذا راموا نَداهُ يقومُ للنّاسِ
وله:
مدحتُهُمُ فازددتُ بُعدًا بمدحهم فخُيّلَ لي أنّ المديحَ هِجاءُ
يقولون ما لا يفعلون كأنّهم إذا سُئِلوا رِفدًا هم الشّعراءُ
وله في العذار:
لافتضاحي بعدَ عارِضِه سببٌ والناسُ لُوّامُ
كيف يخفَى ما أكتّمُه والذي أهواهُ نمّامُ
وله:
يا باعثًا طيفَه مثالًا حسنُك قد جلّ عن مثالِ
وإنّما كان ذاك رَشْقًا بعثَ خيالٍ الى خيالِ
وأنشدني بعض أصدقائي ببغداد لأبي محمد بن حِكّينا، في مدح عَوَرِ عينِ الحبيب، ولم يسبق إليه:
يا لائمي والمَلومُ متّهمٌ حسبُك ما قلتَ فيه من عوَرِ
يرشُقُ عن فردِ مُقلةٍ وله ألفُ جريحٍ منها على خطرِ
لُم كيف شئتَ لستُ تاركَه الآن صحّ التّشبيهُ بالقمرِ
وأنشدني له ببغداد الشيخ مجد القضاة، في بعض القضاة:
وباردِ التّنميسِ بين الورى يفعلُ ما لا يفعلُ اللصُّ
يصطادُ أموالَ الورى كلها بطرْحةٍ من تحتِها شِصُّ
وله في قصد ابن التّلميذ، لمرض به. أنشدني مجد الدولة أبو غالب بن الحُصين، قال: أنشدني ابن التّلميذ له:
لمّا تيمّمْتُه وبي مرضٌ الى التّداوي والبُرءِ محتاجُ
آسى وواسى فعدت أشكرُهُ فعلَ امرئٍ للهمّ فرّاجُ
فقلت إذ برّني وأبرأني هذا طبيبٌ عليه زِرباجُ
وكتب الى الشّريف ابن الشّجَريّ النّحوي، وكان له شعر مقارِب:
يا سيّدي والذي يُعيذُك من نظمِ قريضٍ يصدا به الفِكرُ
ما فيك من جدِّك النّبيّ سوى أنّك ما ينبغي لك الشّعرُ
[ ٤٥ ]
وأنشدني أبو المعالي الكتبي، قال: ذكر ابن الفضل أنّه كتب الشيخ أبو محمد بنُ حِكّينا الى ابن التّلميذ، وأراد أن يصالحه بعد خصومة، أبياتًا، منها هذا البيت:
وإذا شئتَ أن تُصالحَ بَشّا رَ بنَ بُردٍ فاطرَحْ عليه أباهُ
يقال: إطرح فلانًا عليه، حتى يصالحك. فما ألطفَ طلبَه منه بُردًا بهذا البيت المطبوع! وأنشدني له هذا البيت، وهو حسن:
إرضَ لمن غابَ عنك غيبته فذاك ذنبٌ عِقابُه فيهِ
وأنشدني له أيضًا:
قسا ثمّ أجرى عبْرَني فكأنّني على فقدهِ الخنساءُ تبكي على صخْرِ
وله في أنوشَرْوان الوزير:
سألوني منْ أعظمُ الناسِ قدرًا قلت مولاهمُ أنوشَرْوان
لست أحوي صفاتِه غيرَ أنّي ما رأيتُ الإعسارَ منذُ رآني
وإذا أظهر التّواضُع فينا فهو من آيةِ الرّفيعِ الشّانِ
ومتى لاحِ النّجومُ على صف حةِ ماءٍ فما النّجومُ دَواني
وله:
ما بالُ أشعاري وقد ضُمّنت مدحَكُمُ ترجِعُ بالدّلْقِ
ما فيكُمُ بخلٌ وما بي غنىً عن نائلٍ والنّجْحُ في الصّدقِ
ولست أستبطي ولكنّني ينقطعُ الغيثُ فأستسقي
وله في أمين الدولة أبي الحسن بن صاعد الطّبيب، ويعرف بابن التّلميذ، وقد نفّذ له شيئًا، وكان مريضًا:
جاد واستنقذ المريضَ وقد كا د ضنىً أن يلُفّ ساقًا بساقِ
والذي يدفَعُ المَنونَ عن النّفْ سِ جديرٌ بقسمة الأرزاقِ
وله:
ويكتبُ بالبيضِ الصّوارمِ أسطُرًا على أوجُهِ الفرسان تنقُطُها السُمْرُ
وينظِمُهُم في الرُمحِ نظمًا وإنّما رؤوسُهُمُ من بعدِ نظمِهِمُ نثرُ
وله:
لو كنتَ أعلمتَني بهجرك لي لبِستُ من قبلِ صدِّك العُدَدا
عيناك ترمي قلبي بأسهُمها فما لخدّيك تلبَسُ الزّرَدا
ريقتُهُ الشُهْدُ والدّليلُ على ذلك نملٌ في خدِّهِ صعِدا
وله في العِذار:
لا تقولوا من بعد عا رضه قد تغيّرا
إنّما الحسن حين م رّ به الحِبّ مسفرا
رامَ تبخيرَهُ فذ رّ على الجمرِ عنبرا
وله في المدح:
أتاني بنو الحاجاتِ من كلّ وجهةٍ يقولون لي أينَ الموفَّقُ قاعدُ
فقلتُ لهم فوقَ المجرّة دارُه ولكنّني فارقتُه وهْو صاعدُ
فإن شئتُمُ ألا تضِلّوا فيمّموا الى حيثُ سارت بالثّناء القصائدُ
وله في تأبين ميت:
ومنتقلٍ بالإثمِ أرساهُ جُرمُه فلم يقدِروا من ثِقلِه أن يُقلّوه
رأى أهلُه إبعادَه مَغْنمًا لهم وكان كثيرًا عندَهم فاستقلّوه
ولم يسمعِ الحفّارُ ساعةَ دفنِه وتوسيدِه إلا خُذوه فغُلّوه
وله في البخل:
لمّا فشا البخلُ وصار النّدى ولا رغيفٌ كلّ أسبوعِ
سرت مصاريعُ هجائي الى منْ خبزُه خلفَ المصاريع
فقطّعتْ بالذّمّ أعراضَهُ وفرّقتْها في المجاميع
وكتبت من الأجلّ شمس الدين وله سديد الدولة بن الأنباري قصيدة لابن حِكّينا بخطّه، في والده. وهي:
أدِرْها مدعدعة يا نديمي بماءِ الكرومِ وبين الكُرومِ
وكن أرفقَ الناس تحت الظلا مِ ببزْلِ الدّنان وفضّ الختومِ
الى أن تُريكَ طلوعَ الصّبا حِ في حبَب كانقضاض النّجومِ
ووكّلْ مصابيحَها الزاهراتِ بإحراقِ شيطانِ همّي الرّجيمِ
وخُذْها على أنها لُقطةٌ إذا اشتُريتْ بدُخولِ الجحيمِ
هي الرّوح أو مثلُها في القيا س مخلوقةٌ لقوام الجسوم
ومن بعض أفعالِها في النّفو سِ عَوْدُ السّرورِ ونفيُ الهمومِ
[ ٤٦ ]
بَزوغيّةٌ شغلَت فكرتي بوصفي لها عن بكاء الرّسومِ
كُميتٌ ولكنّها لا تُردّ عن نيل غاياتِها بالشّكيمِ
غذتها السّنون الى أن نشتْ بجري الهواءِ ولفْح السّمومِ
أقرّ الشِّهادُ لها والعبي رُ بطيبِ المَذاقِ وعطر النّسيمِ
يدورُ بها مستديرُ العِذا رِ أسلبَ منها لعقل النّديمِ
يُضلّ البَصيرَ بوجهٍ منير ويُبري السّقيمَ بطرْف سقيم
فمن لي بقلبي وقد فرّقَتْه يدُ الوجدِ ما بين بدرٍ وريمِ
فيا صاحِ إن ساورتك الخطو بُ في كونِها عُدّه من خصومي
ومنها في المخلص، وقد أجاد:
فقل للزّمان اتّئدْ إنّني بأفضلِ أبنائه في حَريمِ
وإني فلا تطمَعِ الحادثا تُ عبدُ الكريم ابنُ عبد الكريم
ومنها في المدح:
ترى الوفْرَ عند استماعِ المدي حِ في مُقعِدٍ من نَداهُ مُقيمِ
يقول إذا ما رأى خلّتي لكِ الأمنُ منّي بألاّ تُقيمي
من القومِ لولاهُمُلم تُقمْ وجوهُ العطايا وسوقُ العلومِ
كم استعبدوا مُقتِرًا بالنّوا لِ واصطنعوا جاهلًا بالحُلومِ
وأضحوا يرَوْن تلافي الفقي رِ أولى بهم من تلافي العَديم
ومنها:
وأصبحَلا يقتني دِرهمًا لغير قضاءِ دُيونِ الرّسومِ
ومنها في صفة القلم:
يُجيل غداةَ الوغى مُرهَفًا شديدَ الجِلادِ خفيّ الكُلومِ
نحيفًا يردّ بإسهابِه وصولَتِه كلّ خطْبٍ جسيمِ
فما يتميّز عبدُ الحمي دِ حين يراهُ من ابنِ الخطيم
ومنها:
فيا منْ تغمّدني بِرّه ونزّهني عن سؤالِ اللّئيم
وسالت عِهادُ أياديه من خُراسان الى منزلي بالحَريمِ
ولم ينسَني يومَ بثّ النّوا ل لا في الخوص ولا في العمومِ
تهَنّ فمجدُك فوقَ النّجو مِ واسعَدْ فشانيك تحتَ التّخومِ
وعِشْ في السّرورِ نعِش في السّرور ودُمْ في النّعيم ندُمْ في النّعيم
وكتبت من مجموع بخطّ أبي الفضل بن الخازن: أنشدني الصبح أبو محمّد بن حِكّينا من قصيدة:
لاقى طريقَ النُسْكِ شاسعةً فاستصحب اللّذّاتِ وانحرفا
يهْوى كؤوسَ الراح تُذكِرُه قبَسًا أضاءَ وبارقًا خطَفا
يُهدي المِزاجُ لجيدِه حبَبًا مثلَ السّهامِ تعاورت هدَف
وإذا دعاهُ طرْفُ غانيةٍ للوصلِ بادره ولو زَحَفا
ومنها:
واسقِ النّديمِ تعُدْ حُشاشتَهُ مشمولةٌ لطُفت كما لطُفا
واعقِدْ بطرفِك صُدغَ ذي ترَفٍ لمّا ألمّ بخصْرِه انعطفا
كالنّون منحنيًا فإنْ عبِثت كفّ أحالت شكلَهُ ألِفا
ذهبت بصِرْفِ الرّاحِ نخوتُه فطفِقتُ محتضِنًا ومرتشفا
ومنها:
لله أيامٌ طرَقْتُ بها قبلَ الصّباحِ الدّيرَ والخزَفا
والماءُ تُطرِبُهُ منادمتي فلو استبدّ برأيه وقَفا
ومنها في المدح:
أهلًا بمن جُعِلت فضائلُه أهلًا لأنْ تستنفدَ الصُحُفا
وخلائق مثل النّسيم جرى فإذا تعرّضَ للعِدا عصَفا
ولقد عزمتُ بمن سواك على شيطان إعساري فما انصرفا
فكما ذكرتُ له نداك مضى وكأنّه بالنّجمِ قد قُذِفا
ومنها:
وتراهُ يرفِدُني وأُنشدُه مدحي فيُظهِرُ بيننا الطُّرَفا
ومنها في طلب كُسوة:
إن لم تعاجلْهُ بكُسوتِه أودى فمنه الثّلج قد ندفا
لو كان في النّيران مسكنُه قيظًا فأنشدَ شعرَهُ رجَفا
فتلقّ بالإحسانِ ممتدحًا أعيا عليه الجِدّ فانقصفا
[ ٤٧ ]
وأنشدني أبو المعالي له في الموجَّه:
أراه لبُغضِه عَمرًا يصغّرُه ويجلُدُه
وذكر لي عبد الرحيم بن الأخوة: أنّه كان بزّازًا، وكان يمدح أنوشَرْوان بن خالد.
وقال: وجدت له بيتين، وكتبتهما، وهما:
قصدتَ ربْعي وتعالى به قدري فدتك النّفسُ من قاصدِ
وما أرى العالم من قدره بحرًا مشى قطّ الى واردِ
وأنشدني أبو الفتح نصر الله بن أبي الفضل بن الخازن لأبي محمد بن حِكّينا، في واعظ:
يُعيد ما قال أمسِ في غدِه بلا اختلافِ المعنى ولا اللفظ
حضرتُ بعضَ الأيام مجلسَه فكلّ ما قاله على حفظي
وله في أنوشروان الوزير، وقد ردّه:
قد جئتُ بابني فاعرِفوا وجهه ليأخُذ النائلَ من بعدي
فليس في التّقدير أني أرى قبلَ مماتي ساعةَ الرِفدِ
وله:
ولم أجْنِ ذنبًا في مديحِ امرئٍ قابلَ شعري بالمواعيدِ
إن قلت بحرٌ فبِما نالني من هولِه أيامَ ترديدي
أو قلت ليثٌ فبتكليحه إذا أتاه طالبُ الجودِ
وله في ولده:
إبني بلا شكّ ولا خُلفِ في غاية الإدبارِ والحُرْفِ
أنّه الحبّالُ في مشيهِ يزدادُ إقبالًا الى خلْفِ
وله في أمين الدولة ابن التّلميذ:
لموفّقِ المُلكِ الأجلّ يدٌ حسبي بفيض نوالِها وكفى
سكن المجرّة واستهلّ ندىً وكذا الغمامُ إذا علا وكفا
لم آتِ أستكفيهِ حادثةً إلا تهلّلَ بِشرُه وكفى
ولولده فيه:
إذا افتخر الناسُ في مجلس فإني بترك افتخاري خليقُ
لقد جرّ كونُك لي والدًا عليّ من الذُلّ ما لا أُطيقُ
ولوالده أبي عبد الله أحمد بن حِكّينا قرأت في تاريخ السّمعاني بخطّه: كانت له معرفة بالأدب، وكان شاعرًا تلميذًا لأبي علي بن شبل الشاعر، قال: قرأت بخطّ أحمد بن محمد بن الحُصَين، أنشدنا أبو عبد الله بن حِكّينا لنفسه:
إذا جفاك خليلٌ كنتَ تألَفُه فاطلُبْ سواهُ فكلّ الناسِ إخوانُ
وإن نبَتْ بك أوطانٌ نشأتَ بها فارحَلْ فكلّ بلادِ اللهِ أوطانُ
لا تركَنَنّ الى خِلّ ولا زمنٍ إنّ الزّمان مع الإخوانِ خوّانُ
واستَبْقِ سرّكَ إلا عن أخي ثقةٍ إنّ الأخِلاّءَ للأسرارِ خُزّانُ