المحسن بن أحمد بن الحسين بن معقل الأزدي، من أهل حمص، سمعت وحيش الشاعر بدمشق يقول: إنه توفي سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وله ثلاثة أولاد فاقتسموا ديوانه أثلاثًا، وظنوه تراثًا، فقلت لهم: هذا لا يجديكم نفعًا، وإثبات شعر والدكم يوجد لكم رفعًا، فما قبلوا مني وتفرقوا به وفرقوه، ولا ثبتوا على حفظه ولا أثبتوه. له من قصيدة:
هل لسارٍ في دُجى هجركَ هادِ أَم لعانٍ أَسَرَتْ عيناكَ فادِ
قد تعدَّيْتَ فأَشمتَّ العِدى وتمادَيْتَ فجاوزتَ التَّمادي
يا صحيحَ الجسم من داء الضَّنا وَخَلِيَّ القلب من ضَرِّ البعاد
خَفْ مع القُدْرة من ظلمي فقد نُهِي القادر عن ظلم العباد
نِمْتَ عما بي وجَفْني أَرِقٌ لم يَدُق من كَلَفٍ طيبَ الرُّقادِ
وثَنَيْتَ العِطف عنّي لاهيًا مُؤثرًا عكس طِلابي ومُرادي
فأَبِنْ لي مُخْبِرًا بالله هل أَنت من أَولاد شَدّادِ بن عاد
وَيْحَ قلبي ما الذي أَوْقعه في هوى صَعْبِ الرِّضا صعب القياد
يتجنَّى والتجنّي أَبدًا سببٌ داعٍ إِلى نقض الوداد
وله:
دَعا مُهْجَتي رَهْنَ أَوصابها وَحِلف هواها وأَطرابها
وَكُفّا فلي عنكما شاغِلٌ بتسهيد عَيْني وتَسْكابها
فَيا لِيَ من ظبيةٍ بالحِمى تَتيهُ بإِفراط إِعجابها
مُقَسَّمة الحُسْن بين القِناع وبين اللِّثام وجِلْبابها
فبدْرُ الدُّجى فوق أَطواقها وحِقْف النَّقا تحت أَثوابها
ولو أَنّ يوسُف في عصرها لأَصبح مِنْ بعض حُجّابها
رُوَيْدكُما بو قِيذ الصُّدود ومُدْوى لواعجِ أَوْصابها
فأَيْن السُّلوُّ وأَين الخلاصُ لنفسٍ أُصيبت بأَحبابها
تملَّكها مَنْ لأَجفانه نِصالُ الرُّماة ونُشّابها
هذه رقيقة، رفيقة، لطيفة، طريفة، ولعل ناظمها قصد بها معارضة الرئيس أبي منصور بن الفضل الكاتب المعروف بصر بعر فيكلمته التي أولها:
تفيض نفوس بأوصابها وتكتمُ عُوّادَها ما بها
وما أَنصفتْ مُهجةٌ تشتكي هواها إِلى غير أَحبابها
ومنها:
ومن شرف الحبّ أَنّ الرِّجا ل تَشْري أَذاه بأَلبابها
وفي السِّرْب مُتْرِبةٌ بالجمال تُقَسِّمه بين أَترابها
[ ٢ / ٣١٣ ]
فللبدر ما فوق أَزرارها وللغُصن ما تحت جلبابها
كأَني ذَعَرْتُ بها في الخِبا ءِ وَحْشيةً عند مِحرابها
أُتَبِّعها نظرًا معجلًا يُعَثِّر عيني بُهدّابها
متى شاء يقطِف وردَ الخدود وَقَتْهُ الأَكُفِّ بعُنّابها
وكم ناحلٍ بين تلك الخيا م تحسِبه بعض أَطنابها
لا يعارض هذا السحر، ولا يناقض هذا الشعر، إلا من يفتضح، وبينة قصوره تتضح، فإن الشاعر المفلق، إذا في قصيدة ووفق، فالألسنة تصقلها، والرواة تنقلها، ولا يتفق لشاعر في مدة عمره إلا قصائد معروفة، وهمته لاستحسان الناس لها مصروفة، فالأريب، اللبيب الأديب، ذو القريحة الصحيحة يتعرض لقبول النصيحة، ولا يعرض بمعارضتها نفسه للفضيحة، فإن نظم مثلها، واحكم صقلها، فمن أين له قبولها، ومتى ينفق ويتفق سوقها وسولها، وما كل حسن مبخوت، وإن نظم دونها فهو ممقوت، ومن ملك القدرة على حر الكلام في سر البلاغة، وسحر الصياغة، غاص بحر الفكر، لاستخراج الدرر، ولم ير من همته إلا التفرد بالثناء الغرر، لتتفرد بالقبول فرائده، ولتفد العقول فوائده، وتنير بالإشراق مقاصده، وتسير في الآفاق قصائده.