محمد بن محمد بن موسى يعرف بابن الفراش. من أهل دمشق، كبير المحل، كثير الفضل، صحيح العقد، رجيح العقل، مشمول الشمائل حلوها، مقبول الفضائل صفوها، جامع بين علم الأحكام والحكم، صانع في ترصيع البديع من الكلم، قد غلب عليه الوقار، وكأن كلماته يعصر منها العقار.
كان قاضي العسكر في آخر عهد نور الدين محمود بن زنكي ﵀ بالشام إلى أن مضى لسبيله، وفاز في الخلد بسلسبيله.
وولاه الملك الناصر صلاح الدين في دولته أمانة خزانته، وقرره على قضاء عسكره، وخاصته. وما زلنا ي الأيام المنورة النورية قرينين في المخيم، وقريبين في المجثم، وحلفي مجاورة، وإلفي محاورة، نتفق ولا نفترق، ونأتلف ولا نختلف، وأقتبس من نطقه وصمته، وأستأنس بخلقه وسمته، ونتواسى في المعيشة كالشقيقين الشفيقين، ونتساوى في العيشة كالصديقين الصدوقين، وهو أصدق من خطب إلي صداقته، وجعل صداقها صدقه، وأسبق من جرى في حلبة الوفاء فأعطى الكرم حقه، ما كسبت فيي الشام غيره، ولا حسبت إلا خيره، وما لقيت من لم ألق سوءه سواه، ولا ألفيت شرواه، وله في كل فن من العلوم يد قوية، وفكرة في النظم والنثر سوية، وقريحة في إبداع القافية والروي روية.
ومما أنشدنيه من شعره:
[ ٢ / ٢٨١ ]
سضحاب النَّدِّ مُنتشِرُ الضبابِ وبنت الكأْس راقصةُ الحَبابِ
وعينُ الدّهرِ قد رَقَدتْ فأَيقظ سرورًا طرفُه بالهمّ كاب
ولا تستصْرِخَنَّ سِوى الحُمَيّا إِذا باداك دهرُك بالحِراب
إِذا مُزِجتْ يطير لها شَرارٌ يَفُلّ شَبا الهموم عن الضِّراب
ولا تقلِ المشيب يعوق عنها فقد ضمِنَتْ لنا رَدّ الشباب
ولا تبغ الفِرار إِلى لئيمٍ تُلاطفه فيخشُن في الجواب
فلي هِممٌ، إشذا سطتِ الليالي، مجاثمها على هام السحاب
هي الدنيا تَسُرُّ إِذا أَرادت وتَحْزُن مَنْ تريد ولا تُحابي
إِذا انتبهتْ حوادثها لشخصٍ فليس يُنيمها سَمَرُ العِتاب
فإِن زادت فأَوْسِعْها فُؤادًا قويّ الجأْش مُنْفَسِح الرِّحاب
متى كَمُلَتْ رياض الفضل خِصْبًا فأَرضُ الحظّ مُجْدِبة الجَناب
تُضيءُ المُشْكلاتُ بفضلِ قَوْلي ويرتاع المُلاسِن في خطابي
وإِن طال المُفاخِرُ بالمَعالي وحاولني تقاصر عن هِضابي
وأَعْجَبُ كيف تخفيني اللّيالي ووجه الشمس يَخْفى في شِهابي
وُجوهُ مَناقبي حَسُنَتْ ولكن بِذَيْل الحظّ قد طاب انتقابي
ثياب العِرض إِن دَنِسَتْ لِقَوْمٍ فكن ما عشت مُبْيَضَّ الثياب
وأَسلمني الزّمانُ إِلى أُناسٍ إِذا عُدُّوا فليسوا من صِحابي
رَقُوا ظُلمًا وأَنفسُهم ترامت بهم طبعًا إِلى تحت التراب
عليهم للكلاب مزيدُ فضلٍ وليس لهم مُحافظةُ الكلاب
لهم دون الرغيف سِهامُ لؤمٍ تَصُدُّ القاصدين عن الطِّلاب
وكتب لي من نظمه بخطه، قال:
وقلت في بعض الأغراض التي اقتضت ذلك، وكان سببه أنني أنشدت لبعض الأًدقاء شعرًا لمهيار، فتبرم منه لضيق صدره بسبب من الأسباب، فمازحته ببعض هذه الأبيات كأنها على لسانه:
لقد سمح الدّهرُ بالمُقْتَرحْ وكان السكوتُ تمامَ الفرَحْ
وما زال إِنشادُك الشعر لي يَمُرُّ بسمعيَ حتى انقرَحْ
ونغَصتَ عَيْشي بترداده وأَفسدتَ من حالتي ما صلضح
فلا خير في نظم هذا القريض ولا في تغزُّله والمِدَحْ
لحا الله قلبًا يحبّ المِلاح ولثْمَ الأَقاحي ورَشْف القَدَحْ
ويهتَزُّ عند اهتزاز الغصون ويعجبه ظَبْيُ سِرْبٍ سَرَحْ
وتُطربه رَوْضةُ العارِضيْن وما في شمائِلها من مُلَحْ
لئِن سَرَّكُمْ حُسنُ وَجْهِ الحبيب فما ذاك عنديَ إِلاّ تَرَح
وللهِ دَرُّ عجوزٍ تروق لطرفِ الحكيمِ إِذا ما لَمحْ
ويُعْجِبُه صِبْغُ حِنّائِها وما بين أَسنانها من قَلَح
لها رَحِمٌ مثلُ حبل العِقال إِذا ما دنوت إِليه رَشَح
وإِن حَرَّكتْه ذُكور الرّجال تخيَّلْت ذاك كنيفًا فُتِح
فهذي مقالة هذا الحكيم ولا خَيْرَ فيمن إِلها جَنَح
فَدَعْ قوله واختصر صورةً كأَنّ الجمال لها قد شرح
إِذا ما استدارتْ نطاق الخصور وماستْ قُدودٌ بزَهْوِ المِدَحْ
فكم من غريقٍ بماء الجفون وكم من زِنادِ فؤادٍ قَدَح
أَدِرْها وروِّ بها حائِمًا ودارِكْ بقيَّةَ عُمْرٍ نَزَح
ولا تَجعلِ المزج إِلاّ الرُّضاب وواصل غَبوقك بالمُصْطَبَح
أَطِعْ في حبيبك غِشّ الهوى وعاصِ العذول إِذا ما نصح
ولُذْ بضلالك قبل الهدى وبادِرْ ظلامك قبل الوَضَح
وَدَعْ عنك وَضْعَ شِباك المُحال ونَصْب الفخخ وعَدَّ السُّبَحْ
[ ٢ / ٢٨٢ ]
ولا تُغْلِقَنّ بحمْل الهمو م بابَ السّرور إِذا ما انفتح
وإِنْ خِفتَ من عاتبٍ فاستترْ بليل الشَّباب إِذا ما جَنَح
فَتَبًّا لدهرٍ يُعِزُّ اللئام وقدرُ الكرام به مُطَّرَحْ
ذَلول إِذا ما امتطاه الجهول وما رامه الحُرُّ إِلا مُمْتَدَح
وقد طُمِسَتْ أَوجهُ المَكْرُمات وقد عُطِّلَتْ هُجْنُها والصُّرُح
ولا خير فيمن غدا طائِعًا للؤمٍ أَلَمَّ وبُخْلٍ أَلَحْ
إِذا بهرجته عُقولُ الرّجال وأَخجله النّقْص لمّا افتضح
لئن قَصَّرَتْ خُطوةُ الحظّ بي فماليَ عن هِمّتي مُنْتَزَح
وإِن عَدَّ مُفْتخِرٌ فضلَه فبي يُخْتَمُ الفضلُ بل يُفْتَتَح
وكم للفضائلِ من خاطبٍ وما كلُّ خاطب بِكرٍ نَكَح
قال، وقلت:
لا تَلْقَ دهرك بالعِتابِ فعُهوده ذات انقلابِ
والبَدْ إِذا وَثب الرَّدى واصبر على مَضض المُصاب
فالدّهرُ يخدع بالسرو ر كمثل تلميع السَّراب
ما جئته مُسْترْوِحًا إِلاّ حصلت على اكتئاب
فإِذا طلبت صفاءه فابشُر بأنواع العذاب
لا تَشكُوَنَّ فما يُبا لي إِن شكوتَ ولا يُحابي
يا صاحبي ماذا يَضُرّ الأُسْدَ من حَنَق الذِّئاب
لولاكِ، غِزلانِ الفَلا ما هان مُرْتَكَب الصِّعاب
أَلِفَتْ مُنازَلَة القلو ب فما تَمَلُّ من الحِراب
يدنو فيمنعه الحَيا فيعود مَسدول الحجاب
والبدرُ أَحسنُ ما يكو ن إِذا تنقَّب بالسَّحاب
لله عيشٌ سالفٌ واللهو مَوْفورُ النِّصاب
وسرورنا مُستيقِظٌ فرِحٌ، وطرف الهمّ كاب
إِذا نُقْلنا لَثْمُ الخدو د وشُربنا خَمْرُ الرُّضاب
إِذ نحن في جاه الصِّبا والعمرُ مجهول الحساب
فارحلْ عن الدنيا وجِدَّ وَدَعْ مُلاعبة التَصابي
دَعْها فقد جاء المشيب بعَزْلِ سلطان الشباب
ما اللَّهْوُ بعدَ الأربعين وإِن قَدَرْت، بمُستطاب
بعثتْ طلائِعَها المنو ن إِليك مُسْرَجةَ العِراب
وقلت: لما ولي الملك السعيد ﵁ لسيدنا الأجل عماد الدين أبي حامد محمد بن محمد، ابن أخي العزيز، الإشراف على ديوانه وسائر مملكته مضافًا إلى ما كان يتولاه من ديوان الإنشاء، وكان قد ولد له ولد بعقب ذلك. ولم يتفق إنفاذها إليه في ذلك الوقت بسبب رحيل اتفق للملك السعيد ورحلنا معه في سنة ثمان وستين وخمسمائة. وهي محتاجة إلى تنقيح:
خان المُحالف والمُعاهدْ وجفا المُوالي والمُساعد
سهِرت عيونُ فضائلي لكنّ طرف الحظّ راقد
أخذ بصَفقةِ تاجرٍ طلب المقاصد بالقصائدْ
فاخِرْ فإِنك في زما نك صالح، والوقتُ فاسد
أَوَليس قومك معشرٌ كانت عوائِدهم عوائد
لا تتعب الحسّاب في عدد الكرام فأَنت واحد
فلئن فَخَرْتَ بمن مضى فلْتفخرنّ بك المَشاهد
فابشُر بمولودٍ يجدّدُ ذكر آباءٍ أَماجد
ولدٌ أتانا مُخبرًا في مهده عن خير والد
ما فتَّ في عضدٍ ولكن فتَّ أَكباد الحواسد
رفعتْ دموعي بعدكم مما أُكابده جرائد
أَين الذين نعدّهم عند النوائب والشدائد
يَلْقَوك في شُوس الخطو ب مشمّرين عن السواعد
نَفقت ملابيس النِّفا ق وسوق أَهل الفضل كاسد
رُفعت دواوين الكفا ة وخُلْخِلَتْ منها القواعد
واستبهمت حتى لقد أَيِس المُعَلِّل والعوائِدْ
[ ٢ / ٢٨٣ ]
فنهضتَ فيها قائِمًا بسِدادها والغيرُ قاعد
فَصَحَتْ وصحّ زمانها من ذا يُغشّ وأَنت ناقد
وملأْتَ أَسماع الرُّوا ة من الفوائد والفرائد
وحفِظت عَقد مودّتي فنشرت أَلوية المحامد
سرقت عزيمتُك الرُّقا دَ فبتّ مهجور المَراقد
غار الزمان فسلَّهُ سيفًا لأَهل الشرّ حاصد
وقلت في سنة ستين وخمسمائة وكتبتها إلى بعض الأصدقاء:
نواحي الأَرض ضاحكةُ الرُّبوعِ وعينُ المُزنِ هاطلة الدموعِ
ووجه الأَرض بسّام المُحَيّا وشادي الدَّوْح ممنوعُ الهجوع
وأَغصانٌ كأَنّ بها انتشاءً تصابت وهي شائبة الفروع
لقد طالت ليالي الهمّ فائْذَنْ عَصيُّ الهجرِ ذو وصلٍ مُطيع
ولا يسقيكها إِلاّ غزالٌ عَصيُّ الهجرِ ذو وصلٍ مُطيع
عُقارًا لو سطت في يوم حربٍ لأَوْدت بالخُبَعْثِنَة الشجيع
ولو مرّتْ على حلم ابن قيسٍ لأَضحى وهو كالطفل الرضيع
وقلت بسبب صديق:
إذا غرت خيولُ الهجر يومًا عليكَ، فكنْ لها ثَبْتَ الجَنانِ
وإِن خان الصديق فلا عجيبٌ أَليس الأَصدقاء بني الزّمان
وقلت لما كنت بحلب بعد وفاة الملك السعيد ﵁، وقد توالت الفتن، وحرجت الصدور، متشوقًا إلى دمشق ومتذكرًا لها:
عروسُ الكأْس يجلوها نديمي علينا في ثيابٍ من نعيم
أَدِرْها واحْيِ أَباحًا تراها رَميمًا بين أَجداث الهموم
وداوِ بها جِراحات الليالي فلستَ على التّداوي بالمَلوم
ولا تكسِر حُمَيّاها بمَزْجٍ فتضعُفَ عن مُقاومة الغريم
وأَعجَبُ كيف تبرُز وهي شمسٌ مكلَّلةَ الجوانب بالنّجوم
إِذا طافت همومُك حولَ كأْسٍ ترامتْ نحوها شُهْبُ الرُّجوم
وقد زَفّ الربيع إِليك رَوْضًا قشيبَ الزَّهْر مُعْتَلَّ النسيم
فَحُثَّ اليَعْمَلات إِلى دمشقٍ سقاها اللهُ هَطّال الغيوم
فيا لله درُّكِ من ديارٍ تَراضَعنا بها حَلَب الكروم
فما رقأَتْ دموعي حين غابت جواسقُها ولا اندملت كُلومي
إِذا ما طُفت حول دروب مقرى فعرِّج بي إِلى دَيْر الحكيم
وبادرْ نحو رَبْوتِها ففيها إِذا واجهتها بُرْءُ السقيم
وحيِّ النّيْرَبين فكم مضى لي على الشرفَيْن من شجنٍ قديم
إِذا الخُطباء في الأَغصان قامت تهُزُّ النائمين عن النعيم
إِذا كأْس الصَّبا دارت سُحَيْرًا تحُلُّ معاقد الدُرّ النظيم
لقد أَهدت لها الخضراء بُرْدًا بديع النَّسج مختلف الرُّقوم
وفي تلِّ الثعالب راح عنها ففيها منشإي وبها تميمي
لقد حلّت جِنانُ الخُلد فيها وفي حلبٍ هَوْت نارُ الجحيم
إِذا عُرضت عليك رأَيت فيها عِراصَ الخير دائرةَ الرُّسوم
مُناخُ للأَراذل منذ كانت محرَّمَةٌ على الحرّ الكريم
أَقمتُ بها فلم يظفر طِلابي بذي أَدبٍ ولا خِلٍّ حميم
وأَرذلُ من ترى فيها وأَخزى ذوو الأَقداء والحسب الصميم
تُرى يحنو الزمان عليَّ يومًا فأَشكو ما لقِيت إِلى رحيم
لعلّ الله أَن يُدني زمانًا تَهُبّ لنا به ريحُ القُدوم
وأبناء الزمان كما تراهم أَفاعٍ دأْبُها نَفْثُ السّمومِ
فلا يحنو القويُّ على ضعيفٍ ولا يصل المَخوف إِلى رَؤوم
[ ٢ / ٢٨٤ ]
وسُقت إليهم الآمال حَثًّا فما وجدتْ سوى مرعىً وَخيم
رأَيتُ سحائبًا فظننتُ فيها رَذاذًا مُنْعِشًا لثرىً عديم
يحاربني الزمان وأَيّ والٍ يناصفني وأَيامي خُصومي
تَبَلَّغْ باليسير وعِش كريمًا وغُضّ الطرف عن نظر اللئيم
فقد عقمت عن الكرم اللّيالي فلا تَرْجُ الوِلادة من عقيم
وناديتُ العفاف: إِذا اقتسمنا فكن ما عشتُ في الدنيا قسيمي
وقلت لما خرجت من حلب متوجهًا إلى الملك الناصر صلاح الدين أدام الله دولته، وكان حينئذ بحمص، ولم يسمعها:
سرى ما بيننا سِرُّ الغُيوبِ يُبَشِّرُنا بنصرك عن قريبِ
ركبتَ إِلى الحروب جِيادَ عزمٍ مصرَّفةً عن الرأْي المُصيب
تبسّمتِ البلادُ إِليك أُنسًا وكانت قبلُ مُوحِشةَ القُطوبِ
لقد ولّت شَمال الشِّرْك لمّا أَنار الدينُ من أُفقِ الجَنوب
تركت صوارخَ الأَعداء فيها مُخَرَّقةَ المَدارع بالحريب
تكاد قلوبُهم بالخوف منها تطير عن المساكن بالوَجيب
وما سهِرتْ رماحُك فيه إِلاّ لترقُد في التَّرائب والجُيوب
عصت حلبٌ وقاتل ساكنوها وليس قتالُهم لك بالعجيب
لأَنك ناصرُ الإِسلام حقًّا وهم رهط المُغيرة أَو شَبيب
وقد قالت سُعودك عن قريبٍ إِليك أَسوقهم سَوْق الجَنيب
جِهادُك إِن طلبت الغزوَ فيهم أَهَمُّ إِليك من غزو الصليب
فَزُرْ باب العراق وما يليه بكل مُزَنّرٍ طرِبِ الكُعوب
وفَجِّرْ مَنْبَع الأَوْداج حتى تَخوضَ الخيلُ في العَلَق الصبيب
ترى الإِسلام قد وافاك يعدو إِلى لُقياك مشقوق الجُيوب
وقد نادى مُؤَذِّنهم، فنادى ليوثُ الغاب: حيَّ على الحروب
أُناسٌ دَبّت الأَعلالُ فيهم وليس لهم كسيفك من طبيب
وقد وَلّى الوزيرُ وعن قريبٍ سينقلب الوزير إِلى الَقليب
أَحاط بجمعهم في كلِّ نادٍ ظلامُ الكفر في ليل الذُّنوب
ومُذ أَطلعتَ شمس النَّصل فيهم علا أَعناقَهم شَفَقُ الغروب
فلا يَغْرُرْكُمُ أَن كفّ عَنْكُمْ فإِنّ الأُسْدَ تجثِمُ للوُثوب
إِذا ابتسمتْ سيوفُ الهند يومًا فمَبْسِمُها يدلُّ على النّحيب
ولم يَذْخَرْك نور الدين إِلاّ لتدفع عنه نائبةَ الخُطوب
فخلِّص ابنه بالسيف منهم فقد حبسوه في بلدٍ جديب
يَبيتُ وقلبُه المحزون أشهى إِلى لُقياك من ضمِّ الحبيب
صغيرٌ بينهم، لا بل أَسيرٌ غضيضُ الطرف مبخوس النصيب
تذكَّرْ عهده واحْنُن عليه ونَفِّسْ عنه تضييق الكُروب
ولا يَغْرُرْكَ من يُوليك وِدًّا ويَلْوي عنك أَجفان المُريب
أَتيتُك والرِّماحُ تَخُبُّ نحوي وخُضت عَجاجةَ اليوم العصيب
رأيتُ كواسرَ الأَبطال حولي مُحَدَّدة المخالب والنُّيوب
وسِرتُ إليك محزونًا فلمّا رأَيتُك قلتُ للأَحزان: غيبي
رأَيتُ المارقين ومَنْ يليهم جميعًا من عَصِيّ أَو مُجيب
إِذا غنّت صواهِلهم وأَبدى لها الخطيُّ أَخلاق الطّروب
فَراشًا عاينتْ نارًا فأَبدت تهالُكَها على جمر اللهيب
فأَوْسِع طَعْنَ من عاداك ظُلمًا كما وسَّعْتَ رِزق المُسْتَثيب
أَماتتني الهمومُ بأَرض قومٍ بما فعلوا وأَخذلني كُروبي
وها قد قمتُ من قبري لِتحيا بقُربك مُهجة الميت الغريب
[ ٢ / ٢٨٥ ]
وقد هاجرتُ إِنكارًا لما قد رأيتُ من المثالب والعيوب
ولي دهرٌ يُراقبني فأَرْمِدْ بلَحظٍ منك أَلحاظ الرّقيب
وشمسي تحرُق الحُسّاد كَبْتًا وتُعيي وصفَ ذي اللَّسَنِ الخطيب
عَلَتْ في أَوْجها وحَضيضُ حظّي يُجاذِبها بأَرسان المغيب
وقلت في سنة سبع وخمسمائة، وكتبتها إلى بعض الأصدقاء في سبب اقتضاه:
أَتطمعُ في عِقالك أَن يُحلاّ وتُدرك في ظلام الصُّدغ مَحْلا
وكنتُ أَقول لي صبرٌ مُعينٌ فلمّا صحّ هجرُك لي تخلّى
أَتسمع في مُحِبّك قولَ واشٍ وما سَمِع المُعَنّى فيك عَذْلا
لقد حلّلتَ من قتلي حرامًا وحرَّمتَ الوصال وكان حِلاّ
وتسمح لي بخمر اللَّحظ صِرْفًا وتمنعني مِزاجَ الرّيق بُخلا
لقد عذَّبْتني، وأَصبتَ فيه لأَنّ الحبّ بالتعذيب أَحلى
لقد نصحت دعاوى العشق قومًا يظنّون البَلا في الحبِّ سهلا
فواحدُهم يَلَذُّ له زمانًا ويطمع أَن يرى أَمنًا وعدلا
إِذا ابتسم الوِصال يهيم عِشقًا وإِن عَبَس الصّدودُ سلا ومَلاّ
وشرطُ العِشق أَن تبقى أَسيرًا وتجعلَ حُبَّهم قَيْدًا وغُلاّ
فيا دهرُ ارتدِع عني وإِلاّ ستلقى من مُعين الدين نَصْلا
فتى إِن زُرْتَه أَلفيتَ عزمًا يدافع من كُروب الدّهر ثِقْلا
وتلقى للخطوب حِمىً مَنيعًا وتُبصر جانبًا للهْو سَهلا
فآلاءُ المكارم منك تَتْرى وآيات المحامد فيك تُتْلى
مدحتك لا لأَجلِ يسيرِ حَظٍ ولكن مطلبي أَوفى وأَغلى
أُؤَمِّلُ همةً لك أَمتطيها وأَبلغ في خفارتها المَحَلاّ
فَتنْعَشُ قوةً وتُزيلُ هَمًّا وتُحيي مَيِّتًا وَتَرُبُّ شَمْلا
وأنشدني لنفسه:
الصَّفْوُ من ماءِ العِنَبْ يا صاح أَحلى ما شُرِبْ
راحٌ تُريك بمَزْجها في الكأْس سِلسلة الذهب
طُبِخَتْ بنار الدّهر لا نارِ التَّضَرُّم واللَّهبْ
لا يَمْنَعَنَّكَ شُرْبَها شهرُ المحرَّم أَو رجب
وانهب زمانك إِنه لِشباب عمرك يَنْتَهب
وأنشدني لنفسه:
أَصوغ الحُلى في كلِّ يومٍ وليلةٍ وأُتْعِبُ منّي في صياغتها النَّفْسا
ولو مُتُّ ضَرًّا ما عَقدْتُ قِلادةً على جيدِ مَنْ لا يستحقُّ لها لُبْسا
وأنشدني أيضًا لنفسه بمصر:
صَيْدُ السرور أَجلُّ في المعقولِ منْ صَيْد الطُّيور
كم بين حَملك للكؤو س وبين حملك للصُّقور