بغدادي الدّار. ترفّع قدره، وأثرت حاله، ونفق شعره، وكان له قبول حسن، واقتنى أملاكًا وعقارًا، وكثُر رياشه، وحسُن معاشه، ثمّ عثر به الدّهر عثرةً صعُب منها انتعاشه، وبقي في حبس أمير المؤمنين المقتفي بأمر الله أكثر من عشر سنين، الى أن خرج في زمان أمير المؤمنين المستنجد بالله سنة خمس وخمسين وخمس مئة عند توليته، من الحبس. ولقيته حينئذ، وقد عشي بصره من ظلمة المطمورة التي كان فيها محبوسًا، وكان زيّه زيّ الأجناد.
سافر الى الموصل، وتوفّي - بعد ذلك - بثلاث سنين. وله شعر حسن غزِل، وأسلوب مطرب، ونظم معجب. وقد يقع له من المعاني ما يندر، فمن ذلك ما أنشدني له شمس الدولة عليّ، ابن أخي الوزير عون الدّين بن هُبيرة في صفة القلم:
ومثقّفٍ يُغني ويُفني دائمًا في طورَي الميعادِ والإيعادِ
وهبَتْ له الآجامُ حين نشا بها كرمَ السّيولِ وهيبةَ الآسادِ
وله هذه الأبيات السائرة التي يغنّى بها:
لعُتبةَ من قلبي طريفٌ وتالدٌ وعتبةُ لي حتى الممات حبيبُ
وعتبةُ أقصى مُنيتي وأعزّ منْ عليّ وأشهى منْ إليه أثوبُ
غلاميّةُ الأعطاف تهتزّ للصِّبا كما اهتزّ في ريحِ الشّمال قضيبُ
تعلّقتُها طفلًا صغيرًا وناشئًا كبيرًا وها رأسي بها سيشيبُ
وصيّرتُها ديني ودنيايَ لا أرى سوى حُبِّها إنّي إذنْ لمُصيبُ
وقد أخلقتْ أيدي الحوادث جِدّتي وثوبُ الهوى ضافي الدّروعِ قشيبُ
سقى عهدَها صوْبُ العِهاد بجودِه ملِثٌّ كتيّار الفرات سكوبُ
وليلتنا والغربُ مُلقٍ جِرانَه وعودُ الهوى داني القُطوفِ رطيبُ
ونحن كأمثال الثّريّا يضمّنا ودادٌ على ضيق الزمان رحيبُ
وبِتّ أديرُ الكأسَ حتى لثغرها شبيهاتُ طعمٍ في المدام وطيبُ
الى أن تقضّى الليلُ وامتدّ فجرُه وعاودَ قلبي للفراقِ وجيبُ
فيا ليتَ دهري كان ليلًا جميعُه وإنْ لم يكن لي فيه منكِ نصيبُ
أحبّكِ حتى يبعثَ اللهُ خلقَه ولي منك في يوم الحسابِ حسيبُ
وألهَجُ بالتّذكارِ باسمِك داعيًا وإنّي إذا سُمّيت لي لطَروب
فلو كان ذنبي أن أُديم لودّكم جنوني بذكراكم فلست أتوبُ
إذا حضرت هاجت وساوسُ مُهجتي وتزداد بي الأشواقُ حين تغيبُ
فوا أسفا لا في الدّنوّ ولا النّوى أرى عيشتي يا عتْبُ منك تَطيبُ
[ ٣٣ ]
بقلبي من جُبيك نارٌ وجنّةٌ ولي منك داءٌ قاتلٌ وطبيب
فأنتِ التي لولاكِ ما بتّ ساهرًا ولا عاودتني زفرة ونحيبُ
وطالعتُ في مجموع من مدائح المكين أبي عليّ، في دار كتبه بأصفهان للمؤيّد فيه قصيدة، أولها:
باحَ الغرامُ من النّجوى بما كتَما ولْهانَ لو عطَفَتْ سلمى له سلِما
مُغرىً بفاترةِ الألحاظِ فاتنةِ ال ألفاظِ يجلو سَنا لألائِها الظُّلَما
ترنو بعينَين نجلاوَين لحظُهما أعدى الى جسدي من سُقمِه السّقَما
وتستبيك برِيقٍ باردٍ شبِم أفدي بنفسي ذاك الباردَ الشّبِما
لولاهُ لم ينْمِ حرُّ الوجدِ في كبِدي وليس حَرّ هوىً إلا لبرْدِ لَمى
أستودعُ اللهَ في الأظعان ظالمةً أحبّها وألذُّ الحبِّ ما ظلَما
سارت وعقلي بها في الرّكبِ معتقَل يقودُه حبُّها بالشّوقِ محتزما
وأرسلتْ برسولٍ من لواحظِها مستوردًا دمعيَ المهريّة الرُّسُما
هيفاء مصقولة الخدّين تحسَبها إذا مشت قبَسًا في البيت مضطرما
تفترّ عن شنَبِ كالفجر مبتسمًا والدُرِّ منتظماص والنجم ملتئما
ضنّت بوصلي وقالت في الخَيال له غِنىً وفي زورةِ الأحلام لو علِما
وكيف يطمَع مسلوبُ التّصبُّر لم يعرِفْ لذيذَ الكرى أن يعرف الحُلُما
ومنها:
ولي بعزّي لو أنصفته شُغُلٌ عن الدُّنا والعلى مُغرىً بغيرِهما
عينُ الصوارمِ والأرماحِ طامحةٌ الى وُرودي بها الهيجاءَ مقتحما
ومنها في المديح:
سماحةٌ تشدَهُ الضّيفانَ إنْ دهمَتْ غُبرُ السّنين وبأسٌ يُشبعُ الرّخَما
إذا تقاصرتِ الآمالُ مدّ لها يدًا ببذلِ الأيادي تُخجِلُ الدّيَما
كفٌ متى بسطَتْ كفّ الزمانِ بها فأوجدت وُجدةً أو أعدمت عدما
لما رأى الدهرُ ما تجْني نوائبُه في الناس جاء به عذرًا لِما اجترما
يُنبيك عن فضله ماء الحياءِ ومن ماء الفرِنْد عرَفْتُ الصارمَ الخَذِما
ذو همّةٍ تملأ الدّنيا محامدُه طيبًا كما ملأ الدُنيا بها كرما
ومنها:
إسمَعْ غرائبَ شعرٍ يستقيدُ لها صعبُ المعادينَ إذعانًا وإنْ رغما
أثني عليك به حتى تودّ وقد أنشدتُه كلُّ عينٍ أن تكون فما
وما فضَلْتُ زُهيرًا في قصائده إلا لفضلك في تنويله هرِما
وله، أنشدنيها ولده محمد:
ألمّ خيالٌ من لُمَيّاءَ زائرُ وقد نام عن ليلي رقيبٌ وسامرُ
سرى والدُجى مُرخي الذوائب حالكٌ فخيّلت أنّ الصّبحَ دونيَ سافرُ
وما زارني إلا ولِهْتُ وشاقني أوائلُ شوقٍ ما لهنّ أواخرُ
وسمراءَ بيضاءَ الثّنايا إذا مشت تسابقُها وطءَ التّرابِ الغدائرُ
تكامل فيها الحسنُ واهتزّ قدُّها كما اهتزّ مصقولُ الغِراريْنِ باترُ
قوامٌ كخُوطِ البانِ هبّت به الصَّبا قويمٌ ولحظٌ فاتنُ الطّرفِ فاترُ
إذا عذَلوا في حُبّها ووصفتُها فلا عاذلٌ إلا انثنى وهْو عاذرُ
تَزيدُ نفورًا كلّما زُرتُ صبوةً إليها على أن الظِّباءَ نوافرُ
وترنو بعينَي جُؤذرٍ من رآهما رأى كيف تصطادُ الرجالَ الجآذرُ
وثغر نقيّ كالأقاحي وريقة كأنّ الحَيا للخمر فيها مُخامرُ
وعهدي بها ليلًا وقد جئتُ زائرًا إليها كما يأتي الظِّماءُ العواثرُ
وبدرُ الدُجى يُغري بها كلّما ابتغت إليّ وصولًا والبدورُ ضرائرُ
وإني لتُصبيني إليها صبابةٌ تُراوحُني في حبّها وتُباكرُ
[ ٣٤ ]
على أنّني خُضت الرّدى ولقيُها لِقاءَ محبٍّ أعجلته البوادرُ
وعاتبتها حتى الصّباحِ وحولَها ميامنُ من نُظّارِها ومياسرُ
فأصبحتُ ما بين المطامحِ والأسى فلا الوصلُ موجودٌ ولا القلبُ صابر
أميّاسةَ الأعطافِ عطْفًا على شجٍ هواكِ له ما شئتِ ناهٍ وآمرُ
يَبيتُ كما بات السّليمُ من الجوى ويُصبحُ كالمأسورِ عاداهُ ثائرُ
أصخْتِ لأقوالِ الوُشاةِ فبِعتِني وبائعُ مثلي يا لُميّاءُ خاسرُ
وهدّدني أهلوك فيك وإنّني لتَصغُر عندي في لِقاك الكبائرُ