محمد بن حسان بن أحمد بن الحسن بن الخضر
[ ٢ / ٢٩٢ ]
الدمشقي المولد، اليمني الأصل، كهل من أهل الفضل، عديم المثل، في النظم والنثر الممتنع السهل، الرائق الجزل، له الفصول المسجوعة في كل فن، والكلم المطبوعة بكل حسن، وكلامه بضاعة وعاظ دمشق وقصاصها، وهو مسبوك من إبريز الحكم وخلاصها، محوك من لب المعاني ومصاصها، ونثره كالدر النظيم، يرصعه بالنطق الإيادي، في نطاق كلام العبادي، وله مبتكرات رائعة، ومخترعات رائعة، ومبتدعات مليحة، ومذكرات صحيحة.
زارني في دمشق في المدرسة التي أدرس فيها، لمودة يصفيها، في رابع عشر ربيع الأول سنة إحدى وسبعين وخمسمائة. وهو قليل الانبساط في قصد الناس، كثير الاحتراز والاحتراس. فحين ظفرت به شددت يدي عليه، وملت بجانبي إليه، وقلت له: طالما ماطلني الزمان بدين لقائك، وناضلني في دين إخائك، وعاقتني الأٌدار عنك، وراقتني الآثار منك، حتى صدق الخبر الخبر، وحقق النظر الأثر، والآن حين سمح القدر، ومنح الظفر، فنصرف هذه الأوقات إلى اقتناء أقوات الأرواح، وندير بمحاورتك لصرف هم الفضل من مغناك المستلذ صرف الراح. وجاذبته أطراف الكلام، وأعطاني المعاني الحسان الكرام، ونشدت عند إنشاده ضالة الفضائل، وحاورت منه سحبان وائل. فمما أنشدنيه لنفسه من قصيدة:
أَظُبىً تُجَرَّدُ من عيون ظِباءِ يوم الأُبيرِق تحت ظِلِّ خِباءِ
أَمْ أُسدُ خِيسٍ أُبرزت لطعاننا ورماحُهُنَّ لواحِظُ الأَطلاء
عَلِقت أَسِنَّتُهنّ في عَلَق النُّهى منا، فلم تخرج بغير دماء
وهززْنَ أَعطاف الغصون فَشُقْننا بل سُقْننا بأَزِمّة البُرَحاء
والرَّكْب بين أُثَيْل مُنْعَرَج اللِّوى والجِزْع، مُزْوَرٌّ إِلى الزَّوْراء
تخْفي هوادِجُه البدورَ وقلّما تَخْفى بدورُ التِّمِّ في الظلماء
ويَلُحْنَ من خَلَل البَراقِع مثلما في الدَّجْن لاحتْ غُرَّة ابنِ ذُكاء
بين الحواجب والعيون مَصارع العشاق لا في ملتقى الأَعداءِ
وقُدود أَغصان الحُدوج كأَنها الأَلِفات فوق صحائف البيداء
من كل هَيْفاءِ القَوام مُزيلةٍ باللحظ منها عَقْل قلب الرائي
تُملي أَحاديثَ الجوى بجفونها سِرًّا، وتشكو الشوق بالإِيماء
وحديث أَبناء الغرام بحاجبٍ أَو ناظرٍ، من خَشية الرُّقباء
واهًا لقتلى عِشقِ كلِّ مُذيبةٍ بالصدّ قلبَ الصخرة الصمّاء
قتلوا بأَسياف العيون، وضائعٌ دمُ من يطالب مُقلَة الحسناء
وإِذا الهوى سُلَّتْ صوارمُه على قلبٍ فصاحبُه من الشهداء
ومُهَفْهفٍ نَضِر الصِّبا، ثَنَتِ الصَّبا منه كقَدِّ الصَّعْدة السمراء
مُتَلثّم بالشمس خَشيةَ ناظرٍ يُدميه منه بصارم الإيحاء
قمر منازله القلوب، وشرقهُ فلك الجُيوب، وغَربه أحشائي
سقت المَلاحةُ وَرْدَ روضة خدِّه طلَّ الحيا وسُلافة الصّهباء
فحماه عن لثم الشِفاه بعقرب سوداء، في كافورةٍ بيضاء
دبّتْ فأَحرقها الشُّعاع فأَمسكت عن سعيها من خيفة الألآء
أَمُعيرَ غُصْنِ البان هَزَّة عِطفة تيهًا، ورقةَ جسمه للماء
ومجرِّدًا بيد الجمال على الورى هِنْدِيَّ لحظ المُقلةِ الحَوْراءِ
أَترى ظهير الدين فيما ينتضي عيناك يوم تشاجُرِ الآراء
وأنشدني له من قصيدة أولها:
أَرأَيت أَحداقًا قُلِبْن قواضِبا يَفْلُلْن مُرْهَفَة السيوف مَضاربا
تالله ما استصوبتُ رأْي أُولي نُهىً جعلوا مديح الباخلين مكاسبا
واستمطروا سُحُب الأَكُفِّ فأُمطروا نِعمًا، ولكن تستحيل مصائبا
وقوله من قصيدة في المعنى أولها:
أَذكى صَبابتك الخليطُ الرّاحل
ومنها:
لا أَبتغي عَرَضًا ولا تصحيفه والوُدّ منك يقلّ عنه النّائلُ
[ ٢ / ٢٩٣ ]
فَعَلام يخضعُ ذو النُّهى لمحقَّرٍ فانٍ، وأَيام الحياة قلائلُ
ومنها في المدح:
ولرمحه وحسامه وسهامه رعدٌ وبرق في العَجاج ووابلُ
وأنشدني له من قصيدة:
هتك الدُّجى برقُ الخيالِ السّاري سَحَرًا، فنارُ الشوقِ أَيّة نارِ
سمحت به خِدَع المُنى فرأَيتُه وَهْمًا بوحي لواحظ الأَفكار
والليلُ ممدودُ الرُّواق مخيّمٌ مُرْخٍ ذوائبَه على الأَقطار
فكأَنّه الزِّنْجيُّ جرَّ ذُيولَه مَرحًا، عليه حُلّةٌ من قار
وأَلذُّ زَوْرةِ عاشقيْن تناجيا بعد الكرى في خَلْوة الأَستار
حيث الجُسوم من الفُسوقِ طواهرٌ والفِسق في الأَرواح ليس بعار
لا تُخْدَعنّ، فما البدور كواملًا إِلا بدور معاقد الأَزرار
من كلّ خطّارِ القَوام إِذا انثنى أَزرى بقَدّ الأَسمر الخطّار
حَمَلَ الدُّجى في طُرَّةٍ من تحتها فلق الصباح يضيء للنُّظَّار
ومشى يُعربد بالعيون كأَنما سُقيت لواحظه كؤوسَ عُقار
وَسْنان، في رشَفات بَرْد رُضابه حرُّ الجوى وتلهُّب التَّذْكار
سلب القلوبَ بوَرْدِ خدٍّ أَحمرٍ وسُطورِ مسكٍ لُقِّبَتْ بعِذار
فكأَنما أَضحى كمال الدين في نهب القلوب له من الأَنصار
وأنشدني له في وصف الخصر من قصيدة أولها:
قُضُب النَّقا هزَّتْ عليك قدودا وأَرتْك آرامُ الخيام خُدودا
ومنها:
وبمُهجتي مَنْ هزَّ تيهًا قدُّها بيد الجمال على النَّقا أُمْلودا
هيفاء، جاذَبَ رِدْفُها من عِطْفها خصرًا، تراه على الضَّنا مَعْقودا
دَقَّتْ معاقدُه، ورقَّ فخِلْته عَدَمًا يصارع في الظنون وُجودا
ونقلت له من رسالة وَسَمها:
بالنَّسْر والبُلبل
فاختصرتها وأولها: طار طائر عن بعض الشجر، وقد هب نسيم السحر، وانفلق عمود الفلق، وانخرق قميص الغَسَق. مشهورٌ بالقَسْر، موسوم بالنَّسْر، والليل قد شابت ذؤابته، وابيضَّتْ قِمّته، وانهزم زِنْج الظلماء، من صَوْلة روم الضياء.
والفجر مثلُ عِذار مَنْ صارت له سِتّون عامًا بعد حُسن سَواده
أَو ثغرِ محبوبٍ تبسّم في الدَّجى إِذ زار من يهواه بعد بِعاده
وعلا حتى صار روحًا لأجساد السحب، ونديمًا لدراري الشُّهُب، وعديلًا للأَفلاك، ونزيلًا للأَملاك.
فكأَنّه للشّمس جسمٌ، والسُّهى عينٌ، وللمِرِّخ قلبٌ يخفِقُ
ولكلّ نجمٍ في السّماءِ شَرارةٌ تُردي شياطين الرُّجوم وتحرقُ
غابوا لمطلِعه إِليهم واختَفوْا ورأَوْه يجمع نفسه فتفرّقوا
كأنما أجنحته ركبت من العواصف، واستلبت من البروق الخواطف، وأخذت من رمز الألفاظ، واستعيرت من غمز الألحاظ.
كأَنها مُقلة الحبيب إِذا خاف حُضور الرقيب أَوحَذِرا
أَوحى بها والعيون ترمُقه وهمًا إِلى من يحبّه فَدَرى
منفردًا في طريق طلبه انفراد البدر، متوحدًا في مضيق أربه توحد ليلة القدر، كأنه سهم رشق عن قوس القضاء، أو نجم أشرق في أفق السماء. والأرض تحته دخانية اللون، مائية الكون، مستبحرة الأكناف، متموجة الأطراف، كأنه صرح ممرد من قوارير، أو سطح الفلك الكري في التدوير.
أَو لجّة البحر إِثر عاصفة صافحت المتنَ منه فاصطفَقا
فطار عقل النُّوتيّ من فَرَقٍ وخرَّ موسى جَنانِه صَعِقا
يقبض أجنحته ويبسط، ويصعد إلى السماء تارة ويهبط، يجرح بأسنة قوادمه أعطاف القبول وأطراف الصبا، ويقد الشمأل بخوالف كأنها غروب الظبى، ويفتق بخوافيه جيوب الجنوب، ويخرق بصدره صدر الرياح في الهبوب.
فكأَنّ لمعَ البرق خطفُ هُوِيِّه وكأَنّ رشْق السهم نفضُ سُمُوِّهِ
وكأَنما جعل الرّياح خوافيًا لجناحه في خفضه وعُلوّهِ
[ ٢ / ٢٩٤ ]
حتى أشرف من شرف مدائن الهواء، واطلع من رواشن أبراج السماء، على روض أريض، وظل عريض، وأنهار متدفقة، وأشجار مونقة، وطل منثور، وورد ومنثور؛ ومكان بهج، وزهر أرج؛ وحديقة ندية النبات، وبقعة مشكية النفحات، عنبرية الأرجاء، كافورية الهواء، قد صقلت بمصاقل القطر مرايا أزهارها، وعقدت لرؤوس أغصانها تيجان نوارها، وأكاليل جلنارها، ونشرت النسائم مطويات حللها من سفاطها، ورقصت حور نباتها على سعة بساطها.
كليالي الوِصال بعد صُدودٍ من حبيبٍ كالبدر بل هو أَبهى
إِن رأَيت الغنى ونيل المنى جَمْعًا وقابلتَه بها فهي أَشهى
ذات نبات خضر، وماء خصر، ضاحكة القرار، مشرقة الأنوار، وكأن شجراتها عرائس أبرزت للجلاء، أو قباب زبرجد نصبت في الروضة الخضراء، وكأن الفلك دنا إشليها، فتناثرت نجومه عليها.
رَوْضٌ أَريض وصوبٌ صائب وحيًا مُحْيٍ، وغيثٌ مُغيثٌ دائم الدِيَمِ
تبارك الله ذو الآلاء كم سَفَرَتْ وُجوه أَحكامه للخلق عن حِكَمِ
فمن وَرْدٍ فِضّيّ الأَوراق، ذَهبيّ الأَحداق، كافوريّ الصبغة، مسكي الصيغة، مائي الجسم، هوائي الرسم، حاكت الصبا إهابه، وخاطب الشمال أثوابه، وفتحت الجنوب أكمامه، وحسرت الدبور عن وجه جماله لثامه، فظهر في أفق الشجر، كأنه شهب السحر، أو خدود الحور في القصور، ظهرت في غلائل من الكافور، أو أعشار المصاحف ذهبت أوساطها، أو غرر الوصائف عظم اغتباطها
أو وجنة الحِبِّ قَرَّت في ملاحتها عينُ المُحِبّ فأَبدتْ حُمرةَ الخَجَلِ
رقَّتْ فأَيسرُ وَهْمِ الفكر يجرحُها فكيف إِن لمستها راحة القُبَل
ومن آمن زمردي الإهاب، زبرجدي الجلباب، ذي ورقكأسنة الصعاد، أو كالصفاح جردت للجلاد من الأغماد، قد أخذ خضرة الفلك لونًا، وحلة جبل قاف كونًا، أشبه في اخضراره مرائر قلوب العشاق، عقيب الانشقاق، لروعة يوم الفراق.
كأَنه ودُّ مَنْ تمّت مودّته باقٍ مع الدّهر لا يَبْلى مدى الأَمد
يُهجى إِلى مَنْ له حُسْنٌ يضنُّ به أَي قد غسلتُ بماءِ اليأْس منك يدي
ومن نرجس كأجفان الملاح، أو كإشراق تبلج الصباح، منكس الأعراق، مطرق الأحداق، قائم على ساق خضرة، ألفية نضرة كأنه مدافات فضة قد رصعت خشية الانفطار، بمسامير من نضار.
متشوِّفٌ كالصبّ خوفَ رقيبه إِذا حان وقت زيارةٍ لحبيبه
فله إِلى جانيه نظرةُ خائفٍ منه، وشكوى مُدْنَفٍ لطبيبه
ومن بنفسج استعير لونه من زرق اليواقيت، وأخذ من أوائل النار في أطراف الكبريت، أو ثاكلات الأولاد، أظهرن الحزن في ثياب الحداد، أو بقايا قرص في خد وردي، أو أثر عض في عضد فضي، ذي أوراق خمرية، وأعراق عطرية، صاغت الأنداء من الزمرد قوامه، ونسجت الأهواء من الطل أكمامه، وأخذت من نسمات المسك نسمته، ومن أنفاس العنبر رائحته.
وكم في الرَّوْض من بِدَع وصُنْعٍ وآياتٍ تدل على القديمِ
وأَسرارٍ يحار العقلُ فيها فليس تكون إِلاّ من حكيمِ
ومن غصون تجتمع وتفترق، وتترنح وتعتنق، والنسائم تحل عقد أزرار الزهر، والأهوية تفتح أقفال أبواب الحصر، والشمس تسفر وتنتقب، وحاجب الغزالة يبدو ويحتجب، والعهاد يتعاهد بالقطار أكنافها، والسحب تطرز بالبروق عذبها وأطرافها. وهي آية من آيات الربيع أظهرها للعيان، ومعجزة من معجزات القدير أقامها على الزمان.
تُجْلى عرائسها بكلّ مُصَبَّغٍ وتميس تحت غلائل الأَزهارِ
فكأَنما فَتَقَ الربيعُ لأَرضها بيد النسيم نَوافِجَ العطّار
[ ٢ / ٢٩٥ ]
فوقف في الهواء حين رآها، وقال: هذه غاية النفس ومناها، ها هنا ويلقي المسافر عصاه، وتستقر بالغريب نواه، وفي قرار هذا الوادي يثبت سيلي، ولمثله شمرت عن ساق الجد ذيلي. أين المذهب، وقد حصل المطلب، وأين الرواح، وقد أسفر الصباح! ومن بلغ غاية مراده، لم يلتفت إِلى حساده، ومن نال الأماني، لم يبالي بالمباني. ماء مصطخب الأوتار، وظل ممدود الإزار، وروض يمرح فيه الطرف، ولا يقطعه الطرف، وأزهار كقراضة الذهب، تناثرت من حرارة اللهب، أو كالفضة أخلصها سبك الكير، ونثرت في زوايا المقاصير، أو مصبغات أصناف الحلل، نشرت للناظرين بعد إتقان العمل. وخلوة من واش ورقيب، وبعيد يخشى أو قريب.
على مثلها ظلت فردًا أهيم وجدًا وأمعن وحدي المطارا
فأَستخبرُ الشُّهُبَ النيّرا تِ عنها وأَقطع داراص فدارا
فبينا هو صافُّ الأَجنحة عليها، ينظر من الأُفق بعين التعجّب إِليها، إِذ سمع صوتعًا من بلبلٍ سِحريّ، على وكرٍ شَجَريّ، يناغي النسائم بنعمة مِزماره، ورَنَّة أَوتاره، ودساتين حناجر كالحناجر، وأَلحانٍ أَعذب من نقرات المزاهر، ينثر دُرًّا من عُقود أَلحانه، ولؤلؤًا من أَصداف افتنانه بين أَفنانه، ويرجّع قراءة مكتوب غرامه، ويتلو آيات حزنه من مصحف آلامِه.
ويهتف طورًا بذكر الفراق وطورًا بذكر بِعاد الحبيبْ
ويغتنم الوقت وقت الوصا ل حين خلا من حضور الرقيب
فقال هذه غريبة أخرى من غرائب القدر، وعجيبة ثانية لم ترها العين ولا هجست في الكر، وكاسات خمر تدار في الخمر، وعقود سحر تحل في السحر، ونغمة لم أسمعها من ذي منقار، وألحان ما رئي مثلها لسار ولا قار، كأنها ما قيل عن مزامير آل داوود، وتسابيحهم في الركوع والسجود، أو معبد والغريض، يتباريان في الطويل والعريض، أو إسحاق الفريد، يعدل عوده عند الرشيد، أو هزج شداة العجم، أو رجة حداة العرب في الظلم، أو أصوات رهبان الصوامع، أو تلاوة من تتجافى جنوبهم عن المضاجع.
نغمة تجلِب السُّرور وتحيي ميَّت القلب من ثرى الأَحزانِ
وتردّ الشباب بعد ثمانين وتُزري برنَّةِ العيدان
ما أُدبرت إِلاّ وقيل اسمعوا دا وود يتلو زَبوره في الجِنان
ثم هوى إلى القرار، لينظر من النافخ في المزمار، فرأى البلبل يتلو سور بلباله، في محراب وباله، ويرجع سجع ألحانه، في ربع أحزانه.
فكأَنه ثَكْلى على ولدٍ فَقَدَتْهُ بعد الضَّعفِ والكِبَرِ
فلها انتحابٌ حين تذكره ينسيك لذّة نغمة الوَتَرِ
فقال السلام عليك من طائر صغير حقير، يظهر في صورة كبير خطير، وشاد ظريف طريف، بغير أليف ولا حليف، ذي جسم كأنه سواد خال في بياض خد الحبيب، أو ظلمة حال المحب شاهد وجه الرقيب، أنت صاحب هذا اللحن المطرب، والصوت المعجب، ما أراك إلا صغير الحبة، بادي المحبة، ضئيل الجسم، نحيل الرسم، ليلي الإهاب، ظلمائي الجلباب، تقتحمك العين لحقارتك، وتنبو عنك لصغرك ودمامتك، قد اصفر منقارك لأحزانك، ولبست حداد أشجانك، وصوتك والمسرة فرسا رهان، ونغمتك والطرب رضيعًا لبان.
يُثير صوتك في القلب إِن ترنمتَ حُزْنا
وتُخجل النايَ حُسْنا وتعجز العود لَحْنا
وأنا مع عظم صورتي التي حازت خلال الكمال، وأحرزت خصال الجمال، صبحي الريش، لا أتغذى بالحشيش، ذو العمر الذي أفنى لبد، واستنفد الأبد، وقد تعجب منه لقمان، واحتاج إليه فرعون وهامان. ليس للطيور مطاري، عند طارئ أوطاري. أنا ملك الطيور، وسلطان ذوات الأجنحة على مر الدهور، ومالي حلاوة هذه النغمات، ولا لذاذة هذه الأصوات.
ولِعمري كذلك الدهر لا ير فع إِلاّ مَنْ كان بالخفض أَوْلى
ينظر العاقلُ اللبيب بعينٍ هي لا شكّ حن تنظر حَوْلا
[ ٢ / ٢٩٦ ]
ويحك! من أين لك هذه الملح المسكية النشر، والمنح العنبرية العطر، جبلتك عنصر هذه الفضائل، أم استمليت طرف أخبارها من قائل؟ فقال له البلبل: يا من سبح في بحر التخليلط وعام، وظن أن القدر يعطي ويمنع بالأجسام، فيعرض عن الصغار ويقبل على العظام.. أما صغري فلا أقدر على تغييره، والأمر للصانع الحكيم في تدبيره، أما علمت أن الأرواح لطائف وهي أشرف من الأجسام، والأجسام كثائف والمعتبر فيها جودة الأفهام، وإنسان العين صغير ويدرك الأكوان والألوان، والإنسان عظيم والمعتبر منه الأصغران: القلب واللسان، ما يكون الدر بقدر الصدف، وشتان ما بينهما في القيمة والشرف، ولا الآدمي كالفيل، وبينهما بون في التفضيل، واللؤلؤ قطر يقع في أعماق البحور، ويعلق بعد ذلك على الترائب والنحور، وليس الاختصاص بظواهر المباني، وإنما هو بلطائف المعاني. وكم من صغير وهو في عين ذي النهى كبير، وفي فكر اللبيب أخي الفضل خطير.
وما نطق الفيلُ الكبير بعُظْمه وقد نطقت قِدْمًا مُقَدَّمة النمِل
كذلك ما أَوحى إِلى النَّسر ربُّنا وإِن كان ذا عُظْمٍ وأَوحى إِلى النحل
وأما النغمة التي قرع طرف سمعك سوط لذتها، ورشق هدف قلبك نبل طيبتها، فإنني رصعت شذرها في عقد ألحاني، على نغم بعض الأغاني. وذلك أن هذه الروضة فجرت أنهارها، وغرست أشجارها، وفتقت نوافج عطرها، وأشرقت مباهج زهرها، وأقيمت عمد قبابها، وعلقت أستار أبوابها، وهيئت على أمر مقدر، لبعض ملوك البشر، فهو يأتيها كل ليلة إذا ولى النهار، وأظلمت الأقطار، وصبغ الليل ثوب الكون بظلمته، فأشبه لباس العباسي في خلافته مع من يختار من ندمائه، ويؤثر من أصفيائه، وقد أشعلت له فيها الشموع، واتقدت بأشعتها الربوع، ونصبت ستائر القيان، واصطفت صنوف الحور والولدان، وأفرغت شموس الخندريس في أفلاك الكؤوس، بأيدي بدور الرهبان ونجوم القسوس، وعقدت الزنانير على الخصور، وأسبلت طرر الشعور، على غرر البدور، ورجعت أناجيل الألحان، وقبلت صلبان الصور بأفواه الأشجان، ونقرت أوتار المثالث والمثاني، وقامت العقول ترقص في قصور الصور والمباني.
وينقضي ليلهم في لهو وطرب، وجد ولعب، وهزج ورمل، واعتناق وقبل، وأحاديث كقطع الرياض، ومحادثات كبلوغ الأغراض، حتى يخرج الليل من إهابه، ويعرج على ذهابه، ويسفر الصباح، وقد هز عطفي ذلك الارتياح، وأنا خبير بشد دساتين عيدان الألحان، بصير بحل عرى النغمات الحسان، فمنهم تعلمت طرفها، وشددت وسطها وطرفها، وصرت فيها إلى ما ترى، وعند الصباح يحمد القوم السرى.
فقال النسر: إنك سقيتني بحديثك أسكر شراب، وفتحت لي بأخبارك أغرب باب، كيف السبيل إلى المبيت لتعلم هذه النغم الشهية، والفوز بحفظ هذه الأصوات الأرغلية؟ فقال البلبل: بالجد والاجتهاد، تدرك غاية المراد، وبالعزمات من استوطأ فراش الكسل، وأم العجز أبدًا عقيم، والخمول لا يرضى به إلا مليم، وبالحركات، تكون البركات، وثمار السعود، لا تطلع في أغصان القعود، وبالهز تسقط الثمار، وبالقدح توجد النار، والحياء توأم الحرمان، والهيبة والخيبة أخوان،
ومن هاب أَمرًا ثم لم يك مُقْدِمًا عليه بصدق العزم والقول والفعلِ
يفوت ولا يعطيه منه مُرادَه الزّمان، وبعد المَقْر يُجنى جَنى النحل
إِذا تقوست قامة النهار، وجعلت رجل الشمس في قيد الاصفرار، وولت مواكب النور، لقدوم سلطان الديجور، وأنارت روضة السماء بزهر الكواكب، وطلعت الشهب فيها من كل أفق وجانب، فأت إلى هذا المكان، عسى أن تسعدك بمطلوبك عناية الزمان، واختف عن رامق يراك، فإنه أعون على مبتغاك، وإياك أن تقول: إن قدر شيء وصل، وإن كان في الغيب مقضي حصل، فكم قد غر سراب هذا المقال من العقال، وما حصلوا إلا على الآمال.
ومُدْمِنُ القرع للأَبواب منتظرٌ بكثرة القرع للأَبواب أَن يلِجا
فانهض إِذا ضقت ذَرْعًا بالأُمور ولا تقعد، وقم مستثيرًا وانتظر فرجا
[ ٢ / ٢٩٧ ]
فلما سمع النسر مقاله ودعه وطار، وقال لعل في الانتظار، بلوغ الأوطار. وأثبت في نفسه الرجوع، وقال أمنع عيني هذه الليلة لذة الهجوع، وقال أصبر على العذاب الأليم، ومن طلب عظيمًا خاطر بعظيم، وبالصبر يحلو صاب المصاب، وبالجلد تصاب أغراض الصواب، ومن لم يتحمل أعباء الأثقال، ولم يصبر لصعاب الأهوال، تكدر صفاء مسرته وقعد قائم سعادته، وخذله الزمان، وقتله الحرمان.
ثم سقط على بعض الأشجار، متوخيًا بزعمه مضي النهار، وأدركه الليل فنام، وغرق في بحر الكرى وعام، وكلما حركت سواكنه داعيات الطلب، وأقامت قاعدة مزعجات الأرب. قال: الليل بعد في إبان شبابه، ولعله ما جاء الملك مع أصحابه، وساعة تكفي العاقل، ولمحة تشفي الفاضل، وكثرة الحرص سبب الحرمان، وربما أفضت فوارط الطلب إلى الهوان، واغتنام راحة ساعة من العمر، فرصة جاد بها بخيل الدهر، وكم نائم حصل مراده، وساهر أخطأه إسعاده.
ولم يزل في رؤيا أحلام الأباطيل، وإقامة المعاريض الفاسدة التأويل، حتى وضح فلق الصبح من مشرقه، وتمزقت عنه جلابيب غسقه، وبدا حاجب أم النجوم، وامتدت أشعتها على التخوم، فتنبه من رقدة غفلته، وطار من وكر جهالته، وأم روضة البلبل طائرًا، ونزل عليها دهشًا حائرًا، وقد تفرق جمع الملك في السكك، تفرق الشهب في الفلك، وغلقت أبوابها، وتفرقت أصحابها.
فقال له البلبل: يا هذا! ما الذي شغلك حتى أشغلك، وما الذي مناك، حتى عدمت مناك؟! وأن من شد وسط اجتهاده، وصل إلى بلوغ مراده، وبصدق الطلب، تدرك قاصية الأرب، ومن ركن إلى إطالة البطالة، استحالت منه صورة الحالة، والليل مطايا الأحرار، إلى بلوغ الأوطار، ونجائب ذوي الألباب، إلى بلوغ المحاب.
فلما أكثر البلبل على النسر العتاب، وانغلقت عنه أبواب الصواب، ودعه وطار، وقد عدم الأوطار. وكذلك حال ذوي الأحوال، ومن له دعوى الصدق في المقال، والعقال يؤاخذون بخطراتهم، ويطالبون بعثراتهم، ويهجرون لأجل لحظة، ويقطعون بسبب لفظة، ويتكدر عليهم مشرب أوقاتهم لأجل هفوة، ويمر حلو خلواتهم بأقل جفوة، فكيف من تفرش له فرش الغفلة، ويتوسد وساد حب المهلة، ويلذ له كرى اللعب والبطالة، ويستمرئ مرعى الغي والجهالة، ويعتقد أنه بمثل ذلك لا يطالب، وعلى مثل ذلك الحال لا يعاتب، هيهات إن سعدًا لغيور، وإن الله لأغير من سعد، نامت عين الخليل، فأمر بذبح إسماعيل، ونام يوسف متلقيًا لأسرار الغيوب، ففرق القدر بينه وبين يعقوب، ونام محمد صلى الله عليه فقيل له: يا أيها المدثر، قم فأنذر. نحن لا نرضى لبعض أصحابك بالمنام، فكيف نرضاه لك وأنت سيد الأنام.
وأم هذه الرسالة بفصل وعظي ليس من شرط الكتاب.