والكوفة وهيت والأنبار
ملوك العرب وأمراؤها بنو مزيد الأسديون
النازلون بالحلة السيفية على الفرات
[ ٩٠ ]
كانوا ملجأ اللاجين، وثمال الراجين، وموئل المعتفين، وكنف المستضعفين. تشد إليهم رحال الآمال، وتنفق عندهم فضائل الرجال، ويفوح في أرجائهم أرج الرجا، وتطيب بند نداهم أندية الفضلاء. لا يلفي في ذراهم البائس بؤس الباس، وكم قصم بجودهم الفقير فقار الفقر والإفلاس. بشرهم للمرتجي بشير، وملكهم للاجيء وأثرهم في الخيرات أثير، والحديث عن كرمهم كثير. ليوث الوغى، وغيوث الندى، وغياث الورى. سلكوا محجة الهدى والحجا، وأودعوا قلوب عداهم الشجن والشجا، وأحشاء حاسدهم بحسك الحسد قريحة، ونفوس مواليهم ومواليهم بدولتهم مستريحة. وما زال ذيل نعمهم سابغًا، ومشرب دولتهم سائغًا، وأمورهم مستقيمة، والجدود عندهم مقيمة، إلى أن قتل صدقة، وأظلمت أيامه المشرقة، وانتقلت الإمارة إلى دبيس ابنه، وإن أمر الإمارة على أساس أبيه لم يبنه، فتارةً يقيم وتارةً يخرج، ومرةً يمر وآونةً يدرج.
ولقد بارز المسترشد بالله مرارًا بالمحاربة، فهزم وكيل جنده كيل المحاربه.
وما برحت دولتهم تنقص، وظلهم يقلص، إلى أن اضمحلت إلى زماننا هذا بالكليه، أعاذنا الله من مثل هذه البلية، فلقد كانوا ذوي الهمم العلية.
ومنازلهم ب الحلة حلت، وبعدما كانت مصونة أحلت، وعقود سعودهم حلت.
وما كانوا يعتمدون قول الشعر، إلا لحادثة على سبيل الندر. وسأذكرهم على الترتيب، وأقدم الأب البعيد على الأب القريب، وأسأل التوفيق من الله السميع المجيب: بهاء الدولة أبو كامل، منصور، بن دبيس، نور الدولة الأسدي، أبي الفتح والد سيف الدولة صدقة، من الطبقة الأولى.
توفي أبوه أبو الأغر دبيس سنة أربع وأربع مئة.
كان منصور منصورًا في الأمور، مقصورًا زمامه على إيواء طالب القرى المقرور، مخاطبًا لدفع الخطوب، مجانبًا عند لقاء زائري جنابه القطوب.
فارس البيداء وشجاعها، وليث الهيجاء وشجاعها، ومجند العساكر وجماعها، دأبه لقاء الكتائب وقراعها. توفرت له الطاعة من العرب، وتوسلت إلى القرب منه بالقرب.
وبينه وبين شرف الدولة، مسلم، بن قريش مكاتبات، ومخاطبات ومجاوبات، سأورد منها ما وقع إلي عند ذكر شرف الدولة.
وأذكر ها هنا مقطعات من أشعاره، إبقاءً لجميل آثاره. فعزائمه: بها الدولة استقامت، وعيون الحادثات عنها نامت.
له من قصيدة، يفتخر:
أولئك قومي: إِنْ أعُدَّ الّذي لهم أُكَرَّمْ، وإنْ أفخَرْ بهم لا اُكَذَّبِ
هُمُ ملجأ الجاني إذا كان خائفًا ومأوى الضَّرِيكِ والفقيرِ المُعَصَّبِ
بِطاءٌ عن الفحشاء لا يحضُرونها سِراعٌ إلى داعي الصَّباح المثَوِّبِ
مَناعِيشُ للمولى، مَساميحُ بالقِرى مَصالِيتُ تحتَ العارضِ المتلهِّبِ
وجَدت أبي فيهم وخالي كِلَيْهِما يُطاع ويُؤتَى أمرُه وَهْوَ مُحْتَبِ
فلم أتعمّلْ للسِّيادة فيهِمُ ولكن أتتني وادعًا غير مُتْعَبِ
وقرأت في المذيل ل ابن الهمذاني: أنه أقام بقرب الحريم الطاهري، فعاشر الأذكياء من شارع دار الرقيق، وخرج بمقامه في الحضر عن عادة البادية.
ومن شعره:
فإِنْ أنا لم أَحمِل عظيمًا، ولك أَقُدْ لُهامًا، ولم أصبر على فعل معظمِ
ولم أُجِرِ الجاني وأمنع حَوْزَهُ غَداةَ أنادى للفخار فأنتمي
وله:
رعت مَنْبِتَ الضُّمْران من أَيْمَنَ الحِمَى إلى السِّدر من ذات الأَجارع فالوَهْدِ
نعم، وسقى الله الحِمَى كلَّ مُزنةٍ مهدَّلةِ الأَطْباءِ صادقةِ الرَّعْدِ
وحنّت إلى بغدادَ والغَوْرُ دُونَها ألا ليت شعري أينَ بغدادُ من نَجْدِ؟
وذكرَّني سعدًا وأيّامَهُ الأُلى مضين. ألا واحَرَّ قلبي على سعد
وقرأت في ذيل السمعاني، يقول: قرأت في كتاب سر السرور: الأمير منصور شعره مما يرتاح له الطبع السليم، ويهتز به القلب السقيم، اهتزاز الغصن القويم بعليل النسيم، نحو قوله:
ما لا مِني فيك أعدائي وعُذّالي إلا لغفلتهم عنّي وعن حالي
لا طيَّب الله لي عيشًا أفوزُ به إنْ دَبَّ سكرُ سُلّوٍ منك في بالي
وقوله:
[ ٩١ ]
ولمّا رأيتكِ صَرّاعةً ترين الخِداعَ مقالًا جميلا
تسلّيتُ عنكِ بمن لا أُريِدُ فدَبَّ السُّلُوُّ قليلًا قليلا
وله، قرأته من مجموع:
يوم لنا ب النِّيل مختصَرُ ولكلّ يومِ لذاذةٍ قِصَرُ
والسُفنُ تجري في الفُرات بنا والماءُ منخفِضٌ ومنحدرُ
وكأنّما أمواجُه عُكَنٌ وكأنَّما أَسراره سُرّرُ
قرأت في الذيل ل ابن الهمذاني: أنه توفي بهاء الدولة، منصور ثاني عشر ربيع الأول سنة تسع وسبعين وأرع مئة، وكانت إمارته بعد أبيه صدقة خمس سنين.
وله في صاحبٍ، يكنى أبا مالك:
فإن كان أودى خِدنُنا ونديمنا أبو مالك، فالنّائباتُ تنوبُ
فكلُّ ابنِ أُنثى لا مَحالةَ ميّتٌ وفي كل حيّ للمَنُون نصيبُ
ولو رَدَّ حزنٌ أو بكاءٌ لهالك بكَيناه ما هبّت صَبًا وجَنُوبُ
سيف الدولة أبو الحسن صدقة بن منصور بن دبيس الأسدي ملك العرب، من الطبقة الثانية.
كان جليل القدر، جميل الذكر، جزيل الوفر للوفد، مجدًا في حراسة قانون المجد.
له دار الضيافة التي ينفق عليها الأموال الألوف، ويردها ويصدر عنها الضيوف.
المعروف، بإسداء المعروف، وإغاثة الملهوف. من دخل بلده أمن مما كان يخافه، ودرت - لرجائه بجوده - أخلافه.
ولقد كان بلد الحلة في أيامه حصنًا حصينًا، وحمىً من الحوادث مصونًا، وحوزته لأنواع الخير حائزة، وأصحابه بطوالع السعد فائزة. محط رحل الأمل، ومخط الخطي والأسل، وغاب الليوث، وسحائب الغيوث، وسماء النجوم، ومنزل الحجاج القروم، وفلك الملك، وملك النسك، وسلك اللؤلؤ المنضود، ومسلك الآلاء والسعود، ومبرك البركات، ومناخ الخيرات.
وصدقة أكرم به بحرًا نازلًا على الفرات، مبرأ الساحة من الآفات وكان يلتجئ إليه الجاني العظيم الشان، على الخليفة والسلطان، فلا تطرقه طوارق الحدثان، ويقيم عمره في ظله تحت رفده آمن السرب، مشتغلًا بلذاته عن الأكل والشرب، واللهو واللعب.
وكان شديد المحافظة على من يستجيره، كثير الحراسة لمن يجيره. ولم يزل معروفًا بالوفاء يشيد أساسه، حتى بذل في الحفاظ والوفاء راسه.
استجاره سرخاب الديلمي الساوي فأجاره، فأشعل الشر ناره، وفرق في الآفاق شراره. وطلبه السلطان محمد، بن ملك شاه مرارًا فما أجابه، ورام من السلطان العفو عنه فما أصابه. وما زال يلح والسلطان يلح، إلى أن تبدل الحرب عن الصلح، وعبر السلطان إليه محاربًا.
ولما التقى الصفان، لقي صدقة في القتلى لقىً جانبًا، وأقطعت حينئذٍ بلاد الحلة، وأبدلت العزة بالذلة، وذلك في سنة إحدى وخمسين وخمس مئة فيما أظن.
ثم استقام بعد حينٍ أمر دبيس ولده، فعاد وافر الحرمة إلى بلده.
قال السمعاني: قرأت في كتاب سر السرور: لما خلع سرخاب ربقة طاعة السلطان، والتجأ إلى صدقة، وأجاره، كتب إلى السلطان يستعطفه على لسانه:
هَبْنِي كما زعَم الواشونَ، ولا زَعَمُوا، أذنبتُ، حاشايَ، مُذْ زلَّتْ بِيَ القدمُ
وهَبْك ضاق عليك العفو عن جُرُم لم أَجْنِهِ، أيَيقُ العفو والكرمُ؟
ما أنصفتْنِيَ في حكم الهوى أُذُنٌ تُصغي لواشٍ، وفي عذري. . بها صَمَمُ
وقرأت في مجموعٍ هذين البيتين منسوبين إلى أبي سعد بن المطلب، والصحيح أنه كتبه صدقة.
ومن لطيف محاضرته أنه استقبلته بغتةً هرةٌ، وثبت إلى أعطافه، وخدشت عرنينه، فقال أظنه متمثلًا:
أما إنَّه لو كان غيرك أرقلت إليه القَنا بالرّاعفات اللَهاذِمِ
وكان صدقة صديق الصادق، ولا تنفق عنده بضاعة المنافق، حسن الخلائق للخلائق.
يهتز للشعراء اهتزاز الاعتزاز، ويخص الشاعر المجيد من جوده بالاختصاص والامتياز، ويؤمنه مدة عمره من طارق الإعواز.
يقبل على الشعراء، ويمدهم بحسن الإصغاء، وجزيل العطاء. لا يخيب قصد قاصده من ذوي القصائد، ويبلغ آمليه أغراضهم والمقاصد.
ولكل ذي فضيلة على طبقته في دستوره اسم، بأن يطلق له من خزانته رسم.
[ ٩٢ ]
سمعت مجد العرب العامري يقول: حكي لي أنه كان شاعر شريف من مداح بهاء الدولة، منصور والد صدقة، وله عليه رسم قدره كل سنة مئة دينار وثوب أطلس وعمامة قصب وحصان. فلما توفي بهاء الدولة، جاء الشاعر، ووقف على طريق صدقة وهو راجع عن الصيد، وأنشد متمثلًا بهذه الأبيات، وهي في الحماسة:
لا تَقْرَبَنَّ الدَّهْرَ آلَ مُطَرِّفٍ لا ظالمًا أبدًا ولا مظلوما
قومٌ: رِباطُ الخيلِ بينَ بُيوتِهم وأَسِنَّة زُرق تُخَلْنَ نُجوما
ومخرَّقٌ عنه القميصُ، تَخالُهُ بين البُيوت من الحياء سقيما
حتّى إذا رفع اللِواء، رأيتَه تحتَ اللِواء على الخَميس زَعيما
فعرفه صدقة وقال: أنت الشريف؟ قال: أنا هو. قال: فأنشد في حالنا هذه شعرًا. فأنشد أبياتًا، من جملتها:
نزَلتُ بهم يومًا وراوُوقُهم يَشِي، ومِرْجَلُهم يَغْلي، وشادِيهِمُ يشدو
وعندَهُمُ ما صرّع الخيل بالقَنا، وما خَطِف البازي، وما قنَص الفَهْدُ
فأمر بأن يضاعف رسمه، واستحضر في الوقت مئتي دينار إمامية من خزائنه وثوبين وعامتين وفرسين، وقال: ارجع إلى وطنك، لأني أعلم أن خلفك من لا يعذرك.
وفضائل سيف الدولة أكثر من أن تحصى، وفي ذكرها يستقصى.
الأمير أبو الأغر دبيس بن صدقة بن منصور بن دبيس الأسدي لقب ب سيف الدولة. من الطبقة الثالثة.
أكرم بالأغر أبي الأغر دبيس، أثبت في الهيجاء وأرزن في الوقار من أبي قبيس. أشجع من قيس، وفارس بني عبس. أسد أسدي، وضيغم مزيدي.
طلب المزيد، ورام العز الجديد، ولم يرضَ بمنصب والده، وما ورثه من قديم المجد وتالده، فخرج على الإمام المسترشد نوبًا، فانهزم ووالى هربا، وتفرق من نجا من جنده أيدي سبا. ثم قضت بينهما تصاريف الزمن، فتارةً إثارة فتن وإبداء إحن، وطورًا رفع ما حل من محن، بهدنة على دخن، إلى أن استشهد المسترشد، وظن أنه من بعده يخلد، فقتله السلطان مسعود صبرًا بعد قتل الإمام بشهر ب المراغة. وذلك يوم الأربعاء، الرابع عشر من ذي الحجة، سنة تسع وعشرين وخمس مئة.
قال الأمير أبو الفوارس بن الصيفي التميمي المعروف بن حيص بيص يشير إليهما، وكان الخليفة ودبيس أشقرين:
تعنّفُني في شُرب كأسي ضلالةً أَقِلّي، فبينَ الأحمرَيْنِ هِلالُ
وما حالة في الدّهر إلا ستنقضي ويعقُبُها بعدَ البقاء زوالُ
فكُرِي علَيَّ الكأس، يا مَيُّ، واعلمي بأنّ تصاريفَ الحياة خَيالُ
وكان دبيس ينشد كثيرًا هذين البيتين:
إِنَّ اللياليَ منَاهلٌ تُطوَى وتبسط بينَها الأَعمارُ
فقِصارُهُنَّ مع الهموم طويلةٌ وطِوالُهنَّ مع السُّرور قِصارُ
قال السمعاني في تاريخه: قرأت في كتاب الوشاح: كتب بدران بن صدقة إلى دبيس وإخوته:
ألا، قُلْ ل منصور، وقُلْ ل مسيّب وقُلْ ل دُبَيْس: إنَّني لَغريبُ
هنيئًا لكم ماء الفُرات وطِيبُه إذا لم يكن لي في الفُرات نصيبُ
فأجابه دبيس:
أَلا قُلْ ل بدرانَ الّذي حنَّ نازعًا إلي أرضه، والحُرُّ ليس يَخيبُ
تمتَّعْ بأيّام السُّرور، فإنَّما عِذارُ الأَماني بالهموم مشيبُ
ولله في تلك الحوادث حكمة وللأرض من كأس الكرام نصيبُ
قال: وقرأت في الوشاح: أنشدني أبو الفتوح السرخسي، أنشدني دبيس لنفسه:
حبُّ عليّ بن أبي طالبٍ للنّاس مِقياس ومِعيارُ
يُخرج ما في أصلهم، مثلَما تُخرِج غِشَّ الذَّهبِ النّارُ
قال السمعاني: أبو الفتوح السرخسي لم يكتب وفاته.
الأمير منصور بن صدقة بن منصور الأسدي من الطبقة الثالثة.
[ ٩٣ ]
كان خرج على أمير المؤمنين المسترشد بالله العباسي، مع أخيه، ولم يستقم أمرهما. وجارت عليه صروف لياليه، وأسر منصور المسكين، وحبس إلى أن أتاه اليقين. ولحق دبيس ب سنجر في خراسان، لعله يلقى من جانب السلطان، ما يعود منه بإصلاح الشان. فأكرمه سنجر، ثم أجلسه ب مرو الروذ شبه محبوس، وخصه بمكان بالنعمة مأنوس، ثم أطلقه ورده إلى بلده، بعد أن أثقل ظهره برفده وصفده.
قرأت في كتاب السمعاني: ذكر صديقنا أبو العلاء القاضي في كتاب سر السرور: أنشد ملك العرب دبيس بن صدقة لأخيه منصور:
إنْ غاض دمعُك والرِّكابُ تساقُ مع ما بقلبك، فَهْوَ منك نِفاقُ
لا تَحِبسَنْ ماءَ الجفون، فإنّه مُغزٍ، وظاهرُ عَذْلِه إِشفاقُ.
لو حُمِّل العُذّالُ أَعباءَ الهوى أو جُرِّعوا غُصَصَ الملام وذاقوا،
لتَيَقَّنُوا أَنَّ الجبالَ مُطاقَةٌ والعذل في المحبوب ليس يطاقُ
شمس الدولة بدران بن صدقه بن منصور الأسدي أبو النجم شمس العلى، وبدر الندي والندى. ف بدران، لحسن منظره وطيب مخبره بدران، ولعلمه وجوده بحران.
تغرب بعد أن نكب والده، وتفرقت في البلاد مقاصده. فكان برهةً ب الشام، يشيم بارقة السعادة من الأيام، وآونةً ورد بلاد مصر، فأولاده كانوا بها إلى هذا العصر، وعادوا بأجمعهم إلى مدينة السلام، وظهر عليه أثر الإعدام، وتوفي ب مصر سنة ثلاثين وخمس مئة.
وله شعر، ماله - من جودته - سعر. يتيمة، ما لها قيمة.
له في أبيه صدقة، أو صدقة، بن دبيس، بن صدقة:
ولمّا التقى الجمعانِ، والنَّقْعُ ثائرٌ، حسِبت الدُّجَى غطّاهُمُ بجَناحهِ
وكشَّفَ عنهم سُدفةَ النَّقْع في الورى أبو حسَن بسُمره وصِفاحهِ
فلم يَسْتَضُوا إلاّ ببرق سيوفه ولم يهتدوا إلا بشُهْب رِماحهِ
وله:
لا والَّذي قصد الحجيج على بُزْل وما يقطَعْنَ من جَدَدِ
لا كنت بالرّاضي بمنقصة يومًا، وإلا لست من أَسَدِ
لأَقَلْقِلَنَّ العِيسَ داميةَ ال أَخفافِ من بلد إلى بلدِ
إِمّا يقال: سعى فأحرزها، أو أن يقالَ: مضى ولم يَعُدِ
وله:
وغَرِيرةٍ، قالت ونحن على مِنَىوالليلُ أنجمُه الشَّوابِك مِيلُ:
زعَم العواذل أَنْ مَلِلْت وِصالنا والصَّبرُ منك على الجفاء دليلُ.
فأجبتُها، ومدامعي منهلَّة، والقلب في أسر الهوى مكبول:
كذَبَ الوُشاةُ عليَّ فيما شنَّعُوا. غيري يَمَلُّ، وغيرُكِ المملولُ
وله ب مصر، وقد ذكر المغني المعروف ب الكميت:
اشْرَبِ اليومَ من عُقارٍ كُمَيْتِ واسْقِنِيها على غناء الكُمَيْتِ
ثمَّ سَقِّ النَّدِيم حتّى تراه وَهْوَ حيّ، من الكُمَيْت، كمَيْتِ
وله:
يا راكِبَيْنِ من الشَّآ م إلى العِراق: تَحسَّسا لي
إِن جئتما حِلَلَ الكرا مِ، ومركزَ الأَسَلِ الطِّوالِ
قولا لها، بعدَ السَّلا مِ، وقبلَ تصفيفِ الرِّحالِ:
ما لي أرى السَّعْدِيَّ عن جيش الفتى المُضَريّ خالِ؟
والقُبَّة البيضاء في نقص، وكانت في كمالِ؟
يا صدق لو صدقوا رِجا لُك مثلَ صدقِك في القتالِ
أو يَحمِلون على اليمي ن كما حَمَلْت على الشِّمالِ
دامت لهم بك دولةٌ تسعى لها هممُ الرِّجالِ
عربيّة بدويّة تسمو على طول الليالي
لكنّهم لمّا رأوا يومَ الوَغَى وَقْعَ العوالي
فَرُّوا وما كَرُّوا، فتَبّ ًا للعبيد وللمَوالي
وله أيضًا:
فواعَجَبا كيف اهتدى الطَّيْف في الدُّجَى إلى مضجَع لم يبقَ فيه سِوى الجَنْبِ؟
وله أيضًا:
وصغيرةٍ عُلِّقتُها كانت من الفِتَن الكِبار
[ ٩٤ ]
كالبدر، إلا أنَّها تبقى على ضوء النَّهار
وله في تشبيه القمر، وقد انكسف:
وليلةٍ بِتُّها أُسَقَّى حمراءَ صِرْفًا كالأُرجُوان
وانكسف البدرُ، فَهْوَ يحكي في الأُفْق مَرْآةَ هِنُدْوُاني
وله:
لي صاحبٌ ذو خِلال، قد غَنِيت به عن الورى، وَهْوَ بي عمّا ذكرتُ غني
إن قلت: لا، قال: لا، مثلي، وقلتُ: نعَمْ، يَقُلْ: نعَمْ، أو أكُنْ في حادثٍ يكُنِ
وله:
ولائمٍ لامَني جهلًا، فقلت له والقلبُ في حَرَق والطَّرْف في غَرَقِ:
يا لائمي كيف يسلو مَنْ تُقَلِّبُهُ أيدي السَّقامِ، وتَثْنِيهِ يَدُ الأَرَقِ؟
أما ورَبِّ المَطايا الواجفات ضحىً تَؤُمُّ بَكَّةَ بين الوَخْدِ والعَنَقِ
لا زُلْتُ عن حبّ مَيّ ما حَييِت، وما زال الصبَّابةُ والأشجانُ من خُلُقي
وله:
مَنْ عَذِيري مِن صاحب سَيّئِ العِش رَةِ، لا يهتدي لأمرٍ مُسَدَّدْ؟
كخُيوط الميزانِ، في كل وقت ليس ينفكّ دائمًا يتعَقَّدْ
وله:
إنّي من الشّاكرينَ، لكن بغير راءِ، فكن ذكيّا
وإنّني مبغض معادٍ لكلّ من لم يُرِدْ عَليِّا
ظَلْتُ ل آل النَّبيّ عبدًا ومن مُعاديِهِمُ بَرِيّا
وله:
قال العواذلُ: لا تُوَا صِلْهُ، فقلت لهم: رُوَيْدا
قالوا: احجُبُوه عن السَّواد دِ. أيحجُبوه عن السُّوَيْدا