من العلماء بدمشق ومن أهل القدس
ثقة الدين
أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله
ابن عبد الله بن الحسين، الدمشقي الشافعي الحافظ، من أصحاب الحديث. لقيته بدمشق وسمعت عليه من التاريخ الذي صنّفه. واتفق لي أيضًا سماع شيء مما ألفه.
وذكر السمعاني أنه رفيقه، وقال: كان أبو القاسم بن أبي محمد من أهل دمشق، كثير العلم، غزير الفضل، حافظًا، متقنًا، ثقة، دينًا، خيرًا، حسن السمت، جمع بين معرفة المتون والأسانيد، مثبتًا، محتاطًا، رحل في طلب الحديث. ورد بغداد سنة عشرين وخمسمائة ورجع إلى دمشق، ورحل إلى خراسان على طريق أذربيجان. ثم وافيت نيسابور سنة تسع وعشرين، وصادفته بها، وكنت أسمع بقراءته، واجتمعت معه ببغداد سنة ثلاث وثلاثين، وبدمشق سنة خمس وثلاثين، وسألته عن مولده فقال: في العشر الآخر من محرم سنة تسع وتسعين وأربعمائة.
وأنشدني لنفسه بالمزة من أرض دمشق:
أَيا نفسُ ويْحكِ، جاء المشيب فماذا التَّصابي وماذا الغَزَلْ
تولّى شبابي كأَنْ لم يكن وجاءَ مشيبي كأَن لم يَزَلْ
فيا ليت شِعْريَ ممّن أَكون وما قدَّرَ اللهُ لي في الأَزَل!؟
قال السمعاني: وأنشدنا أبو القاسم الحافظ الدمشقي لنفسه ببغداد:
وصاحبٍ خان ما استودعتُه وأَتى ما لا يليق بأَرباب الدِّياناتِ
وأَظهر السرَّ مُختارًا بلا سبب وذاك والله من أَوفى الجنايات
أَما أَتاه عن المختار من خبرٍ أَن المجالس تُغْشى بالأَمانات
[ ٢ / ٢٧٨ ]
وذكر أنه كتب إلى أصحابنا من دمشق، في ابتداء كتاب، يعاتبني على ترك إنفاذ كتاب دلائل النبوة لأحمد البيهقي وغيره من الكتب، وقد لزم فيها ما لا يلزم:
ما خلت حاجاتي إِليك وإِن نأَتْ داري مُضاعَهْ
وأَراك قد أهملتها وأَضعتها كل الإِضاعه
أَنسيتَ ثَدْيَ مودّةٍ بيني وبينك وارتضاعه
ولقد عهِدتُك في الوفا ءِ أَخا تميم لا قُضاعه
وأَراك بكرًا ما تخا ف على الصّداقة والبضاعه
فلما وصلت إلى الشام، وأقمت بدمشق، ترددت إليه، ورأيته قد صنف تاريخ دمشق. وذكر أنه في سبعمائة كراسة، كل كراسة عشرون ورقة. وسمعت بعضه منه. وأورد من شعره فيه.
ودخل إلي بكرة يوم الأربعاء تاسع عشر شهر ربيع الأول سنة إحدى وسبعين فعرضت عليه ما أورده السمعاني في حقه، والآن أنت قد سمعته مني. ووعدني أن يكتب لي من شعره ما أورده في هذا الكتاب.
وهو الحافظ الذي قد تفرد بعلم الحديث، والاعتقاد الصحيح، المنزه عن التشبيه، المحلى بالتنزيه، المتوحد بالتوحيد، المظهر شعار الأشعري بالحد والحديد، والجد الجديد، والأيد الشديد.
ومما أنشدنيه لنفسه، وقد أعفى الملك نور الدين قدس الله روحه، أهل دمشق من المطالبة بالخشب، فورد الخبر باستيلاء عسكره على مصر، فكتبه إليه يهنيه، وأملاه علي في الثاني والعشرين من جمادى الأولى سنة أربع وستين وخمسمائة:
لمّا سمحتَ لأَهلِ الشّام بالخشبِ عُوّضتَ مصر بما فيها من النَّشَبِ
وإِن بذلتَ لفتح القدس مُحْتَسِبًا للأَجر، جوزيت خيرًا غير محتسَب
والأَجْرُ في ذاك عند الله مرتٌَبٌ فيما يُثيب عليه خيرُ مرتقِب
والذّكر بالخير بين الناس تكسِبه خيرٌ من الفضّة البيضاء والذهب
ولستَ تُعْذَرُ في تَرك الجهاد وقد أَصبحتَ تملِكُ من مصرٍ إِلى حلب
وصاحب المَوْصِل الفيحاء مُمْتَثِلٌ لما تُريد فبادرْ فَجْأَة النُّوَب
فأَحزَمُ الناس من قوّى عزيمتَه حتى ينالَ بها العالي من القُرَب
فالجَدّ والجِدّ مقرونان في قَرَنٍ والحزم في العزم والإِدْراك في الطلب
وطهِّرِ المسجدَ الأَقصى وحَوْزَنَهُ من النَّجاسات والإشراك والصُّلُب
عساك تظفر في الدُّنْيا بحسن ثَنا وفي القِيامة تلقى حُسنَ مُنقَلَب
وتوفي ﵀ بدمشق، بين العشائين، ليلة الأحد حادي عشر رجب سنة إحدى وسبعين، ودفن بمقبرة باب الصغير. وصلى عليه الملك الناصر صلاح الدين في ميدان الحصا، وكان الغيث قد احتبس في هذه السنة، فدر وسح عند ارتفاع نعشه، فكأن السماء بكت عليه بدمع وبله وطشه، بلت الأرض برشه. ورثاه جماعة من الفضلاء.
أنشدني فتيان بن علي الأسدي الدمشقي المعلم الأديب لنفسه. وهذه القصيدة مشتملة على حقيقته وطريقته ووفائه ووفاته:
أَيُّ ركنٍ وَهى من العلماء أَيُّ نجمٍ هوى من العَلْياءِ
إِنّ رُزْءَ الإِسلام بالحافظ العا لم أَمسى من أَعظم الأَرزاء
أَقفرتْ بعده رُبوعُ الأَحاديث وأَقوتْ معالمُ الأنباء
أَيُّها المبتغى له الدهرَ مِثْلًا أَتُرجّي تَعانق العَنْقاء
كان ناديه كالرّياض إِذا ما ضحك النَّوْر عن بُكا الأَنْداء
كان حِبْرًا يَقْري مسامعنا من أَسود الحِبْر أَبيضَ الآلاء
كان من أَعلم الأَنام بأَسما ءِ رجال الحديث والعلماء
فهي من بعدُ في المَهارق كالأَفْعال إِذا عُرِّيَتْ من الأَسماء
كان من وَصْمة التغيّر والتَصحيف أَمْنًا لخابط العَشْواء
كان في دينه قويًّا قويمًا ثابتاص في الضرّاء والسرّاء
كان علاّمةً ونسّابةً لم يخْفَ عنه شيءٌ من الأَشياء
يا لَها من مُصيبةٍ صمّاءِ لم يَحِدْ سهمها عن الإِصماء
[ ٢ / ٢٧٩ ]
هَدمت ذروة المعالي ووارتْ جسد المجد في ثَرى الغَبراء
قد أَرانا سريرُه كيف كانت قبلُ تُجْلى أَسرّةُ الأَنبياء
سيّرتْ نعشَه الملوكُ وأَملا كُ السّموات بالبُكا والدُّعاء
وامترى حزنُه مدامعَ أَهل الأَرض حتى جرتْ دُموع السّماء
حَسْبُه أَنّه بهِ استُسْقِيَ الغيثُ فجادتْ به يدُ الأَنواء
نَعَش الله نعشه وسقاه رحمةً، بالغمامة الوَطفاء
قد وددنا أَنّ العيون استَهلَّتْ عِوَض الدمع بعده بالدماء
وَلتلك الدموع كانت نجيعًا قَصَرَتْه حرارةُ الأَحشاء
ولقد قرّت الأَعادي عُيونًا طالما أُغضِيت على الأَقْذاء
كم به جُرّع العدوّ ذُعافًا من أَفاويق البُؤْس والبأْساء
لم يزل يرغَم العدوَّ ويسعى رافلًا في مطارف النَّعماء
من يكن شامتًا فللموت بأْسٌ ليس يُثْنى بالعِزّة القعساء
وله وثبةٌ تذِلّ لها أُسْدُ الشَّرى والجيوش في الهيجاء
من يمت فَلْيمت مَمات أَبي القا سم عن عِفّةٍ وطيبِ ثناء
كم حوى لحدُه من العلم والحلم وكم ضمّ من سنًا وسناءِ
إِن يكن في الموتى يُعَدّ فقد خلّف علمًا أَبقاه في الأَحياء
مودَعٌ في سَوادِ كلّ فؤادٍ بتصانيفه بياض وَلاءِ
وإِليه تُنْمى بنوه وطيب الأَصل مستأْزرٌ بطيب الجَناء
لكُمُ يا بني عساكر بيْتٌ سامِقٌ في ذُرى العُلى والعَلاء
لم يزل مُنْجِبًا أَبوكم فما بُشّر إِلاّ بالسادة النُّجباء
ولكُم في الأَنام صيتٌ رفيع مُشرِفٌ فوق قِمّة الجوزاء
فتعَزّوْا عنه بصبرٍ وإِن كا ن مضى باصطبارنا والعزاء
نحن نبكي عليه حُزنًا وكم قد صافحته في اللَّحد من حَوْراء
يا أَبا عُذْرِ كل مَعنىً دقيقٍ جَلَّ قدرًا كالدُّرَّة العذراء
صَبْرُنا يا ابن بَجْدة العلم أَمسى عنك مستصعِبًا شديد الإِباء
علماءُ البلاد حلّتْ حُباها لك يا مَنْ عمّ الورى بالحِباء
ما عسى أَن نقول فيك وقد فا تت أَياديك جُملة الإِحصاء
أَنت أَعلى من أَن تُحَدَّ بوصفٍ بلغتْه بلاغةُ البلغاء
أَنت أَولى بأَن تُرَثّيك حتّى يُبْعَثَ الخلقُ، أَلسنُ الشعراء
فعليك السلامُ ما لاح وجه الصّبح من تحت طرَّةٍ سوداء
وسقى التربةَ التي غبتَ فيها كلُّ جَوْنٍ ودِيمةٍ هَطْلاء