من أهل عصري الأقرب بدمشق
عرقلة الكلبي
وهو أبو الندى حسان بن نمير
[ ٢ / ٢٥٥ ]
من حاضرة دمشق، من كلب وبرة من الجلاح وهي بطن منها. لقيته بدمشق شيخًا خليعًا ربعة مائلًا إلى القصر، أعور مطبوعًا، حلو المنادمة، لطيف النادرة، معاشرًا للأمراء، شاعرًا مستطرف الهجاء، لم يزل خصيصًا بالأمراء السادة بني أيوب، ينادمهم ويداعبهم ويطايبهم قبل أن يملكوا مصر، والملك الناصر صلاح الدين يوسف أشعفهم ينكته، وأكلفهم بسماع نتفه، وله فيه مدائح، ولديه منه منائح.
فمن جملة قوله فيه، وكان قد وعده أنه متى ملك مصر يعطيه ألف دينار، فقصده ومدحه بأبيات، منها:
قل للصّلاح مُعيني عند إِعساري يا أَلف مولاي أَين الأَلفُ دينار
أَخشى من الأَسْر إِن حاولت أَرضكم وما تفي جَنّة الفردوس بالنّار
فجُدْ بها عاضِديّاتٍ مُسطَّرَةً مِنْ بعض ما خلف الطاغي أَبو العار
حُمرًا كأَسيافكم غُرًّا كخيلكمُ عُتْقًا ثِقالًا كأَعدائي وأَطماري
ومن جملة ما قال فيه:
الحمد لله السّميع المجيبْ قد هلَك الشِّرْك وضلّ الصّليبْ
يا ساكني أَكناف مصر أَنا أَبو نُوَاس والصلاحُ الخصيب
ثم عاد إلى دمشق وهو مسرور محبور، وكان ذلك ختام حياته ودنا أجل وفاته، وذلك بعد سنة خمس وستين بدمشق في سنة ست أو سبع وخمسمائة.
وقد أنشدني كثيرًا من شعره. وسمعت من أصدقائي أيضًا. فمن ذلك قوله يشير إلى أنه أعور:
أَقولُ والقلبُ في همٍّ وتعذيبِ يا كلَّ يوسفَ إِرحم نصف يعقوبِ
وقوله في محبوب أحول، وهو أعور. وهو من قصيدة في مدح جمال الدين وزير الموصل:
يا لائمي هل رأَيتَ أَعجبَ مِنْ ذي عَوَرٍ هائمٍ بذي حَوَلِ
أَقِلُّ في عينه ويكثُرُ في عيني، بضدّ القياس والمَثَلِ
ما آفتي غيرُ وَرْدِ وَجنته والوردُ لا شكّ آفةُ الجُعَلِ
مهفهفٌ كالقضيب مُعتدلٌ وحكمه فيَّ غيرُ معتدل
فلو رأَتْ حسنَه فلاسفةٌ لعوّذوه بعِلَّة العِلل
كم قد سقاني مُدامَ فيه على غنائه وانتقلتُ بالقُبَلِ
قد ذقتُ منه هجرًا أَمرَّ من الصّبر وصلًا أَحلى من العسل
أَهوى تَجَنِّيه والصدودَ كما يهوىالمعالي محمدُ بن علي
محمد خاتَمَ الكرام كما سميُّه كان خاتم الرُّسُل
وله في غلام يحبه اسمه يعيش:
بأَبي قدُّ يعيش بأَبي حين يهتزُّ اهتزازَ القُضُبِ
رشأٌ حاسدُه ضدُّ اسمه وإِذا ما عكسوه مَذْهبي
وله في غلام قبله مودعًا:
أَقسمتُ يا لائمي فيمن بُليتُ به وَمَنْ تحكَّم في هجري وإِبعادي
لو أَنه كلّما سافرتُ ودّعني بقُبلةٍ لم أَزل في الرائح الغادي
وله في المقدحة لغزًا:
ومضروبةٍ من غير جُرْمٍ ولا ذنب حوى قلبُها مثلَ الذي قد حوى قلْبي
إِذا ما أَتاها القابسون عَشِيَّةً حَكَتْ فلكًا يرمي الشياطين بالشُّهْب
وقوله في طالب الصوري الشاعر ويستطرد بالهيتي الشاعر نصر:
يا طالبُ الصوريُّ إِن لم تتبْ عن شعرك المنتَحَل الباردِ
حَلَّ بأَكتافك في جِلِّقَ ما حلّ بالهيتيِّ في آمدِ
وقوله في وحيش الشاعر:
لا بارك الرّحمن في وُحَيْشِ فإِنه مُكَدِّرٌ للعَيْشِ
كم قال، لا قُلْقِل غيرُ نابِه، أَبياتَ شِعْرٍ كبيوت الخَيْش
وقوله من أبيات وقد أعطاه بعضهم شعيرًا:
يقولون: لِمْ أَرخصتَ شعرك في الورى؟ فقلتُ لهم: إِذ مات أَهلُ المكارمِ
أُجازى على الشعرِ الشعيرَ وإِنهُ كثيرٌ إِذا استخلصته من بهائم
وقوله، مما يغنى به:
عندي إليكم من الأَشواق والبُرَحا ما صيّر الجسم من فرط الضَّنا شَبَحا
أَحبابَنا لا تظنّوني سلوتُكمُ الحالُ ما حالَ والتبريحُ ما برِحا
[ ٢ / ٢٥٦ ]
لو كان يسْبَحُ صَبٌّ في مدامعه لكنتُ أَولَ من في دمعه سبحا
أَوْ كنت أَعلم أَن البيْن يقتلني ما بِنْتُ عنكم، ولكن فات ما ذُبحا
وقوله:
كتم الهوى فوشتْ عليه دموعُهُ مِنْ حرّ جمرٍ تحتويه ضلوعُهُ
صبٌّ، تشاغل بالربيع وزهره قومٌ، وفي وجه الحبيب ربيعُه
يا لائمي فيمن تمنَّع وصلُه عن صَبِّه، أَحلى الهوى ممنوعه
كيف التخلُّصُ إِن تجنّى أَو جنَى والحسنُ شيء ما يُرَدّ شفيعه
شمسٌ، ولكنْ في فؤادي حرُّها قمرٌ، ولكن في القَباء طلوعه
قال العواذل: ما الذي استحسنتَه منه، وما يَسبيك؟ قلت: جميعُه
وقوله في الشوق والفراق:
كتبتُ إِليكُمُ أَشكو سَقامًا برى جسمي من الشوق الشديدِ
وفي البلد القريب عدِمت صبري فكيف أَكون في البلد البعيد
نوىً بعد الصدود، وأَيّ شيء أَمرُّ من النَّوى بعد الصُّدود
ثم وقع بيدي بعد ذلك ديوان شعره فطالعته، وقصائده قصار وفي النادر أن تزيد قصيدته على خمسة وعشرين بيتًا، ومقطعته على عشرة أبيات، وكلها نوادر وكلام مضحك، فانتخبت منه هذه الأبيات واختصرت حذرًا من التطويل: الهمزة فمن ذلك قوله من مقطعة:
وَهَبْ ما قالت الواشون حقًّا مَنِ الراقي إِلى بدر السماء؟
لقد أَمسى الذي يبغي حبيبًا مُحِبًّا طالبًا للكيمياء
ومنها:
أَيجمُلُ أَن أُضامَ ودُرُّ نظمي أَحبُّ من الغنى عند العناء
أَمالَ العُرْبَ عن شعر التِّهامي وأَغنى العُجْمُ عن شعر السَّنائي
وقوله من قصيدة في حسام الدين صاحب ماردين:
هذا الحبيبُ وهذه الصهْباءُ عَذْل المُصِرِّ عليهما إِغْراءُ
والأَغْيدُ الأَلْمى يروقُك منظرًا في سقيها والغادةُ اللَّمياءُ
يا قاتلًا كأسي بكثرة مائِه ما الحيّ عندي والقتيلُ سواءُ
بالماء يحيا كلُّ شيءٍ هالكٍ إِلاّ الكؤوسَ هلاكُهنَّ الماء
والراح ليس لعاشقيها راحةٌ ما لم يساعدهم غِنىً وغِناءُ
ومنها:
وبوَجْنتي وبوجنتيْه إِذا بدا من فرط وجْدَيْنا حَيًا وحياءُ
كيف الوصولُ إِلى الوصال وبيننا بَيءنٌ ودون عِناقه العَنقاء
لله جيراني بجَيْرونٍ، ولي بلحاظهم وبهم ظُبىً وظِباءُ
وكأَنهم وكأَنّ حُمرةَ راحهم في راحهم، وَهْنًا، دُمىً ودِماءُ
وكأَنما سقتِ البلادَ مُلِثَّها كفّا حُسام الدين، لا الأَنواءُ
الباء وقوله:
خَرِف الخريفُ وأَنت في شُغُلٍ عن بهجة الأَيّامِ والحِقَبِ
أَوراقُه صُفرٌ، وقهوتنا صفراءُ مثلُ الشمس في لهب
ياتي بها غير وأَشربُها ذهبًا على ذهبٍ بلا ذهبِ
وقوله في الحث على السفر:
ذَرِ المقام إِذا ما ساءك الطلبُ وسِرْ فعزْمُك فيه الحزم والأَرب
لا تقعدنَّ بأَرضٍ قد عُرِفتَ بها فليس تَقْطع في أَغمادها القُضُب
وقوله في مروحة:
ومحبوبةٍ في القيظ لم تخلُ من يدٍ وفي القُرّ تشكوها أَكفُّ الحبائبِ
إِذا ما الهوى المقصور هيّج عاشقًا أَتت بالهوا الممدود من كل جانب
وله من قطعة:
وكم ليلةٍ قد بِتُّ أُسقى بكفّه على وجهه نادمتُ بدرًا وكوكبا
حكت فَمَه طعمًا وريحًا، وخدَّه إِذا مزجوها، رقَّةً وتلهُّبا
ومن أخرى:
ونادبةٍ ناحتْ سُحَيْرًا بأَيْكةٍ فهيّجتِ الوَسواسَ في قلب نادب
تنوح على غصن أَنوح كمثله وهل حاضرٌ يبكي أَسىً مثلُ غائب
وقوله من قصيدة في الصالح بن رزيك بمصر:
[ ٢ / ٢٥٧ ]
لمن الخيلُ كلَّ أَرض تجوبُ صَحِبَتْها في كل شِعب شَعوبُ
والجواري التي يضيق بها البحر على أَنّه فسيحٌ رحيب
غير سيف الإِسلام خير فتىً عَزّ به دينُنا وذَلَّ الصليب
مَلِكٌ منه في الخطاب إِذا شا ء خطيب وفي النِّزال خطُوب
ومنها:
وكأَني أَبو نُوَاسٍ إِذا ما جئتُ مصرًا وأَنت فيها الخصيب
ولئن كنتُ مخطئًا في قياسي إِنّ عذري ما قال قِدْمًا حبيب
ومنها:
لو أَراد الرقيب ينظر جسمي ما رآه من النحولِ الرقيبُ
مثل دار الزكيّ كيسي وكأسي وهي قَقْرٌ كأَنها مَلْحوب
وقوله في ابن ثريا وكان دبابًا:
لا ترقُدنْ وابنَ ثريا معًا فإِنه أَطمع من أَشعب
كم دَبَّ كالعقرب سُكرًا، وكم قد قتلوه قِتلة العقربِ
وقوله في أبي الوحش الشاعر:
أَبا الوحش جَمّلتَ أَهل الأَدبْ لأَنك أَطولُ قومي ذنبْ
وكيف تكون صغير المحلّ وبيتُك أَكبر ما في الخشب
وله رباعية:
أَقسمتُ بواوِ صُدغ هذا الحاجبْ في لام عِذاره ونونِ الحاجبْ
لو عاينه ابنُ مقلةَ والصاحبْ قالا عجبًا لديه: جَلَّ الكاتب
التاء وله في غلام اسمه ياقوت:
قلتُ: وقد أَقبل ياقوتُ في فمه دُرٌّ وياقوتُ
أَسِنّةٌ زُرق بأَجفانه أَم جالت البيضُ المصاليتُ
كأَنما أَلحاظُه بابلٌ فيهنّ هاروت وماروتُ
الجيم وقوله في الططماج:
أَلا رُبّ طاهٍ جاءنا بعد فترةٍ بأَطباق طُطْماج أَشَفَّ من الثَّلْج
وقد غارت السيخات فيها كأَنها يغالِقُ ترك في طوارق إفرنج
وقوله في ابن أبي طاهر الطبيب واسمه عباس:
عُجْ على عبّاس تلقَ فتىً غير نَكْريشٍ ولا بَذَجِ
فيلسوف ما يُريق دمًا وبخدَّيْه دمُ المُهَج
لو تَمعْناه السديدُ سلا قلبُه عن عشقه البكجي!
قلتُ لما ظلّ مجلسنا مُشرقًا من وجهه البَهِج:
إِنّ بيتاص أَنت ساكنُه غيرُ مُحتاج إلى السُّرُج
وعليلًا أَنت عائده قد أَتاه الله بالفرج
وقوله في مرثية:
لقد حَسُنتْ به اليوم المراثي كما حسُنت به أَمسِ الأَهاجي
ولكنْ لجَّ في شتم البرايا وكان القتلُ عاقبةَ اللَّجاج
وقوله:
كأَنّ احمرار الخدّ ممّنْ أُحبه حديقةُ وردٍ والعِذارُ سياجُها
وقوله في أبي الوحش بن علان لما امتدحه وكلما اقتضاه حرك رأسه:
يا من إِذا جئتُه سؤولًا ولستُ بالسائل اللَّجوجِ
حرّك لي مُوعِدًا بمَطْلٍ حاديَ عَشْرٍ من البُروج
الحاء وقوله:
حتى متى لا يَبْرَح التبريحُ وإِلامَ أَكتُم والسَّقام يبوحُ
لا شرحُ كتبِ أَحبّتي يأتي ولا صدري بغير حديثهم مشروح
يا برقُ حيِّ الغوطتيْن وسقِّها مطرًا حكاه دمعي المسفوح
كيف الحياة لمُستهامٍ جسمُه في بعلبكَّ وفي دمشق الروح
ظبيٌ بها لم يَرْعَ إِلاّ مُهجتي والظبيُ ما مَرْعاه إِلاّ الشّيح
تشتاقه عيني وتبكيه دمًا والقلبُ وهو بصدّه مجروح
مُتَعطِّف الصُّدْغين وهو مُجَنّبٌ مُتَمَرِّض العينين وهو صحيح
لي من ثناياه العِذاب وريقِه أَبدًا صباحٌ واضحٌ وصَبوح
وَيْحَ العواذل هل يُغشّي نورُه أَبصارَهم، أَم كيف يخفى يوح
لاموا وقد نظروا مَلاحةَ وجهه واللَّومُ في الوجه المليح قبيح
وقوله في مجير الدين وقد اقترح عليه في ساق يهواه وزن:
شربتُ من دِنانهمْ من كلّ دَنّ قدحا
[ ٢ / ٢٥٨ ]
مَنْ لي بساقٍ أَغْيدٍ عِذاره قد سَرحا
كأَنه بدرُ دُجَى في كفّه شمسُ ضُحا
ما زلتُ من مُدامِه مُغْتَبِقًا مُصْطَبِحا
حتى غدوْتُ لا أَرى النّدمان إِلاّ شبحا
وقد عصيْتُ في الهوى من لام فيه وَلَحا
يا قلبُ كمْ تذكره لا بارحتْك البُرَحا
هذا الذي تعشقُه كم قلبِ صَبٍّ جرحا
يا صاح يا صاح اسقني من راحَتيْه القَدَحا
واغتنِم العيشَ فما تُبْقي الليالي فرحا
كأَنما البدر وقد لاح لنا مُتَّضِحا
وجهُ مجير الدين مو لانا إِذا ما مُدحا
وقوله في ناصر الدين وفتح الدين ابني أسد الدين شيركوه:
لله شِبلا أَسدٍ خادِرٍ ما فيهما جُبْنٌ ولا شُحُّ
ما أَقبلا إِلاّ وقال الورى: قد جاء نصر الله والفتحُ
وقوله رباعية:
لا راحةَ لي بغير شُرب الرّاحِ من ذي هَيَفٍ يطوف بالأَقداحِ
تبدو كالصّبح وهو كالْمصباحِ سكران الطرف ذو فؤادٍ صاح
وقوله في أبي الوحش:
قال وُحَيشٌ ليَ في منزلي مكبوبةٌ ظاهرة الملحِ
فقلتُ: ما عندك مكبوبة إِن لم تكن أُم أَبي الفتح
الخاء وله:
صفات القويضي فتى مشرقٍ يَحار لها العالِمُ الراسخُ
ذكيٌّ، ولكنّه لاذنٌ أَسيلٌ، ولكنه كامَخُ
الدال وقوله من قطعة:
قمرٌ يغيب إِذا بَدَأْتُ مَلامَةً وأَغيبُ من حذر الوُشاة إِذا بدا
ناديت طُرّتَه وضوء جبينه سُبحان من قَرَن الضَّلالة بالهُدى
وقوله في سيف الدين محمد بن بوران:
لِمَنْ حِلّةٌ ما بين بُصرى وصَرْخَدِ تروح بها خَيْلُ الجلاح وتغتدي
ونارٌ، بقلبي مثلها، لأُهَيْلها تُشَبُّ لضَيْف مُتْهِمٍ ولمُنْجِدِ
وممشوقة رقّت ودقّت شمائِلًا إِلى أَن تساوى جِلْدُها وتَجلُّدي
من الخَفِراتِ البيض تُغْني لحاظُها عن المُرْهَفات البيض في كلِّ مَشْهَد
حجازيّة الأَجفان والخصر والحشا شآمِيَّة الأَردافِ والنهد واليد
إِذا ابتسمت فالدُّرُّ عِقْدٌ مُنَضَّدٌ وإِن حدَّثَتْ فالدّرُّ غيرُ مُنضَّد
وأَلْمى كمثل البدر تبدو جُيوبُه على مِثْلِ خُوط البانةِ المُتَأَوِّد
له مقلةٌ سَكْرى بغير مُدامَةٍ ولي مُقْلةٌ شَكْرى بدَمعٍ مُوَرّد
رعى الله يومًا ظَلَّ في ظِلِّ أَيْكةٍ نديمي على زهر الرياض ومُنشدي
وكأْسًا سقانيها كقِنْديل بِيعةٍ بها وبه في ظلمة الليل نهتدي
معتَّقَةً من قبلِ شيثٍ وآدم مُخَلَّلَةً من قبٍلِ عيسى وأحمد
صَفَتْ كدموعي حين صدّ مديرها ورقّت كَدِيني حين أَوْفى بمَوْعد
وفي الشيب لي عن لاعجِ الحُبّ شاعلٌ وقد كنتُ لولا الشيبُ طلاَّعَ أَنْجُد
رمى شَعَري بعد السَّواد بأَبيضٍ وحَظّيَ من بعد البياض بأَسود
فلا وَجْدَ إِلاّ ما وجدتُ من الأَسى ولا حمدَ إِلاّ للأَمير محمّد
وقوله في آمد:
في آمِدَ السوداءَ بِيضٌ ما انثَنوْا إِلاّ حَكَوْا سُمْرَ الرّماح قُدودا
تَخِذوا من الليل البهيم قلانِسًا ومن النهار مباسمًا وخُدودا
يقال لآمد السوداء لأنها مبنية بحجارة سود، ولميافارقين البيضاء، ولنصيبين الخضراء، وللموصل الحدباء، ولحلب الشهباء، ولبغداد الزوراء، وللبصرة الفيحاء.
وقوله في ذم العذار:
إذا ما الأَمْردُ المصقول جاءت عوارضُه فنقْصٌ في ازْدياد
يموت المَوْتَةَ الأُولى فتُمْسي على خدَّيْه أَثواب الحِداد
[ ٢ / ٢٥٩ ]
وهل يَستحسِن الإِنسان روضًا إِذا ما حلّه شَوْكُ القَتاد
وقوله في الغزل والعذار:
لي حبيبٌ كالبدر حسنًا وبُعْدا وقضيبِ الأَراك لِينًا وقَدّا
قلت لما بدت له شعَراتٌ ليتها للوُشاة لن تتبدّا
جَلَّ مَنْ أَنبت البنفسَج في الور د وسمّاها عِذارًا وخَدّا
قمرٌ كلّما تبسّم قابلْتُ عقيقًا حوى من الدُرّ عِقدا
حاك في وجهه الجمال كما أَلحَمَ في جسميَ السَّقام وأَسدى
وقوله من قصيدة:
مَنْ لي بمعسول الثَّنايا عَذْبِها لَدْنٍ كخُوط البانة المتأَوِّدِ
أَبدًا هواه لي مُقيمٌ مُقعِدٌ رُوحي فِداه من مُقيمٍ مُقْعِد
ولقد نعِمْتُ بوَصله في نَيْرَبٍ أَلِف الربيع بروضه الغصن النّدي
أَزهارُه من جَوْهرٍ، ونسيمه من عنبر، وثمارُه من عَسْجَد
وعلى الغصون من الحمائم قَيْنَةٌ تُغْنيك عن شدْوِ الغَريضِ ومَعْبَد
والماءُ في بردى كأَن حَبابَه بَرَدٌ حَبَتْهُ الريح غير مُجمَّد
بينا تراه كالسَّجَنْجَل ساكنًا حتى تراه أَجعدًا كالمِبْرد
ومن أخرى:
دمشقُ حُيِّيتِ مِنْ حَيٍّ ومن نادِ وحَبَّذا حَبَّذا واديك من وادِ
ليس النَّدامى نَدامى حين تَنْزِله يَعُلُّهم شادِن كأسًا على شاد
حقًّا وللوُرْق في أَوْراقه طربٌ كأَنَّ في كلّ عود أَلْفَ عَوّاد
يا غاديًا رائحًا عَرِّج على بردى وخلّني من حديث الرائح الغادي
كم قد شربتُ به في ظِلّ داليةٍ من ماء داليةٍ تُنْبيك عن عادِ
في جنْبِ ساقيةٍ من كفّ ساقيةٍ قامت تَثنّى بِقَدٍّ غير مُنْآد
سَمْراء كالصَّعْدة السّمراء واضحة يَشفي لَمى شفتيْها غُلَّةَ الصّادي
لها بعَيْني إِذا ماست عواطفُها جمالُ ميّاسةٍ في عيْن مِقْداد
وله من قصيدة في مدح الملك الناصر صلاح الدين قبل ملكه مصر يحثه على قصدها:
إِلامَ أُلامُ فيك وكم أُعادى وأَمرض مِن جفاك ولن أُعادَا
لقد أَلِف الضَّنى والسُّقْمَ جسمي وعيناي المدامعَ والسُّهادا
وها أَنا قد وهى صبري، وشَوْقي إِذا ما قَلّت الأَشواق زادا
بقلبي ذات خَلخالٍ وقُلْب تملّك فَوْدُها منّي الفؤادا
مهفهفة كأَنّ قضيب بانٍ تثنّى في غلائلها ومادا
بوجهٍ لم يزد إِلاّ بياضًا وشَعرٍ لم يزد إِلاّ سوادا
تعجّب عاذلي من حَرّ حبّي ومن برد السُّلُوِّ وقد تمادى
ولا عجبٌ إِذا ما آب حَرٌّ بآبَ، ومن جَمادٍ من جُمادى
وقد أضنسانيَ الشيبُ الغواني فلا سُعْدى أُريد ولا سُعادا
وهل أَخشى من الأَنواء بخلًا ويوسُف لي، فتى أَيوب، جادا
فتىً للدّين لم يَبْرَح صلاحًا وللأَموال لم يبرح فسادا
هو المعروف بالمعروف حقًا جَوادٌ لم يهب إِلاّ جوادا
به الأَشعار قد عاشت نَفاقًا وعند سواه قد ماتت كسادا
إِلى كم ذا التواني في دمشقٍ وقد جاءَتكم مصرٌ تَهادى
عروسٌ بعلُها أَسدٌ هِزَبرٌ يصيد المعتدين ولن يصادا
ومن أخرى في الصالح رزيك ويذكر مذهبه في التشيع:
قف بجَيْرونَ أَو بباب البريدِ وتأَمَّل أَعطافَ بان القُدودِ
تَلْق سُمْرًا كالسُّمْرِ في اللَّوْن واللين وشِبْهَ الشعور في التجعيد
ومن البيض كالمُهَنَّدةِ البيض وشبه الخدود في التوريد
من بني الصّيد، للمحبّين صادوا بعيون الظِبا قلوبَ الأُسود
[ ٢ / ٢٦٠ ]
يا نديميّ غَنِّياني بشِعري واسقياني بُنيّة العُنقودِ
عرّجا بي ما بين سَطرى ومَقرى لا بأَكناف عالِجٍ وزَرود
سقّياني كأْسًا على نهر ثورا وذراني أَبولها في يزيد
أَنا من شيعة الإمام حُسَيْنٍ لست من سنة الإمام وليدِ
مَذهبي مُذْهَب، ولكّنني في بلدة زُخرِفَت لكلّ بليد
غير أَنّ الزمان فيها أَنيقٌ تحت ظِلٍّ من الغصون مَديد
ورياضٍ من البَنَفْسَج والنَّرْ جِس قد عُطّرت بمسكٍ وعود
كَثَنا الصالح بن رُزِّيك في كلّ قريبٍ من الدُّنى وبعيد
ملك لم تزل ثيابُ عِداه من حِدادٍ وثَوْبُه من حديد
وله من قطعة كتبها إلى ابن السديد وقد سافر إلى بغداد يطلب منه شقة:
حاجتي شُقَّةٌ تَشُقُّ عهلى كلّ بغيضٍ من الورى وحَسودِ
ذاتُ لَوْنٍ كمثل عِرْضك لا عر ضي وحظّي من القريب البعيد
فابْعَثَنْها صفيقةً مثل مثل وجهي جَلَّ من صاغ جلده من حديد
واجْعَلَنْها طويلةً مثل قَرْني ولساني لا مثل قَدّي وجيدي
كَيْ أُرى في الشآم شيخًا خليعًا في قميصٍ من العراق جديد
وقوله قديمًا وقد تولى صلاح الدين الملك الناصر إيالة دمشق:
لصوصَ الشّام، توبوا من ذُنوبٍ تُكَفِّرها العقوبةُ والصِّفادُ
لئن كان الفساد لكم صلاحًا فمولانا الصّلاحُ لكم فساد
وقوله في شمس الدولة وقد نزل دار عمه أسد الدين:
قلتُ لحسّادك زيدوا في الحسدْ قد سكن الدّارَ وقد حاز البلدْ
لا تعجَبوا إِن حَلَّ دارَ عمّهِ أَما تَحُلّ الشمسُ في بُرْج الأَسد
وقوله في مرثية بعض المجان:
يا خفيفًا على القلوب لطيفًا قد بكاه أَصادقٌ وأَعادي
كنتً من مُهجتي مكانَ السويدا ءِ ومن مُقلتي مكان السّوادِ
قد بكاك الرّاووق والكأْس والقَيْنة من لائطٍ إِلى قوّاد
أَيّها الشيخ ما نهتك الثمانو ن وذاك البياضُ بعد السّواد
لم تزل تلكمُ العَرامة حتى أَلحقتْه بالرّهط من قوم عاد
لا عُوَيْسٌ يبقى وإِلاّ ابن العصيفير ولا ابنُ الصّمان في الأَنداد
شمِتوا حين مات والموت ما تَنْفع فيه شماتةُ الحُسّاد
رحم الله من رأَى مصرح الشيْخ وهيّا من التُّقى خيرَ زاد
وقوله:
شكا إِليّ أَمْرَد قد حثّه ضيق اليدِ
فقلت لِمْ ضاقت وقد وسَّعت بابَ المقعد
وقوله في شريف:
وحِسْبةٍ نالها شريفٌ بلا طَريف ولا تليدِ
ما إِن تأَملته عبوسًا إِلاّ ترضيتُ عن يزيد
الدال وقوله:
أَصبح الملكُ بعد آل عليٍّ مُشْرِقًا بالملوك من آل شاذي
وغدا الشّرقُ يحسُد الغربَ للقو م ومصرٌ تزهو على بغداذ
ما حواها إِلاّ بحَزْمٍ وعزم من صليل الفولاذ في الفولاذ
لا كفر عون والعزيز ومن كا ن بها كالخَصيب والأُستاذ
الراء وقوله:
نديمي قُمْ فقد صفتِ العُقارُ وقد غنّى على الأَيْك الهَزارُ
إِلى كم ذا التواني في الأَماني أَفِقْ ما لعمر إِلاّ مُسْتعار
وخذها من يديْ ظبي غريرٍ بِعيْنيه فُتورٌ وانكسار
إِذا ما الليل جَنَّ على النَّدامى تَجَلَّى من ثناياه النهار
يقول لي العَذول تسلَّ عنه وما عُذْري وقد دَبّ العِذارُ
فَصَبْرًا للنّوى بعد التداني فلولا الخَمر ما ذُمَّ الخُمار
وقوله من أخرى:
أَمّا دمشقُ فجَنّاتٌ مُعَجَّلةٌ للطالبين بها الوِلدانُ والحُورُد
[ ٢ / ٢٦١ ]
ما صاح فيها على أَوتاره قمرٌ إِلاّ وغناه قُمْرِيّ وشُحْرور
يا حبَّذا ودُروع الماءِ تنسِجُها أَناملُ الرّيح لولا أَنها زُور
ومنها:
همْ عارضوني على حُبّي لعارضه ومن أَحبَّ عِذارًا فهو معذور
ومن أخرى:
وكم ليلةٍ قد لاح من صُدْغه الدُّجى ومن كأْسه الجَوْزا ومن فمه الفجرُ
وكم أَخذت أوتاره الثأر من دمي سُحَيْرًا، فقال النّاس هذا هو السِّحر
يشاركني حِذقًا فَمِنْ عنده الغنا إِذا ما تنادمنا ومن عنديَ الشِّعْر
وقوله:
قوموا انظروا واعذِروا يا غافلين إِلى بدرٍ تبادر من أَفلاك اَزرار
على قضيبِ أَراكٍ في كثيبٍ نقًا تهزُّه خَطَراتٌ ذات أَخطار
ما رامت الروم، والأَتراك ما تركت أَدَقَّ من خصره في عَقد زُنّار
الماءُ والنار في خدَّيْه قد جُمِعا جَلّ المؤلِّف بين الماء والنار
وقد بدت شَعَراتٌ في عوارضه كأَنَّهن ليالٍ فوق أَسحار
وقوله في العذار:
دَبّ العِذار بخدّه فتعذَّرا مِن بعد ما قد كان بدرًا نيِّرا
وتناقصت أَحواله فكأَنه الحبّال يمشي في المعاش إِلى وَرا
وقوله:
قالوا بدا في خدّه الشَّعْرُ وأَنت لا عقلٌ ولا صبرُ
واسودّ خدّاه، فقلت اقصُروا لولا الدُّجى ما حَسُن البدر
وقوله:
أَدِرْ يا طلعة البدرِ علينا أَنجُم الخمْرِ
وقطِّع ليلنا بالكأْ س حتّى مطلَع الفجر
على فتّانة العينين والخدَّيْن والثَّغْر
لنا في وجهها قمرٌ ومن نغماتها قُمْري
كذا فلْيشربِ الصهبا ءَ مثلي يا ذوي الشعر
كذا في ليلة الجمعة بل في ليلة القَدْر
مع الفتيان في الحانا ت بين الطَّبل والزَّمر
بحيث ابن ملكداد وحيث ابن أَبي الدر
حَرِيفان حُرافان بلا قَدْرٍ ولا قِدْرِ
وله:
نديمي داوِ بالخَمْرِ الخُمارا أَدرْ كأْسي يمينًا أَو يسارا
مُشَعْشعة إِذا ما صفّقوها بماءٍ خِلْتَها نورًا ونارا
لها من مولِدَيْ موسى وعيسى شرابٌ لليهود وللنصارى
ومُسْمِعَةٍ إِذا ما شئت غنّتْ أَلا حيّ المنازل والديارا
بدتْ بدرًا وماجت دِعْصَ رَمْلٍ وماسَتْ بانةً وشَدَتْ هَزارا
إِذا غازلْتُها أَو غازلَتْني تأَمَّلْت الفَرَزْدَق والنَّوارا
ويومَ غَدَتْ تعيِّرُني بشيْبي وقد رأَتِ السَّكينةَ والوَقارا
وما في الشَّيْبِ عند الناس عيبٌ إِذا ما عاد ليلُهمُ نهارا
ولكن في الشباب خَزَعْبلاتٌ لِمَنْ يهوى العَذارى لا العِذارا
وقوله في مدح بني السلار:
لا تلُمني على الدُّموع الجواري فهي عَوْني على فراق الجوارِ
كم لئيمٍ يَلَدُّ بالعيش صفوًا وكريمٍ يَغُصّ بالأَكدارِ
لا يَفي الوَصلُ بالصُّدود خليليَّ كما الخَمْر لا يفي بالخُمار
فاسقِنيها لعلّها تصرِف الهمّ على طيب نَغْمة الأَوتار
خَنْدَريسًا كأَنها في دُجى الليل بأَيدي السُّقاة شمسُ النهار
إِنما العيشُ في رياض دمشقٍ بين أَقمارها وبين القَماري
مثلما قد خلعتُ أَثواب مدحي باختياري على بني بختيار
مَعْشَر كالغيوث في حَلْبة السّلْم وفي الحرب كاللّيوثِ الضَّواري
بقلوبٍ كأَنها من جمالٍ وأَكفٍّ كأَنها من بحار
وكأَنّ الإِلَه، جلّن بَراهُمْ من فَخار، والناسَ من فَخّار
وقوله في ملك النحاة وكان يذكر مصر:
[ ٢ / ٢٦٢ ]
قد جُنّ شيْخي أَبو نزارٍ بذكر مِصْر وأَين مِصرُ
والله لو حلَّها لقالوا قفاه يا زيدُ فهو عمرو
وزيد كان محتسب دمشق فصار بمصر محتسبًا.
ومن جملة ما كتبه إلى الملك الناصر من قصيدة:
إِليك صلاحَ الدين مولاي أَشتكي زمانًا على الحُرِّ الكريم يجورُ
تُرى أُبْصِرُ الأَلف التي كنت واعدي بها في يدي قبل الممات تصير
وهيْهاتَ والإِفرنجُ بيني وبينكم سِياجٌ، قتيلٌ دونه وأَسيرُ
ومن عجبِ الأَيّام أَنك ذو غِنىً بمصر، وأني في دمشق فقير
السين وقوله في التشبيه:
كأَنّ السماء وقد أَزهرت كواكبها في دُجى الحِندسِ
رياضُ البنفسَج محميّةً يُفتِّح فيها جَنى النَّرجِس
وقوله في ابن رزيك لما غلب على وزارة مصر بعد عباس الذي فتك بأهل القصر وقتلهم:
طاف على النّدْمان بالكاس وَخَدُّه من لونها كاسِ
مُهفهفُ القامةِ مَمْشوقها يخجل منه غُصنُ الآسِ
كم أَتصدّى لِجَفا صدِّه وكم أُقاسي قلبَه القاسي
دِعْصُ نَقًا تحملُه بانةٌ شمسُ ضحىً في زِيّ شَمّاس
تحكي ثنا الصالح أَنفاسُه وصُدْغُه أَيامَ عباس
وقوله:
ما اجتمع الشِّطرنج في مجلِسٍ والنَّرْدُ، إِلاّ بَرَدَ المجلسُ
لا سيّما إِن حضرتْ نَرْجِسٌ والبان والمنثور والنَّرْجِسُ
وقوله في مغن اسمه علي:
عليٌّ صوته سَوْطٌ علينا لا على الفَرَسِ
وجُملةُ ضربه ضَرْبٌ لمدَّرعٍ ومتَّرس
يقول السّامعون له: رماه الله بالخرس
وخذ يا ربِّ مُهجتَه إِذا غنّى: خُذِي نَفَسي
وقوله في صلاح الدين الملك الناصر بديهًا أوان الورد:
يا حابس الكأء، خيلُ الوَرد قد وَرَدت شُهْبًا وكثمْتًا، أَدِرْ يا حابس الكاس
أَقسمتُ ما الورد في الأَزهار قاطبةً إِلاّ كمثل صلاح الدين في الناس
الوارثِ المجدَ من آبائه أَبدًا مثل الخلافة في أَولاد عباس
وله رباعية:
ويْلاهُ على المهفهف الميّاسِ ما أَحسنَه وهو بقلبٍ قاسِ
يهتزّ كأَنه قضيب الآسِ سكران ولم يذق حُمَيّا الكاسِ
الشين وقوله في طغريل السياف وهو جوباشي دمشق:
قالوا يسبُّك طُغْريل وتُهمله فقلتُ أَخشى على عِرضي من الواشي
كنّا نحاذِر منه وهو مِرْشَحَةٌ فكيف لا نتَّقيه وهو جُوباشي
لي أُسوةٌ بجميع الخلق يشتُمهم جُكّا ودلماص والعوذ بن شواش
الصاد وقوله في الملك الناصر وقد بعث لأهل دمشق السلام وله الذهب:
صلاحَ الدين قد أَصلحتَ دنْيا شقّيٍ لم يبِتْ إِلاّ حريصا
أَتى منك السّلامُ لنا عُمومًا وجُودُك جاءني وَحدي خُصوصا
فكنتُ كيوسُفَ الصدّيق لمّا تلقّى منه يعقوبُ القميصا
وقوله في التشبيه:
أَما ترى البدر في السماء وقد حاول من بعد تِمِّه نقصَهْ
بينا تراه كخُشْكنانكةٍ حتى تراه كأَنه قُرصَهْ
الضاد وله في مقلي بيض:
أَأَحداقُ بَيْضٍ أَم حديقةُ نَرْجِسٍ أَتت بين مُصفرٍّ ومُبيضِّ
شربنا على التِّبْرِيّ كأْسًا كَلوْنه وأُخرى على الفضّيّ من ذلك الفضّي
وقوله:
جاءت بوجهٍ مُعْرِضٍ وطالما تعرّضا
بيضاء ما أَبصرتُ منها قطُّ يومًا أَبيضا
قالت: قلى؟ قلتُ: نعم قلبي على جمر الغضا
العين وقوله في الشوق
تُرى عند من أَحببتُه، لا عدمتُه، من الشوق ما عندي وما أَنا صانعُ
[ ٢ / ٢٦٣ ]
جميعي إِذا حَدَّثتُ عن ذاك أَلسُنٌ وكلّي إِذا حُدِّثتُ عنه مَسامع
وقوله:
وعِلْقٍ تعلّقته بعد ما غدا منه كلُّ جديدٍ خليعا
له ضيْعةٌ كلّما أَمحلتْ يعيشُ، وإِن أَخصبت مات جوعا
وقوله:
بكا لي حاسدي مَيْنًا، وأَدْري بِضَحْك فؤاده بين الضّلوعِ
وأَكذَبُ ما يكون الحُزنُ يومًا إِذا كان البكاءُ بلا دموع
وقوله في ابن مالك صاحب قلعة جعبر:
لحا الله مُلْكًا يحتويه ابنُ مالكٍ وعاجَلَهُ في ساحة القَلْعة القَلْعُ
فتىً لستَ ترجوه ولستَ تخافه كدُود الخلا ما فيه ضرّ ولا نفْعُ
الفاء وقوله:
حبيبٌ لنا واعدٌ مُخْلِفُ يجوز علينا وما يُنْصِفُ
بكلّ قَباءٍ له صَعْدَةٌ وفي كل جَفْنٍ له مُرْهَلإ
فيذْهَل من بأْسه عنترٌ ويخجل من حُسْنه يوسُف
أَما وبروقِ الثنايا التي بها الشَّهْدُ والمِسْك والقَرْقَف
لقد حِرْتُ في قمرٍ أَحْورٍ لنا ما يغيب ولا يُكْسَف
شربنا على وجهه ليلةً عيونُ سحائبها تذرِف
وحَرُّ الكوانين مستعذَبٌ ببرد الكوانين مُسْتطرَف
لدى شمعةٍ مثل لون المحِبِّ وريح الحبيب إِذا ترشف
تموت انطفاءً إِذا سولِمَتْ وتحيا وهامتُها تُقْطَف
فقلت وقد غاب جيش السَّحاب وطرفي عن الحِبّ ما يَطْرِف
كأَنّ الثريّا وبدرَ السماء وأَنجمُها طُلّعٌ تَرْجُف
يدٌ قد أَشارت إِلى وردةٍ وحولهما نَرْجِسٌ مُضْعَف
وقوله:
أَما آن للغضبان أن يتعطّفا لقد زاد ظلمًا في القطيعة والجفا
بِعادٌ ولا قُرْبٌ، وسُخْطٌ ولا رِضا وهجرٌ ولا وَصْلٌ، وغدرٌ ولا وفا
تكدَّرَ عَيْشي بعد ما كان صافيًا وقلبُ الذي أَهواه أَقسى من الصَّفا
فيا خدَّه لا زدتَ إِلاّ تَلَهُّبًا ويا قدَّه لا زدتَ إِلاّ تَهَفْهُفا
ويا رِدْفَه لا زال دِعْصُك مائلًا ويا طرفَه لا زال جفنُك مُدْنِفَا
وقوله:
نتفتُ السَّوادَ من العارضيْن عند الشبيبة نتفًا عنيفا
فلما كَبِرْتُ نتفت البياض وقد صار بعد الجنى الغضّ ليفا
ولو علم النّاس بالحالَتيْن لما لقّبونيَ إِلاّ نتيفا
وقوله:
قولا لطُغْريل ولا تَقْصُرا في سَبِّه عنّي وتعنيفِه
قتلْتنا بالصِّرف سَكْرا، فلا برحتَ مقتولًا بتصحيفه
وقوله في إنسان وعده بخروف وما وفى:
يا أَبا الفضل بالنجفْ إِستمع كلّ ما أَصفْ
لك وجهٌ كأَنه البدر لكن إِذا كُسِفْ
وقَوامٌ كأَنَه الغُصْن لكن إِذا قُصِفْ
وعِذارٌ كأَنه النَّمل لكن إِذا نُتِف
وبَنانٌ كأَنّه البحر لكن إِذا نشِف
وأَبٌ أَكذب الأَنا م ولكن إِذا حَلَف
كم جوادٍ وهبته حين أَوْدى بلا علَف
وقَباءٍ خلعته وهو خارا بلا أَلِف
إِنّ مَنْ يرتجي خَرو فَكَ بالشِّعْرِ قَدْ خَرِفْ
وقوله في إنسان يلقب بالعفيف:
عُجْ بالعقيق وعَدِّ عن تَصْحيفه لا خير فيه إِذا استقلّ مُصَحَّفا
يا كاتبًا بخِلَتْ يداه بأَحرفٍ ماذا تجود إِذا منعت الأَحرفا
القاف وقوله:
صَدَّ الحبيبُ وذاك دون فِراقِهِ وَمَنِ الذي يَبْقى على ميثاقِهِ
رشأٌ أَغارُ عليه من أَجفانه وأَظنّها، للسُّقْم، من عُشّاقِه
وأَقولُ من سُكْري بخَمرة يَغْرهِ ويدي تُلِمُّ بحلّ عَقْد نِطاقه
[ ٢ / ٢٦٤ ]
يا ساقيَ الصَّهْباءِ صِرْفًا لا تَجُرْ وامزُج لنا الصهباءَ من أَرْياقه
جَلَّ الذي أَعطاه في الحُسْن المُنى وأَضاف خِلْقته إِلى أَخلاقه
كالغصنِ في حركاته، والظبي في لَفَتاتِه، والبدرِ في إِشراقه
قد ذُبتُ من شوقي إِليه صَبابةً وكذا المحبُّ يذوبُ من أَشواقه
وقوله في الربيع ووصف دمشق:
هذا هو الزّمن البديع المُونِقُ والعِيشَةُ الرَّغْدُ التي هي تُعْشَقُ
فعلامَ تصحو والحَمام كأَنها سَكْرى تُغنّي تارةً وتُصَفِّق
وتلوم في حبّ الديار جَهالةً هيهات يسلوها فؤادٌ شَيِّق
والشام شامةُ وَجْنَةِ الدنيا كما إِنسان مقلتِها الغضيضة جِلِّق
مِنْ آسِها لك جَنَّةٌ لا تنقضي ومن الشقيق جهنَّمٌ لا تَحْرِق
سِيَما وقد رَقَم الربيعُ ربوعها وَشْيًا، به حَدَقُ البرايا تَحْدِق
في نَيْرَبٍ ضحكت ثُغورُ أَقاحِه لما بكاه العارضُ المُتَأَلِّق
وقوله:
وصاحبٍ يتلقّاني لحاجته بالرَّحْب، وهو مليح الخَلْق والخُلُقِ
حتى إِذا ما انقضت وليّ وخلَّفني أَحسَّ من جُرَذٍ في بيت مرتَلإق
كالماء، بينا ترى الظمآن يرشِفه حتى يبدّد باقيه على الطرق
وقوله في غلام طويل وكان عرقلة قصيرًا أعور:
لي حبيبٌ قدُّه قُدَّ من السُّمْرِ الرِّقاقِ
من رآه ورآني قال ذا غير اتفاقي
أَعور الدَّجّال يمشي خَلْفَ عُوْجِ بن عُناق
الكاف وقوله في المدرسة التي أنشأها الملك العادل ﵀ بدمشق:
ومدرسةٍ سيَدْرُس كلُّ شيء وتبقى في حِمى عِلْمٍ ونُسْكِ
تَضوَّع ذكرها شرقًا وغربًا بنور الدين محمود بن زنكي
وقوله رباعية:
يا بدرَ دُجىً يحمِله غصنُ أَراكْ ما أَعجبَ ما يَحِلّ بي حين أَراكْ
لا تقتلْ بالصدود صبًّا يَهواكْ ما للأَعراب طاقةٌ بالأَتراكْ
اللام
وِصالٌ ما إِليه من وُصولِ وسمعٌ ما يُصيخ إِلى عَذولِ
لقد أَخفيتُ داءَ الحبّ حتى خفِيتُ عن الرقيب من النُّحول
وكيف يَصِحُّ هذا الجسم يومًا وآفته من الجفن العليل
وليلٍ مثل يوم العَرْضِ طولًا ومَنْ عَوْني على الليل الطويل؟
وما للصُّبح فيه من طلوعٍ ولا للنجم فيه من أُفول
إِلى كمْ نحن في صدٍّ وهجرٍ وفي قالٍ من الواشي وقيل
تُرى يومًا نَرى تلك الأَماني وتجمع شملَنا كأسُ الشَّمول
وتعطِف لي عواطفُ مَنْ جفاني ويَشْفي من غَلائله غَليلي
تصدّى للصدود قِلىً وبُعدًا ولن تَخْفى علاماتُ المَلُول
وفي صبري على التقبيح عُذْرٌ إِذا ما كان من وجهٍ جميل
وقوله في الشيب:
إِلى كم أُبيد البيدَ في طلب الغنى وأَقربُ رزقي فوق نجمِ سُهَيْلِ
وقد وخَطَ الشيْبُ الشبابَ كأَنه أَوائلُ صبحٍ في أَواخرِ لَيْل
وقوله في العذار في غلام اسمه وهيب:
قال قَوْمٌ بدا عِذارُ وَهَيْبٍ فاسْلُ عنه، فقلت: لا، كيف أَسْلو
أَنا جَلْدٌ على لِقا أُسْد عينيْه، وأَخشى عِذارَه وهو نملُ!
وقوله في امرأة يقال لها صفية، وقد عزمت على السفر:
تقول صفيةٌ، والصًّفْوُ منها لغيري، حين قَرَّبَتِ الجِمالا
وقد سفَرتْ لنا عن بَدر تِمٍّ غَداةَ البَيْن وانتقبت هِلالا
أَتصبِرُ إِنْ هجرنا أو بَعُدْنا فقلتُ: نعم، وقال القلب: لا، لا
[ ٢ / ٢٦٥ ]
يخاف البُعْدَ من أَلِفَ التَّداني ويخشى الهجرَ مَنْ عَرَفَ الوِصالا
وقوله من أخرى:
ميلوا إِلى الدار من ذات اللَّمى ميلوا كحلاء ما جال في أَجفانها ميلُ
هذا بكائي عليها وهي حاضرةٌ لا فَرْسَخٌ بيننا يومًا ولا مِيل
ممشوقة القَدّ ما في شَنْفها خَرَسٌ ولا تَضِجّ بساقَيْها الخَلاخيل
كأَنّما قَدُّها رُمحٌ، ومَبْسِمُها صُبْح، بنفسيَ عسّالٌ ومعسول
ومنها:
إِني لأَعشق ما يحويه بُرْقُعها ولستُ أُبْغِض ما تحوي السراويل
وربّ كأْسٍ سقانيها على ظمأٍ مُهَفْهَفٌ مثلُ خُوطِ البان مَجْدول
حتى إِذا ما رشفْنا راحَ راحتِه وَهْنًا، وأَنقالُنا عَضٌّ وتقبيل
جارت عليَّ يدُ السّاقي ومُقْلَتُه لكنني بزِمام العقْلِ معقول
أَد
وقوله في مدح الشيب:
رصّعَ الشيبُ لِمّتي يا حبيبي بنُجومٍ طُلوعُهُنَّ أُفولي
كان شَعْري كمُقلتيْك فأَضحى كثناياك، حَبَّذا من بديل
وقوله في مدح ابن نيسان بآمد:
قومي اسمعي يا هذه وتأَمَّلي رَقْصَ الغصون على غِناء البلبلِ
فالطَّيرُ بين تغَرُّدٍ وتشاجُرٍ والماءُ بين تَجَعُّدٍ وتسلْسُل
أَظِباءَ وَجْرةَ كم بشطَّيْ آمِدٍ من ظبْيةٍ كَحْلى وظَبيٍ أَكحل
ومُدلَّلٍ ومذَلَّلٍ في حُبّهِ شتّان بين مُدّلَّلٍ ومُذَلَّل
والعَيْش قد رقَّتْ حواشي حُسنِه ما بين دَجلتها إِلى قُطْرَبُّل
رَقَم الربيع رُبوعَها فكأَنها زنجيةٌ تختال تيهًا في الحي
ومنها في المدح:
في حِصنه غَيْثٌ، وفوق حصانه لَيْثٌ يَكُرّ على الكُماةِ بِمِسْحَل
متبسِّمٌ لعُفاته قبل النّدى كالبرق يلمَع للبِشارة بالوَلي
يعطي المُحَجَّلَةَ الجياد وكم لهُ في الجُوْد من يومٍ أَغرَّ مُحَجَّل
ويَرُدّ صدر السَّمْهَريِّ بصدره ماذا يؤثّر ذابلٌ في يَذْبُل
وكأَنّه والمَشْرَفِيُّ بكفّه بحرٌ يكُرّ على العُفاةِ بجدولِ
وقوله في الملك الناصر قبل ملك مصر وكان متولي دمشق:
رويدَكُمُ يا لُصوصَ الشآم فإِني لكم ناصحٌ في مَقالي
وإِياكمُ من سمّي النبيّ يوسُفَ ربِّ الحِجا والجمالِ
فذاك مُقطِّع أَيدي النساءِ وهذا مقطع أَيدي الرجال
وقوله في مغنية بمصر اسمها خراطيم:
تقول خراطيم لما أَتيْتُ: أَهلًا بذا الشاعر الأَحْوَلِ
وغنَّتْ فقلتُ لجُلاّسها: شبيهٌ بنصف اسمها الأَوَّل
الميم وقوله من قطعة:
أَمُوَلَّدَ الأَتراك إِن مُوَلَّدَ الأَعْراب أَضحى في هواكَ مُتَيَّما
لو كان قلبُك مثلَ عِطْفِك لَيِّنًا ما كان حظي مثلَ صُدْغكَ مُظلِما
وقوله في مبارك بن منقذ:
ضدُّ اسمه المُنقِذيّ، عن ثقةٍ فلا تلومَنّه على الُّوم
كالجُدَرِيّ الذي يقال له مُباركٌ، وهو أَلف مشؤوم
وقوله من قصيدة:
سَلا هل سَلا عن رَبَّةِ الخال واللَّما مُحِبٌّ غدا من ظَلْمها مُتظلِّما
وهل لاح برقٌ من تبسُّم ثغرها فأَمطر إِلاّ سُحْبُ أَجفانه دما
مُهَفْهَفَةٌ كالخيزُرانة لَيْنَةٌ تزيد اعوجاجًا حين زادت تَقَوُّما
ومنها:
أَما آنَ أَن تدنو الديارُ بنازح وهل نافعي قوْلي بُعَيْدَ النَّوى أَما
كأَنّ قِسِيَّ البين لم ترَ في الورى لأَغراضها إِلاّ المحبين أَسهما
وقوله في المنثور:
قد أَقبل المنثور يا سيِّدي كالدُّرِّ والياقوت في نَظْمِهِ
ثَناك لا زال كأَنفاسه ومُخُّ من يَشْناك مثل اسمِه
[ ٢ / ٢٦٦ ]
وقوله، ويكتب على سرج:
أَنا سَرْجٌ لمليكٍ حِصنه في الشّام شامَهْ
تحتيَ البرقُ وفوقي من أَياديه غَمامَهْ
كتب اللهُ عليه كلّما سار السلامَهْ
وله في شاعر يدعى الطائي قدم من بغداد:
قد أَصبح الطائِيُّ في جِلَّقٍ بدُبْره أَكرمَ من حاتم
يقول بالأَيْر الذي لم يزل يقوم، والناس مع القائم
النون وله من قصيدة:
يا غصنَ بانٍ تَثَنَّى وهو نَشْوانُ وبدرَ تِمٍّ لِحَظّي منهُ نُقْصانُ
إِلامَ تَصْدَعُ قلبي بالصدود قِلىً وليس يسكنه إِلاّك إنسان
من لي بذي شَنَبٍ يفترُّ عن بَرَدٍ ما إِن يذوب وفي خدّيْه نيران
أَخشى على كتفيْه من ذَوائِبه وكيف لا أَتخشَى وهي ثعبان
وقوله:
يا غُرْبةً جعلتْ فؤادي للأَسى إِلْفًا، وخدّي للمدامع مَوْطِنا
حتى أَلِفتُ حديثَ حادثة النَّوى يَلْقى الشدائدَ سهلةً مَن أَدْمنا
وقوله في الشيب:
وفي الشيب لي واعظٌ لو عقَلت قرعتُ على العمر سِنّي سنينا
تراني وقد عارض العارضَيْن طورًا شمالًا وطورًا يمينا
أُقلّع أَوَّلَ فرسانه ولكنّني أَتخشّى الكمينا
وقوله:
وفي دير مُرّانَ خَمّارةٌ من الروم في يومِ سَعْنينها
سقتْني على وجهها المُشْتهى أَرقَّ وأَعتقَ من دِينها
وقوله من أخرى:
ومُهَفهَفٍ كالرّمح يحمل مثلَه قَتَلَ الورى وسْنانُهُ وسِنانُهُ
فارقته وفرِقت عند وَداعه مِنْ صارمٍ أَجْفانُهُ أَجْفانُه
في ليلةٍ طالت عليَّ كأَنّها عِطفاه أَو صُدْغاه أَو هِجْرانه
حتى بدا فَلَقُ الصّباح كأَنّهُ وجهُ الأَمير وعِرضه وجِفانُهُ
وقوله في غلام كمراني:
وكيف يرانيَ الرُّقبا ءُ من سقمٍ بِجُثْماني
وجسمي مثل ما يحوي كمران الكمراني
وقوله في مدح شمس الدولة صاحب اليمن ﵀:
تأَمَّلْ ولْتكنْ ثَبْتَ الجَنان نساء الحيّ أَم حور الجِنانِ
بَدَوْن كأَنهنَّ بُدور تِمٍّ وَمِسْنَ كأَنهنّ غُصون بان
وكم في الحيّ بَهْكَنةٌ مُبَرْقَعَة المُحَيّا والحصان
ومخضوب القناة من الأَعادي لِعَيْنَيْ كلِّ مخضوب البنان
أَتيْناهُنّ أَضيافًا ولكن شُغلنا بالجفون عن الجِفان
يَقُلْن تَسَلَّ بالصَهْباء عنّا على ضرْب المَثالث والمَثاني
فقلتُ وقد مضى نَوْءُ الثُّرَيا وجاءت بالسُّعود النّيّران
عيونَ السُّحْب كم تبكين وَجْدًا وقد ضحِكَتْ ثُغورُ الأُقْحُوان
وفي ربْع الحبيب لنا ربيعٌ ونَوْرٌ ما حَوَتْهُ النَّيْربان
وما شمسُ الضُّحى في الحُسْن إِلاّ كشمس الدولة المَلكِ الهِجان
وقوله:
كم أُمَشَّى كأَنني ذو طِحال وأُمُنى كأَنني كَمّون
وقوله في ابن نيسان:
كنت أَذُمّ ابنَ مالكٍ فإِذا ذاك سماءٌ عند ابن نيسان
قد قيل ما يَحْمَد المجرِّبُ لِلأَوَّل حتى يجرِّب الثاني
قَطَنْتُ في آمِدٍ أُؤمِّلُهُ وأَيُّ خيرٍ في ظِلِّ قطّان
وقوله في ذم كتاب:
وصَل الكتاب، عدِمت عشرَ أَناملٍ أَلَّفْنَ ما فيه من التضمين
ما كان أَشبهه وقد عاينته بوثيقةٍ حَلّت على مديون
الواو وقوله:
عذلوني في الحبّ، والعَذْل يَغْوي ورمَوْني بالصَّدِّ والصدُّ يَكْوي
واستحلّوا غَزْوي بكلِّ غَزالٍ حلَّ في حُبّه قِتالي وغَزْوي
تركونا ما بين وَجْدٍ وشوقٍ والمطايا ما بين سَوْقٍ وحَدْوِ
[ ٢ / ٢٦٧ ]
يا أُحَيْبابنا بجَيْرون حتى ومتى للغرام نَهوى فنَهوي
أُهْجرونا إِن شئتمو أو صِلُونا قد شربنا من كلِّ مُرٍّ وحُلو
الهاء وقوله:
جَنِّبْ عن الدنيا إِذا جَنَّبَتْ عنك بإِكبارٍ وتنزيهِ
فما ترى فيها فتىً زاهدًا إِن لم تكن قد زهِدَتْ فيهِ
وقوله في أبي الحكم الطبيب:
لنا طبيبٌ شاعرٌ أَشْتَرٌ أَراحنا من شخصه اللهُ
ما عاد، في صُبْحة يوم، فتىً إِلاّ وفي باقيه رثّاهُ
وقوله:
يا بني الأَعراب إِنّ التُّرك قد جارت بنُوها
عَقْرَبوا الأَصْداغ حينًا ولِحَيْني ثَعْبنوها
الياء وقوله في طغريل السياف:
أَيها السيّاف هيا لا تَدَعْ في البيت شَيّا
داوِ قرنًا صرا تُرْسًا للدّبابيس مُهَيّا
كم نصحناك وقلنا إِنتبه ما دُمتَ حيّا
كلُّ نَحْسٍ أَنت فيه من حِراف ابن ثريّا