من أهل حمص يعرف بسعادة، ويكتب على قصائده سعيد بن عبد الله، وكان مملوكًا لبعض الدمشقيين مولدا. شاب ضرير، شبا خاطره طرير، قد توفرت بصيرته وإن ذهب بصره، وأقرحت قريحته وشبت فكره.
لقيته بحمص مرارًا، وسافر إلى مصر في أول مملكة السلطان الملك الناصر، وعاد بوفر وافر، وغنى ظاهر، وحصلت له زيادة على ألف دينار، وهو محظوظ مرزوق من نظم الأشعار.
كتب جالسًا بين يدي الملك الناصر صلاح الدين بدمشق في دار العدل، أنفذ ما يأمر به من الشغل، فحضر سعادة الضرير ووقف ينشد هذه القصيدة في عاشر شعبان سنة إحدى وسبعين:
حَيَّيْتك أَعطافُ القُدود ببانها لمّا انثنتْ تيهًا على كُثْبانها
وبما وقى العُنّابُ من تُفّاحها وبما حماه اللاّذ من رُمّانها
من كلِّ رانيةٍ بمُقلةٍ جُؤْذَرٍ يبدو لنا هاروت من أَجفانها
وافَتْك حاملة الهلال بصَعْدَةٍ جعلت لواحظها مكانَ سنانها
حوريّةٌ تَسقيك جَنَّةُ ثغرها من كوثرٍ أَجْرَتْه فوق جُمانها
نزَلت بوَاديها منازلَ جِلَّقٍ فاستوطنت في الفِيحِ من أَوطانها
فالقصرِ فالشَّرَفَيْنِ فالمرجِ الذي تحدو محاسنه على استحسانها
فجِنان برْزَتها فيا طوبى لمن أَمسى وأصبح ساكنًا بجِنانها
بحدائقٍ نُظِمت حليُّ ثمارِها نظمَ الحليّ على طُلى أَغصانها
فكأَنهنّ عرائس مَجْلُوَّةٌ وكأَنها الأَقراط في آذانها
ومرابع تُهدي إِلى سُكّانها طيبًا إِذا نَفَحت على سكّانها
أرجًا لدى الغَدَوات تحسب أَنه مِسْكٌ إِذا وافاك من أَردانها
فالنَّوْر تيجان على هاماتها والنُّور أَثواب على أَبدانها
والوُرْق قَيْناتٌ على أَوراقها تَفتَنّ بالألحان في أَفنانها
أَحنو إِلى الهَضبات من أَنشازها لا بل إِلى الوَهَدات من غيطانها
وأَحنّ من شوقٍ إِلى مَيْطورها وأَهيم من توْقٍ إِلى لَؤانها
وأَبيتُ من وَلَهٍ وفَرْط صبابةٍ أَبكي على ما فات من أَزمانها
أَيّام كنتُ بها وكانت عيشتي كالرَّوْضة المَيْثاء في إِبّانها
والربوةُ الشماء جنّتيَ التي رضوان منسوب إِلى رضوانها
دارٌ هي الفردَوْس إِلاّ أَنها أَشهى من الفردوس عند عِيانها
ومنها يصف البركة والفوارة:
لنُهود بركتها قدودٌ، رقصها أَبدًا على المزموم من أَلحانها
ومعاطفٌ عَطَفَ النسيمُ قِسِيَّها فَهَوَتْ بنادقها على ثعبانها
دُحِيَتْ كُراتُ مياهها بصوالجٍ جالت فوارسهنّ في مَيْدانها
[ ٢ / ٣١٤ ]
واعتدَّ شاذروانها بعساكرٍ لمعت جواشنها على فرسانها
وتقلَّدت أَجيادُها بقلائدٍ نُثرت نظائمُهنّ فوق جِرانها
وتضاحكت أفواهها بمباسمٍ تُرْوي مَراشفُها صَدى ظمآنها
بمروَّقٍ صاف كأَنَّ زُلاله مُتَدَفِّقٌ من راحتيْ سلطانها
سلطانِها الملك ابن أَيوب الذي كفّاه لا تنفك عن هطلانها
بمواهبٍ لو لم أكن نوحًا لما نُجّيتُ يوم نداه من طُوفانها
سَمْح يروح إلى النّدى براحةٍ قد أَعشب المعروف بين بَنانها
وفتىً إِذا زخَرت بحارُ نواله غرقت بحارُ الأَرض في خُلجانها
غيث يكُرّ من الظُّبى بصواعق ماء الرَّدى يجري على نيرانها
بصوارمٍ أَجفانها قِمم العِدى لا ما كساها القَيْنُ من أَجفانها
فضيّةٍ ذهبية فلُجَيْنها يختال يوم الرَّوع في عِقيانها
محمرّة بدم الفوارس خُضْرها فالوَرْد منثور على رَيْحانها
من كلّ لامعةٍ بليلِ قَتامها كالنّار لامعةٌ بليلِ دُهانها
تلك السيوف المُرْهَقات بكفّه أَمضى على الأَيّام من حدثانها
قُطُبٌ إِذا اقترنت كواكب بيضها بكريهةٍ كانت ردى أَقرانها
مهزوزةٌ للضرب في يد ماجدٍ ضرب أَطاح الروس عن أبدانها
ملك إِذا جُلِيتْ عرائس ملكه رصعت فريدَ العدل في تيجانها
وإِذا جحافله أَثَرْنَ سحائبًا لمعت بُروق النصر في أَحضانها
من كل شهباء الحديد كأَنما الأَمواج مائجة على شجعانها
وكتيبةٍ كم قد كتبن لها الظُّبى كتبًا يلوح العِزُّ من عُنوانها
وإِذا ذوابله هُزِزْن رأَيتها والموت مُشْتَمِلٌ على خِرصانها
من كلّ جاعلةٍ بكلِّ كريهةٍ رأسَ الفتى رأسًا على جُثمانها
سمراء لا يثني حطيمًا صدرّها إِلاّ ومن نَحْرٍ فمٌ للسانها
وإِذا صواهله مَزَعْن حسِبتها ما دقَّ يومَ الرَّوْع من أَرسانها
من كلَ سَلْهَبةٍ أَلحّ بها الطّوى حتى طواها الضُّمْر طيّ عِنانها
جرداء تطّرِح البروق إِذا دَنَتْ وتفوت ما قد فات من لمعانها
خيْلٌ هي العِقبان في طيرانها لا بل هي السِّيدان في عَسَلانها
فالشُّهْب ما حملتْه في أَرماحها والغُلْب ما نقلته في عَدَوانها
كم قُدْتَّهُنَّ أَبا المظفر ظافرًا والأُسْدُ صائلةٌ على عِقْبانها
متواثباتٍ للطِّعان، فلا كبَتْ تلك العِتاق الجُرْد يومَ طِعانها
عثقِدتْ سبائبُهنّ بالهمم التي أَشطانُهُنّ تنوب عن أَشطانِها
هِمَمٌ رَقَتْ بك فارتقيت من العُلى رُتبًا، مكانُ الشمس دونَ مكانها
أَقسمتُ ما هَدَّمْنَ أَركان العِدى إِلاّ بما شَيَّدْتَ من أَركانها
فكواكب الأَفلاك من خُدّامها وعصائب الأَملاك من اَعوانها
فلذاك بَهْرام إِلى بَهْرامها يُعْزى، وكِيوان إِلى كيوانها
فإِذا سَلَلَتْ سَللتَ بيض حِدادها وإِذا هززت هززت سُمْر لِدانها
فافْخر فلو رَوَّعْتَ روميةً بها خَرَّتْ كنائسها على رُهبانها
أَو لو بها صبّحتَ قُسطنطينةً خفّضتَ ما رَفعتْه من صُلبانها
فانهض إِلى فتح السواحل نهضةً قادتْ لك الأعداء بعد حِرانها
واسلم صلاحَ الدّين وابقَ لدولةٍ ذَلّت لدولتها ملوكُ زمانها
خضعتْ لها الشُّجْعان عند صِيالها وَعَنَتْ لها الأَقران عند قِرانها
فَلَكَ ابنَ أَيّوب بن شاذي ملكها الضّافي وللشّاني قذى شَنَآنها
[ ٢ / ٣١٥ ]
ولك الذي قد سرَّ من أَفراحها وله الذي قد ساء من أَحزانها
فاسعدْ بها يا أَيُّها الملكُ الذي دانتْ لديْه على جلالة شانها
واستجْلِ من مِدَحي الحسانِ خريدةً حَسّانُ مفتقرٌ إِلى حُسّانها
وافَتْكَ ترفُل في ثياب بهائها وإِبائها وحيائها وصِيانها
كالكاعب العذراء حين تبخترتْ في دُرّها المنظوم أَو مَرْجانها
وأَتَتْكَ تنشرُ ما طواه حَسُودها من فضلها وسَدادها وبيانها
في دارِ عدلٍ مُذْ طلعتَ بأُفْقِها بدرًا جَلوْتَ الظُّلْم عن سُكّانها
فبقيتَ مُعْتَصِبًا بتاج بهائها في دَسْتِ مجلسها وفي إِيوانها
ما أَصبحت أَيدي الرعيّة تجتني عَفْوًا ثِمار الأَمْن من بستانها
وقام إليه اليوم الذي يليه، وقد جلس السلطان في دار العدل، وقد احتفل الحفل، بحضور أهل الفضل، فأنشده:
لا يُقْعِدَنّك ما حَلُّوا وما عَقَدوا هُمُ الذئاب وأَنت الضَّيْغَمُ الأَسدُ
كم يخطِفون بروقًا ما بها مَطكَرٌ ويقصِفون رُعودًا ما بها بَرَدُ
والقوم قد قعدوا عمّا نهضتَ به من السِّداد، فلا قاموا ولا قعدوا
فلا ثيابُ المعالي فوقَهُم جُدُدُ ولا طريق الأَماني نحوهم جَدَد
إِيّاك تغفُل عنهم مثل ما فعَلوا إِيّاك ترقُد عنهم مثل ما رَقدوا
ماذا الكرى يا صلاح الدين عن أَرِقٍ من قبل سيفك قد أَودى به السَّهَد
ولْهان تَزْفِر نارٌ في جوانحه يَشُبُّها القاتلان: الخوفُ والحَسَدُ
لا يستطيع اهتداءً فهو مرتبكٌ حيران، فيه وفي آرائه أَوَد
مخيَّبُ السَّعْي لا يعتاده ظَفَرٌ مُضَلَّلُ الرأي لا يقْتاده رَشَد
فكيف يَرْقَع خَرْقًا وهو مُتَّسِعٌ أَم كيف يُصْلِح أَمرًا وهو مُنْفَسِد
لمّا رآك وقد أَقبلت تَقْدُمُها أُسدًا عرائنها الإِقدام والعدد
أَلقى السلاح وما فُلّتْ ظُبى قُضُبٌ تَفْري الرؤوس، ولا دُقَّت قَنًا مُلُد
وراح مِنْ بعد ذاك الجمع مُنفردًا وَمَنْ نَحاك بِجَمْعٍ سوف ينفرد
يَطوي الحُزونَ فيَطويه ويَنْشُرُه حُزْنٌ له منه وَجْدٌ فوق ما يَجِدُ
وفي شَباه الذي أَغْمدتَهُ فَلَلٌ وفي حشاه الذي أَقلقته كَمَدُ
وحوله عُزَّلٌ لو أَنهم قصدوا أَضحى القنا وهو في لَبّاتِهم قَصَد
خانوا فخانوا، وما حازوا الذي طلبوا خابوا فآبوا وما نالوا الذي قَصَدوا
لمَّا دَعَوْك أَجبت القوم في لِجَبٍ السيفُ ناصره والواحدُ الصَّمَد
حتى إِذا ما رأَوْا في الدِّرع منك فتىً كأَنه من ثباتٍ في الوغى أُحُد
صَدُّوا وما عَطَفُوا، أَلوَوْا وما وقفوا ولَّوْا وما رجَعوا، ذلّوا وما أَسِدوا
فرّقتهم فِرقًا، فاستسلموا فَرَقًا بِظاهر القَرْن، والأَقرانُ تطّرِد
صدَعْتَ ما شعبوا، قطعتَ ما وصلوا فَلَلْتَ ما شَحَذوا، حللتَ ما عقدوا
حقَنْتَ منهم دِماءً لو تُراقُ جَرَتْ منها مُدودٌ لها من هامِهم مَدَد
عَفَفْت من قتلهم يومَ الوغى فنجَوْا ولو ترى القتلَ رأيًا ما نجا أَحد
فهم عبيدُك إِن لانوا وإن خَشُنوا وإِن أَقرّوا بما أَوليتَ أَو جَحَدوا
وهم أَساءوا فأَحسنتَ الغَداةَ بهم صُنْعًا يُحَدِّث عنه الفارس النَّجِدُ
[ ٢ / ٣١٦ ]
أَوْسعتَ فِرْعونهم لما طغى غَرَقًا بزاخرٍ: لُجَّتاه النَّقْعُ والنَّجَد
حَبابُه البَيْضُ، والبِيضُ الحداد له خُلجٌ، وأَمواجُه لما طَغى الزَّبَدُ
إِذا تلامعَ مَوْجُ السّابغات به على الكُماةِ عَلاه من دَمٍ زَبَدُ
عَرَمْرَمٌ كالدَّبى الطيّار مُنْتَشِرٌ تُحْصى الرِّمال ولا يُحًصى له عدد
إِذا نَهَدْتَ إِلى أَرض العدوِّ به لم يَبْق من مائها غَمْرٌ ولا ثَمَدُ
تسمو عليه سَماءٌ من عَجاجته مبنيَّةٌ من قناه تحتها عُمَدُ
سماءُ نَقْعٍ لشيطان العدوّ بها من الأَسنّة شُهْبٌ كلُّها رَصَد
وفي دياجيه نارٌ من صوارمه تكاد تقطُر ماءً وهي تَتَّقِد
نار تُشَبّ على أَيدي غطارِفةٍ لا يَبْرُق الجوّ إِلاّ كلّما رَعَدوا
شُمّ الموانيف في أَفعالهم رَشَدُ في النائبات وفي أَقوالهم سَدَد
ما جِنّ عبقرَ جِنٌّ كلّما عَزَفوا ما أُسْدُ بِيشَة أُسْدٌ كلّما حَرِدوا
من كلِّ أَرْوَعَ، أَمّا رُمْحُه ثَمِلٌ لا يَسْتَفيق، وأَما سيفه غَرِد
في كلِّ يومِ جِلادٍ لو أَلمّ به عَمرو بن وُدّ عَداه الصَّبْر والجَلَد
شِمْ بالشآم سيوفًا من عزائمهم إِذا غَمَدْتَ المواضي ليس تنغَمِد
ولا تَخَفْ فالعوالي شوْكُها ثَمَرٌ حُلْوُ الجَنا، والمعالي صابُها شُهَدُ
واخْطُب بحدّ المواضي كلَّ شامخةٍ في أَنْفِها شَمَمٌ في جِيدها غَيَدُ
فمن يكن بالمواضي خاِبًا أَبدًا زُفَّت إِليه بلادٌ كُلُّها خُرُد
هل بعد جِلّق إِلاّ أًَنْ ترى حَلَبًا وقد تَحَلَّلَ منها مُشْكِلٌ عَقد
وقد أَتتك كما تختار طائعةً وقد عنا لك منها الحِسن والبلد
أَبا المُظَفَّر كم قد نلتَ من ظَفَرٍ لؤلؤه بلواءِ المُلْك مُنعقِد
وكم هززتَ قُدودًا من رِفاقِ ظُبىً بها رِقابُ الأَعادي في الوَغى قِدَد
وكم شَهِدْتَ جِلادًا فاسْتَلَبْتَ به حُشاشةَ الجَلْد والشُّجعان تَجْتَلِد
بصارمٍ مُرْهَف الحَدَّيْن ذي شُطَبٍ كأَنّها شُعْلةُ البرقِ التي تَقِد
صافي الحديدة لا يعْتاقُه عَذَلٌ عن المَضاء ولا يعتادُه فَنَد
وتحت سَرْجِك ممّا أَنتَ راكبُه رُوحٌ من البرق، من مُزنٍ لها جَسَد
أَمَقُّ أَجْرَدُ صُلْب الصُلْب مُنْدَمِجٌ أَصكّ لا صَكَكٌ فيه ولا جَرَد
مُلَمْلَمُ الرِّدْف مَحْبُوك القَرا مَرِجٌ يَزِينه الثابتان الرُّسْغ والعضد
سَهْل القياد على ما فيه من شَرَسٍ صعبٌ ففيه الرِّضى المحبوب والحَرَد
وفي الصَّفاة وفي أَردافه زَلَقٌ وفي القناة وفي أَعطافه رَوَد
ترمي به الأَملَ الأَقصى فتدركه حتى كأَنّك فوق الريح مُقْتَعِد
وكيف لا تدرك الآمال يا أَسدًا له الرِّماح عَرينٌ والظُّبا لَبَد
يا ابن الذين إِذا ما استُمْنِحوا مَنَحوا وابنَ الذين إِذا ما استُرْفِدوا رَفَدوا
هذي صفاتُك إِلاّ أَنها دُرَرٌ غُرٌّ فمنتثرٌ منها ومُنْتَضِد
[ ٢ / ٣١٧ ]
مواهبٌ هُنّ في ثغر النَّدى شَنَبٌ مناقبٌ هنّ في جيد العُلى جَيَد
رغائب لك لا تفنى غرائبُها فعند كلِّ يدٍ من بيضهن يَد
فللمُحاسِن منها نافِخ صَرِدُ وللمُخاشن منها لافِحٌ وَمِد
فاسلم وجيشُك لا يُنْنى له عَلَمٌ واسعد وبيتُك لا تهوي له عُمَدُ
بحيثُ من مُخْطَفٍ لَدْنٍ له طُنُبٌ وحيث من مُرْهَفٍ عَضْبٍ له وَتَد
وحيث شأنُك سامٍ ما له صَبَبٌ وحيث شانيك هاوٍ ما له صُعُد
ثم لقيت سعادة الضرير فاستنشدته الكلمة الطائية التي مدح بها الملك الناصر بمصر، لما وفد إليه بها في مبدإ الأمر، وقد حبي بالنصر، فأعطاه ألف دينار من التبر. وأملى من حفظه:
وقفتُ وأَنضاءُ المَطِيّ ضُحىً تُمْطُو وُقوفَ جَوٍ أَنْحى على قُرْبِه الشَّمْطُ
على دارساتٍ من رُسومٍ كأَنّها صحائف كُتْبٍ لا يَبينُ لها خَطُّ
معالم دارٍ بل معاهد عَرْصةٍ بها للقَطا من بعدِ ساكِنها لَغْط
فلو لَقَطَتْ يومًا عقيقَ مدامعي بدِمْنَتِها ظمياءُ أَمْلَلَها اللَّقْط
ولو سفَح الكِنديُّ بالسِقْط مثلَ ما سَفَحْتُ بها أَثنى على دَمعه السِقْطُ
خليليّ هلْ مِنْ حاملٍ لي تحيّةً إِلى قمرٍ نجمُ الثريّا له قُرْط
نَشَدْتُكما بالشام عُوجا فسَلِّما على ظَبَياتٍ أُسْدُ أَلحاظها تَسْطو
على المائسات اللاءِ رَنَّحها الصِّبا على الآنسات اللاءِ نَفَّرَها الوَخْط
وقولا لِمَنْ يَعْطو إِليها صَبابةً فتنفِرُ عنّا كالمَهاةِ ولا تَعْطو
أَشَرْطُك يا ظمياء أَن لا تهاجرٌ مُقيمٌ لِمَنْ يَهْواك أَم عُدِم الشَّرْط
بنفسي وأَهلي أَنتِ مِنْ بابليّةٍ لها وإِليها الحَلُّ، في السِّحْر، والرَّبْط
وبي دُمْيَةٌ مِنْ دونها تُحْطَمُ القنا ويجري على أَعطافهنّ دمٌ عَبْط
مُخَفَّفَةُ العِطْفين مَهْضُومة الحَشا مُثَقَّلَةُ الرِّدْفَيْن يوهِنُها المِرْط
أَتَتْ بين حِقْفِ مائج وأَراكةٍ مُنَعَّمَةٍ أَوراقها الشَّعَرُ السَّبْ
فنصّت على الكافور منها سوالفًا على الجُلَّنار الغضّ من مِسْكها نَقْط
وعَنّتْ بِعُنّابٍ تَنوء بحمْله أَنابيبُ دُرٍّ زانها الخَلْقُ لا الخَرْطُ
ونار شفاهٍ حَوْلَ جَنَّةِ مَبْسِمٍ مَزاجاهما شَهْدٌ جَنِيٌّ وإِسْفَنْط
فلا، ولمّاها العذبِ، لا كنتُ ناقضًا عهودَ هواها لا ولا ساليًا قطّ
وكيف وعندي من هواها صَبابةٌ تكاد بها مني الجوانح تنقطُّ
ووَجْدٌ كوَجْد الناصر المَلْك بالعُلى وبالشَّرف السامي الذي ما له هَبْط
فتىً مُهْتَدي الآراء في كلِّ حادثٍ مُضِلٌّ لآراءِ الملوك بها خَبْط
له هَيْبَةُ الليث الذي ما به ونىً وأُكْرومةُ الغَيْثِ التي ما لها غَمْط
وما كُتْبُه، مُذْ كان، إِلاّ كتائبٌ حُروفُ ظُباها في الطُّلى ما لها كَشْطُ
وليس له، ما عاش، إِلاّ من القَنا قَنا الخطِّ، أٌَلامٌ إِذا ذُكِرَ الخَطّ
يَخُطُّ بها ما شاء من صُحُف الظُّلى فطورًا لها شَكْلٌ وطَوْرًا لها نَقْط
أَنابيب تجري كالأَنابيب من دَمٍ إِذا بَرْيُها في الرَّوْع أَتْبَعَهُ القَطّ
أَفاعي رِماحٍ أُضْرِيَتْ في عُداتِه فليس لها من غير أَرواحهم نَشْط
[ ٢ / ٣١٨ ]
يُجيدُ بهنّ الطعنَ ضَرْبٌ بضربه غداةَ الوغى ينقدّ هامٌ وينعطّ
فتىً من بني أَيّوب إِن همَّ أَوْ همى فما الغيثُ إِذ يحبو وما الليث إِذ يسطو
وما يُوسُفٌ في الملك إِلاّ كيوسُفٍ ولكن له من غير إِخوته رَهْط
ملوكٌ حُجورُ الأَرْيحيّات مذ نَشَوْا مُهودُهم، والمَكْرماتُ لهم قِمْطُ
شبابٌ وشيبٌ مذ تسامَوْا ومذ عَلَوْا على صَهَواتِ السَّبْعَة الشُّهْبِ ما حَطّوا
شبابٌ وشيبٌ مذ تسامَوْا ومذ عَلَوْا على صَهَواتِ السَّبْعَة الشُّهْبِ ما حَطّوا
ومذ أنبضوا رَمْيًا بنَبْلِ ذكائهم أَصابوا المعاني المُبْهَماتِ ولم يُخْطوا
شآبيبُ في سِلْمٍ، محاريب في وغىً يطير لِقَدْح المُرهَفات بها سِقط
ومنها يصف غارته على غزة، وعوده من تلك الغزوة بالعزة:
فتىً مُذْ غزا بالخيل والرَّجْل غَزَّةً نأى عن نواحيها الرِّضا ودنا السُّخْط
رماها بأُسْدٍ ما لهنّ مَرابِضٌ ولا أُجُمٌ إِلا ّالذي يُنْبِت الخَطّ
وعاث ضواحيها ضُحىً بكتائبٍ من التُّرك، لا رزمٌ طَغامٌ ولا قِبْط
رماهم بأَمثال السَّراحين شُزَّبًا عليها أُسودٌ بل أَساوِدَةٌ رُقْط
وطاحت على تلك الرمال جُسومُهم ففي كل سَقْطٍ من جماجمهم سُقْط
ومنها:
أَلا أَيُّها الصّدّيق يوسُف مَسَّنا من الضُّرِّ ما لا نستطيع به نخطو
فأَوْفِ لنا كَيْل النَّدى متصدِّقًا فإنّ جزاء المحسنين هو الشَّرْط
فأنشد، ليلة أخرى بدمشق وأنا حاضر، فيه هذه القصيدة. منها:
في أَعين البِيض والأَسَلِ صِيدَ الرِّجال بأَشراكٍ من الحِيَل
فالأَعينُ النُّجْل داءٌ لا دواءَ له فكن عليمًا بداء الأَعيُنِ النُّجُل
ومنها:
بواضحات الثّنايا ما ثَنَيْنَ فتىً على الثنيّة إِلاّ وهو غير خلي
أَقْبلْن يضحكن عن بيضٍ لآلِئُها أَصدافهنّ شِفاهٌ حُلوةُ القُبَل
من كلِّ هيفاء في أَوراقِ حُلَّتِها غصن من القدِّ في دِعْصٍ من الكَفَل
كالخيزُرانة وافتْ وهي حاملةٌ روضًا من الحسن في روضٍ من الحُلَل
فما ترى سَوْسَنًا يُصْبيك من طُرَرٍ حتى ترى نَرْجِسًا يُضْنيك من مُقَل
فإن ضممتَ ضممتَ البان من هَيَفٍ وإِن لَثِمتَ لثمت الورد من خجل
وإِن شربتَ شربت الرّاح من شَنَبٍ يجري على واضحٍ عَذْب اللَّمى رَتِل
وَرُبَّ باديةٍ من بيت باديةٍ في ريقها عَلَقٌ يَشْفي من العِلَل
وخَمْرَةٍ عندنا منها خُمارُ هوىً وعندها حين تمشي نَشوة الثَّمِل
صهباء ممزوجة بالمسك أو بشذى ذكر ابن شاذِي صلاح الدين والدُّوَلِ
القائدِ الخيلَ تهوي في أَعنّتها مثلَ الأَجادل، والأَبطالُ في جدل
والليلُ من رَهَجٍ والصبح من قُضُبٍ والبحر من مُهَجٍ والبرّ من قُلَل
والأَرضُ من نَزَوات اللَّمْ في شُعَلِ والجوّ من هَفَواتِ النَّقْعِ في طَفَل
والبيضُ من عَلَق الأَقران في حُلَلٍ حُمْرٍ، ومن قُمَم الشُّجْعان في خِلَل
والشمسُ، شمس الضحى، في النَّقْع آفلةٌ وشمسُ هِمَّتِه الغرّاء لم تَفِل
كالغيث والليث، هذا منه في خَجَلِ عند العطاء، وهذا منه في وَجَل
يلقى القنا وهو أمضى من عواملها في القول والفعل والآراء والعمل
ويَنْثَني ولها في كفّه قَصَدٌ يُثْني عليه ثناءً غير مُنفصِل
[ ٢ / ٣١٩ ]
تُثْني على مَلِكٍ أَعطى أَسنّتَها من الفوارس أَقصى السُؤْل والأَمل
مُعَذَّلٌ في النَّدى صَبٌّ به أَبدًا وكيف يُعْذَل صَبٌّ غير مُعْتَذِل
أَغرُّ يَعْذُبُ صابُ الحادثات له فصابُها عنده أَحلى من العسل
جَذْلان، أَبهج في الظَّلْماءِ من قمرٍ يقظان، أَثبت في الهيجاء من زُحَل
صعب العريكة، سَهْل الرّاحتين، له رأيٌ حصيفٌ قويمٌ غيرُ ذي مَيَل
رأيٌ شديد القِوى، ما فيه من خَوَرٍ لا بل سدي النُّهى ما فيه من خَلل
ورايةٌ ما هَفَتْ يومًا ذوائبها إِلاّ على قدّ عَسّالٍ من الذُّبُلِ
صفراءُ، خافقةٌ بالنّصر، حائزةٌ بالحَوْل ما لم يَحُزْه الغير بالحِيَل
منشورة ليس يُطوى عزمُ ناشرها حتى ينالَ مكانًا قطّ لم يُنَل
وصارمٌ مُرْهَفٌ خَفَّتْ مضاربُه فليس يَسْبق إِلاّ سُرعةَ الأَجل
سيفٌ ليُوسفَ ما قُدَّت حديدتُه إِلاّ من الظَّفَر المقرون بالجَدَل
محمرّةٌ بالدَّم المسفوح خُضرته فآسُها نابتٌ في وَرْدِه الخَضِل
كأَنّه وهو في يُمْناه مُنْصَلِتٌ برقٌ جلا عارضًا في عارضٍ هَطِل
وذابِلٌ عَطْفُه يهتزّ من طَرَبٍ إِلى الطِّعان ولا يهتزُّ من خَطَل
صُلبُ المَكاسِر، لَيْن المَتْنِ، فارسُه له من الجيش ما يَهْوى من النَّفَل
بلَهْذَمٍ من نجوم القذف، طاعنُه يكاد يُنْفِذُه من صَفحة الجبل
يزداد من طَوْله طُولًا براحته إِذا طِوال الرُّدَيْنِيّات لم تَطُل
وسابحٌ لو يُجاري الريحَ عاصفةً لقُيِّدَت خطوات الرّيح بالفشل
سهلُ القياد فما يُعزى إِلى شَغَبٍ جَمُّ النَّشاط فما يُدْعى إِلى كسل
ثَبْتُ الشَّوى والقَرا، والرِّدف مجتمعٌ مُلَمْلَمٌ مُشمخرُّ المَنْكِبَيْن عَلي
إِذا تَأَمَّلْتَ أَعلاه وأَسفلَه رأَيت حُسْنًا مقيمًا غير مُرْتَحِل
صافي الأَديم صقيل، لونُ كُمْيَتِه من الكُمَيْت فلم يَنْقص ولم يَحِل
بادي الحُجُول تُريك النجمَ غُرَّتُه بواضحٍ كصِقال المشرفيّ جَلي
إِذا دنى وَجَرى من تحتِ راكبه نال المُنى بين ذاك الرَّيْثِ والعَجَل
نجمٌ يمرّ ببدرٍ في دُجى قَتَمٍ صقرٌ يكُرّ بليثٍ في شَرى أَسَل
بماجدٍ من بني أَيّوبَ طينَتُه من طينة الجود لا من طينة البَخَل
بواحدٍ حَوْلَه في كلّ نائبةٍ من العزائم جيشٌ غيرُ مُنْخَذِل
ومنها:
يا أَيّها البطلُ المعروف بالكرم الموصوف، والرّجل المُوفي على الرَّجل
يا أَيُّها النّاصِرُ المَلْك الذي قَهَرَتْ بسيفه مِلَّةُ الإِسلامِ للمِلَل
ومنها:
فلا بَرِحْتَ لدُنْيا أضنتَ مالكُها شمسًا مدى الدهر لا تنأَى عن الحَمَل
وأنشدني لنفسه قصيدة فيه، منها في صفة الجيش والخيل:
جيشٌ تَجيش على مِثْل الصُّقورِ به أُسْدٌ بارثِنُها من كلّ ذي شُطَبِ
في صفة الخيل:
من كلِّ مُنْجَرِد الخدَّيْن تحسبه رُوحًا من البرق في جسمٍ من السُّحبِ
وأنشدني لنفسه في الشمعة:
وقائمةٍ لا تَمَلُّ القيام على بِرْكةٍ من لُجَينٍ بديعِ
إِذا ابتسمتْ بين جُلاّسها حَباها التَّبَسُّمُ فَيْض الدموعِ
وأنشدني لنفسه أيضًا في الشمعة:
وشادنٍ نادمتُه تحت رُواق الغَيْهَبِ
بدرُ دُجىً مُقترِنٌ من كأسه بكوكب
[ ٢ / ٣٢٠ ]
يطعن أَحشاء الدُّجى عند الرِّضا والغضب
بصَعْدَةٍ من فضّةٍ لَهْذَمُها من ذهب
وأنشدني لنفسه في النار:
يا حُسْنَ نارٍ أَتَتْنا في حِنْدِس الظَّلْماءِ
وافتْ إِلينا تَهادى في حُلَّةٍ حمراءِ
حتى إِذا ما توارت عن ذلك الإِيراء
أَبدتْ قُراضةَ تِبْرٍ في خِرْقَةٍ دَكْناءِ
وأنشدني لنفسه في كانون النار:
وجاثمٍ بيننا على الرُّكبِ لا يتشكَّى الغَدَاةَ من تَعَبِ
مُسَلْسَلٌيَعْذُبُ العَذابُ له فهو كقلبِ المُتَيَّم الوَصِبِ
بينما أن تراه في سَبَحٍ يختال، حتى تراه في ذهب
وأنشدني لنفسه في قصيدة أولها:
كم بين شَدّي بأَشْطان النَّوى عِيري وبين شُربي على شَدْوِ النَّواعيرِ
ما بين مُنْتَسِجٍ ضافٍ ومُطَّرِدٍ صافٍ كمِثْل الصَقيلات المباتير
ومنها:
ونَرْجِسٍ أَدمعُ الأَنداء حائرةٌ منه على عَسجَدٍ في وَسْط كافور
ومنها في صفة الورد، وقال هذا معنى ما سبقت إليه:
والوردُ ما بين أَغصانٍ تُحارِبنا عند القِطاف بأَظفار السَّنانير
ومنها:
قُمْ للصَّبوح فقد لاح الصَّباح لنا وبَشَّر الدّيكُ عنه بالتباشير
وقامَ مُرْتَقِصًا ما فوق مِنْبَرِهِ مُصَفِّقًا بين تهليلٍ وتكبيرِ
يقول هُبُّوا إِلى الّلذات وابتدِروا فقد صفا عَيْشُكم من كلِّ تكدير
إِيّاكمُ أَن تَعُقُّوا بنتَ خابيةٍ كانت وِلادتها من عهد سابور
كأَنّها ونَميرُ الماء يُرْهِقُها نارٌ تَسَرْبَلُ سِرْبالًا من النُّور
كأَنّها، وَيَدُ الساقي تكُرّ بها ياقوتةٌ رقصت في ثوب بَلُّور
وأنشد الملك الناصر أيضًا قصيدة منها:
جِبالُ عُلًا تُطاوِلُها هِضابُ وأُسْدُ وغىً تُواثِبها ذئاب
وكيف تساجِل الصُّبْحَ الدّياجي وكيف يُماثِلُ البازَ الغراب
سيُخْمِدُ نارَ هذا الخطب مَلْكٌ لنيرانِ الحروب به التهاب
فتىً للمُعْتَدين به عِقابُ كما للمُجْتَدين به ثواب
فتىً دانتْ لِعِزَّتِه الليالي وذَلَّت تحت أَخْمَصِه الصِّعاب
ومنها:
سيَرتُق فَتْقَ هذا المُلْك منه قواضبُ، للرؤوس بها انقضابُ
ويمرِعُ بالبَوار جَنابُ قومٍ لهم عن نُصْرة الدين اجتنابُ
فلا تقبل لهم، ما عِشْتَ، عُذرًا وإِنْ خضعوا لَدَيْكَ وإِن أَنابوا
همُ حَشضدوا عليك بكلّ وادٍ عصائبَ، بالضَّلال لها اعتصاب
وجيشًا مُذْ دعاك على اغترارٍ صلاحَ الدين، عاجَلَه الجواب
بأَرعنَ مثلِ رُعْن الطَّوْد مَجْرٍ تَضيق به من الأَرض الرِّحاب
خميس سوف ترضى البيض عنه إِذا زأَرت ضراغِمُه الغِضاب
تكُرّ على الصُّقور به أُسودٌ عليها للقَنا الخَطِّيِّ غاب
كأَنّ مُثار قَسطَلِه عليهم إِذا طلَعت شُموسُهم ضَباب
فلمّا أَقدموا للطعن وَلَّوْا ولمّا أَيقنوا بالنُّجْح خابوا
ظفِرتَ أَبا المظفّر بالأَعادي وفُلِّلَ منهمُ ظُفْرٌ وناب
وكانوا كالحديد، فحين أُصْلُوا صلاحَ الدين، نارَ سطاك ذابوا
أَصابوا بالهزيمة حين وَلَّوْا ولو وقفوا الغداةَ لما أَصابوا
غداةَ هزمتَهم فلَوَوْا وقالوا: غنيمتُنا السَّلامةُ والإِياب
ومنها:
وما ضَحِكتْ ثُغور الشام إِلاّ وفيها من مَحاسِنكم رُضاب
فأَوجُهُكم كواكبُها الدّراري وأَيديكم مشارِبُها العِذاب
[ ٢ / ٣٢١ ]
عَصَمْتُم بالعَواصِم كلَّ ثَغْرٍ بِذَبٍّ لا يُفَلّ له ذُبابُ
أَطَرتم عنه عاديةَ الأَعادي كما طارتْ من الرّيح الذُّباب
وَصَلْتُمْ فالعذاب بكم نعيمٌ وصُلْتُم فالنَّعيم بكم عذاب
سيشكُر صُنْعَك عنه رِجالٌ فهم فيكم دعاءٌ مُستجاب
وأنشده في تلك الأيام قصيدة أخرى موسومة، أولها:
أَلا حبّذا وصْلُ الحبيب الذي شفا مُحِبًّا من الداء الدّويّ على شَفا
ومنها:
ويا حَبّذا صِرْفٌ من الرّاح قَرْقَفٌ صَرَفْتُ بها عني الأَسى فَتَصَرَّفا
عفا الله عنها من كريمةِ كَرْمَةٍ بها منزل الأَحزان والهمّ قد عفا
يطوف بها ساقٍ رشيقٌ مُهَفْهَفٌ تكامَلَ فيه الحسن لما تَهَفْهَفا
غزالُ نَقًا، لمّا براه إِلهُه بَرى جسمَ ماءٍ فيه قلبٌ من الصَّفا
من الغيد أَجْزيه عن الغَدْرِ بالوفا صفاءً، فَيَجْزيني عن الوَصْل بالجَفا
ومن عجبٍ أَن لا يزيد تَعَطُّفًا ومن شِيَمِ الأَغصان أَن تتعطفا
فواشَقوتي إِن لم يكن ليَ مُسْعَدًا وواضَيْعَتي إِن لم يكن لي مُسْعِفا
وقائلةٍ ماذا الكَلال عن السُّرى وعزمُك عَضْبٌ كلّما هُزَّ أُرْهِفا
وقد أضجزلت كفُّ ابن أَيذوب للوَرى عَطاءَ إِذا ما أَشفق السَّمْحُ أَسرفا
فقلتُ لها: إِني كيعقوب أَكمَهٌ فقالتْ: لك البُشْرى إِذا زُرْتَ يُوسُفا
إِلى ملكٍ إِن جاد زاد، وإِنْ سطا أَبادَ، وإِن أَعطى أَفاد وأَتْحفا
ومنها في صفة السيف والقلم:
إِلى مَن له باعٌ طويلٌ، وصارمٌ صقيلٌ، إِذا ما أَنصفَ الهامَ نَصَّفا
وأَرقشُ من صُمِّ اليراع مُثَقَّفٌ إِذا هزّه فاق الوَشيجَ المُثَقَّفا
فهذا من الأَعناق يكشِط أَحرفًا وهذا من الأَرزاق يَسْطُر أَحرفا
فذاك الذي يُجري نَجيعًا مُضَرَّجًا وذاك الذي يُسْدي صنيعًا مُفَوَّقا
ومنها:
كريمٌ إِذا ما جاءه معدِمٌ حبا حَليمٌ إِذا ما جاءه مُجْرِمٌ عَفا
ومنها:
أَيا مَنْ يخاف الشِّرْكُ عَزْمتَه التي بها أَمِنَ التوحيدُ لمّا تَخَوّفا
ويا من إِذا ما ضَلَّ عن سنَن الهُدى سِواه، قضى بالعدل فينا وأَنصفا
أَثِرْها نِحافًا كالسَّراحين سُزّبًا وَقُدْها خِفافًا كالشّواهين شُرَّفا
عليهنّ من راياتك الصُّفْر رايةٌ إِذا زحفت لم تُبْقِ في الأَرضِ مَزْحَفا
وغابُ قنًا سُمْرٍ إِذا طَعَنَتْ به أسودُ بني شاذي الحُماة تَرَعَّفا
وكُنْ قائدًا أَعلام جيشٍ عرموم كأَعلام رَضْوى كلّما سار مُوجِفا
لهُامٍ إِذا ما رفرف النَّقْعُ فوقه رأَيت له فوق السِّماكَيْن رَفْرَفا
فما إِن ترى صُبْحًا من اللَّمْعِ فوقه إِلى أَن ترى ليلًا من النَّقْع مُسْدِفا
بكلِّ صقيلٍ يقطُر الدمَ حَدُّه كأَنّ على مَتْنَيْه حمراءَ قَرْقَفا
شَققتَ به لمّا تبسّم ثغرُه عيونَ جِراحٍ في الجماجم ذُرَّفا
ستُنْصَر نصرَ المُصْطفى يوم بدرِه وما يَنْصُر الرَّحْمنُ إِلاّ مَنِ اصطفى
ولسعادة الضرير الحمصي من قصيدةٍ أنشدها للملك الناصر بحماة في ثامن صفر سنة اثنتين وسبعين أولها:
يا وابلَ المُزْنِ إِن حَيَّيْتَ حُيِّيتا عنّا العِراق وإِن رَوَّيْت رُوِّيتا
ومنها:
للهِ كم من فتاةٍ في مَرابعها تَهْدي إِلى كَبِد العُشّاق تَفْتيتا
ومِنْ مَهاةٍ مَهاةُ الرَّمْل تُشْبِهها عَيْنًا وتشببهًا أُمُّ الطَّلى لِيتا
[ ٢ / ٣٢٢ ]
بيضاء تُسْبِلُ سُودًا من ذوائبها ما زال منهنّ ذَوْب المِسك مَفْتوتا
وتنِفُث السِّحرَ من أَجفان فاتنةٍ تُعَلِّمُ السّحرَ هاروتًا وماروتا
ومنها في صفة السيف:
كم زُرْتُها والقنا من دونها أُزُرٌ فما نَكِلْتُ ولكن زِدْت تَثْبيتا
ولي خليليٌ خَلِيٌّ أَستعينُ به عَضْبٌ به الماذِيُّ مَبْتوتا
يرعى نبات الطُّلى في كل مُعْتَرَكٍ وليس ترعى المنايا فيه تَنْبيتا
أَجرى الفِرَنْدُ على صَفْحَيْه جَدْوَلَه وصافح الحتفُ حتفًا فيه مَسْؤُوتا
وأَشبه الذَرَّ ذَرٌّ فيه مكتَمِنٌ لا يرتضي غير أَرواح العِدى قُوتا
أَجاده بسَرَنْديب وأَخْلَصه قَيْنٌ فجاء صقيل المَتْن إِصْليتا
يَظَلُّ يُرْعِدُ لا من خِيفةٍ فإِذا سَقْيتَه من دمٍ غَنّاك ما شِيتا
ومنها:
ورُبّ ليلٍ جعلنا في دُجُنَّتِه كأْسَ المُدامِ إِلى اللذات خِرِّيتا
كأْسًا تُجَمِّعُ أَشتاتَ السرورِ لنا كما تُشتِّت شملَ الهمِّ تَشْتيتا
فَسَقِّنيها بلا رَيْثٍ ولا مَهَلٍ ولا ازورارٍ إذا زُرْت الحوانيتا
واضرِم بنار السواقي نار ساقيةٍ لم نَكْرَ عَن شربها ليلًا بتكريتا
وغَنِّني ومغاني اللهو آهلةٌ هاتِ الحديثَ عن الزَّوْراء أَوهِيتا
وعَنْ سميّ ابن يعقوبَ الذي حِجَجي إِلى أَياديه لا يَلْزَمْن توقيتا
الناصرِ العادلِ المَلْكِ الذي بشَبا إِنصافه عاد عُود الظلم مَنْحوتا
والطاعِن الغرّ آلافا مَصاليتا والواهب الْحُمر آلافًا يواقيتا
حماة