الأجل أبو الغنائم حبشي بن محمد الملقب بشرف الدين من الحلة.
كان أجل الكتاب قدرًا، وإذا عدوا نجومًا عد بدرًا.
سمعت أبا البدر الكاتب الواسطي، وكان معي في عمل الوزير كاتبًا: أن حبشيًا كان ناظر واسط، غير ناظر فيها إلى قاسط. قال: وهو أكتب من رأيته، وأملأ ضرعٍ في الكرم مريته. وخدمته ب واسط مدة، وصادفت ظلاله بالنعم ممتدة. وما رأيت أحدًا أوضح بهجةً، وأفصح لهجة، وأكثر منه بشرًا للقاء العافي، وأرشد الناس إلى طريق المعروف الخافي. كهف الخائف، ولهف العائف.
وسمعت مجد العرب العامري يترحم عليه، وإذا جرى ذكره تحدر دمع عينيه، ويقول: ما رأيت في الدنيا أجود منه يدًا، وأعم منه ندىً، وأحسن منه رأيًا، وأشمل منه عطايا، وأشعر منه بالشعر، وأعرف منه بالقيمة لأهله والسعر.
وله ديوان، كأنه بستان.
وزر لصاحب ماردين: تمرتاش، ومهد له ملكه تمهيد الفراش.
ثم وزر في الشام ل زنكي، وصار يشبه ملكه الجنة ويحكي، إلى أن أدركته على الملا حدة الملاحدة وفتكت به، ومضى لسبيله شهيدًا إلى منقلبه.
وقال: حلي بتمائمه في الحلة، سامي المنزل والمحلة. وكان أبوه وزير صدقة ملك العرب، وربي حبشي في دولته وفاز منها بكمال الأدب.
أنشدني العامري، قال: أنشدني حبشي الوزير لنفسه رباعيه:
عيناي أباحتا لعينيك دمي حتى قدِمتْ على الرَّدَى بي قَدَمي
بالشُّكر كما قيل دوامُ النِّعَمِأعطاك غنى حسنك، فارحَمْ عَدَمي
وأنشدني له:
هجرتكمُ إِن كنت أضمرت هجركمْ وسافرت عنكمْ إِن رجَعت إلى السَّفَرْ
وإن خطَرت بالنَّفس صحبةُ غيرِكم فلا بَرِحَتْ محمولةً بي على الخطَرْ
وأنشدني لنفسه:
أطعتُ العلى في هجر ليلى، وإِنّني لأَضُمِرُ منها مثلَ ما يُضمر الزَّنْدُ
قريبةُ عهد، لم يكن من رجالها سِوايَ من العشّاق قبلٌ ولا بعدُ
رأيتُ فراق النَّفْس أهونَ لوعةً عليَّ من الفعل الَّذي يكرَهُ المجدُ
وله أيضًا رباعية:
الرَّوضُ غدا نسيمه وَهْوَ عليلْ والوُرْقُ شفَتْ بنطقها كلَّ غَليلْ
قم فاغتنم الفُرصة، فالمكث قليلْ ما أغبَنَ من يسلب عنه التَّحصيل
[ ٩٥ ]
وأنشدني الشريف قطب الدين، محمد، بن الأقساسي، الكوفي ب بغداد، في ربيع الآخر سنة تسع وخمسين وخمس مئة، قال: أنشدني المهذب، أبو القاسم، علي، بن محمد ب الموصل، في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمس مئة، ل حبشي، بن أبي طالب، ابن حبشي:
ما لي على صَرْف الزَّما نِ ورَيْبِه، يا صاحِ، أمرُ
لو كان ذلك، لم يَبِتْ خلفَ الثَّرى والتُّرْبِ حصرُ
واغتاله مع ذلك ال قَدّ الرَّشيقِ الغَضِّ عُمرُ
لكنَّ ليلَ صبَابتي مُذْ بانَ لا يتلوه فجرُ
ابن العودي النيلي أبو المعالي، سالم، بن علي، بن سلمان، بن علي، بن العودي، التغلبي.
شاب شبت له نار الذكاء، وكأنما شاب لنظمه صرف الصهباء، بصافي الماء، ونثر فيه شؤبوب الفصاحة، يسقي من ينشد شعره راح الراحة.
وردت واسطًا سنة خمسين وخمس مئة، فذكر لي أنه كان بها للاسترفاد، وقام في بعض الأيام ينشد خادم الخليفة فاتنًا فسبقه غيره إلى الإنشاد، فقعد ولم يعد إليه، وسلم على رفده وعليه، وصمم عزم الرحيل، إلى وطنه ب النيل.
ولقيته بعد ذلك سنة أربع وخمسين ب الهمامية.
أنشدني القاضي عبد المنعم، بن مقبل، الواسطي له:
هُمُ أقعدوني في الهوى وأقاموا وأبلوا جُفوني بالسُّهاد وناموا
وهُمْ تركوني للعتاب دَرِيئةً أُؤَنَّبُ في حُبِّيهِمُ وأُلامُ
ولو أنصفوا في قسمة الحبّ بينَنا لَهامُوا، كما بي صَبْوَةٌ وهُيامُ
ولكنَّهمْ لمّا استدرّ لنا الهوى، كُرمْتُ بحفظي للوداد، ولاموا
ولمّا تنادَوْا للرَّحيل، وقوِّضت لِبَنْهِمِ ب الأَبْرَقَيْنِ خِيامُ،
رَميت بطَرْفي نحوَهم متأمِّلًا وفي القلب منّي لوعةٌ وضِرامُ
وعُدت وبي ممّا أُجِنُّ صَبابةٌ لها بينَ أَثناءِ الضُّلوع كِلامُ
إذا هاج بي وَجْدٌ وشوق، كأنَّما نضمَّن أعشارَ الفؤاد سهامُ
ولائمةٍ في الحبّ، قلت لها: اقْصِري فمثليَ لا يُسلي هواه ملامُ
أأسلو الهوى بعدَ المشيِب، ولم يزل يصاحبني مُذْ كنت وَهْوَ غُلام؟
ولمّا جزَعنا الرَّملَ، رملَ عُنَيْزَةٍ وناحت بأعلى الدَّوْحتين حَمامُ،
صبوتَ اشتياقًا، ثمَّ قلت لصاحبي: ألا إِنّما نَوحُ الحَمام حِمامُ
تجهَّزْ لبَيْنٍ، أو تَسَلَّ عن الهوى، فما لَكَ من ليلى الغَداةَ لمِامُ
وكيف تُرَجّي النَّيْلَ عندَ بخيلةٍ تُرام الثُّرَيّا، وَهْيَ ليس تُرامُ
مُهَفْهَفَةُ الأعطافِ: أَمّا جَبينُها فصبحٌ، وأَمّا فَرعُها فظلامُ
فيا ليت لي منها بلوغًا إلى المُنَى حلالًا، فإنْ لم يُقْضَ لي فحرامُ
وأنشدني الشريف قطب الدين، أبو يعلى، محمد، بن علي، ابن حمزة ب بغداد، في ربيع الآخر سنة تسع وخمسين وخمس مئة، قال: أنشدني الربيب الأقساسي، أبو المعالي، بن العودي لنفسه، ب الكوفة، في منزلي، مستهل صفر سنة خمسين وخمس مئة:
ما حبَست الكتابَ عنك لهجر لا، ولا كان عبدُكم ذا تَجافِ
غيرَ أَنَّ الزَّمانَ يُحْدث للمَرْ ءِ أمورًا، تُنْسيه كلَّ مُصافِ
شِيَمٌ، مَرَّتِ الليالي عليها، والليالي قليلةُ الإِنصافِ
قال: وأنشدني أيضًا لنفسه في التغزل بامرأة:
أبى القلب إِلا أمَّ فضلٍ وإن غدت تعدّ من النّصف الأخير لدِاتُها
لقد زادها عندي المشيبُ مَلاحةً وإن رغم الواشي وساء عُداتها
فإن غيَّرت منها الليالي، ففي الحشا لها حَرَق، ما تنطقي زَفَراتها
فما نال الدَّهر حتّى تكاملت كمالًا، وأعيا الواصفين صفاتها
سَبَتْني بفَرْع فاحم، وبمُقْلَة لها لَحَظات. . ما تُفَكُّ عُناتُها
[ ٩٦ ]
وثغرٍ. . زهت فيه ثَنايا، كأنّها حصى بَرَدٍ، يَشْفي الصَّدَى رَشَفاتُها.
ولمّا التقينا بَعْدَ بُعْدٍ من النَّوَى وقد حانَ منّي للسَّلام الْتفاتُها،
رأيت عليها للجمال بقيَّةً، فعاد لنفسي في الهوى نَشَواتُها
قال: وأنشدني أيضًا لنفسه:
يقولون: لو دارَيْتَ قلبك، لارْعَوى بسُلوانه عن حبّ ليلى وعن جُمْلِ
قال: وأنشدني له:
يؤرّقني في واسط كلَّ ليلةٍ وَساوِسُ همٍّ من نَوىً وفِراقِ
فيا للهوى هل راحمٌ لمُتَيَّمٍ يُعَلُّ بكأس للفراق دِهاقِ؟
خليليّ هل ما فات يُرجَى؟ وهل لنا على النَّأْي من بَعد الفراق تَلاقِ؟
فإن كنتُ أبدي سلوة عن هواكمُ فإنّ صَباباتي بكم لَبَواقِي
ألا، يا حماماتٍ على نهر سالم سلِمتِ، ووقّاكِ التَّفُّرقَ واقِ
تعالَيْنَ نُبدي النَّوْحَ، كلٌّ بشَجْوه فإِنّ اكتتامَ الوَجْد غيرُ مُطاقِ
على أَنّ وَجْدي غيرُ وَجْدك في الهوى فدمعيَ مُهراقٌ، ودمعكِ راقي
وما كنت أدري، بعدَ ما كان بينَنا من الوصل، أَنّي للفراق مُلاقِ
فها أنتِ قد هيَّجْتِ لي حرق الجَوى وأبديتِ مكنون الهوى لوفاقي
وأسهرتِني بالنَّوْح، حتّى كأنّما سقاكِ بكاسات التَّفُّرق ساقِ
فلا تحسبي أَنّي نزّعت عن الهوى، وكيف نزوعي عنه بَعد وَثاقي؟
ولكنَّني أخفيتُ ما بي من الهوى لِكَيْ لا يرى الواشونَ ما أنا لاقِ
ابن جيا الكاتب هو جمال الدولة، شرف الكتاب، محمد. من أهل الحلة السيفية ب العراق. ومسكنه بغداد.
مجمعٌ ب العراق على بلاغته، مبدع للأعناق أطواق براعته. قد اتفق أهل العراق اليوم أنه ليس له نظير في الترسل، وأن روضه نضير في الفضل صافي المنهل. يستعان به في الإنشاء، ويستبان منه أسلوب البلغاء. وهو صناعة عراقية في الكتابة، وصياغة بغدادية في الرسالة. ولعدم أهل هذه الصناعة هناك عدم مثله، وعظم محله. لكنه تحت الحظ الناقص، مخصوص بحرفة ذوي الفضل والخصائص.
اشتغاله باستغلال ملكه، وانتهاج مسلك الخمول والانتظام في سلكه. يعمل مسودات لمسودي العمال، وينشئ بما يقترح عليه مكاتبات في سائر الأحوال.
وله مراسلات حسنة، ومبتكرات مستملحة مستحسنة. وله نظم بديع، وفهم في إدراك المعاني سريع.
وهو إلى حين كتبي هذا الجزء، سنة إحدى وسبعين وخمس مئة، ب بغداد مقيم، وخاطره صحيح وحظه سقيم.
ومن جملة شعره ما كتبه إلى سعد الدين المنشيء في أيام السلطان مسعود، بن محمد:
هنِّئت في اليوم المَطِيرِ بالرّاح والعيش النَّضيرِ
ومُنحت بالعزّ الَّذي يُعدي على صَرْف الدُّهورِ
فاشرَبْ كُؤوسًا، كالنُّجو م، تُديرُها أيدي البدورِ
من كلّ أهيفَ، فاترِ ال أَلْحاظِ، كالظَّبي الغَرِيرِ
يحكي الظَّلامَ بشَعره والصُّبحَ بالوجه المُنيرِ
فانعَمْ به، متيقّنا إِحمادَ عاقبةِ الأمورِ
فكبيرُ عفوِ الرَّبّ، مَوْ قُوفٌ على الذَّنْب الكبيرِ
واسلَمْ على طول الزَّما ن لكلّ ذي أمل قصيرِ
تُفني زمانَك كلَّه بالعزم منك وبالسُّرورِ
ما بين حفظٍ للثُّغو رِ وبين رَشْفٍ للثُّغورِ
ول ابن جيا في مدح الأمير أبي الهيج، بن ورام، الكردي، الجاواني:
سرى مَوْهِنًا طَيْفُ الخَيال المؤرِّقِ فهاج الهوى من مغرم القلب شَيِّقِ
تخطَّى إلينا من بعيد، وبينَنا مَهامِهُ مَوْماةٍ من الأرض سَمْلَقِ
يجوب خُدارِيًّا، كأنَّ نُجومَه ذُبالٌ، يُذَكَّى في زُجاج مُعَلَّقِ
[ ٩٧ ]
أتى مضجعي، والرَّكبُ حولي كأنَّهم سُكارى، تساقَوْا من سُلاف مُعتَّقِ
فخيَّل لي طيفُ البخيلة أَنّها أَلَمَّتْ برَحْلِي في الظَّلام المروّق
فأرَّقَني إِلمْامُها بي، ولم يكن سِوى حُلُم من هائم القلب موثَقِ
أِسيرِ صبَاباتٍ، تعرَّقن لحمَه وأمسكن من أنفاسه بالمُخَنَّقِ
إذا ما شكا العشّاقُ وجدًا مبِّرحًا فكلُّ الذي يشكونه بعضُ ما لَقِي
على أنّه لولا الرَّجاءُ لِأَوْبَة تقرِّبُني من وصل سُعْداه ما بَقِي
نظرت، ولي إنسانُ عينٍ غزيرةٍ، متى يَمْرِها بَرْحُ الصبَّابة يَغْرَقِ،
إلى عَلَم من دار سُعْدَى، فشاقني، ومن يَرَ آثارَ الأحبّة يَشْتَقِ
فظَلْتُ كأنّي واقفًا عندَ رسمها طَعينٌ بمذروب الشَّباة مُذَلَّقِ
وقد كنت من قبل التَّفَرُّق باكيًا، لِعلمي بما لاقيت بعدَ التَّفرُّقِ
وهل نافعي، والبعدُ بيني وبينَها، إِجالةُ دمع المُقلة المترقرقِ؟
وأشعثَ، مثلِ السَّيف، قد مَنَّهُ السُّرَى وقطعُ الفيافي مُهْرَقًا بعدَ مُهْرَقِ،
من القوم، مغلوب، تَميل برأسه شُفافاتُ أَعجاز النُّعاس المرنِّقِ،
طَردت الكَرى عنه بمدح أخي العُلَىأبي الهَيْج ذي المجد التَّلِيد المُعَرَّقِ
حُسام الجُيوش، عزّ دولة هاشم، حليف السَّماح والنَّدَى المتدفِّقِ
فتى مجدُه ينمي به خيرُ والد إلى شرف فوقَ السَّماء محلِّقِ
على وجهه نورُ الهدى، وبكفّه مفاتيحُ بابِ المبهم المتغلِّقِ
إذا انفرجت أبوابُه، خِلْت أنَّها تفرَّج عن وجه من البدر مُشرقِ
وإن ضاق أمر بالرِّجال، توجَّهَتْ عزائكه، فاستوسعت كلَّ ضيِّقِ
ترى مالَه نَهْبَ العُفاة، وعِرضَهُ يطاعن عنه بالقَنا كلُّ فَيْلَقِ
جَمُوع لأشتات المحامد، كاسب لها أبدًا من شمل مال مفرَّقِ
سعَى وهْوَ في حدّ الحَداثة، حدّه له في مساعي كلّ سعي مشقَّقِ
تلوح على أَعطافه سِمَةُ العلى كبرق الحَيا في عارض متألِقِ
من النَّفَر الغُرّ الأُلى عمَّتِ الورى صنائعُهم في كلّ غرب ومشرقِ
إذا فخَروا لم يفخَروا بأُشابةٍ ولا نسبٍ في صالحي القوم مُلْصَقِ
هم الْهامةُ العُلْيا. ومن يُجْرِ غيرَهُمْ إلى غاية في حَلْبَة المجد، يُسْبَقِ
إذا ما هضابُ المجد سدّ طلوعها ولم يَرْقَها من سائر النّاس مُرْتَقِ،
توقَّلَ عبد الله فيها، ولم يكن يزاحمه فيها امْرُؤٌ غيرُ أحمقِ
صفا لك، يا ابنَ الحارثِ القَيْلِ، في العلى مَشاربُ وِردٍ صفوُها لم يُرَنَّقِ
متى رُمتُ في استغراق وصفك حَدَّه، أبى العجز إلا أن يقول ليَ: ارفُقِ
فلست، وإِنْ أسهبتُ في القول، بالغًا مَداه بنَعْتٍ أو بتحريرِ منطقِ
إلا إنّ أثوابَ المكارم فيكُمُ بَواقٍ على أحسابكم لم تُخَرَّقِ
يجدّدُها إيمانكم، ويَزِيدُها بَقاكم، على تجديدها، فضلَ رَوْنَقِ
لك الخُلُقُ المحمودُ من غير كلفة، وما خُلُقُ الإنسانِ مثلَ التَّخَلُّقِ
إذا ما نَداك الغَمْرُ نابَ عن الحَيا غَنِينا به عن ساكب الغيث مُغْدِقِ
[ ٩٨ ]
فما مدحُكم ممّا أُعاب بقوله إذا أفسد الأقوالَ بعضُ التَّمَلُّقِ
ولكنْ بقول الحقّ أغربت فيكُمُ، ومن يَتَوَخَّ الحَقَّ، بالحَقِّ ينطِقِ
فإِن نِلْتُ ما أمَّلْتُه من وَلائكمْ ومدحِكُمُ، يا ابنَ الكرام، فأَخْلِقِ
وما دونَ ما أبغي حجابٌ يصُدُّني برّدٍ ولا بابٍ عن الخير مُغْلَقِ
إذا أنا أحرزت المودَّةَ منكُمُ، فحسبي بها، إذْ كنتُ عينَ الموفَّقِ
سعيد بن مكي النيلي من أهل النيل.
كان مغاليًا في التشيع، حاليًا بالتورع، غاليًا في المذهب، عاليًا في الأدب، معلمًا في المكتب، مقدمًا في التعصب.
ثم أسن حتى جاوز الهرم، وذهب بصره وعاد وجوده شبيه العدم، وأناف على التسعين. وآخر عهدي به في درب صالح ب بغداد سنة اثنتين وستين وخمس مئة، ثم سمعت أنه لحق بالأولين.
أنشدني له ابن أخته عمر الواسطي الصفار ب بغداد، قال: أنشدني خالي سعيد بن مكي لنفسه، من كلمة له:
ما بالُ مَغاني الحِمَى لشخصك أطلالْ؟ قد طال وقوفي بها، وبَثّي قد طالْ
الرَّبْع دثور، ودِمْنَتاه قِفار والرَّبْع مُحيل، بعد الأَوانس بطال
عفته دَبُور وشَمْأَل وجَنُوب مع مَرِّ مُلِّثٍ مُرخي العَزالِي مِحْلال
يا صاحِ قِفًا باللِّوى نسأل رسمًا قد حالَ، لَعلَّ الرُّسوم تُنْبِي عن حالْ
مُذْ طارَ شجا بالفراق قلب حزين بالبَيْن، وأقصى بالبعد صاحبة الخال
ما شَفَّ فؤادي إلا نَعيب غُرابٍ بالبَيْن يُنادي، قد صار يضرِب بالفال
تمشي تتهادَى وقد ثَناها دَلّ من فَرْط حياها تخفي رنين الخَلخْال
وله من قصيدة، يذكر فيها أهل البيت ﵈:
قمرٌ أقام قيامتي بقَوامهِ لِم لا يجودُ لمُهْجَتي بِذمامهِ
ملّكتُه قلبي، فأتلف مُهْجَتي بجمال بهجته وحسن قَوامهِ
وبناظر غَنِجٍ وطَرْف أحور يُصمي القلوبَ، إذا رنا، بسِهامهِ
وكأنَّ خطَّ عِذاره في حسنه شمس تجلَّت وَهْيَ تحتَ لِثامهِ
ويَكاد من ترف، لدقَّة خَصْره، ينقَدُّ عندَ قعودِه وقيامهِ
وكأنَّه من خمرة ممزوجة بالرِّسْل عندَ رِضَاعِه وفِطامهِ
ومنها في مدح أهل البيت ﵈:
دَعْ يا سعيدُ هواك، واستمسِكْ بمَنْ تسعَدْ بهم، وتراح من آثامهِ
ب محمَّد، وب حَيْدَر، وب فاطمٍ وبوُلدهم عقدوا الولا بتمامهِ
قومٌ، يُسَرُّ ولِيُّهم في بعثه، ويَعَضُّ ظالمُهم على إبهامهِ
وترى وَلِيٌّ وَليِّهمْ، وكتابُه بيمينه، والنُّورُ من قُدّامهِ
يَسقيه من حوض النَّبِيّ محمّد كأسًا بها يَشفي غَليلَ أُوامهِ
بيدَيْ أمير المؤمنين، وحَسْبُ مَنْ يُسقَى به كأسًا بكفّ إِمامهِ
ذاك الَّذي لولاه ما اتَّضحت لنا سُبُلُ الهدى في غَوْره وشَآمِهِ
عَبَد الإِلهَ، وغيرُه من جهله ما زال معتكفًا على أَصنامهِ
ما آصف يومًا، وشمعون الصَّفا مع يُوشَعٍ في العلم مثلَ غلامهِ
من ها هنا دخل في المغالاة، وخرج عن المصافاة، فقبضنا اليد عن كتب الباقي، ووردنا القدح على الساقي. وما أحسن التوالي، وأقبح التغالي القائد أبو عبد الله محمد بن خليفة السنبسي سمعت أنه كان من شعراء سيف الدولة، صدقة، بن منصور، بن دبيس، وكان يحسن إليه. فلما قتل صدقة، مدح دبيسًا ولده، فلم يحسن إليه.
فوافى بغداد في الأيام المسترشدية، ومدح الوزير جلال الدين، أبا علي، بن صدقة، فأحسن إليه، وأجزل له العطاء.
ومات ب بغداد.
[ ٩٩ ]
وكان مسبوك النقد، جيد الشعر، سديد البديهة، شديد العارضة. تتفق له أبيات نادرة، ما يوجد مثلها.
فمنها، من قصيدة بيتان، وهما:
فرُحْنا، وقد رَوَّى السَّلامُ قلوبَنا ولم يَجْرِ مِنّا في خُروق المَسامعِ
ولم يعلَمِ الواشونَ ما كان بينَنا من السِّرّ لولا ضَجرةٌ في المدامعِ
وهذان البيتان البديعان، من كلمة له في سيف الدولة، صدقة، بن منصور، المزيدي، الأسدي، وأولها:
لِمَنْ طَلَلٌ بين النَّقا فالأَجارعِ مُحيِل، كسَحْق اليَمْنَة المُتَتايعِ؟
ومنها:
وعهدي به والحَيُّ لم يتَحمَّلُوا أو انسَ غِيدٍ كالنُّجوم الطَّوالعِ
من اللاءِ لم يعرِفن، مُذْ كُنَّ صِبْيَةً مع الليل، فَتْلًا غيرَ فَتْل المَقانعِ
ومنها:
نَبَذْت لهنَّ الصَّوتَ منّي، وقد جرى كَرَى النَّوْمِ ما بينَ الجُفون الهواجعِ
فأقبلن، يسحَبْنَ الذُّيولَ على الوَجَى، إِلَيَّ، كأمثال الهِجان النَّوازعِ
يُزَجِيّنَ مِكسالًا، يكادُ حديثُها يَزِلُّ بحِلْم الزّاهد المتواضعِ
مليحة ما تحتَ الثِيّاب، كأنَّها صَفيحةُ نَصْل في حَرِيرَة بائعِ
إذا خطَرت بين النِّساء، تأوَّدت برِدْف كدِعْص الأجرع المُتَتابعِ
فَأبْثَثْتُها شوقي وما كنت واجدًا فراحت وسِرّي عندَها غيرُ شائعِ
ومَنْ يَنْسَ لا أنسَى عِشيّةَ بَيْنِنا ونحن عِجال بين غادٍ وراجعِ
وقد سلَّمت بالطَّرْف منها، ولم يكن من النُّطق إِلاّ رَجْعُنا بالأصابعِ
وبعدها البيتان:
فرحُنْا، وقد رَوَّى السَّلام قلوبنا ولم يَجْرِ مِنّا في خُروق المسامعِ
ولم يعلَمِ الواشونَ ما كان بينَنا من السِّرّ لولا ضَجْرَةٌ في المدامعِ
انظر، هل ترى مثل هذين البيتين في القصيدة، بل في جمع شعره؟ وقوله: " لولا ضجرة في المدامع "، ما سبق إليه. وهو في غاية الحسن واللطافة.
ومنها:
فإنْ تَكُ بانَتْ بَيْنَ لا مُتَعَتِّبٍ فيرضَى، ولا ذو الوُدّ منها بطامعِ،
فإِنّي لأَهْواها، وإِنْ حالَ دونَها سَوادُ رَغامٍ البَرْزَخ المتاوقعِ
وأُقسِم لولا سيفُ دولة هاشمٍ ونشري لِما أولاه بينَ المجامعِ،
لَقَرَّبُت رَحْلي عامدًا فأتيتُها وإِن كان إِلمامي بها غيرَ نافعِ
ومنها في المدح، وقد أحسن أيضًا:
إذا جئتَه، لم تلقَ من دون بابِه حجابًا، ولم تدخُلْ إليه بشافعِ
كماء الفُرات الجَمّ، أعرض وِردُه لكلّ أُناس، فَهْوَ سهلُ الشّرائعِ
إذا سار في أرض العدوّ، تباشرت بأرجائها غُبْرُ الضِّباع الخوامعِ
فتتبَعُه من كلّ فَجّ، فتهتدي طوائفها بالخافقات اللوامعِ
فيُرمِلُ نِسوانًا، ويُيْتِمُ صِبْيَةً، ويجنُبُ في الأَغلال مَنْ لم يُطاوعِ
على أَنّه في السَّلْم عندَ سؤاله أَغَضُّ وأحيا من ذوات البَراقعِ
ومنها:
فما نِيلُ مِصر، والفُراتُ، ونِيلُهُ ودَجْلَةُ في نَيْسانَ ذاتُ الرَّواضعِ،
تَرُدُّ لها الزّابانِ من كلّ مَنْطَفٍ ذَوائبَ أعناقِ السُّيُول الدَّوافعِ،
بأسرعَ من يُمْناه فضلَ أَناملٍوأجرى نَدىً من سيله المتدافعِ
إِليك ابنَ منصور تخطّت بنا الفَلا سفائنُ بَرٍّ غيرُ ذات بَضائعِ
سِوى الحمدِ. إِنَّ الحمدَ أبقى على الفتى من المال، والأموالُ مثلُ الودائعِ
وله من قصيدة في عميد الدولة، ابن جهير وزير الإمام المستظهر بالله، أولها:
أمَنازلَ الأحباب بينَ مَنازلِ فالرَّبْوَتَيْنِ إلى الشَّرَى من كافلِ
ومنها:
ولقد جزِعت من الفراق وبَيْنِهِ جَزَعَ العليلِ من السَّقام القاتلِ
[ ١٠٠ ]
تتلو، وتتبَعُها، الحُداة، كأنّها قَزَعٌ تقطَّعَ من جَهامٍ حافلِ
فوقفت أنظُرها، وقد رُفِعت لنا، نظرَ الغريقِ إلى سواد السّاحلِ
وتعرَّضت، لِتَشُوقَنا، مَعنيَّة كالظَّبْي أفلت من شِراك الحابلِ
هيفاء. . ألْحَفَها الشَّباب رِداءَه كالغصن ذي الورقِ الرَّطيبِ المائلِ
تهتزُّ بين قلائد وخَلاخل وتَميس بين مَجاسد وغَلائلِ
وتقول: إنّ لقاءنا في قابلٍ، والنَّفسُ مولعة بحبّ العاجلِ
ومضت، فأضمرها البِعادُ، فلم تكن خُطُواتُها إِلا كَفْيءٍ زائلِ
ومنها في المخلص:
يشكو معاندةَ الخطوبِ، ويرتجي عدلَ الزَّمانِ من الوزير العادلِ
وله من قصيدة في مهذب الدولة، السعيد، بن أبي الجبر ملك البطيحة يطلب فيها شبارة:
خَلِّياني من شقوة الادلاجِ وأصْبَحانِي قبل اصطخابِ الدَّجاجِ
من كُمَيْت، ذابت، فلم يبقَ منها غيرُ نُور مستوقَدٍ كالسِّراجِ
عتَّقتْها المَجُوس من عهد شِيثٍ بُرهةً بينَ مِخْدَعٍ وسِياجِ
فبدت من حِجالها، وَهْيَ تسمو كالمصابيح في بطون الزُّجاجِ
واقْتُلاها عنّي بمَزْج، فإِنّي لا أرى شُربَها بغير مِزاجِ
يتهادَى بها إِلَيَّ غَضيضُ ال طَّرْف ما بينَ خُرَّد كالنِّعاجِ
من بنات القصور، يَمشين رَهْوًا بين وَشْي الحرير والدِّيباجِ
وذَراني من النُّهوض مع الرُّكْ بانِ والعَوْدِ بالقِلاص النَّواجي
ووقوفي على مَعاهدَ غُبْرٍ ليس فيها لِعائج من مَعاجِ
إِنَّما بِغْيَتِي مصاحبة الصَّهْ باءِ مَعْ كلِّ أبلجٍ فَرّاجِ
ومنها في المخلص:
كامل في الصِّفات مثل كمال ال دِّينِ غَوْثِ الورى ولَيْثِ الهِياجِ
ومنها:
أيُّها الخاطبُ الَّذي بعَث المَهْ رَ إلينا، والنَّقْدَ، قبلَ الزَّواجِ
قد زَفَفْنا إليك بِكرًا لَقُوحًا غيرَ ما فارِكٍ، ولا مِخْداجِ
حُرَّةً، لم تلِدْ جَنينًا، ولم تَنْ مُ قديمًا من نُطفة أَمشاجِ
غيرَ أَنّي إِخالُها، وَهْيَ حَمْلٌ، لَقِحَتْ من نَداك قبلَ النَّتاجِ
فاشْرِ منها النِّكاحَ طِلْقًا، فإنّي بِعتُه منك بيعةَ المحتاجِ
بَسُبوحٍ دَهْماءَ، مُسْحنَةِ البط نِ، خَرُوجٍ من كَبَّة الأمواجِ
كالظَّلِيم المُغِّذِ، في الماء تبدو من لباس الظَّلْماء في دُوّاجِ
شَخْتَة القَدِّ، من خِفاف الشَّبابِي ر المَقاصير، أو طِوال الوراجي
الوراجي: جمع أرجية، وهي من سفن البطائح.
بارزات أضلاعها فَهْيَ كُثْرٌ مُدْمَجاتٌ في قوَّة واعوجاجِ
سيرُها دائبًا على الظَّهر، لا يشْ كو قَراها من كدحة وانشجاجِ
يلتقي جَرْيَةَ الفُراتِ فيُردي سيرُها كلَّ مُقْرِب هِمْلاجِ
بلِسان مثلِ السِّنان طويلٍ طاعنٍ من حَشاه في الأَثباجِ
ورِقاقٍ عُقْفٍ، كأجنحة الطِّيْ ر إِذا رفرفتْ على الأَبراجِ
داجياتٍ، حُدْب الظُّهور، فإِنّي أبدًا في هواك غير مُداجِ
فتراها تمُرُّ في الماء كالسَّهْ مِ إِذا قصَّرَتْ نِقالُ الرَّماجِ
ومنها:
واغتنمْ فُرصة الزَّمان بنفعي فالليالي سريعة الاِنْدِراجِ
وَلْيَكُنْ ذاك عن قريب، فإِنّي كلَّ يوم في رجفة وانزعاجِ
وله في صفة الراح:
وكأسٍ كمثل فَتِيق الضِّرام تُميِت الهموم، وتُحيي السُّرورا
[ ١٠١ ]
تُشَبُّ لِشَرْبٍ على مَرْقَب فتُعشي النَّديمَ، وتُغْشِي المديرا
إذا شابَها شاربٌ مُعْتِمٌ ظننت بيُمْناه نجمًا منيرا
أنشدنيها ب البصرة زين الدين، ابن الأزرق.
وله يصف روضًا، من قصيدة، أولها:
يا راقدًا، قد نفَى عن جَفْنه الأَرَقا، قُمْ للصَّبُوح، فهذا الصُّبح قد طَفِقا
واشرَبْ على روضة، جازَ النَّسيمُ بها ليلًا، فأصبح من أَنفاسها عَبِقا
فما يَمُرّ، إذا ما مَرَّ مبتكِرًا، إِلا وأَرَّج من أنفاسه الطُّرُقا
كأنّما نشَر العطّارُ عَيْبَتَهُ فيها سُحَيْرًا مع الإِصباحِ إِذْ فُتِقا
كأنّما السُّحْبُ تَهْواها، فقد نظَمت من لؤلؤ الطَّلّ في أوراقها حَلَقا
ووكلت حولَها من نورها حرسًا يظَلُ يرقُبُها، لا تَطْرِفُ الحَدَقا
صُفْرُ الحماليق، لا تنفكّ ناظرةً وليس تنطقُ إِنْ ذو ناظر نطَقا
كأنّما الكَرْمُ في أرجائها خِيَمٌ من سُنْدُس، ضُرِبت مسطورةً نَسَقا
تبدي لنا من حواشيها، إذا كشَطت هُوجُ العواصِف عن قُضبانها الوَرَقا
مثل التَّنابيلِ من حام قد اتَّخَذُوا خوفًا من السَّبْي في أيديِهِمُ دَرَقا
وأنشدني أيضًا للسنبسي في صفة الخمر، وقد أحسن:
فكأنّها والكأسُ تحت سُلافِها شَرَرٌ، على نار، على حُرّاقِ
وكأنَّ أفواهَ الزُّجاج، وقد بدا منها المُدامُ، مدامعُ العشّاقِ
ومنها في صفة الإبريق:
جُليت علينا في مراكزِ محكَمٍ بغَلائلٍ مُلْسِ المُتُونِ رِقاق
أنشدنيها أبو المعالي الذهبي، رحمه الله تعالى.
ومنها، وهو أول الأبيات على الترتيب:
ولَرُبَّ ديرٍ، قد قصَدنا نحوَهُ في فِتْيَة، ناءٍ عن الأسواقِ
فطرَقْت بابَهُمُ، فقال كبيرهُمْ: أهلًا بزائرنا وبالطُّرّاقِ
ومضى بمغِوَلِه، فغاب هُنَيْهَةً في مُخْدَع ناءٍ وَرا أَغلاقِ
وأتى بها بِكرًا، تخالُ حَبابَها فوقَ الدِّنان نواظرَ الأحداقِ
حمراءَ، تَخْضِب في الظَّلام إذا بدت في كفّ شاربها، يمينَ السّاقي
لم تُغْلَ في قِدر، فيَكْمَدَ لونُها، قبلَ انتهاكِ العصر، بالإِحراقِ
فكأنَها، والكأس تحتَ سُلافها شَرَرٌ، على نار، على حُرّاق
ومنها في صفة الأباريق:
جُليت علينا في مراكز محكَم بغَلائلٍ مُلْسِ المُتون رِقاقِ
وكأنّ أفواه الزُّجاج، وقد بدا منها المُدامُ، مدامعُ العشّاقِ
فكأنَّها بين الحضور حمائمٌ حُمرُ الصُّدور لوامع الأَطواقِ
قلت: اسْقِني منها بكأسٍ قَرْقَفًا صهباءَ لاحقةَ الشّعاع، دِهاقِ
وخُذِ الَّذي نعطيك غيرَ مُماكسٍ يا عمُّ من ذهب ومن أَعْلاقِ
فأبى عَليَّ، وقال: كلاّ، والّذي أهوى عبادَه مع الخَلاّقِ
لا شَمَّ مَفْرِقَ رأسِهما ذو مَعْطِسٍ إلا بكَثرةِ رغبةٍ وصَداقِ
ومنها في صفة الخمار، وسومه:
فتعالت الأصوات فيما بينَنا حتّى أخَذْنا في مِرا وشِقاقِ
أدنو، فيبعد في الكلام بسَوْمِهِ عنّي، فما ألقاه عندَ وِفاقي
فكأنّما درَسَ الخِلافَ وحكمَهُ للشّافِعيّ على أبي إسحاقِ
وله في المديح:
فواللهِ ما حدَّثتُ نفسي بمدحة لذِي كرم، إلا خطَرت بباليا
ولا سِرْتُ في وجه، لأِسأل حاجة أُسَرُّ بها، إلا جعَلْتك فاليا
وإِنّي لَراجٍ أن أنالَ بك العلى وأبلُغَ من دهري ومنك الأمانيا
وأنشدت له في الخمر:
[ ١٠٢ ]
أقول لصاحب، نبَّهْتُ وَهْنًا، ونومُ العين أكثرُه غِرارُ:
لَعلَّك أَنْ تعلِّلَنا بخمرٍ، فأيّامُ الشُّرور بها قِصارُ
فقامَ يذودُ باقي النَّوم عنه، وفي أجفانِ مُقْلَتِه انكسارُ
وعاد بها، كماء التِّبْر، صِرفًا على أَرجائها زَبَدٌ صِغارُ
فلم أرَ قبلَ منظرِه لُجَيْنًا رقيقَ السَّبْكِ، أخلصه النُّضارُ
فما أدري، وقد فكّرتُ فيها، أنارٌ في الزُّجاجة؟ أَمْ عُقارُ؟
لِكُلّهِما ضياءٌ واشتعالٌ تطايرَ عن جوانبه الشَّرار
سِوى أَنّي وجدت لها نسيمًا كنَشْر الرَّوض، باكرَه القِطارُ
وله:
ولمّا تنادَى الحيُّ بالبَيْن غُدوةً، أقام فَريقٌ، واستقلَّ فَريقُ
تَلفَّتُّ إِثْرَ الظُّعْنِ حتّى جهِلته فإِنسانُ عيني بالدُّموع غريقُ
فيا مَنْ لِعَيْنٍ لا تَزالُ كأنَّما عليها غِشاء للدُّموع رقيقُ
إذا البَيْنُ أدماها بأيدي سِفاره تحدَّر منها لؤلؤ وعَقيقُ
وله:
فَسِيحُ نواحي الصَّدر، ثَبْتٌ جَنانُه إذا الخيلُ من وقع الرِّماح اقشعرَّتِ
جميل المُحَيّا والفِعَال، كأنّما تمنَّتْه أُمُّ المجد لمّا تَمَنَّتِ
وأنشدني شيخنا عبد الرحيم بن الأخوة قال: أنشدني القائد أبو عبد الله، محمد، بن خليفة، السنبسي لنفسه:
وخمّارةٍ من بناتالمَجُسِ لا تطعَمُ النّومَ إلاّ غِرارا
طرَقْت على عجل، والنُّجو مُ في الجوّ معترضاتٌ حَيارَى
وقد برد الليل، فاستخرجت لنا في الظَّلام من الدَّنّ نارا
وله:
لم أنسَ، يومَ رحيلِ الحيّ، موقِفَنا ب ذي الأراك وذيلُ الدّمعِ مجرورُ
وقد لها كلُّ ذي حاجٍ بحاجته عنّا، فمُنْتَزِجٌ ناءٍ، ومنظورُ
كم قد عزَمت على تَركي محبَّتكم يا أُمَّ عَمْروٍ، فتأباه المقاديرُ
وله في النسيب:
يَعشي العُيونَ ضياءُ بهجتِها تحتَ الظَّلامِ، ودُونَها السِّتْرُ
وإذا تكلّمنا، ترى بَرَدًا شَنَبًا، تَرقرقُ فوقَه خمرُ
قَصُرتْ عن الأَبواع خطوتها عندَ القيامِ، فقَدْرُها فِترُ
وإذا مشت، مالت روادفُها بقَوامها، وتململ الخَصْرُ
فجبينُها بدرٌ، ومَبْسِمُها فجرٌ، وحشوُ جُفونِها سحرُ
فكأنّما كُسيت تَرائبُها زَهَرًا، تَوَقَّد بينَه جمرُ
قامت تودِّعُني، وما علِمت أَنَّ الوَداع لمِيتتي قَدْرُ
وأنشدني مجد الدولة، أبو غالب، عبد الواحد، بن الحصين قال: أنشدني والدي مسعود، بن عبد الواحد، رحمه الله تعالى، للسنبسي من قصيدة في سيف الدولة، صدقة، أولها:
قم فاسقنيها على صوت النَّواعيرِ حمراءَ، تُشرق في ظلماءِ دَيْجُورِ
كانت سِراجَ أناسٍ، يهتدون بها في أوَّل الدَّهر قبلَ النّارِ والنُّورِ
فأصبحت، بعدَما أفنى ذُبالتَها مَرُّ النَّسيمِ وتَكرارُ الأعاصيرِ،
في الكأس تُرْعَدُ من ضُعف ومن كِبَر كأنَّها قَبَسٌ في كفّ مقرورِ
فالظِّلُّ منتشرٌ، والطَّلُّ منتثِرٌ ما بينَ آسٍ ورَيْحانٍ ومنثورِ
ونَرجِس خَضِل، تحكي نواظرُه أحداقَ تِبْر على أجفان كافورِ
ما بينَ نَيْلَوْفَرٍ، تحكي تَمائمهُ زُرقَ الأَسِنَّة في لون وتقديرِ
مغرورق، كرُؤوس البطّ مُتْلِعَةً أعناقَها، وهُمُ مِيلُ المناقيرِ
كأنّما نَشْرُها في كلّ باكرةٍ مِسكٌ تضوَّعَ، أو ذِكرُ ابنِ منصورِ
أبو عبد الله أحمد بن عمار الحسيني الكوفي مجد الشرف.
[ ١٠٣ ]
كتب لي ولده شمس الشرف، عمار نسب والده، وهو: أبو عبد الله، أحمد، بن عمار، بن أحمد، بن عمار، بن المسلم، بن أبي محمد، بن أبي الحسن محمد، بن عبيد الله، بن علي، بن عبيد الله، بن علي، ابن عبيد الله، بن الحسين، بن علي، بن الحسين، بن علي، بن أبي طالب - ﵈.
وذكر: أنه توفي ب بغداد سنة سبع وعشرين وخمس مئة، وعمره اثنتان وخمسون سنة.
علوي، نجم سعده في النظم علوي. وشريف شرى في سوق الأدب، فضله بكد النفس والنصب. شرفت همته، وظرفت شيمته، ولطف لنظم رقيق الشعر ذهنه، ولم يملك في مضمار القريض رهنه.
مجد الشرف، مجيد لإنشاء الطرف. موفي كافٍ، خاطره صافٍ، ولفظه شافٍ، وفضله غير خافٍ. في حظه قانع، وفي شعره صانع، ومن الخطأ في نظمه مانع، فكأن كلامه ثمر يانع.
كل شعره مجنس، لا كشعر غيره بالركة والعجمة مدنس. فهو بصنعته وقوة معناه مقدس، بنيانه على الفضل ممهد مؤسس.
ف ابن عمار، لمودات القلوب بانٍ ومعمار. نبتت في أفنان أدبه أثمار، وتطلعت من مشرق فضله لقصائده أقمار، وستنقضي - إلى أن يسمح الدهر بمثله - حقب وأعمار.
أغر، له الكلم الغر. حر، له النظم الحر، السهل الممتنع الحلو المر، كأنه الياقوت والدر.
أنشدني الشيخ المؤدب المقرئ أبو إسحاق، إبراهيم، بن المبارك، البغدادي بها، في جمادى الأولى سنة إحدى وخمسين وخمس مئة - وكان راوية الشعراء، يتوب عنهم في الإنشاد بين يدي الكبراء - ل ابن عمار قصيدةً ألفيةً، أبياتها تشبه طلسًا رومية. وكنت نظمت على روي الألف، وسمته أن ينشدها عني عند بعض ذوي الشرف، فتذكر ابن عمار وقال: ورد بغداد في الأيام المسترشدية، ومدح جلال الدين بن صدقة بتلك القصيدة المعنوية، ورويتها عنه إنشادًا بحضرة الوزير: وهي:
خَلِّه، تُنْضِ ليلَهُ الأَنْضاءُ فعَساه يَشفي جَواه الخُوَاءُ
ويُبِيد البَيْداء والعِيسَ. إِنّي مُشفقٌ أَنْ تُبيدَه البَيْداءُ
فقد استنجدتْ حَياه رُبا نَجْ د، وشامت بُروقه شَيْماء
وثَنَت نحوَه الثَّنِيَّةُ قلبًا قُلَّبًا، تستخفُّهُ الأَهواءُ
عاطفاتٍ إليه أَعطافَها، شَوْ قًا، كما تَلْفِتُ الطُّلَى الأَطلاءُ
دِمَنٌ دامَ لي بها اللهوُ حِينًا وصَفا لي فيها الهوى والهواءُ
وأَسرْت السَّرّاءَ فيها بقلب أَسَرَتْه من بَعدِها الضَّراءُ
فسقت عهدَها العِهادُ، ورَوَّت منه تلك النَّواديَ الأَنداءُ
وأَربَّتْ على الرُّبا من ثَراها ثَرَّةٌ، للرِّياض منها ثَراءُ
يستجمُّ الجُمام منها إذا ما نَزَح المُقْلَةَ البَكِيَّ البكاءُ
زمنٌ، كان لي عن الهَمّ هَمّ بالتَّصابي، وبالغَواني غَناءُ
ناضرٌ. كُلَّما تعطَّفتِ الأَع طافُ منه، تثنَّتِ الأَثْناءُ
وإِذا هَزَّت الكَعابُ كِعابَ ال خَطِّ، سَلَّتْ ظُبَى السَّيوفِ الظِّباءُ
في رياض، راضت خِلالَ جَلالَ ال دِّينِ أرواحهنَّ والصَّهْباءُ
شِيَمٌ، شامَها النَّسيمُ، فرَقَّت وجَفَتْ عن سموّها الأسماءُ
شابَ بالعُرْف عَرْفَهُنَّ، وقِدْمًا خامر الخمرَ في الزُّجاجة ماءُ
ملك، خاطبَ الخُطوب برمز خَطُبَتْ من شِياته الفصحاءُ
وأمالَ الآمالَ عن كلّ حَيّ بعدَ أَنْ لم يكن لحَيّ رجاءُ
أَلْمَعِيٌّ، لو شامَ لامعَ أمر لأَرَتْه غروبَه الآراءُ
مُعرض العِرض عن عتاب، إِذا لم يَرُعِ الأروعَ الهِجانَ الهِجاءُ
لك من وجهه وكفَّيْه ماءا نِ: فهذا حَيًا، وهذا حَياءُ
روَّض الأرضَ والنَّدِيَّ نَداه واعتفته الأَحياءُ والأَحياءُ
[ ١٠٤ ]
بِيَدٍ، أيّدت من الدَّهر ما انآ دَ، وكانت له اليدُ البيضاءُ
ويَراع، راعَ الذَّوابلَ بأسًا ورعى المجدَ حين قلَّ الرِّعاءُ
كلَّما صلَّ، صالَ منه بِصّلٍ لا يُرَى للرُّقَى إليه ارتقاءُ
وإذا ماجَ ثُمَّ مَجَّ لُعابًا كان منه الشِّفاءُ والاشقاءُ
فعليه للسّائلين صِلاتٌ وعليه للصّائلينَ صِلاءُ
قد أصابوا لَدَيْه صَوْبًا وصابًا فيهما راحةٌ لهم وعناءُ
ورَّثَته هَدْيَ الجدودِ جدودٌ ورَّثَتها آباءَها الآباءُ
معشرٌ، عاشروا الزَّمانَ ووَلَّوْا وعليه رِيٌّ بهم ورُواءُ
لو يُجارونَ جاريَ الغيثِ في الجو د، لمَا ناوَأَتْهُمُ الأَنواءُ
أنت صُنت العِراق إِذْ عَرَقَتْهُ بيَدَيْها مُلِمَّةٌ دَهْياءُ
وأَمامَ الإِمامِ قِدْمًا تقدَّمْ تَ وأقدمتَ حينَ حانَ اللِقاءُ
بجِنانٍ، ما حَلَّ جَنْبَيْ جَبانٍ، واعتزامٍ، للموت فيه اعتزاءُ
أعربت عنه يَعْرُب وقُرَيْش واصطفته الملوكُ والخُلَفاءُ
باسطًا في ذرّا البسيطة جيشًا جاشَ منه صدرُ الفَضاءِ الفَضاءُ
نقع الجوَّ من جَواه بنَقْع نافسته على السًّموّ السَّماءُ
لم يَرِمْ عاريَ العَراء إلى أن نُشِرت منه في مَلاهُ المُلاءُ
كاد مَنْ كاده يَصُوب بِصَوْبٍ قَطْرُ أقطارِ دِيِمَتَيْه الدِّماءُ
يا أخا الجودِ والسَّماحِ، نِداءً فوقَ سَمْعِيهِ من نَداك نِداءُ
رائقًا، لا يُرِيقُ فيكم دمَ الأَمْ والِ، حتّى تحيا به العَليْاءُ
كلَّما هزَّه السَّماحُ، تثنَّى بين أثنائه عليه الثَّناءُ
مِن فتىً، فاتَ أقوم القوم بالقَوْ لِ، ودانت لفضله الفضلاءُ
حاز صَفْوَ الصّفات، فالعِلمُ منه عَلَمٌ، والذَّكاء فيه ذُكاءُ
لكُمُ منه ذِمَّة اللهِ. إِنَّ ال حمدَ والذَّمَّ من سِواه سَواءُ
مستقلٌّ للمال، لا يَجْتَدِيه إِنَّما همَّةُ العليِّ العَلاءُ
همّةٌ نالَها، الثُّرَيّا علوًّا واستوى عندَه الثَّرى والثَّراءُ
لم يَطُلْها طَوْلُ السَّحاب، ولا جا زَتْ بمجرى أفلاكِها الجَوْزاءُ
همَّةٌ، نازعت إليك، وفي ذا كَ دليلٌ بأنّها عَلْياءُ
عزَفَت عن بني الزَّمان، ورامَتْ ك، فهم داؤها، وأنت الدَّواءُ
كُلَّ يومٍ يؤُمُّها منك جودٌ أحقرُ الجودِ عندَه الإِجداءُ
أمطرَ العِزَّ ناشئًا ومَلِيئًا واستوى المالُ عنده والماءُ
تستميلُ الآمالُ عِطْفَيْه عَطْفًا ويهُزُّ الرَّجاءَ منه الرَّجاءُ
أنا ذاك الدّاني البعيدُ مقامًا ومقالًا إِن أُفحِم الخُطَباءُ
لا أرى الشِّعرَ لي شِعارًا إذا ما ا أخَذّتْهُ دَأبًا لها الأدباءُ
هو عندي نقصٌ وإن كان فضلًا وكثيرٌ من البحور الغُثاءُ
وإذا أحكم الرِّجالُ مقالًا حكمت لي بسبقه الحكماءُ
وقليلُ النَّوالِ عندي كثيرٌ وهِباتُ الدُّنيا لَدَيَّ هَباءُ
وإذا كنتَ أنت ذُخريَ للأي امِ، هانت في عينيَ الأشياءُ
وجدير أَنّي أنالُ بك المج دَ، فما للغنى لَدَيَّ غَناءُ
[ ١٠٥ ]
ويمينًا ألا مددتُ يمينًا ما دجا الليلُ، واستنار الضّياءُ
غيرَ أنّي أغارُ للمجد أنْ لا تُدرِكَ المالَ غارةٌ شَعْواءُ
وإذا القصدُ أخطأَ ابن عليّ فعلى الشّعر والعُفاةِ العَفاءُ
هذه القصيدة، من حقها أن تكتب بسويداء القلوب على بياض الأحداق، وقد أحدقت بها حدائق من التجنيس والتطبيق والترصيع أحسن إحداق. ما يخلو بيت من تجنيس ومعنى نفيس، تخجل من نسجها صناع تونسة وتنيس. بكر مالها كفء فرضيت بالتعنيس. وعلى الحقيقة، لم أر كهذه الحديقة، ولم أسمع قبلها، في صنعتها مثلها، فهي غراء، عذراء حسناء، بل روضة غناء، أو غانية رعناء، خدرها الحياء. فلله در جالب درها، وحالب درها وأنشدني الشريف أبو القاسم، علي، بن محمد، بن يحيى، بن عمر، الزيدي، الحسيني، الكوفي ب بغداد، في ديوان الوزير عون الدين، بن هبيرة، ثامن عشر صفر سنة ست وخمسين وخمس مئة، ل ابن عمار الكوفي:
وشادِنٍ، في الشّرب قد اُشرِبت وَجْنَتُه ما مَجَّ راوُوقُهُ
ما شُبِهّت يومًا أبارِيقُهُ بريِقه، إلا أبى رِيقُهُ
وقال لي الشريف الجليل: وله في عمك العزيز، رحمه الله تعالى، قصيدة، منها:
إذا هاجه الأعداء، أو هزَّه النَّدَى فأيُّ حَيا نادٍ، وحيَّة وادِ
وله في التجنيس، من قصيدة:
في جَحْفَل متعاضد متعاقد في قَسْطَل متراكب متراكمِ
ورأى العلى بلحاظ عاشٍ عاشقٍ ورمى العدا بشُوّاظ غاشٍ غاشمِ
وله:
يدٌ، لو تُباريها الرِّياحُ لغاية لَبَذَّ نسيمَ العاصفاتِ وَئيدُها
إذا ما غَوادي المُزنِ أخلف جَوْدُها وصوَّحَ نبتُ الأرضِ، أخلف جُودُها
ومنها:
كتائبُ، لكنَّ الرَّزايا نِبالُها. كواكبُ، لكنّ العطايا سُعودُها
وله:
محمّد ودُبَيْس أوْرَيا لهما زَنْدَ المَنوُنِ، ونَقْعُ الليلِ معتكرُ
برأي هذا وغيبُ الخَطْب مشتبه وبأسِ ذاك وغاب الخَطِّ مشتجرُ
غدا عليهم وفي قلب الوَغَى غَرَرٌ وراح عنهم وفي وجه العلى غُرَرُ
ولقيت ولده ب بغداد، في سنة تسع وخمسين وخمس مئة، وهو شمس الشرف، عمار، بن أحمد، بن عمار، وهو كهل، فروى لي عن والده ما سبق ذكره، وأنشدني ما نظمه والده في مدح عمي العزيز، رحمه الله تعالى، وكتبه لي بخطه:
إليك، فما خَطْبِي بهَيْن من الأَمْرِ وعنك، فما فتكي ببِدْع من الإِمْرِ
لَبِئْسَ الفتى مَن يردَعُ البؤسُ بأسَهُ وغَمْرُ الرِّجال مَنْ يبيت على غِمْرِ
ألست حصَبْتَ القلب يومَ مُحَصَّبٍ وأوطأته ب الجَمْرَتَيْنِ على الجمرِ
شنَنْت عليه ب الغُوَيْر إِغارةً سنَنْت بها سَبْيَ النُّفوسِ إلى الحشرِ
وثنَّيْت في يوم الثَّنِيِّ بنظرة ثَنَت حِلمه لولا التَّمَسُّكُ بالصَّبْرِ
حوادث، تُسليني عن الهجر والنَّوَى وأبرحُ شيءٍ ما جنته يدُ الهجرِ
شكور على النُّعْمى، صبور على البَلا، ذلول على الحسنى، جموح على القسرِ
وعُدْنا إلى القُربى، وعُذْنا من القِلى، وعُجْنا عن العُتبى، ومِلْنا إلى العُذرِ
وما أنا بالسّالي الجَمُوحِ على الهوى ولا أنا بالغالي الطَّمُوحِ إلى الوِزْرِ
ومثليَ مَن هبَّتْ به أَرْيَحِيَّة إلى اللهو، لكنّي أَغارُ على الفخرِ
ولا أقتضي بردَ الرُّضاب، وإِنْ ورى شُواظَ الثَّنايا الغُرِّ في قلبيَ الغِرِّ
ولي في ظُبَيّات العَقِيق وحسنِها مآربُ أُخرى غيرُ نُكْدٍ ولا نُكْرِ
تذكّرني ألحاظُها وقُدودُها عِناقَ الصِّفاحِ البِيضِ والأَسَل السُّمْرِ
وتُلهمني ألفاظُها وعُقودها بنظم القوافي في معاليك والشّعرِ
[ ١٠٦ ]
إليك عزيزَ الدِّينِ قسرًا تعَسَّفت بنا البِيدَ أَنْضاءٌ مِراحٌ على الضَّمْرِ
مردَّدة بين الجَدِيل وشَدْقَمٍ كرائم يبدي سرّها كرم النَّجْرِ
تطيرُ بأيدٍ، في الفضاء، خوافقٍ كما خفَقَت في الجوّ قادمِتا نَسْرِ
مَرَقْنَ بنا من أرض كُوفانَ بُدَّنًا خِفافًا، تَبارَى في الأَزِمَّة والضَّفْرِ
ورُحْنَ عن الزَّوْراء زُورًا نَوافرًا كما مَرَّتِ النَّكْباء بالبلد القَفْرِ
ونكَّبْنَ أعلام العِراق ضَواربًا بأخفافها ما بينَ شِجْنَةَ والقصرِ
تلاعب أيديها كَلالًا، كأنَّها كواسرُ طيرٍ، رائحات إلى وَكزِ
تَتَبَّعُ آثار المكارم، مثلَما تَتَبَّعُ رُوّادُ الحَيا أثَرَ القَطْرِ
إلى أن أنَخْناها بعَرْصَة ماجدٍ أخي يَقَظات، لا ينامُ على وِتْرِ
طليقِ الغنى والوجه والكفّ والنَّدَى رَحيبِ الحِمى والحِلم والباع والصَّدْرِ
وَصُولٍ قَطُوعٍ، باسمٍ باسرٍ، نَدٍ صَليبٍ، مُبيحٍ مانعٍ، سَهِلٍ وَعْرِ
رقيقِ حواشي الحِلم، يعدو على الغِنى إذا ما سألناه، ويُعدِي على الفَقرِ
بكيدٍ خفّيٍ، حُوَّلِ الرّأيِ قلَّبٍ يروح على سرّ، ويغدو على جهرِ
وخَطْبٍ كجري السَّيْل، نَهْنَهْت غَرْبَه بعزمي، وأسبابُ القضاء به تجري
دعوت له وُدَّ الأخِلاّء مرّةً وبأسَ الكُماة الصِّيد والعَدَد الدَّثْرِ
فلمّا أبى نصري الزَّمان وأهلُه دعوت، على رُغْم الزَّمانِ، أبا نصرِ
دعوت فتى، لم يُسْلمِ الدَّهْرَ جارَه ولا رمَقَ الأضيافَ بالنّظر الشَّزْرِ
ولا حكَمت في قلبه سَوْرَة الهوى ولا رنّحت من عِطْفه نشوة الكِبرِ
يروح ويغدو عند الجارُ آمنًا وتُمسي خطوبُ الدَّهر منه على ذُعْرِ
إذا انقبضت فوقَ اليَراعِ بَنانُه أرتك انبساطَ الجُودِ في سَعَة الوَفْرِ
بَنانٌ. إذا جالت على الطَّرس، خِلْتَها بُحورًا ومُزنًا جُدْنَ بالدُّرّ والدَّرِّ
وما أنت إلا الشَّمسُ، تبسطُ نورَهانهارًا، وتُلقيه ظلامًا على البدر
وكم ليَ في عَلْياك غُرَّة مدحة تَكَشَّفُ عن أوضاحها بُهَمُ الفكرِ
غرائب. لو يُلْقَى الظَّلامُ بذكرها، لأَغنت قوافيها عن الأنجم الزُّهْرِ
ولو فُصِّلت بالدُّرّ غُرُّ عقودِها وخُيِّرْت، لاخترت القَريض إلى الدُّرِ
ومثليَ من أهدى لمثلك مثلَها فإِنّي رأيتُ الحمد أنْفَسَ للذُّخْرِ
وأنشدني أيضًا لوالده، رحمه الله تعالى، في عمي الصدر والشهيد عزيز الدين رحمه الله تعالى:
إِلامَ تَلَقّانا النَّوَى بعِنادِ؟ وترمي الليالي قُربنا بِبِعادِ؟
وحَتّامَ يَقضي البينُ فيَّ مرادَه وتمنَعُني الأيّامُ كلَّ مُرادِ؟
وما أشتكي إلا فراقَك، إِنَّه وَهَى جَلَدي عنه وقلَّ جِلادي
ومثلُك مَن يَشْجَى الخليلُ ببَيْنِه وأكثرُ إخوانِ الزَّمان أعادي
وأنت الفتى كلُّ الفتى، لا مضيِّعٌ لعهد، ولا ناسٍ لحفظ وِدادِ
ولا شامخٌ إن زادك الدَّهرُ رتبةً ولا ضاربٌ دونَ النَّدَى بسِدادِ
كريمٌ وأخلاقُ الزَّمانِ لئيمةٌ رَوِيٌّ وأخلافُ الغَمامِ صوادي
وإن هاجك الأعداءُ، أو هزَّك النَّدَى فأيّ حَيا نادٍ، وحَيَّةِ وادِ
وأنشدني أيضًا لوالده، كتبها إلى عمي العزيز: عز الدين، أحمد، بن حامد يستهدي منه فرسًا، فنفذ له فرسًا، يساوي خمسين دينارًا:
[ ١٠٧ ]
يا مَنْ ترى الغيب فينا أَلْمَعِيَّتُهُ فالبعدُ في وَهْمه أدنى من الكَثَبِ
أما رأيت يدَ الدَّهْماء قاصرةً قد ناوشتْها فنالتها يدُ العَطَبِ
كأنّما يَدُها، عن رجلها خلَف، فكلَّما أقدمت، عادت على العَقِبِ
فما تَسير ببَرْحٍ غيرِ منقلِب فسيرُها راجع في كلّ منقَلَبِ
حتّى إذا هملجتْ بالقوم خيلُهُمُ عدلت عجزًا إلى التَّقريب والخَبَبِ
سارت بهم أنجم تنقضُّ مسرعةً وسار تحتيَ ليل العاشق الوَصبِ
فجُدْ بأشهبَ، مثلِ النّجم مُتَّقدًا أو أشقرٍ، كأُوار النّار، ملتهبِ
أو أحمرٍ، كارعٍ في ماء غُرَّته كأنَّ كُمْتَتَهُ الإحراقُ في الذَّهَبِ
يبدو فيَكسِفُ من أنوار شُهْبِهِمُ والشَّمسُ إِن طلَعت غطَّت على الشُّهُبِ
مُجَنَّسٍ، مُعْلَمِ الجَدَّيْنِ، مفترع عالي المَناسِب بين التُّرْك والعربِ
لا خالصٍ عربيٍّ في أَرُومَتِهِ ولا بليدٍ، لئيمِ النَّجْرِ، مُؤْتَشِبِ
قد أخلصته بنو ذُهْل، وهذَّبه أبناءُ ساسانَ، فاستولى على الأدبِ
تظَلُّ في حسنه الأبصارُ حائرةً فليس ينفكّ من عُجْب ومن عَجبِ
يَزِين راكبه يومًا ومهديه كالرّوض يُثني على الأَنواء والسُّحًبِ
هذا الجوادُ، الَّذي مَنَّ الجواد به، فافخَرْ بما شئت من مجد ومن حسبِ
وأنشدني لوالده أيضًا في مرثية الوزير السميرمي، وهو علي، بن أحمد، والاستطراد بمدح عمي العزيز، أحمد، بن حامد رحمه الله تعالى:
لقد هدَّ ركن الأرض فَقْدُ ابن أحمدٍ وهيهاتَ ما خَلقٌ عليها بخالدِ
وما تُخْلف الأيّامُ مثلَ ابن أحمد على النّاس، إلا أن يكونَ ابن حامد
وهَبْنِيَ طال الدَّهرُ واعتضتُ غيرَه أليس من المعروف نشرُ المحامدِ
وأنشدني أيضًا لوالده، في التجنيس:
قالوا: نرى قوتة مصفَّرة، وما دَرَوْا ما بك يا قُوتَهْ
قد كنت بالأمس لنا دُرَّةً فصِرتِ فينا اليومَ ياقُوتَهْ
أنتِ حياةُ القلب، بل قُوتُه فكيف يسلو عنكِ يا قُوتَهْ
وأنشدني لوالده أيضًا:
ورُبَّ إِشارةٍ عُدَّت كلامًا وصوتٍ لا يُعَدّ من الكلامِ
وأنشدني له أيضًا:
لَئِن بسَطَ الزَّمانُ يَدَيْ لئيمٍ فصبرًا للذَّي صنَعَ الزَّمانُ
فكم في الأرض من عبدٍ هَجِينٍ يقبِّل كفَّه حُرٌّ هِجانُ
وقد يعلو على الرّأس الذُّنابى كما يعلو على النّار الدُّخَانُ
وأنشدني لوالده أيضًا:
لَئِن غدوتُ مقيمًا في رُبوعكمُ وقد دعتني رُبوعُ المجد والشَّرَفِ
فالماءُ في حجر، والتِّبْرُ في تُرُب، والبدرُ في سَدَف، والدُّرُّ في صَدَفِ
وله:
ولقد نظَرت إلى الزَّمان بمُقْلَة نظري إلى أهل الزَّمان قَذاتُها
وعجِبت من أكل الحوادث للورى وهمُ بنو الدُّنيا، وهُنَّ بناتُها
تنشو جُسومُهمُ بلحم أخيهِمُ مثل الرِّئال: غِذاؤها أخواتها
أبو العز نصر بن محمد بن مبادر النحوي النيلي ذكره السمعاني وقال: كان شيخًا فاضلًا، عارفًا بالنحو واللغة.
وأنشدني لنفسه على باب داره ب النيل:
هل الوَجدُ إلا أن ترى العين منزلا تحمَّملَ عنه أهلُه فتبدَّلا؟
عَقَلْنا به غُزْرَ الدُّموعِ، وطالما عهِدناه للغِيد الأَوانس مُعْقِلا
إذا نحن أَلمْمَنْا له، انبعث الجَوى يحمّلنا داءً من الهمّ مُعْضِلا
أقول لمسلوب الجَلادة، لم يَقُلْ: خلا قلبُه من لاعج الشَّوْق، أولا:
أظُنّك لو أشرفت ب النِّيل مائلا على سُبُل، أضحى بها الدّمع مُسْبَلا
[ ١٠٨ ]
وآنست من آثار آل مُعَيَّة معاهدَ، كانت للمكارم منزلا،
لأَلْفيتَ ما بين الجوانح والحَشا فؤادًا، بأسباب الغرام موكَّلا
وغاديتَ يومًا بالكآبة أَيْوَمًا، وساريتَ ليلًا بالصَّبابة أَلْيَلا
ألا أيُّها اللاحي على ما أُجِنُّه هل أنْتَ مُعيِرِي ناظرًا متأمِّلا؟
أُريك محلًا، ما أحاطت رُبوعُه من القوم إلا مُفْضِلًا أو مُفَضَّلا
من الفاطميّين الَّذينَ وَلاؤهم عُرًا لذوي التَّقْوى، نَجاءً ومَوْئِلا
إلى الحسن، بن المصطفى طوَّحَتْ بهم عُلىً، شرُفت من أن تقاس بها عُلَى
ابن الشريف الجليل أبو القاسم، علي، بن محمد، بن يحيى بن عمر، الزيدي، الحسيني، الكوفي.
شيخ طويل، شريف جليل، نبيه نبيل.
كأن نظمه نسيم عليل، أو تسنيم وسلسبيل. أرق عبارةً من عبرة من أرقه الشوق، وأحسن حليةً من جيد ورقاء حلاها الطوق.
وفد على الديوان العزيز في صفر، سنة ست وخمسين وخمس مئة، يخاطب على ملك له قد انتزع، ورسمٍ له قد قطع.
وكنا نجتمع في دار المولى الوزير عون الدين بن هبيرة كل غدوة، وننتظر إذنه للخواص في اللقاء، وجلوسه لأهل الفضل وأبناء الرجاء. فاستأنس الشريف بمحاورتي، استئناسي بمحاورته، وأتحفني من رقيق عبارته، بيتين له في عمي العزيز ﵀، في نكبته. وهما:
بني حامد إن جارَ دهرٌ أو اعتدى عليكم، فكم للدّهر عندكمُ وِتْرُ
أجرتم عليه مَنْ أخافت صُروفُه فأصبح يستقضيكُمُ وله العذرُ
وذكر بعد ذلك أيادي عمي ونعماه، وما أولاه إليه وأسداه. ورق لفضلي وضياعه، وأشفق من اتضاعه، فذكرت له التفات الوزير إلي، وتحدثت بإنعامه علي. لولاه ذل أهل الفضل، وعز أولو الجهل، فهو الناقد البصير، العارف الخبير. عاش الفضلاء في ذراه، فيا ضيعة ذوي الأدب وأولي الحسب لولاه. رمقهم بعين القبول فحفظ رمقهم، وإن كان مقامهم - لولاه - ب العراق عرقهم، وخذل أهل الباطل بنصرة الحق وفرق فرقهم.
ولم يزل الشريف الجليل لي جليسًا، يهدي إلي من أعلاقه نفيسًا، إلى أن نجز توقيعًا بما توقعه، واستخلص ملكه ورجعه. فركب إلى الكوفة مطا التنوفة.
وعاد في سنة سبع وخمسين وخمس مئة إلى الوزير متظلمًا، شاكيًا متألمًا، وأنشده - وأنا حاضر - قصيدةً مقتصدة في أسلوبها، مستجيرًا به من الليالي وخطوبها، فيها بيتان جعلهما لتلك الكلمة مقطعًا، ما ألطفهما معًا وهما:
أجِرْني على الدَّهرِ فيما بقي بَقِيتَ. فما قد مضى، قد مضى
فلست أُبالي بسُخط الزَّمانِ وأنت تراني بعين الرِّضَى
فاهتز الوزير لها اهتزاز مثله، وأثنى على الشريف وفضله، ووعده بقضاء شغله. ووددت لو أن لي مكنةً، أو أملك على إجازته وإجارته منةَ، فأتقلد له منةً.
ثم أخذت القصيدة، فاخترت منها هذه الأبيات:
أَمَا والقَنا شُرَّعًا، والظُّبَى تجور وقد حُكِّمت في الطُّلَى
وشُعثِ النَّواصي، إذا ما طلَعْنَ عوابسَ، قُلْتَ ذِئاب الفلا
وتقصُرُ عنهنَّ هُوج الرِّياح إذا ما اصطخَبْنَ وطال المَدَى
عليها المَساعيرُ من هاشم تَخالُهم الأُسْدَ أُسْدَ الشَّرَى
لقد خصَّك الله بالمَأْثُرا تِ دُونَ البَرِيَّة لمّا برا
فأعطاك، وَهْوَ الجزيلُ العطا ءِ، لمّا رآك جزيلَ العطا
وقابلتَ إِحسانَه محسنًا، فنِلْتَ المُنَى، وأنلتَ المُنَى
ومنها:
وكفُّك في الجود فوقَ الغَمامِ وأرضُك في الفخر فوقَ السَّما
ومنها:
أما والعُلَى قَسَمًا صادقًا لقد أنجبتْ بك أُمُّ العلى
هُمَاماٌ، إذا صالَ صلَّ الحديدُ، وإن قال أسمعَ صُمَّ القَنا
ومنها:
فتىً، يُرخصُ النَّفْسَ يومَ الهِياجِ ويَشري الثَّناءَ إذا ما غلا
أخو السَّيف والضّيف، من تَدْعُهُ ليومِ النِّزالِ ويومِ القِرَى
[ ١٠٩ ]
عظيمٌ، يهونُ عليه العظيمُ مُرَجّىً يصدقُ فيه الرَّجا
تقلَّد بالمجد قبلَ النِّجاد، وقبلَ بلوغِ الأَشُدِّ استوى
ومنها:
أيا واهبَ الكُومِ تحتَ الرِّحا لِ، والمُقْرباتِ عليها الحِلَى
سَوامي النَّواظر، قُبّ البطون، قِصار المُتون، طِوال الخُطا
ومُعطي السَّوابغِ موضونةً تَرَقْرَقُ مثلَ مُتونِ الأَضا
إلى كلّ مجدولةٍ كالعِنا نِ، رَيّا الرَّوادفِ، ظَمْأَى الحَشا
تُرِيك القَضِيبَ إذا ما بدت تَميسُ دلالًا، وحِقْفَ النَّقا
ومنها، في صفة القصيدة:
إذا ما تغنَّى رُواة الثَّناءِ بها، وسرى نَشْرُها في المَلا
تأَرَّجَ منها رِداءُ النَّسِي م طيبًا، ورقّت حواشي الصَّبا
وبعدهما البيتان اللذان سبق ذكرهما.
وأنشد له الشريف قطب الدين، بن الأقساسي ابن أخته، رحمه الله تعالى:
حَبَتْهُ نِجادَ السَّيف قبلَ التَّمائمِ فشبَّ عميدًا بالعلى والمكارمِ
ضَرُوبًا إذا حادَ الدَّنِيُّ عن الرَّدَى رَكُوبًا لأَثْباج الأمور العظائمِ
مُطِلًا على الأعداء، أكثرُ هَمِّه وُلُوجُ الثَّنايا واطِّلاعُ المَخارمِ
ومَنْ طلَب العلياءَ، كلَّفَ هَمَّهُ صدورَ العَوالي، أو شِفارَ الصَّوارمِ
وخاض الدًُّجَى، ما تَمَّ فيه سِنانُه، وقلقل أعناقَ المَطِّيِ الرَّواسمِ
إذا ما بناها النّيّ غِبَّ كَلالِها قصورًا، رماها من سُراه بهادِمِ
ومنها:
من القوم، يَنْهَلُّ النَّدَى من أكُفّهم إذا بخِلت بالقَطْر غُزْرُ الغَمائم
وإن شمَّرُوا في ساحة الحرب، جَدَّعُوا بأسيافهم، رُعبًا، أُنُوفَ المَظالمِ
فما جارُهم في يوم حرب بمُسْلَمٍ ولا مالُهم في يومِ سلَمْ بسالمِ
أُولئك قومي، طأطَؤُوا كلَّ شامخ إلى المجد، واعلَوْلَوْا على كلّ ناجمِ
إذا لبِسوا الزَّغْفَ الدِّلاصِ، حسِبتَهم أسودَ عَرِينٍ في جلودِ أَراقمِ
ومنها:
وقوم رموني عن قِسِيّ ضَغائنٍ بأَسْهُمِ أحقادٍ وأَيْدٍ كَوالمِ
إذا ما رأوني، قطَّعوا اللحظَ، وانثنَوْا من الغيظ، فاعتاضُوا بعضّ الأباهِمِ
لهم عَلَمٌ يومَ النَّدَى غيرُ خافق وأَطلالُ مجدٍ دارساتُ المَعالمِ
وموقدُ نارٍ لا تُضيء لطارق، وبرقُ سَماحٍ لا يلوحُ لشائمِ
ولما أصلد زند رجائه، وأصلى جمر برحائه، وتبدد سلكه، ولم يعد ملكه، سافر إلى مصر، كأنما ساقه القدر بها إلى القبر. لكنه عاش فيها مديدةً قفي ظل الكرامة، وانتقل إلى دار الخلد والبقاء والسلامة.
الشريف الجليل الكامل أبو نزار، عبد الله، بن محمد، بن يحيى، بن عمر، الزيدي، الحسيني الكوفي.
هو أخو الشريف أبي القاسم. وكان كاسمه كاملًا، عالمًا، فاضلًا.
أنشدني الشريف قطب الدين، محمد، بن الأقساسي، العلوي، الكوفي ب بغداد، سنة سبع وخمسين وخمس مئة، لخاله الشريف الكامل، أبي نزار ﵀، مما نظمه عند كونه ب الجبل في أيام السلطان مغيث الدين، محمود، بن محمد، بن ملك شاه، وهو:
وأرَّقَني بالدَّوْح نَوْحُ حمامةٍ مفجَّعَةٍ محزونةٍ، بهَدِيلِها
تذكّرني دارًا ب هَمْدانِ ناعطٍ تَقِرُّ بعيني وقفةٌ بطُلولها
وقال رفيقي يومَ جُزْنا ب سَحْنَة وكان يرِجّي العَوْدَ عندَ وصولِها:
أما آنَ للرَّكْب المُغذِّيِن أَنْ تَنِي قَلائصُهم من نَصِهّا وذَميِلها؟
أرى الأَرضَ قد بُدِّلتُ ضَيْقًا بِفيحها وبالوعر من بَطْحائها وسُهولها
واللُكَناءِ الغُتْمِ من فصحائها وبالدُّلْبِ من رُمّانها ونخيلها
[ ١١٠ ]
وأنشدني أيضًا الشريف ابن الأقساسي لخاله الشريف أبي نزار:
قَوِّض خِيامى عن ديار الهُونِ فلست ممن يرتضي بالدُّونِ
واشدُدْ على ظهر الهَجِين رَحْلَه فقد شكاني غاربُ الهَجيِنِ
وقرِّبَنْ من الحِصان زُلْفَةً فالحُصْنُ أولى بي من الحُصونِ
فإِنْ أنا قصّرتُ عن شَأْو العلى فلا أقلَّتْ صارمي يمَيني
ولا أهَلَّتْ بالسُّعود أنجمُي ولا أهَلَّتْ بالسُّعود أنجمي
إِن لم أَنُطْ بالمأثُرات همَّتي حتَّى أَحِلَّ رتبةً تُرضيني،
فهمَّتي لا ترتضي لي بعلى لأنّها ترى المَعالي دُوني
أحكامَ دهري. ما أراك تُنْصِفي قدَّمْتِ غيري وتؤخّريني
أنكرتِ منّي ما عَرَفتِ منهمُ ستعرِفيني حينَ تَسْبُرِيني
لانُوا، فنالُوا ما بَغَوْا بلينهم، وكنت لا أرضَى على بلِينِ
إِنّي، وإِنْ هان الكِرامُ، باخلٌ بماءِ وجهٍ وافرٍ مصونِ
على تصاريفِ الليالي شَرِسٌ لم تَزُلِ النَّخْوَةُ من عِرنيني
إنّيَ من قوم، إذا ما ذُكروا خَرَّ جميعُ النّاس للجَبِينِ
يُسجَدُ للمولود منهم هيبةً ويوضع التّاجُ على الجَنيِنِ
من دَوْحَة ميمونة، طاهرة ال أَعراق، تُؤتي الأُكْلَ كلَّ حينِ
محمّد جدّي. وقُربي في العلى من النَّبيّ المصطفى يَكفيني
وكان من ذي العرش، جَلَّ ذِكرُه، كقابِ قوسِ العَينِ، أو من دُونِ
والمرتضَى أبي. وحسبي عقلة موصولة بالأَنْزَع البَطِينِ
وأنشدني له أيضًا:
أُنظُرْ إلى الرَّشَأ الغَرِير وَقِدّهِ وسوادِ طُرَّتِه وحمرةِ خدّهِ
رَشأٌ، تكامل دَلُّه ودَلالُه، كالبدر أشرق طالعًا في سعدهِ
ألقَى الظّلام على الضّياء فزانه والشيء يحسُنُ أَنْ يقاسَ بضدّهِ
لم أدرِ حينَ بدا، وبهجةُ خِدِّهِ تُوفِي على لهب المُدامِ وحَدّهِ،
هل خدُّهُ متجسّمٌ في كأسه؟ أم كأسُه متجسّمٌ في خدّهِ؟
لم يُبق من بُرْد الجمال بقيَّة للمكتسي فَضَلاتِه من بَعدِه
قال: وكان قد خرج يومًا إلى أراضي خفان للصيد، فأمسى وقد أوغل في البرية، فعدل إلى جانب ونزل، وأمر أصحابه فأوقدوا النار، وشووا لحم الصيد، ليأكلوه، فارتفعت نارهم لقوم من عرينة، فوافوها، فأضافهم، وسألهم عن مقصدهم، فذكروا أنهم سفرٌ يمتارون، فحملهم معه إلى الكوفة، ورفدهم، وقال في ذلك:
ومُدْلجِينّ مَقاوي، لا دليلَ لهم إلى مكان القِرى شيءٌ سِوى ناري
باتت تُضيءُ، وباتُوا عامدينَ لها، وإِنّما رُفِعت للمُدْلِجِ السّاري
لمّا أناخُوا بها، وَلَّى سُغُوبُهُمُ وبُدِّلوا بعدَ إعسارٍ بإيسارِ
وأنشدني له أيضًا من قصيدته السينية السنية، التي هي في الذم على من هجاهم أمر من المنية، وفوت الأمنية، يعرض بسادات بني عمه من الكوفة والحلة. وهي في فنها مطبوعة، باللطف مشفوعة، مطلعها:
نادى عقيلُ بأعلنِ الجَرْسِ: كم ذا يلينُ لِلامسٍ لَمْسِي
مَنْ ذا يُناكحني، فينكحُنِي؟ وَيْلاهُ من. . . ومن. . .؟
ومخلّصي من كلّ بائقة سَمْجِ الخلائق ناقصِ الحِسِّ
وله أَبٌّ. لو جاز بيعُ أَبٍ، لتركته في حُجرة النَّخْسِ
مَلآْنُ من أكل الحرام، فما للخير في ناديه من حسِّ
والشَّيخ عزّ الدِّين حجَّتُهُ ضاعت ضَياعَ الشَّمعِ في الشَّمسِ
[ ١١١ ]
قلَعَ الرَّواسيَ من عَشيرته حرصًا على التَّحويل والغرسِ
وفتى المُعَمَّرِ لا يجود لمَنْ يرجو نَدَى كفَّيْه بالفَلْسِ
يعني نقيب الطالبيين، والد النقيب الآن.
ولهِ خُوَانٌ، ما عليه من ال إِدامِ غيرُ الخَلِّ والدِّبْسِ
والشَّنْفقيّ، ثَكِلْت طلعته، في غاية الإِدبار والنَّحْسِ
هو النقيب العمري ب سوراء.
فكأنَّه، في لبس مِمْطَرِه والعِمَّةِ الصَّفراءِ كالوَرْسِ،
شيخُ الْمَثِيبة في اليهود، وما بين النَّصارى موضع القَسِّ
وفتى مُعَيَّةَ لو بَصُرتَ به لوجدتَه ذئبًا من الطُّلْسِ
هو الشريف أبو منصور بن معية، وزير دبيس المزيدي.
هو في التَّذلُّل من سَلُولَ، وفي ال أَطماع والغارات من عَبْسِ
متفنِّنٌ في الخُبث منه، فما كذَب الَّذي سمّاه بالنِّمْسِ
والأَنكدُ المشؤومُ طلعتُه أدهى من الضًّرَبان في الضّرِسِ
وأبو الحسين فكلُّه مَلَقٌ مَبْنَى عقيدتهِ بلا أُسِّ
هو جال الدين، بن عز الدين بن أبي نزار.
فكأنَّه دارٌ مجصَّصَةٌ، بيضاءُ، خاليةٌ من الإِنسِ
وأنشدني له في جارية، كانت تسكن في جوار الجامع، بديها:
نشَدْتُكِ يا جارةَ الجامعِ أهَلْ من قِرىً للفتى القانعِ؟
بعيشِكِ لا تَحْرِميهِ القِرى، فما دُونَ وصلكِ من مانعِ
وَعَدْتِ ثلاثًا فأخْلَفْتِها، وحاشاكِ من موعد رابعِ
يجوز الخلاف لرَبِّ الخلاف، فما العُذرُ للسّامع الطّائعِ؟
الشريف علم الدين بن الأقساسي من الكوفة.
أبو محمد، الحسن، بن علي، بن حمزة أبي الحسين، بن أبي يعلى محمد، بن أبي القاسم الحسن، بن كمال الشرف أبي الحسن محمد، بن الحسن بن محمد، بن علي، بن محمد، بن يحيى، بن الحسين، بن زيد، بن علي، بن الحسين، بن علي، بن أبي طالب - ﵈.
استكتبت هذا النسب من أخيه الأكبر قطب الدين، أبي يعلى، محمد، بن الأقساسي. وكانا قد وصلا، في سنة ثمان وخمسين وخمس مئة، من الكوفة إلى ديوان الخلافة، يسألان إعادة الأملاك التي أخذت.
وسمعت ابن الأقساسي الأصغر، وهو كهل، ينشد الوزير عون الدين بن هبيرة، غير مرة، من قصائده التي نظم فيه.
وهو شاعر مجيد، حسن الأسلوب، متين النظم، سليم المغزى، قويم اللفظ والمعنى. ينطق شعره بحسبه، وشرف نسبه، وتعبر ألفاظه عن غزارة علمه وكمال أدبه.
وللشريف أبي محمد، بن الأقساسي، العلوي، الكوفي يرثي الإمام المستنجد بالله، ويهنىء الإمام المستضيء بالله بالخلافة:
رُزءٌ، تعاظمَ عن حدّ وعن أَمَدِ كادت تزول له الأفلاك من زُؤُدِ
عمَّ الورى، فوَهَى حِلمُ الحليم به، وظلَّ مستضعَفًا عنه أخو الجَلَدِ
ومارَتِ الأرضُ، إِعظامًا لموقعه، مَوْرًا غدا راجفًا بالسَّهْل والجَلَدِ
وأضحت الشَّمسُ منه وَهْيَ كاسفةٌ كأنّما طَرْفها مُغْضٍ على رمدِ
بيومِ أعظمِ خلقِ اللهِ منزلةً، وخيرِ منفردٍ، بالعزّ مُتَّحِدِ
من الرِّعان التّي لولا شوامخُها ما كان للأرض من صدف ولا وَتِدِ
القائمين بأمر الله، دَأْبُهُمُ حياطةُ الدّين، كالحاني على الولدِ
الآخذين من الأيّام ما احتكموا والنّائلي أَمَدًا يُغنيك عن أَمَدِ
هم الأئمَّةُ، ما إنْ زال مدحُهمُ دَأْبي، وحبُّهمُ ديني ومعتَقَدي
آهًا لِداعي الرَّدَى، لو أَمَّ عَقْوَتَه في جَحْفَل حَرِجِ الأحشاء محتشدِ،
له وَجِيفٌ على الثَّرْيا، يُظَلِّلُها بمثلها من صَفِيق النَّقْع منعقدِ،
إِذَنْ لَلاَقى طِعانًا دُونَ بِغْيتِهِ مُواشِكًا، وضِرابًا هاتِكَ الزَّرَدِ
[ ١١٢ ]
وكلَّ ذِمْرٍ غَداةَ الرَّوْع تُعْظِمه إذا تنكَّر للأقران عن أسد
يرى الحِمام حياةً في مُنازَلة بينَ الرِّقاق المَواضي والقَنا القِصَدِ
لكنّه القَدَرُ الحتمُ الَّذي خَنَعَت له الملوك أُولوا الأَعدادِ والعُدَدِ
فإِنْ تعاظمَ رُزْءًا يومُ مصرعهِ فقد أتانا من النُّعمى بأيّ غدِ
وما نقولُ، وقد قامت سعادتُه لنا عن الوالد المحمود بالوَلَدِ؟
المستضيء الَّذي قد قام معتمدًا على إِبالته بالواحد الصَّمَدِ
هو الإمام الَّذي مَدَّت لبيعته قلوبُنا طاعةً من قبلِ مِدّ يَدِ
مؤَيَّدٌ، ملَكَ الأهواءَ، فَهْيَ له تسعَى إليه، إذا نادَى، على جَدَدِ
صحَّت عزائم أهل الأرض، واجتمعت على إِمامته في القُرب والبُعُدِ
فما يقوم له داعٍ على بلد إلا وقد سبقته طاعة البلدِ
وكيف لا تمِلكُ الدُّنيا، وأنت لها يا ابن الخلائفِ مثلُ الرُّوحِ في الجسدِ
فقُم بها، يا أميرَ المؤمنينَ، ونَلْ ما شئتَ، وابْقَ على الأيّامِ والأَبَدِ
وله فيه من قصيدة، يهنئه بالخلافة، ويطلب الشريف:
تبسَّمَ الدَّهرُ عن ثَغْر الرِّضَى جَذِلا طَلْقًا، وأهدى إلينا السُّول والأَمَلا
فقم لنفرحَ، وأعلم أَنَّ فرحتَنا ما قام يومًا بها أمرٌ ولا عَدَلا
وجاءنا بالأمَاني غَضَّةً جُدُدًا بِيضًا، وجادَ بها من بعدِ أَنْ مَطَلا
وقام معتذرًا ممّا أَلَمَّ به يُبدي حياءً، ويُخفي تارةً خَجَلا
وأقبل الجودُ والإحسانُ في طرب بادٍ، وقد نَبُها من بعدِ ما خَمَلا
واهتزّت الأرضُ، واخضرَّت هَوامدُها وأصبح الرَّوضُ فيها نابهًا خَضِلا
واستبشر المجدُ والعلياء، فابتهجا حُسنًا، وقد حَلِيا من بعدِما عَطِلا
وحالَ لونُ الليالي فَهْيَ مشرقةٌ كأنَّما صِبغُها المعهود قد نَصَلا
وأقشع الظُّلمُ عنّا والظَّلامُ، كما وَلَّى جَهامٌ، حَدَتْه الرِّيحُ فانجفلا
ب المستضيء بأمر الله إِنّ به تُجلى الخطوب إذا ما ليلها اتَّصلا
الكاشف الكُرَب الجُلَّى وقد عظُمت والفاعل الفعلَ في الأيّام ما فُعِلا
خليفة، قيَّدَ الأَلحاظ يومَ بدا إلى مُنير، يضمّ البدر قد كمَلا
أي: قيد نوره الألحظا عن النظر إليه.
كأنّما قابل الرّاؤون غُرَّتَه شمسًا، بدت طلعةً تستوقف المُقَلا
يَوَدُّ مَنْ غاب عن مرهوب موقفه لو أنّه بالثَّرَى من تُربه اكتحلا
ثَرىً، ترى بثُغور النّاس كلهِمُ ممّا تقبّله أفواهُهم بلَلا
مَدَّت إليه قلوب النّاس طاعتها قبلَ الأَكُفّ، ومَدَّتْها له نَفَلا
إلى يدٍ سَبْطَةٍ بالجود، مُنعِمةٍ تُعطي، فيخجَلُ منها الغيثُ إن هطَلا
وما سمِعنا بغيث قبلَ نائلِه جادَ البلادَ، فأحيا السَّهلَ والجبلا
سيلٌ، طما، فوُجوهُ الأرضِ سائرُها قَرارةٌ، ما علا منها وما سَفَلا
وكيف يَسْقِي حَيا الأمطارِ حيث سقى حَياه، أو يصِلُ المَغْنَى الَّذي وصَلا؟
أم كيف يُحسن وصلًا كل مقتدر له، وقد غمرَ الأقطارَ والمِلَلا؟
أدنى وإن كان لا أدنى نوافله يستغرقُ القولَ، أو يستنفدُ المَثَلا
قد بثَّ عدلًا وجودًا، يُوضحانِ لنا قصورَ مَن جادَ في الأزمان، أو عدَلا
نكاد نظلِمُ ما يأتيه من حسَن بقولنا: زاد عمّن كان، أو فضَلا
وأبلج من بني العبّاس أوسعَنا جودًا، زَوَى وصفُه التَّشبيبَ والغَزَلا
[ ١١٣ ]
فكلَّما خطَرت في خاطر كِلفٍ حسناءُ، حايدَ عنها الشِّعرَ، فانعزلا
وكلَّما جاوز المنطيقُ غايته في القول، أيقن بالتَّقصير، فانخزلا
معظَّم، جازت الأهواءُ دولتَه، وأوضحت، لاِنقيادِ الأنفُس، السُّبُلا
فالأرض تعنو ومَن فيها لطاعته وكلُّ جودٍ، يُلبّيه، وما حملا
لو استطاعت أقاصيها، إِذَنْ جمعت لوطئه خدَّها فخرًا إذا انتعلا
يسنتشق التُّرْبَ ملذوذًا لعَقْوَتِه كأنَّما فُتَّ فيه المسكُ أو قُتِلا
إليك يا خيرَ مَنْ مُدَّت إِليه يَدٌ، يدًا، لها شرف في مدّها وعُلَى
رأك باسطها الأَوْلَى بدعوته حقًّا، فلم يَأْلُ إِذْ ناداك أو سألا
قد جُدتَ بالمال من قبلِ السُّؤال بلا مَنٍ، فسنَّ عليه الفخر والحُلَلا
مَلابسٌ، تُبهجُ الدُّنيا، وسابغُها عليه يبقى جديدَ الفخرِ لا سَمَلا
تظَلّ تعلو على الأعناق، من شرف بها، ويسمو إليه الطَّرْف إِنْ رَفَلا
من الحِسان اللواتي لا يفوزُ بها إِلا الأفاضلُ، من جَدْواك، والنُّبَلا
ودُمْ، نهنّيك بالنًّعمى التّي سبغت على الورى، وتَلَقَّ العيشَ مقتبلا
فأنت للأرض ممَّنْ فاتَها بدلٌ، فلا رأتْ منك يا خيرَ الورى بدلا
وله مما أنشدني أخوه الشريف قطب الدين، أبو يعلى، بن الأقساسي رحمهما الله تعالى:
جاد الزمان، فلولا ما ابتدأتَ به كنّا حِسبنا الَّذي جاؤوا هو الكرمُ
حتّى أتيتَ بمعنى غيرِ مُنْتَحَلٍ في الجود، لم يأتهِ عُربٌ ولا عجَمُ
لولا اقتفاؤك فيما جئتَ من كرم لمَا علِمنا المعاني كيف تنتظم
ابن الناقة الكوفي أبو العباس، أحمد، بن يحيى، بن أحمد، بن زيد، بن الناقة. من أصحاب الحديث العالي. من أهل الكوفة. عاش من بعد سنة خمسين وخمس مئة.
وله شعر، قرأته من تاريخ السمعاني بخطه، قال: أنشدنا لنفسه ب الكوفة:
إِذا ما انتسبت إلى دِرْهَم فأنت المعظَّمُ بينَ الورى
وإِمّا فخَرتْ على معشرفبالمال إِن وهو علم العلم وعلامة الدهر، وذكاء الذكاء وذكي النشر. كنا نظمأ إلى سماع نظمه، ونؤثر تيمم مشرعه من يمه، إلى أن سمعنا مجد العرب، العامري يقول لقيته ب الأنبار في عنفوان شبابي، ولا يمكن أن يلحق أحد بطبقته. وأنشد لنفسه
أظما، وغُدرانُ المَواردِ جَمَّةٌ حولي، وأسغَبُ، والمطاعمُ دوُني
وأعافُ أدوانَ الرِّجالِ، فإِنّه لا يرتضي بالدُّون غيرُ الدُّونِ
لا الفقرُ يَخفِضُ من تسامي ناظري فيَغُضُّ منه، ولا الغِنَى يُطغيني
هذا البيت، أنشدنيه ب بغداد الرئيس أبو الفتح، نصر الله، ابن أبي الفضل، بن الخازن.
وأنشدني الأديب مفلح، بن علي، وذكر أنه مطلع هذه القصيدة:
وهواكِ حِلفةَ مغرمٍ مفتونِ وجفاك أصدق حالف ويمينِ
َلأُكَلِفَنَّ الوجدَ نقضَ جوانحي وأُكَلِّفَنَّ الدَّمعَ نفضَ جُفوني
ول أبي سعيد، أحمد، بن واثق، الأنباري، وقد أبدع فيهما:
شكَرَتْك عنّي كلُّ قافية تختالُ بينَ المدحِ والغَزَلِ
فلقد ملأتَ بكلّ عارفة كفَّ الرِّجاءِ وناظرَ الأمَلِ
وله:
إِما ترى غَرْبي سِجالًا في الصِّبا فِرشاؤها بيد العقاب متينُ
ولقد أُفلُّ الخَطْبَ وَهْوَ مُصَمِّم وأُلِينَ عِطفَ الدَّهرِ وَهْوَ حَرُونُ
بمُسَلَّطِ السَّطَوات، حيثُ دعوته خفَّتْ به العَزَماتُ وَهْوَ حَرُونُ
عرَّفْتَني عِزَّ الغِنى، فكأنَّني لم أدرِ ذُلَّ الفقر كيف يكونُ
وله:
وقد زعَمُوا أَنّي وعدت بزَوْرة من الطَّيْف تأتي والصَّباحَ على قَدْرِ
[ ١١٤ ]
فقلت لهم: ما ذاك إلا بأَنْ نمى إلى علم لَيْلَى أَنَّ لَيْلِي بلا فجرِ
وله:
في كلّ مضطَرَب، للمرء مكتَسَبٌ وللمطالب بابٌ غيرُ مسدودِ
ومنها:
جاورتُه، فازدريتُ الليثَ ممتنعًا ببأسه، وذمَمْتُ الغيثَ في الجودِ
خلائقٌ منه، ما تنفكُّ طيّبةً، إِنَّ الخلائقَ عُنوانُ المواليدِ
وأنشدني الرئيس أبو القاسم، عبد الله، بن علي، بن ياسر، الأنباري قال: أنشدني ابن واثق لنفسه:
يُهدي الكَرى لعيون النّاس ليلُهمُ والليلُ يَنْفي الكَرى عنّي ويطرُدُهُ
إذا سُهادُ جُفوني باتَ يَبْعَثُه إلَيَّ ليلي، فقل لي كيف أرقُدُهُ؟
وأنشدني له:
لو كان غيرُ رُضابِه خمري يا عاذِلي لصحوتُ من سُكري
أبو طاهر بن أبي الصقر الأنباري من الطبقة الأولى في العصر: شيخ من أصحاب الحديث. روى عنه الحافظ أبو الفضل، بن ناصر. ومات سنة ست وسبعين وأربع مئة.
وله:
نفسُ، كوني ذات خوفٍ واتِّقاءٍ واجتناب
لا تظُنّي النّاسَ ناسًا أَيُّ أُسْدٍ في الثَّيابِ
أبو نصر مواهب بن يحيى بن المقلد الربعي الهيتي فاضل فقيه، نبيل نبيه، معروف وجيه.
ذكره السمعاني في تاريخه، وقال: كتب عنه رفيقنا أبو القاسم الدمشقي أبياتًا من شعره وقت انحداره إلى بغداد، ورواها لنا، وهي:
إذا ما هبَّ هِيتَ النَّسِيمُ تذكَّر مغرم بكمُ يَهيمُ
وإنْ برقٌ تألَّق من ذَراها تجدَّد عندَه العهدُ القديمُ
على مَنْ ب الفُرات أقام، منّي سلامٌ، ما تلألأت النُّجومُ
وما فارقتُها لِقِلىّ، ولكنْ تأَوَّبَني بها الزَّمنُ الغَشُومُ
ولم أطلُب بها عِوَضًا، ولكنْ إذا عُدِم الكَلا رُعِي الهَشيِمُ
سقى الله الفُراتَ وساكنيه وطيبَ ثَراه وَبْلًا لا يَرِيمُ
وحيّا حَيَّ بِسطامِ بْنِ قَيس ففي أبياته قلبي مقيمُ
أَحِنُّ إلى التّي أَصْمَت فؤادي فأَصبحَ والغرامُ له غَرِيمُ
رمتني من لواحظها بسهم أُصيبَ به من لقلب الصَّميمُ
فما أنا، ما حَيِيتُ، لها بسالٍ ولا في التُّرْب إذْ عظمي رَميمُ
الأديب أبو الفرج محمد بن الحسين بن خليل الهيتي لقيته بباب دكان أبي المعالي الكتبي، في سنة خمسين وخمس مئة، وكان كهلًا، للثناء أهلًا. وذكر أنه أكثر من خمسة وعشرين ألف بيت، وأنه صنف مقاماتٍ. واستنبطته، فوجدت فيه أدبًا وفضلا، وأنشدني مما نظمه أبياتًا، ومما نثره فصلا.
أنشدني لنفسه من قصيدة:
أمُغْرىً بالمَلال، دَعِ المًلالا فمَنْ يُدِمِ السُّرَى يَجِدِ الكَلالا
وإن تَكُ غيرَ مَنّانٍ بوصل فزُرْ بخَيالك الدَّنِفَ الخَيالا
وله:
وحُرِمْتُ طِيبَ العيش يومَ سرت بهم خيلُ الصُّدورِ بنِيَّة الهجرِ
ولبِست ثوبَ تجلُّدي زمنًا خوفَ الوُشاةِ، فخانني صبري
وله:
يا راقدًا أَسهرَ لي مُقلةً عزيزةً عندي وأبكاها
ما آنَ للهِجْرانِ أن ينقضي من مُهجةٍ هجرُك أضناها
إِن كنت لا ترحَمُني، فارتقبْ ، يا قاتلي، في قتليَ، الله
وله:
إِذَنْ عَوِّضِي حُسنَ الثَّناء وأَجْمِلي فذاك لَعَمْرِي فُرصةُ المتعوّضِ
وجُودي بموجود، فإنَّ قُصَارَهُ إلى اَجَل يُفضي إليَّ وينقضي
أبو الخير المبارك بن نصر بن مسافر الحديثي أورده السمعاني في تاريخه، وقال: شيخ من أهل الحديثة. له معرفة بالأدب واللغة. ويقول الشعر. ورد علينا بغداد، وأنشدني لنفسه من قصيدة:
أنارَ نهارُ الشَّيب ليلَ شبابي وطيَّرَ بازيُّ المشيبِ غُرابي
وزايَلَني شَرْخُ الشَّباب وطِيبُه، وطاوعتُ عُذّال، وقلَّ عتابي
[ ١١٥ ]
ومنها:
فيا رُبَّ يومٍ قد لَهَوْتُ بغادة منعَّمةٍ، غَرْثَى الوِشاحِ، كَعابِ
أَناةٍ، يُضيءُ البيتَ لألاءُ وجهِها ولو سترت من دونه بنِقابِ
لها جِيدُ أَدْماءِ المُقَبَّلِ مُغْزِلٍ ووجهٌ كبدر التَّمِّ غيرُ مَعابِ
فيا لكَ لهوًا في عَفاف لَهَوْتُه ولم تُدنس الفحشاءُ طِيبَ ثيابي
ويا رُبَّ خَرْقٍ قد قطَعْتُ نِياطَه بوَغْلٍ جِيادٍ أو بِنَصِّ رِكابِ
وما شِبْت من عمر طويل، فهذه سِنِيَّ، وهذا إن شككتَ حسابي
ولكنْ رماني الدَّهرُ منه بأَسْهُم شقَقْنَ فؤادي قبل شَقِّ إِهابي
فقلتُ، وقد أَصْمَيْنَ رَشْقًا مَقاتلي: أَهذاك دابُ النّائباتِ ودابي؟
قال: وتوفي في شعبان سنة ثلاثين وخمس مئة، بعد أن كتبت عنه الأبيات بيسير.
ابن زكرويه الأنباري هو الحسن، بن محمد، بن زكرويه. من شعراء الأيام المقتدية.
قرأت في ذيل التاريخ ل ابن الهمذاني، في حوادث سنة ثمانين وأربع مئة، ل ابن زكرويه، الأنباري، يمدح نظام الملك، ويهنئه عند عوده في السنة المذكورة من زيارة المشهدين ب الكوفة والحائر على ساكنيهما السلام، قصيدة، منها:
زُرتَ المَشاهدَ زورةً مشهورةً أرضت مَضاجعَ مَنْ بها مدفونُ
فكأنّك الغيثُ استمدَّ بتُرْبها وكأنّها بك روضةٌ ومَعِينُ
فازت قِداحُك بالثَّواب، وأنجحت ولك الإِلهُ على النَّجاح ضَمينُ
وله في هذه السنة، وقد خلع الإمام المقتدي على السلطان ملك شاه، وتوجه للإمامة:
هنيئًا للإمامة ما أرتنا من الآيات في السُّوَر الفِصاحِ
وحسبُ جلالِ دولِتها جلالًا وشائحُ هذه الرُّتَبِ الفِساحِ
لقد توَّجْتَ مَفْرِقه بتاج يُقيم على الزَّمان بلا بَراحِ
فحلَّ نهايةَ الشَّرَف المُعَلَّى ومازجَ صفوةَ الفخر الصُّراحِ
وقرأت في مجموع شعراء عميد الدولة، أبي منصور، محمد، بن محمد، بن جهير فيه، ويهنئه بالعود إلى الوزارة:
أبى الله إلا أن يُعِينَ بك الهدى وإنْ رُغم الحُسّادُ أو كرِه العِدا
سعدت، عميدَ الدَّوْلَتينِ، بأَوبة إلى رتبة، مَدَّتْ إلى يدك اليدا
ولو لم تكن موعودةً بك، غالَها ال لإِراقُ، وأبلاخا الحنينُ وأكمدا
فدُونَكَها مسرورةً بك، أقبلت تَهادَى جلالًا لا يُبارَى وسوددا
وها هيَ قد ألقتْ مَقاليدَ أمرِها إلى أمرك الأعلى، هَوىً وتَوَدُّدا
وكم كُلِّفتْ عنك السُّلُوَّ، فزادها اشْ تِياقًا، وأذكى وجدَها فتوَقَّدا
ومنها:
ولمّا تبدَّت همّة تَغْلِبِيَّة، وعزم أقام الحادثات وأقعدا،
تشوّفتِ الأخبار عنك، مَشُوقةً إليك اشتياقَ الرَّوْضِ حَنَّ إلى النَّدَى
ومادت ب زَوْراء العِراقِ مَخاوِفٌ إذا ما رآها الثّابتُ الجَأْشِ عَرَّدا
فلو لم تَصِلْها عائدًا، لم تَجِدْ بها سريعًا إلى الدّاعي ولا متأيّدا
قدِمتَ عليها، مستهّلًا بنائل نفى بنَدِاه جَدْبَها المتوقّدا
أبو الحسن علي بن جد الهيتي ﵀.
له في مدح الإمام المستضيء بأمر الله، ويصف هيت، ويشكو أهلها، ويذمهم:
مَنازلُ هِيتٍ لا يوافقُها العدلُ إذا عدَل السُّلطانُ، جار بها الأهلُ
وما هيَ إلا بلدةٌ جاهليّة أَمَرَّت على مَرّ الزَّمانِ فما تحلو
تجمَّع أهلوها على الخُلْف والجَفا وبينَهما أخذُ الحرائبِ والقتلُ
قلوبُهمُ من جَنْدَلٍ وصفائحٍ خُلِقن، وما في العالمين لهم شَكْلُ
وأَيمانُهمْ غدرٌ إذا حلفوا بها، وقولُهمُ نُكْرٌ، ووعدُهُمُ مَطْلُ
[ ١١٦ ]
وإِن عُوتبوا فالعتبُ فيهم مضيَّعٌ وإِن عُذِلوا يومًا فما ينفَعُ العَذْلُ
أرى شيمتي تأبى بلادي وأهلَها فيا ليتَ أَنّا لم يكن بينَنا وصلُ
وأُقسِمُ لولا بِنتُ عمٍّ شفيقةٌ إذا غِبتْ عنها، نالها منهم ثِقْلُ،
لأَبْعدتُ أسفاري، وفارقتُ منزلي، ولم يَثْنِني كَرْمٌ بأرضي ولا نخلُ
وخُذْ بيميني، إِنّنا شَرُّ جَِبْلَةٍ وما إِنْ لنا دِينٌ يَزينُ ولا عقلُ
خُلِقنا بلا حِلم، ولا علمَ عندَنا، وإِنّا أناسٌ قد أضَرَّ بنا الجهلُ
ولولا أميرُ المؤمنينَ وحلمُهُ لَحَلَّ بنا من قبحِ أفعالِنا نكْلُ
ولكنّه عمَّ البَرايا بعدله فأمسى له في كلّ مَكْرُمَة فعلُ
وأحيا به الأرضَ المَواتَ، وقد غدا لكلّ أَخي عُدو بأرجائها أُكْلُ
وإنَّ الإِمامَ المستضيءَ فتى العلى هو الرُّكنُ للإسلام والفرعُ والأصلُ
إِمامٌ، به دَسْتُ الخِلافة مُشرقٌ أضاءت به الآفاقُ والمُدْنُ والسُّبْلُ
مطيعٌ لأمر الله في الجهر والخَفا سميعٌ إذا ناداه عانٍ به كَبْلُ
تواضع للرَّحْمن خوفًا وخَشيةً وتابعَ ما قال النَّبِيُّونَ من قبلُ
حمى حَوْزَة الإسلامِ من كلّ ظالم فلا ناصرٌ يُجْبَى بأرض ولا جَفْلُ
هو العَلَمُ الفردُ الَّذي يُقْتَدى به إذا اختلف الأقوامُ في الأمر أو ضَلُّوا
وقد سار فينا سِيرةً عُمَرِيَّةً فأربى على كِسرى، فسيرتُه عدلُ
وفاق على كلّ البَرِيَّة فعلُه فليس له فيهم نظيرٌ ولا مِثلُ
جَبَرْتَ البَرايا يا ابنَ عمِّ محمَّد وسِرت بإِنصاف كما سارت الرُّسْلُ
وكنتَ على الإسلام وجهًا مُبارَكًا وأضحى بأرضٍ أنت مالكها الوَبْلُ
الرئيس أبو علي يحيى بن محمد بن الشاطر الأنباري أنباريٌّ: أنبأ رائيه، أنه عز في زمانه من يباريه. إن باراه سحبان، قال: سبحان باريه.
مقصد مقصده سليم، ومنهجه قويم. مقطع كأنه مقطع ديوان المعاني، بل ناظم لعقود هي قلائد المعالي لا الغواني.
أسلوبه مطلوب، بالأرواح مسلوب. ومذهبه محبوب، بالقلوب منهوب. معناه شائق، ولفظه رائق، ونظمه فائق، ولفظه بالمعنى لائق.
أنشدني الرئيس أبو القاسم، عبد الله، بن علي، بن أبي ياسر، الأنباري، في الديوان العزيز - مجده الله - ب بغداد، في شهور سنة سبع وخمسين وخمس مئة، قال: أنشدني ابن الشاطر لنفسه، وهي كلمة خالية من النقط غير معجمة، مطرزة بالحكم حالية معلمة، سلمت من التكلف، وخلصت من التعسف، لا يتفق لأحد مثلها في فنها، وسلامتها وحسنها. وهي:
صارِمْ ملولًا كَدِرًا وُدًّهُ ودُمْ لأهل الوُدِّ ما دامُوا
وأَعطِ أموالَك سُؤّالَها ولو لَحى الحُسّادُ أو لامُوا
وحَصِّل الحمدَ. ألا، كلُّ ماحُصِّل إلاّ الحمدَ، إِعدامُ
السُّؤدَدُ المالُ، ولولاه ما رامَ أُولُو الأحوالِ ما رامُوا
أولادُ حَوّاءَ وِهادٌ، ولو سادُوا، وأهلُ العلمِ أَعلامُ
ما أمدح المرءَ، ولم أَدرِ ما أسرارُه، واللهُ علاّمُ
ما مَسَّ حُرَّ الأصلِ عارٌ، ولو علاه أَسْمالٌ وأَهْدامُ
كم صارمٍ، محمُله دارسٌ وهو حُسامُ الحدّ صَمْصامُ
كم وَرِعٍ، حَسَّر أَكمامَه للمكر، وَهْوَ الصّادُ واللام
وأنشدني له:
إذا ما ألَمَّتْ شِدَّة، فاصطبِرْ لها فخيرُ سلاحِ المرء في الشِّدَّة الصَّبْرُ
وإِنّي لأَستحيي من الله أَنْ أُرَى إلى غيره أشكو وإِنْ مَسَّني الضُّرُّ
[ ١١٧ ]
عسى فَرَجٌ به الله. إِنَّه له كلَّ يوم في خَلِيقته أمرُ
قال: وتوفي رجل من بلده، فكتب على تربته:
يا واقفين بنا، ألم تتَيقَّنُوا أَنَّ الحِمامَ بكم علينا قادمُ؟
لا تستغرُّوا بالحياة، فإِنَّكم تبنونَ، والموتُ المفرِّقُ هادمُ
لو تَنزِلونَ بشِعبنا، لَعَرَفْتُمُ أَنَّ المفرِّطَ في التَّزَوُّد نادمُ
ساوَى الرَّدَى ما بينَنا، فأحَلَّنا حيثُ المُخَدَّمُ واحدٌ والخادمُ
الأديب أبو المظفر مفلح بن علي بن يحيى بن عباد الأنباري من شعراء الدولة المستنجدية. وقد مدح المقتفي أيضًا، رحمه الله تعالى.
ذكر أنه من كلاب، بن ربيعة، بن عامر، بن صعصعة، بن معاوية، بن بكر، بن هوازن.
وكان خصيصًا بالوزير عون الدين، بن هبيرة: يصلي به في السفر والحضر، ويتولى له أخذ الزكاة من غنم الخالدية، وهو عامل المنثر، وأكثر شعره فيه.
فلما توفي الوزير، ونكب جماعته، رقي عنه أنه نظم شعرًا يعرض فيه ببعض الصدور، فأخذ وحبس في حبس الجرائم، وعوقب مرارًا، وأخرج ميتًا بعد سنة من حبسه يوم الاثنين ثاني عشر شعبان سنة إحدى وستين وخمس مئة.
كان أديبًا فصيح اللهجة، مليح العبارة، يتبادى في إنشاده وإيراده، ويسلك أسلوب العرب.
ذكر أنه كان معلمًا للأدب قبل اختصاصه بالوزير.
فمما أنشدنيه لنفسه، من قصيدة يمدح فيها الوزير عون الدين، سمعته ينشد الوزير ثانيًا سنة سبع وخمسين وخمس مئة:
أثَغْرُكِ ثغرُ الأُقْحُوانةِ، أم دُرّ؟ ُ؟ وأَرْيٌ بفِيكِ الباردِ العَذْبِ، أم خمرُ؟
وصبحٌ بدا في جنْح ليلِ ذَوائبٍ، أمِ الشَّمسُ من تحت السِّجاف، أمِ البدرُ؟
وماذا الَّذي أدمى صحيفةَ خدِّها؟ أَلَحِظْي بها، أم دَبَّ من فوقِها الذَّرُّ؟
وما أثَرٌ فوقَ التَّرائبِ بَيِّنٌ؟ أَلِعقد لَمّا جال من فوقها إِثْرُ؟
أَناة من البِيض العِفاف، نِجارُها من العُرب يَنْمِيها غَزِيَّةُ أو عَمْروُ
إذا الحَضَريّاتُ النَّواعمُ أشرقتبهِنّ وقد مِسْنَ الرُّصافةُ والحَسْرُ،
سَنَحْنَ لنا ما بينَ فَيْدَ وحاجِر ظِباءَ نَقًا، يُزْهَى بها الضّالُ والسِّدْرُ
يَمِسْنَ كأغصان من البان هَزَّها نسيمُ الصَّباحِ فَهْيَ مَجّاجةٌ خُضْرُ
تقسَّم قلبي ب العُذَيْب وبانِهِ كواعبُ، لا نهيٌ عليها ولا أمرُ
فلا أجرَ إلا في مُعاناة هَجرها ولا وِزْرَ إلاّ في الَّذي ضَمَّت الأزْرَ
ومنها:
ومَرْت، كظهر التُّرْس، زِيَزْاء مَجْهَل تَتِيهُ به، من دَرْس أعلامِها، السَّفْرُ
ومنها:
وليل، عَطَطْنا ثوبَه بقَلائص هِجانٍ، يُنَزِيّها التَّحَلْحُلُ والزَّجْرُ
إذا انقضَّ فيه النّجمُ، آنسَ قلبُه من الفجر قُربًا، فاستطارَ به الذُّعْرُ
أكان له بالفجر أقربُ نسبةٍ فصالَ عليه؟ أم له عندَه وِتْرُ؟
فلمّا نَزَلْ نَفْرِي حُشاشةَ قلبِه إذا ما خلا قفرٌ يعارضُنا قفرُ
إِلى أنْ سمت خيلُ الصَّباحِ، فكشَفت أَدانيه عن قُطر، ورِيعَ لها قُطرُ
كأنَّ ابيِضاضَ الفجرِ في أُخْرَياته مواهبُ يَحْيى، أو خلائقُه الزُّهْرُ
فتى، أَنْشَرَ العلياءَ من بعدِ موتِها فعادَ لها من بعدِ ما طُوِيت نَشْرُ
وجدَّد أيّامًا من العدل أخلقت فعادَ لها من بعدِ نسيانها ذِكرُ
بطلعته تَثْني الخطوبُ نواكصًا، وتستبشرُ الدُّنيا، ويستنزلُ القَطْرُ
أغَرُّ، تخالُ البِشرَ في قَسَماته وَمِيضَ حُسامٍ راق قي مَتْنه أَثْرُ
وأعنقَ في سُبْل العلى وأخافَها فمسلكها صعبٌ على غيره وَعْرُ
ومنها:
[ ١١٨ ]
يجودُ بما تَحوِي يداه لوَفْده ويطلُبُ منهم أن يُقامَ له العذرُ
وما وَفَرت يومًا مَحامدُ سيّدٍ من النّاس حتى لا يكونَ له وَفْرُ
ومنها:
يَزِيدُ على كُثْر الوفودِ سماحةً فتىً، عُذرُه قُلٌّ، وأنعُمه كُثْرُ
يَبِيتُ، إذا ما نامَ ماليءُ بطنِه، أخا هِمَم يَسْري وصَيْقَلُها الفكرُ
لإِعمالِ رأيٍ صائبٍ غيرِ فائلٍ فيُفْتَحُ فتح، أو يُسَدّ به ثَغْرُ.
وإِمّا نَحَتْ أبناءُ فارِسَ أرضَنا كتائبَ للهيجاء ضاق بها البَرُّ،
رماهم بآسادٍ، مَعاقلُها القَنا، وأَغيالُها البِيضُ اليَمانِيَةُ البُتْرُ
نَضاهُنَّ بِيضًا، أخلصتها قُيُونها صِقالًا، وشِيمت وَهْيَ من عَلَق حُمْرُ
إذا ذمَّها قومٌ، لسوء صنيعِها بهم، فسِباعُ الوحشِ تَحْمَدُ والنَّسْرُ
وكانت طُلوعَ الشّمس بِيضًا وجوهُهم فما غَرَبَتْ إلا وأوجُههم صُفْرُ
فما انتظمت أشتاتُ عدل تفرَّقت إلى أن غدوا قَسْرًا ونظمهمُ نثرُ
وما ابيضَّ وجهُ الحقّ بعدَ اسوِدادِه فأشرق، حتّى احمرَّتِ البِيضُ والسُّمْرُ
وما صحَّتِ العلياءُ بعد اعتلالِها حَنانَيْكَ حتّى صارَ في الزَّمنِ الكسرُ
وما افترَّ ثَغْرُ الدِّين بعدَ بكائه إلى أن بكى من وجه أعدائه ثَغْرُ
وما مَلأَت أيدي الوفودِ رغائبًا يمينُك إلا وَهْيَ ممّا حوت صِفرُ
أرى البحرَ ذا مَدٍّ وجزرٍ يَشِينُه فلِلّهِ بحرٌ لا يكونُ له جَزْرُ
فتىً، لو أصاب السَّدَّ صائبُ عَزْمِه دَحَاه، فلم يمنَع حديدٌ ولا قِطرُ
إذا ما جرى في حَلْبَة الفخر مُعْنِقٌ جريتَ الهُوَيْنَى واقفًا ولك الفخرُ
فكان لك الباعُ الطَّويلُ إلى العلى بأيسرِ ما تسعى، وكان له شِبرُ
وأنشدني له من قصيدة فيه:
سُقم أجفانِك، والسِّحرُ الَّذي صحَّ منها، زادَ شَجْوِي وسَقامي
وفُتورُ العين، لمّا نظرت عَرَضًا، زادَ فتورًا في عِظامي
سارَ قلبي معها إذْ وَدَّعَت فعليها وعلى قلبي سلامي
ظَلَم الكاعبَ مَنْ قال لها، وَهْيَ بَرْدُ العيش: يا بدرَ التَّمامِ
كالَّذي قاسَ نَدَى يحيى، وقد شَمَلَ الخَلْقَ، بمُنْهَلِّ الغَمامِ
ملك. لوا هُداه في الورى خَبَط النّاسُ عَشاءً في ظلامِ
وأنشدني له قصيدة، نظمها فيه، وأنشده إياها في شوال سنة سبع وخمسين وخمس مئة. وهي:
أُخادعُ نفسيَ عن دارها وقد عرفتْ بعدَ إِنكارِها
مخافةَ ذِكر النَّوَى فَجْأَةً فيَبْهَضُها حَمْلُ آصارِها
مضى الشَّكُّ، فاعترفي باليقين وعينَك سحّي بمِدرارها
فقد غلَبت سابقاتُ الدُّموع وجاشت غَواربُ تَيّارِها
فذَرْها، تَبُحْ بهَناتٍ لها وتُبْدِ لهم بعضَ أسرارِها
أَأُبْدي التَّجَلُّدَ من بعدِ ما رأيتُ مَعالمَ آثارِها؟
وما إِنْ أَرَى إِرَمًا ماثلًا بها غيرَ موقدِ أحجارِها
وأقنَعُ بالعَرْف من بانِها وسَوْفٍ، وبالسَّوْف من غارِها
وقوليَ: يا سعدُ عَلِّلْ بها، وزِدْنيَ من طِيب أخبارِها
ومَنْ لي بغفلة حُرّاسِها؟ ومَنْ لي بهَجْعَة سُمّارِها؟
إذا ما بدت بينَ أَتْرابِها ويَعْقِدْنَ مُنْحَلَّ أَزْرارِها،
بدت شمسَ صحوٍ، سَنا نورِها رقيبٌ على هتك أَستارِها
كأنَّ لَطِيمةَ مِسكٍ، غدت تقلّبُها يدُ عَطّارِها
[ ١١٩ ]
كأنَّ بِفيها، بُعَيْدَ المنام، خَلِيَّةَ شُهْدٍ لمُشتارِها
فيا عجبا من قُوَى قلبِها ومن ضَعفِ مَعْقِدِ زُنّارِها
تَحِلُّ ب فَيْد، وكم للنّوَى تقاضي الخطوبَ على ثارِها
وجاور أهلك أهل العِراق وشَتّانَ دارُك من دارِها
تقضَّى الشّبابُ وأَيّامُه وقلبي مُعَنّىً بتَذْكارِها
وإِنّي لأَرْجو، على نَأْيِها وما فاتَ من رَجْع أَسمارِها،
أَمُرُّ طليقًا بوادي الحِمى وترمُقُ ناري سَنا نارِها.
وكم من طروبٍ ب نجد. وما جَنَى من جَناها وأشجارِها،
ولا شمَّ نفحة جَثْجاثِها، ولا راقَه حسنُ أزهارِها،
فكيف بمَنْ قد قضَت نفسُه بأَرْبُعِها بعضَ أوطارِها؟
وكيف بمَنْ لم يَزَلْ قومُه حُماةَ رُباها وأَغوارِها؟
يظُنُّ الهَزار بأرض العِراق مُجاوبَ صوتِ خشنشارِها
قَمارِي النَّخيلِ وأَطيارُه يرنّحُها بَرْدُ أسحارِها
كأنَّ البلابلَ شَرْبٌ، حَسَتْ دِهاقًا بكاساتِ خَمّارِها
إذا لم تكن زينب في زَرُودَ فلا سُقِيَتْ صَوْبَ أَقطارِها
ولا عَمَرتْ أربُعٌ بالحِمى إذا فارقتُ أمُّ عمّارِها.
ويَهْماءَ، ليس بها مَعْلَمٌ، يَتِيهُ الدَّليلُ بسُفّارِها
تجاوزتُها، ومعي فِتيةٌ تُراعي النُّجومَ بأَبصارِها،
على ناجياتٍ، كمثل القِسِّيِ، يباشرُها طول تَسْيارِها
تُسابقُ فُرّاطَ كُدْرِيّهِا فتحسو بقيَّة أسآرِها
تُخالُ، وقد طال إِسآدُنا بها سُجَّدًا فوقَ أكوارِها،
حَنايا، ونحن لها أسهمٌ ونجدٌ رَمِيَّةُ أوتارِها
فآضت وجوهٌ كمثل الوَذِيلِ، تُحاكي الحُلُوكةَ من قارِها
فآوت إلى ظِلّ مأوى الضَّرِيكِ وحطَّتْ به ثِقْلَ أَوزارِها