الأسدي الخزيمي الدمشقي المعلم سألت بدمشق سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، عند شروعي في إتمام هذا الكتاب، عمن بها من الشعراء وذوي الآداب، فذكر لي فتيان منهم فتيان، معلم الصبيان، وهو ذو نظم كالعقود، وشعر كمجاج العنقود، ومعنى أرق واصفى من معين العذب البرود، ولفظ أنمق وأشهى من وشي البرود. وأنفذ إلي مسودات من شعره ونفاثات من سحره، فكتبت منها ما يروق الأسماع، ويشوق الطباع. فمن ذلك:
نَوْحُ الحَمامِ الوُرْقِ في أَوْراقِها دَلَّ أَخا الشوق على أَشواقِها
فأَظهَر الدَّمْعَ وأَخفى زَفْرةً خاف على الباناتِ من إِحراقها
لو بَكتِ الوُرْقُ ببعض دَمْعِه لامَّحَتِ الأَطواقُ من أَعناقها
فاعْجَبْ لها شاكيةً باكيةً لم تَسْلُك الدُّموعُ في آماقها
ما أَفْرقَتْ مُهْجَته من الجوى لكنه أَشْفى على فِراقها
دضعِ العُرَيْبَ والنَّقا وزينبًا تجذِب لِلْبَين بُرى نِياقها
وَعُجْ على دمشق تُلْفِ بلدةً كأَنما الجنّات من رُسْتاقِها
سقى دمشقَ اللهُ غيثًا مُحْسِبًا من مُسْتَهِلّ ديمةٍ دفّاقِها
مدينة ليس يضاهى حُسْنُها في سائر البلدان من آفاقها
تودّ زوراء العراق أَنّها منها ولا تُعْزى إِلى عِراقها
أَهْدتْ لها يدُ الربيع حُلَّةً بديعةَ التَّفْويف من خَلاّقِها
بَنَفْسَجٌ مثل خُدودٍ أُدْمِيَتْ بالقَرْص والتَّجْميش من عُشّاقِها
ونَرْجِسٌ أَحداقه رانِيةٌ عَنْ مُقَلِ الغِيد وعن أَحداقها
تَنَزَّل المَنْثُورُ من رياضها تَنَزُّلَ الأَعلام من شِقاقها
فأَرضُها مِثلُ السماء بَهْجةً وزَهْرها كالزَّهْر في إِشْراقها
مياهُها تجري خِلال رَوْضها جَرْيَ الثعابين لَدى اسْتِباقها
مُسْفِرةٌ أَنهارها ضاحِكة تنطلِق الوُجوه لانطِلاقها
نسيمُ ريّا رَوْضها متى سَرى فَكّ أَخا الهموم من وَثاقها
قد رَبَع الرَّبيع من رُبوعها وسيقت المُنى إِلى أَسواقها
لا تَسْأَمُ العُيون والأُنوف من رؤيتها يومًا ولا استنشاقها
فكم بها من شادنٍ تَحْسُدهُ لِحُسنه البدور في اتساقها
كأَنّما رُضابُه الصهباءُ بلْ مَذاقه أَطيبُ من مَذاقها
وَمِنْ بدورٍ في الخدور لم تَزَلْ كواملًا لم تَدْنُ من محاقها
فأَيُّ أُنْسٍ ثَمَّ لم تلاقِه وأَيَّةُ الراحات لم تلاقها
بعدل فخر الدين قَرَّ أَهلُها عينًا وزاد الله في أَرزاقها
زوَّجَها الأَمْنَ، وناهيك به بَعْلًا، فطيبُ العَيْش من صَداقها
[ ٢ / ٢٧٣ ]
فأَقسَمَتْ لا نَشَزَتْ عنه وقد أَقسم لا مال إِلى طَلاقها
ومنها:
ليس لفخر الدين ندٌّ في الوَغى إِذا الحروب شمرت عن ساقها
تهابُه الأُسود في آجامها وَحَيَّةُ الوادي لَدى إِطراقها
ويخضِب السُّيوفَ باصطباحها من عَلَق النَّجيع واغتباقها
كأَنما أَعداؤه أَحبّةٌ يشتاق في الحرب إِلى اعتناقها
والخيلُ لا تقتحم الموت إذا دارت رَحى الحرب سوى عِتاقِها
سَحَّتْ بجَدْواه سَحاب كَفِّه فخافت العُفاة من إِغراقها
عليه من حُسنِ الثناء حُلَّةٌ قَشيبةٌ لم يَخْشَ من إِخلاقها
ومنها:
أَمضى حسامٍ عقدته الدَّوْلة النّورية الغَرّاء في نِطاقها
أَرسل نور الدين منها شُهُبًا على العِجى لم يثن من إِحراقها
وقال:
رُوَيْدك كم تَجْني وكم تَتَدَلَّلُ عَلَيّ وكم أُغْضي وكم أَتَذَلَّلُ
لَزِمْتَ مَلالًا ما تَمَلُّ لُزومَه فقلبي على جَمْر الغَضا يتَمَلْمَل
وَوَكَّلْتَني بالليل أَرعى نجومَه وأَنت بطول الصَدّ عني مُوَكَّل
ولا غَرْوَ إِن جادت جفوني بمائها إِذا كان مَنْ أهواه بالوَصل يبخل
وقد صار هذا السُّخْط منك سَجِيَّةً فَليْتَكَ يَوْمًا بالرِّضا تتجَمَّلُ
فكُنْ سالكًا حُكمَ الزمان فإِنه يجورُ مِرارًا ثم يَحْنُو فيَعْدل
وقد كان حُسْنُ الصَّبْر من قبلُ ناصري فإِن دام ذا الإِعراض عني سَيَخْذُل
وأَحْزَمُ خلق الله رأْيًا فتىً إِذا نبا منزِلٌ يومًا به يتحوَّل
فكم ملَّ منّي عائدي ومَلَلْتُه وعاصيت في حُبِّيك من كان يعذِلُ
وأَيّامُنا تُطْوى ولا وَصْلَ بيننا وتُنْشَر والهِجران لا يَتَزَبَّلُ
أَرى الحُسْنَ قد ولَّى عِذارك دَوْلَةً ولكنه عمّا قليلٍ سيُعْزل
فأَحْسِن بنا ما كان ذلك ممكنًا وأَجْمِل فقتلي عامدًا ليس يَجْمُل
وقال:
ترنُّمُ الوُرْقِ على غصونها دَلَّ أَخا العِشق على شُجونها
فجاد بالدَّمْع مَعين جفنِه ودَمْعُها لم يَبْدُ من عيونها
دعْ عنك لَوْمَ عاشقٍ أَضْلُعُه تحسّ حرَّ النّار في مضمونها
قد زاحم الوُرْقَ على رَنينها وشارَك النِّياق في حنينها
وقد بكى شوقًا إِلى قرينه كما بكت شوْقًا إِلى قرينها
وليس يبكي فقدَ ليلى أَحَدٌ في عَرْصَةِ الدّار سوى مَجْنونها
أَفدي الذي تفعلُ بي جُفونه فِعْل الظُّبا تُسَلُّ من جُفونها
ما ضَرَّه لو أَصْبحت أَخلاقه كَقَدِّه تُسعفني بلينها
وقال، مما يكتب على خريطة:
يا حاملي لا رأَيتَ الدهر إِقلالا وزادَك الله توفيقًا وإِقبالا
أَعطاك رَبُّك أَموالًا تنالُ بها بين الوَرى من جميل الذِّكر آمالا
الرزقُ يأْتيك والأَعمارُ ذاهبةٌ أَنْفِق ولا تَخْش من ذي العرش إِقْلالا
وقال من قصيدة:
وَمِيضَ بَرْقٍ أَرى في فيك أَمْ شَنَبا وهل رَشَفْتُ رُضابًا منه أَمْ ضَربَا
أَفْدي الذي ما أَبى باللَّحظِ سَفْكَ دمي لكن متى ما طلبْتُ العَطْف منه أَبى
ظَبْيٌ من الترك أَصْمَتْني لواحِظُه وأَسهم الترك إِن أَصْمَتْ فلا عجبا
يبدو بضِدَّيْن في خدَّيْه قد جُمِعا ماء الشباب ونار الحسن فاصْطحَبا
فذلك الماء أَبكى ناظريَّ دمًا وذلك الجَمْرُ أَذْكى في الحَشا لَهَبا
[ ٢ / ٢٧٤ ]
شكا فؤاديَ مِنْ عِبْءِ الهوى تعبًا كما شكا خصْرُه من رِدْفِه تَعبا
يَهُزُّ أَعْطافَه دَلُّ الصِّبا فترى غُصْنًا من البان يثنيه النسيمُ صَبا
يا مُطْلِعَ البدر فوقَ الغُصْن معتدلًا يلوح ما بَيْنَ شُرْبوشٍ وطَوْقِ قَبا
إِعْدِل فإِن رُسومَ الجَوْر قد دَرَسَتْ مُذْ صار فينا مَكينُ الدّين مُحْتَسِبا
ثم سمع فتيان أنني أثبت شعره، وأجريت في الفضلاء ذكره، فقصدني بقصيدته وحضر عندي لزفاف خريدته، وسألني إثباتها في ديوان الفضل وجريدته، فحليته بفريدته. وذلك مما أنشدني لنفسه يمدحني به:
نَعَشْتَ قومًا وكانوا قبْلُ قد دَثَروا لولا عُلاك، فطاب الوِرْدُ والصَّدَرُ
أَحْيَيْتَ شعرهُمُ من بعد مِيتَته قِدْمًا، وقد شعروا قِدْمًا وما شَعُروا
أٌقسمتُ ما رَوْضةٌ مُخضرَّةٌ أُنُفٌ بانَتْ تَسُحّ على أَقطارها القُطُر
ذُبابُها هَزِجٌ، نُوّارُها أَرِجٌ نباتُها بَهِجٌ مُسْتَحْسَنٌ عَطِر
كأَنَّ فاراتِ مِسْكٍ وَسْطها فُرِيَتْ فَنَشْرُها بأَماني النفسِ مُنْتَشِر
شَقّ النسيم على رِفْقٍ شقائقها فضُرِّجَتْ بدمٍ لكنه هَدَرُ
قَثْب الزَّبَرْجَد منها حُمّلتْ صَدَفَ الياقوت، فيها فتيتُ المِسْك لادُرَر
أَحداق نَرْجِسها ترنو فأَدمُعُها فيها تَرَقْرَقُ أَحيانًا وتَنْحَدِر
وللأَقاصي ثُغورُ الغِيد باسمة سيكت بإٍسْحَلَةٍ أَنيابُها الأُشُرُ
تُريكَ حُسنَ سَماءٍ وهي مُصْحِيةٌ والأَنْجُم الزُّهر فيها ذلك الزَهَرُ
تبدو بها طُرَرٌ من تحتها غُرَرٌ يا حَبَّذا طُرَرُ الأَزْهارِ والغُرَرُ
يومًا بأَحسنَ مِنْ خَطّ العماد إِذا أَقلامُه نُشِرَتْ عن حِبْرِها الحِبَرُ
ولا العُقودُ بأَجيادِ العَقائل كالدُّمى فَمُنْتَظِمٌ منها ومنتثِر
على ترائب كافورٍ تُزَيِّنُها حِقاق عاج عليها عاجَتِ الفِكَر
تلك اللآلي تَروقُ النّاظرين فما يَسُومها سأَمًا مِن حسنِها النظر
يومًا بأَحسنَ من نظم العِماد ولا من نثره، فبه ذا العصرُ يفتخر
أَضحت صِعاب المعالي عنده ذُلُلًا تحوي دقائقَها من لفظه الدُّرَرُ
كأَنما لفظُه السِّحر الحَلال أَو الماء الزُّلال النَّقاخُ الطيِّب الخَصِر
شِيبَتْ به قَهْوَةٌ حمراءُ صافيةٌ عُصارُها غَبَرَتْ من دونه العُصُر
ولا السحائب بالأَنداء صائبةً فَجَوْدُها غَدِق الشُؤْبُوبِ مُنْهَمِر
حتى إِذا انقشعت من بعد ما هَمَعَتْ أَثْنى عليها نباتُ الأَرض والشَّجَر
يومًا بأَغْزَر من كَفِّ العماد ندىً فكلُّ أَنْملةٍ من كَفِّه نَهَر
فلِلغمائم تقطيبٌ إِذا انْبَجَست وبِشْرُه دونه عند النَّدى القمر
ما ابن العميد ولا عبد الحميد ولا الصابي بأَحسَن ذِكْرًا منه إِنْ ذُكِروا
ولو يناظره في الفقه أَسعدُ لم يَسْعَد، وأَحْصَره عن نُطْقِه الحَصَر
هذا ومَحْتِده ما إِن يساجِلْه خَلْقٌ إِذا الصِّيدُ في نادي العلى افتخروا
أَصِخْ محمَّدُ إِني جشدُّ معتذِرٍ إِنّ المقصِّر فيما قال يعتذر
يا ابن الكِرام الأُلى سارتْ مكارمُهم حتى تعجَّبَ منها البَدْوُ والحَضَر
راووق حِلْمِك فيها أَنت تسمعه يُبدي الجميلَ وفيه العيب يستتر
وأنشدني لنفسه في غلام شواء:
أَنا في الهوى لحمٌ على وَضَمٍ لِما عايَنْتُ من بَرْحٍ ومن بُرَحاءِ
بِمُشَمِّرٍ عن مِعْصَمَيْه مُزَنَّرٍ يهتَزُّ بَيْنَ التِّيه والخُيَلاء
[ ٢ / ٢٧٥ ]
غَمِر اللِّباس، متى بدا لك وَجْهُه أَبصرتَ فوق الأَرض بَدْرَ سماء
ما مَدَّ مُدْيَتَه لِقَطْع شِوائِه إِلاّ أَرانا أَعجَبَ الأَشياء
ظَبْيٌ لواحِظُه أَشَدُّ مواقِعًا مِنْ شَفرةٍ بيدَيْه في الأَحْشاء
يَسْطو على ما ليس يَعْقِل مثلما يسطو بمُدْيَته على العُقلاء
فاعْجَبْ لِشوّاءٍ فَعالُ جُفونه في الناس ضِعْفُ فعال بالشاء
وأنشدني أيضًا لنفسه:
اقْدَحْ زِنادَ السُّرورِ بالقَدَحِ والمَحْ به ما تشاء من مُلَحِ
صَهْباء قُلْ للّذي تَجَنَّبَها صَهْ، باءَ بالهَمِّ تاركُ الفَرَحِ
وأنشدني لنفسه:
وشادنٍ، صِبْغةُ شُرْبُوشِه في لَوْنها والفِعل، كاللَّهْذَمِ
مُعْتَقِلٌ من قَدِّه ذابلًا ولَحْظُه أَمضى من المِخْذَم
بلا غَرْوَ أَنْ راحَ ومَلْبُوسُه كأَنَّما أصدَرَهُ عن دمي
كأَنَّهُ بدرٌ تَجلّى لنا من شَفَقٍ أَحمرَ كالعَنْدَم